LOGINيقولون إن بعض النهايات ليست سوى بدايات متنكرة، لكنني لم أصدق ذلك يومًا. عندما وقّعت أوراق طلاقي، ظننت أنني أغلقت بابًا لن أعود إليه أبدًا. تركت خلفي زواجًا لم أعرف فيه معنى الزوجة، وحياة امتلأت بأسئلة لم أجد لها إجابة. أقنعت نفسي أن الماضي انتهى، وأن المستقبل لن يحمل سوى ما أصنعه بيدي. مرت السنوات، وتغير كل شيء... إلا القدر. في لقاء لم أخطط له، دخل رجل إلى حياتي بهدوء، يحمل من الوقار والاحترام ما جعلني أؤمن أن الحب قد يمنح الإنسان فرصة ثانية. لم أكن أعلم أن الأقدار تخفي أسرارًا قادرة على قلب حياتي رأسًا على عقب. فأحيانًا، يكون الشخص الذي تهرب منه طوال عمرك... هو نفسه الشخص الذي كُتب لك أن تحبه.
View Moreلم تكن ليان تعلم أن ذلك المساء سيكون آخر مساء تعيشه كفتاة عادية.
أنهت ترتيب الكتب فوق مكتبها الصغير، ثم رفعت رأسها نحو النافذة. كانت أشعة الغروب تتسلل إلى غرفتها، بينما كانت تبتسم وهي تتخيل نفسها بعد أشهر طالبة في الجامعة التي حلمت بها منذ سنوات. قطع صوت والدتها شرودها. "ليان... والدك يريدك في غرفة الجلوس." نهضت وهي تظن أن الأمر يتعلق بنتائج امتحاناتها أو بزيارة أحد الأقارب. لم يخطر ببالها أن مستقبلها كله ينتظرها خلف ذلك الباب. دخلت بهدوء، فتوقفت خطواتها. جلس والدها مطأطئ الرأس، بينما وقف عمها يحدق في الأرض بصمت. وعلى الأريكة المقابلة جلس رجل أنيق تجاوز الخمسين من عمره، تبدو على ملامحه هيبة رجال المال. ابتسم الرجل ابتسامة باردة وقال: "إذن... هذه هي ليان." اكتفت بإيماءة خجولة، ثم جلست بجوار والدتها. ساد الصمت لثوانٍ طويلة، قبل أن يتنهد والدها بصعوبة. "ابنتي... هناك أمر مهم يجب أن تعرفيه." شعرت بانقباض في قلبها. "خيرًا يا أبي؟" لم يجبها، وكأن الكلمات أثقل من أن تُقال. تقدم الرجل الغريب بالكلام بدلًا عنه. "اسمي سامي... وأنا من عائلة الراوي." لم يكن الاسم غريبًا عليها. الجميع يعرف تلك العائلة الثرية التي تمتلك واحدة من أكبر الشركات في البلاد. تابع سامي بهدوء: "جئت اليوم لأطلب يدك لابن أخي." اتسعت عينا ليان، وحدقت بوالدها غير مصدقة. "زواج؟" ظل والدها صامتًا. همست بصوت مرتجف: "لكن... أنا لا أريد الزواج الآن." أخفض والدها رأسه أكثر، بينما قال سامي بنبرة حاسمة: "ستعيشين حياة لا تحلمين بها. مستقبلك سيكون مضمونًا." نظرت إليه بجمود، ثم أعادت نظرها إلى والدها. "أبي... قل شيئًا." أغمض الرجل عينيه للحظة، ثم قال بصوت منكسر: "سامحيني يا ابنتي..." في تلك اللحظة، شعرت ليان أن الأرض انسحبت من تحت قدميها، دون أن تعلم أن القرار الذي اتُّخذ في تلك الغرفة لم يكن من أجل الزواج... بل كان بداية مؤامرة ستغيّر حياتها لسنوات طويلة. ظل الصمت يخيّم على الغرفة، حتى بدا صوت عقارب الساعة أعلى من أنفاس الجالسين. حدقت ليان في والدها بعينين امتلأتا بالدموع. "أبي... أرجوك، أخبرني أن هذا مجرد مزاح." لم يرفع رأسه، واكتفى بفرك كفيه المرتجفتين. تدخلت والدتها أخيرًا، وقد احمرّت عيناها من كثرة البكاء. "ليان... اسمعي والدك أولًا." هزت رأسها بقوة. "لا أريد أن أسمع شيئًا. أريد أن أفهم فقط... لماذا؟" تنهد والدها طويلًا، ثم قال بصوت متعب: "أمرّ بظروف صعبة يا ابنتي." اقتربت منه وجلست عند قدميه. "أي ظروف؟ سنعمل جميعًا، سأترك الدراسة إن لزم الأمر، لكن لا تطلبوا مني الزواج من شخص لا أعرفه." ارتجفت شفتا والدها، لكنه لم يجب. أما سامي فظل يراقب المشهد بهدوء غريب، ثم قال: "ابن أخي شاب محترم، متعلم، ومن عائلة معروفة. لن ينقصك شيء معه." التفتت إليه ليان بغضب. "وهل سألتم إن كنت أريده؟" ابتسم ابتسامة باهتة. "الحياة ليست دائمًا كما نريد." وقفت فجأة، وقد بدأ صوتها يعلو. "أنا لست سلعة حتى تقرروا مصيري!" نهضت والدتها بسرعة وأمسكت بيدها. "اخفضي صوتك." نزعت يدها برفق وهي تنظر إلى والدها مرة أخرى. "هل وافقت بالفعل؟" أغلق عينيه لثوانٍ قبل أن يومئ برأسه ببطء. كان ذلك الجواب كافيًا ليحطم آخر أمل داخلها. شعرت وكأن الكلمات اختفت من العالم، فلم تعد تسمع سوى دقات قلبها المتسارعة. استدار سامي نحو والدها وقال بثقة: "سنعتبر الأمر منتهيًا. سأرسل من يتولى ترتيبات عقد القران خلال أيام." ثم وقف وعدّل سترته، وغادر المنزل بخطوات هادئة، كأنه خرج بعد إتمام صفقة ناجحة، لا بعد أن قرر مصير فتاة لم تبلغ أحلامها بعد. أُغلق الباب خلفه، وبقيت ليان تحدق في الفراغ. همست بصوت مكسور: "حتى اسمه... لا أعرفه." أجابها والدها بعد تردد: "اسمه آدم." كررت الاسم بصوت خافت. "آدم..." كان اسمًا لا يعني لها شيئًا، لكنه منذ تلك اللحظة أصبح مرتبطًا بمستقبل لم تختره، وبحياة لم تكن تتمنى أن تعيشها. رفعت رأسها نحو والدها، وسألت السؤال الذي ظل يحاصرها منذ بداية الحديث: "هل هو موافق على هذا الزواج؟" ساد الصمت مرة أخرى. ثم قال والدها بصعوبة: "نعم... هكذا أخبروني." لكن الحقيقة التي لم يكن أحد في تلك الغرفة يعرفها، أن آدم لم يكن يعلم حتى الآن أن موعد زواجه قد حُدد، وأنه في تلك اللحظة كان يستعد للسفر إلى خارج البلاد، هربًا من زواج لم يختره هو الآخر.دخل آدم وليان إلى المطعم ببطء، وكانت يدها لا تزال داخل يده. وما إن تجاوزا المدخل حتى توقفت ليان للحظة، فقد كان المكان مختلفًا تمامًا عما توقعته. كان المطعم واسعًا وفخمًا، لكن الهدوء الذي يملأه جعله يبدو وكأنه مغلق أمام الجميع باستثناءهما. لم تكن هناك سوى طاولات قليلة موزعة في المساحة الواسعة، ومعظمها خالية، بينما أضيئت المصابيح المعلقة فوقها بضوء دافئ وناعم انعكس على الأرضية اللامعة.في الخلفية، كان عازف يجلس بالقرب من نافذة كبيرة، يعزف ألحانًا هادئة على آلة موسيقية وترية، فتنساب الموسيقى في المكان دون أن تطغى على أصوات الحديث. أما الطاولة التي اختارها آدم، فكانت محاطة بترتيب أنيق من الورود البيضاء والوردية، بينما وُضعت شموع صغيرة بين الزهور، تهتز ألسنتها مع حركة الهواء الخفيفة. رفعت ليان عينيها نحو آدم، ثم أخذت تتأمل المكان بدهشة واضحة قبل أن تقول وهي تشير بعينيها إلى الطاولات الخالية: «أنت قلت إننا ذاهبان إلى مطعم.»ابتسم آدم وهو ينظر إلى وجهها، ثم أجابها بهدوء: «وهذا مطعم.»نظرت ليان حولها مرة أخرى، ثم عادت إليه وهي تض
ظل مالك واقفًا أمام مكتبه، والملف المفتوح بين يديه يحتوي على آخر المعلومات التي حصل عليها. لم يكن بحاجة إلى البحث عن الفاعل، فقد كان يعرف منذ فترة أن إبراهيم الراوي لعب الدور الأساسي في إسقاط عائلة بني سليمان وإيصال شركاتهم إلى الانهيار.لكن شيئًا جديدًا ظهر في الوثائق الأخيرة.لم يكن إبراهيم قد تحرك وحده تمامًا، بل استخدم خلال تلك الفترة مجموعة من الشركات والوسطاء لإتمام الصفقات التي أضعفت منافسيه تدريجيًا. بعض تلك الشركات كانت مرتبطة بشكل مباشر بشبكة أعمال عائلة الراوي، وبعضها الآخر كان يعمل لمصلحة إبراهيم دون أن يظهر اسمه بصورة واضحة.أعاد مالك قراءة أحد التقارير، ثم أغلق الملف ببطء.لم تكن المفاجأة في معرفة أن إبراهيم فعل ذلك، فقد عرف هذه الحقيقة سابقًا، وإنما في إدراكه أن العملية كانت أوسع مما ظن.وقف أمام النافذة الزجاجية، وكانت المدينة تمتد أسفل البرج كبحر من المباني والطرق المضيئة. بقي ينظر إليها دون أن يرى شيئًا منها، بينما كان سؤال واحد يضغط على أفكاره.كيف سيخبر شهد؟كانت شهد زوجته، وكانت عائلة بني سليمان عائلتها التي حاولت إنقاذها بكل ما تملك. أما عائلة الراوي، فكانت عائلة
في الجهة الأخرى من المدينة، كانت الأخبار تنتشر داخل منزل عائلة بني سليمان بسرعة أكبر مما توقعه أحد، فقد وصلت التحويلات إلى الحسابات المطلوبة، وتغيرت الأرقام التي كانت قبل ساعات قليلة تبدو كأنها حكم نهائي على مستقبل العائلة. لم يكن أحد منهم يتساءل عن هوية الشخص الذي أرسل المال، لأن شهد كانت قد أخبرتهم بوضوح أنها ستتحمل الجزء الأكبر من الإنقاذ، لكن ما لم يعرفوه هو أن المال الذي قدمته لم يكن في الأصل من أموالها وحدها.جلس والد ليان في مكتبه القديم، وأمامه شاشة الحاسوب التي ظهرت عليها تفاصيل التحويلات البنكية. ظل صامتًا لوقت طويل، بينما كانت أصابعه تستقر فوق سطح المكتب دون حركة، وكأن عقله يحاول استيعاب حجم المبلغ الذي ظهر فجأة في حسابات المجموعة. كان يعرف ثقل الديون والالتزامات، ولذلك أدرك أن الأموال التي وصلت إليهم لم تكن مجرد مساعدة عابرة، بل كانت كافية لمنح العائلة فرصة جديدة للوقوف على أقدامها.دخل أنس إلى المكتب، وتوقف عند الباب عندما رأى والده يحدق في الشاشة بتلك الطريقة. اقترب ببطء، ثم نظر إلى الأرقام قبل أن يسأل: «هل وصل المال بالفعل، أم أننا نقرأ شيئًا لم يكتمل بعد؟»رفع والده
بقيت ليان صامتة للحظات، بينما كانت أصابعها لا تزال متشبثة بملابس آدم وكأنها تخشى أن يبتعد عنها فجأة. كان خوف الحلم لم يختفِ تمامًا من عينيها، رغم أن كلماته الأخيرة بددت جزءًا كبيرًا من الرعب الذي استيقظت عليه. نظر آدم إليها طويلًا، ثم رفع يده ومسح أثر الدموع عن خدها بحركة بطيئة وحانية. قال بصوت هادئ، بينما كانت عيناه تراقبان كل تغير صغير في ملامحها: «ليان، أريدك أن تنهضي قليلًا، لأنني أريد أن أريك شيئًا مهمًا.» نظرت إليه باستغراب، ثم تركت يده التي كانت تمسك بها، ومسحت عينيها قبل أن تقف أمامه بتردد واضح. مد آدم يده نحو جيب سترته، وأخرج بطاقتين سوداويتي اللون، ثم وضعهما أمامها فوق الطاولة القريبة. نظرت ليان إلى البطاقتين، ثم رفعت عينيها نحوه وهي لا تفهم سبب اهتمامه بهما. قال آدم وهو يشير إلى البطاقة الأولى: «أريدك أن تختاري بنفسك ما تريدينه من هاتين البطاقتين، دون أن تشعري بأنني أفرض عليك شيئًا.» مدت ليان يدها ببطء، ثم التقطت البطاقة الأولى وقلبتها بين أصابعها، قبل أن تنظر إلى الرقم المكتوب عليها. توقفت أنفاسها للحظة، واتسعت عيناها عندما قرأت الرقم الموجود أمامها بوضوح شديد. قالت بده






reviews