Mag-log inلم تستطع علياء أن تتحرك.بقيت تحدق في شاشة المراقبة، وعيناها معلقتان بذلك الظل الذي ظهر خلف باب المكتب.كان شخصًا ثالثًا.لكن من؟اقتربت من الشاشة ورفعت الصوت.لم تسمع سوى همسات متقطعة من داخل المكتب.ثم جاء صوت الطبيب المعجزة:— هل أنت متأكد أنها لن تشك فيك؟أجاب فهد بثقة:— علياء تثق بي أكثر من أي شخص آخر. وحتى لو بدأت تشك، سأجعلها تشك في نفسها قبل أن تشك فيّ.شهقت علياء.وضعت يدها على صدرها.لم تكن الجملة مؤلمة لأنها كشفت خيانته فقط…بل لأنها كشفت أنه كان يعرف نقطة ضعفها جيدًا، واستغلها ضدها.ثم قال الطبيب:— وماذا عن الماضي؟ ماذا لو استعادت كل ذاكرتها؟ساد الصمت.وبعد لحظات قال فهد:— لن أسمح لها بتذكر كل شيء دفعة واحدة.ارتجفت أصابع علياء.— لماذا؟جاء صوت الطبيب:— لأنك تعرف ما سيحدث إن تذكرت أنك كنت أنت من...انقطع الصوت فجأة.تراجعت علياء عن الشاشة.— من ماذا؟!ضربت السماعة بيدها، لكنها لم تسمع بقية الجملة.ثم سمعت فهد يقول:— لا تذكر ذلك هنا.اقتربت علياء من الشاشة مجددًا.كان فهد يفتح درج مكتبه ويخرج منه صندوقًا أسود صغيرًا.وضعه أمام الطبيب.قال:— هذا هو الجزء الأخير من ال
كان الهدوء قد عاد إلى أرجاء القصر، لكن علياء لم تشعر بالراحة للحظة واحدة.وقفت داخل الغرفة السرية، تحدق في الظلام الممتد أمامها، بينما كانت أنفاسها تتردد بين الجدران الحجرية القديمة. كانت قد جاءت إلى هذا المكان بحثًا عن إجابات، لكنها بدأت تشعر أن كل إجابة تعثر عليها تفتح أمامها بابًا جديدًا من الأسئلة.وفجأة...وصل إلى مسامعها صوت خافت.تجمدت في مكانها.أصغت جيدًا.كان هناك شخص يتحدث في نهاية الممر.لم تكن الكلمات واضحة في البداية، لكن نبرة الصوت...اتسعت عينا علياء.وضعت يدها على فمها، وهمست:— «لا... مستحيل.»لقد عرفت ذلك الصوت.كان صوت الطبيب المعجزة.الطبيب نفسه الذي أخبرهم قبل أيام أنه اضطر إلى مغادرة البلاد بسبب عمل عاجل خارج البلاد.تراجعت علياء خطوة.— «لكنه قال إنه سافر... فكيف يكون هنا؟»بدأت الأفكار تتصارع داخل رأسها.هل كان يكذب عليهم؟ولماذا؟ولماذا اختار العودة إلى القصر سرًا؟والسؤال الأخطر...ماذا يفعل في الغرفة السرية؟تقدمت علياء بحذر، وضعت يدها على الجدار حتى لا يصدر حذاؤها أي صوت، ثم بدأت تمشي ببطء شديد.كل خطوة كانت تجعل قلبها يخفق بقوة أكبر.اقترب الصوت.سمعته بو
عادت علياء مسرعة إلى القصر، وكأن شيئًا خفيًا كان يدفعها دفعًا نحو ذلك المكان.لم تلتفت خلفها.تركت فهد ونجلاء هناك، وكل واحد منهما اتخذ طريقه؛ عاد فهد إلى الشركة، بينما رجعت نجلاء إلى قصرها، دون أن يدرك أيٌّ منهما أن علياء كانت على وشك اكتشاف سر ربما ظل مدفونًا لأكثر من نصف قرن.دخلت علياء القصر وأغلقت الباب خلفها.كانت أنفاسها متسارعة، ودقات قلبها تضرب صدرها بعنف.لم تتجه إلى غرفتها، ولم تصعد إلى جناحها، بل سارت مباشرة نحو الجناح الأخير من القصر.كان الممر هادئًا بصورة مخيفة.وصلت إلى مكتب فهد، وأغلقت الباب خلفها، ثم وقفت للحظات تتأمل المكان.تذكرت فجأة ما قالته لها العجوز، وتذكرت كل الأدلة التي ظهرت أمامها خلال الأيام الماضية.اقتربت من دولاب الكتب.راحت تمرر أصابعها فوق الكتب واحدًا تلو الآخر، حتى توقفت عند كتاب قديم ذي غلاف جلدي داكن.سحبته.لم يحدث شيء.أعادته إلى مكانه، ثم دفعته بقوة إلى الداخل.وفجأة...صدر صوت طقطقة خافت.تراجعت علياء خطوة.تحرك دولاب الكتب ببطء، وانكشف خلفه باب ضيق لم تكن تعرف بوجوده.شهقت وهي تقترب منه.— مستحيل...وضعت يدها على المقبض، ثم فتحته.خرجت من خلف
لم تستطع علياء أن تحتفظ بما اكتشفته لنفسها أكثر من ذلك.كانت المعلومات التي جمعتها خلال الأيام الماضية تتزاحم في رأسها بصورة جعلتها تشعر أن خيوط الماضي بدأت تقترب من بعضها أخيرًا، وأن قصر الشامي لم يكن مجرد قصر قديم احترق وانتهى كل شيء فيه.بل ربما كان السر ما زال حيًا... تحت أقدامهم.لهذا اتصلت بفهد وطلبت منه أن يأتي برفقة نجلاء.وبعد وقت قصير، ظهر الاثنان أمامها.نظر فهد إليها بقلق وقال:— ماذا حدث؟ من صوتك في الهاتف شعرت أن الأمر خطير.نظرت علياء إلى نجلاء ثم إلى فهد، وقالت بصوت جاد:— أريد منكما أن تساعداني في حل لغز قصر الشامي... لكن هذه المرة لن نبحث في القصر نفسه، بل في الأرض التي بُني عليها.قطبت نجلاء حاجبيها.— ماذا تقصدين؟أجابت علياء:— أريد أن أعرف أين كانت أرض عائلة الشامي القديمة بالضبط. أريد خريطة المدينة قبل خمسة وخمسين عامًا... وربما أقدم من ذلك.تبادل فهد ونجلاء نظرة سريعة.ثم قال فهد:— أعرف مكانًا يحتفظ بالخرائط القديمة للمدينة.وبعد أقل من ساعة، كانوا جميعًا داخل قسم الخرائط التابع للمدينة.استقبلهم الموظف المسؤول، رجل في منتصف العمر، بدا عليه الاستغراب عندما أخب
لم تستطع علياء أن تنام تلك الليلة.ظلّ الاسم الذي رأته في حلمها يلاحقها، وكأنه كُتب داخل عقلها لا داخل دفتر. كانت ترى أمام عينيها صفحات قديمة تتقلب وحدها، ثم يظهر اسم شخص واحد في منتصف الصفحة، واضحًا بشكل مخيف، قبل أن تستيقظ مذعورة.جلست على طرف السرير، وضغطت كفيها على رأسها.— «دفتر الذكريات...»تذكرت فجأة كلام السيدة العجوز التي كانت تعمل في مطبخ قصر الشامي قبل خمسة وخمسين عامًا.كانت العجوز قد أخبرتها أن بعض الأغراض التي نجت من الحريق الكبير لم تُرمَ، بل جُمعت وحُفظت في أحد المتاحف القديمة في المدينة، لأن القصر كان يحمل تاريخًا عائليًا وسياسيًا مهمًا.قفزت علياء من مكانها.— «إذا كان الدفتر موجودًا فعلًا... فقد يكون فيه الجواب.»ارتدت ملابسها بسرعة، وأخذت حقيبتها، ثم خرجت من القصر دون أن تخبر أحدًا.بعد أقل من ساعة، توقفت سيارتها أمام متحف شهير في قلب المدينة.دخلت مسرعة، واتجهت إلى مكتب الاستقبال.— «أريد أن أسأل عن بعض المقتنيات القديمة التي وصلت إلى المتحف من قصر الشامي.»رفع الرجل الجالس خلف المكتب رأسه باستغراب.— «قصر الشامي؟»— «نعم. قبل نحو خمسة وخمسين عامًا.»فكر الرجل للح
شهقت علياء وهي نائمة، وانتفض جسدها فوق الفراش، كأنها سقطت فجأة في قاع ذاكرة عمرها خمسون عامًا. وجدت نفسها واقفة في الطابق السفلي من قصر الشامي. كان المكان مظلمًا، لا يُسمع فيه سوى صدى أنفاسها وأنفاس امرأة تقف أمامها. نجلاء. كانت ترتدي ثوبها القديم، وشعرها مبعثر، وعيناها ممتلئتان بالدموع والغضب. صرخت علياء: — أنتِ من أخذتِ مكاني يا نجلاء! أنا زوجة فهد الأصلية! أنا التي كان يجب أن أتزوج به! رفعت نجلاء رأسها وقالت بمرارة: — وأنا لم أسرق مكانك يا علياء... أنتِ من دفعتِني إليه. اقتربت علياء منها وصاحت: — أنتِ من هددتِ والدي حتى يبدّل الزوجات! ضحكت نجلاء ضحكة موجوعة. — بل أنتِ من بدأتِ كل شيء. أنتِ من أقنعتِ والدك أن فهد رجل عاجز... أنك قلتِ له: فهد معاق، فهد مشلول، فهد لا يصلح للزواج ولا للحياة الزوجية! ارتجفت علياء. — لأن هذا ما قيل لي! — ومن أخبرك؟ صمتت علياء. تابعت نجلاء: — أنتِ من شوهتِ صورته أمام الجميع. وأنتِ من أقنعتِ والدك بأن زواجي من فهد سيكون أفضل له، ثم أوهمته أن دخولي إلى قصر الشامي سيمنحه ترقية ونفوذًا وأسهمًا. هزت علياء رأسها بعنف. — كا







