Masukاحتضنت فاتن صلاح برفق، وقالت: "أتيت إلى شركة القزعلي لأتدرّب وأطوّر من نفسي، وتعلمت الكثير بمساعدتك. لكني سأغادر الشركة عاجلًا أم آجلًا. صلاح... أتمنى لك أن تصبح أفضل وأقوى، لا أن تبقى دومًا في ظل أحدهم، هل تفهم قصدي؟"كانت تتمنى فقط أن ترى صلاح يتقدّم ويزدهر، وطبعًا، إن كان مصممًا على البقاء، فهي لن تعارضه. لكن الإنسان يسعى دائمًا للأعلى؛ فمن كان بقدرته أن يصل إلى القمم، لماذا يقف عند المنحدرات؟أجاب صلاح بهدوء وحزم: "أفهم. لكن يا فاتن، حياتي كلها مكرّسة للسيد سمير. وسأبذل جهدي لكسب رضا والدك، وإذا لم يوافق في النهاية…"لم يكمل كلامه، إذ صارت ملامح فاتن صارمة وباردة، وقاطعته بجدية: "صلاح، أنت رجل مرّ بالكثير. إذا قال لا، أهذا يعني أنك ستتخلى عني؟"اشتعلت غضبًا، فحين واجها المخاطر معًا، تعاونا وتغلبا على كل شيء. والآن، هل سيتراجع لمجرد رفض والدها؟ لو تخلى عنها، فهذا يعني أن مشاعرهما لا تستحق أن تُذكر!أطبق صلاح شفتيه بهدوء، وقال: "ليس الأمر أنني سأتخلى عنكِ. سأبذل جهدي لكسب رضا والدك وموافقته، لكن إن ظل رافضًا حتى النهاية، فلا يمكنني إجبارك على شيء، لا يمكنني حملك على الزواج بي بالقو
لكن عيني والد فاتن السوداوين بدتا وكأنهما تحاولان اختراق أعماق صلاح، وقال ببرود: "مهما بلغت في عملك، فأنت مجرد موظف عند الآخرين. صلاح، ابنتي تستحق الأفضل بالطبع. لا يمكن أن تظن أنّ مجرد رغبتها في التدريب تجعلها شخصًا عاديًا".كان كلام الأب هادئًا، بلا انفعال ظاهر، لكنه شديد الحدة ويصيب القلب مباشرة.لقد ظل صلاح إلى جانب سمير سنوات طويلة، واحترام الناس له كان من باب تقديرهم للسيد سمير، وأيضًا لمهارة صلاح وكفاءته الفذة. وسمير شديد الصرامة، ولم يستطع البقاء إلى جانبه إلا المتميزون فقط.لكن أمام والد فاتن، بدا صلاح عديم القيمة.لم يغضب صلاح، وقال بهدوء: "منذ لحظة انضمام فاتن إلى العمل، كنت أعلم بهويتها. وهي دخلت هذا العمل بقدراتها الخاصة. إن رأيت يا سيدي أن مهنتي لا تناسبها، فأنا قادر على الانطلاق بمشروعي الخاص. لكن ما أنا عليه اليوم، كله بفضل السيد سمير، ولن أغادر جانبه، ولا أفكر في تغيير الوظيفة".كانت إجابته حازمة وواضحة. بدون السيد سمير، لما كان صلاح على ما هو عليه اليوم. ولو قرر الرحيل، لكان ذلك نكرانًا للفضل.وعلاوة على ذلك، لن يتمكن السيد سمير في الوقت الحالي من إيجاد مساعد آخر يج
منذ الأيام التي واجه فيها صلاح وفاتن المحن سويًا، أصبح رابطهما العاطفي أمرًا واضحًا لا يحتاج إلى كلمات. وبعد أن تأكدت مشاعرهما تجاه بعضهما، أصبحا يتعاونان معًا في العمل.العلاقات بين العشاق تحتاج إلى مسافةٍ متوازنة؛ فلو كانا بعيدان عن بعضهما يشتاق كل منهما للآخر، ولو كانا قريبان جدًا تنشأ الخلافات. لكنهما لم يختبرا أي نزاع، بل عملا جنبًا إلى جنب بانسجام تام. كانا ينجزان المهام معًا، وبعد انتهاء الدوام يتناولان الطعام معًا، ويشاهدان الأفلام، وحتى أحيانًا يذهبان للعمل سوية.شعر صلاح أنه قد كبر، وحان الوقت ليقدم لفاتن وعدًا رسميًا، ليؤكد لها مشاعره ويعكس مسؤوليته تجاهها.قال أحد الحاضرين: "لقد كان مساعد السيد سمير طوال هذه السنوات كأحد أفراد العائلة. وطلبه للزواج في هذه المناسبة، شأن طبيعي، وليس تصرفًا جريئًا أو وقاحة".وأضاف آخر: "المساعد صلاح هو مساعد السيد سمير البارع الذي يعرفه الجميع بكفاءته!"وقالت إحدى النساء: "يا لها من مناسبة مزدوجة السعادة! اليد اليمنى واليسرى للسيد سمير سيتزوجان الآن!""دعونا نبارك للعروسين الجديدين!" تفاعل الحاضرون بالتصفيق والهتاف.كانت لدى صلاح نية بالتقد
لم يكن شهاب قد تكلّم بعد، حتى قالت المرأة: "انظر، إنهم يحيطون بأختك طوال الوقت، ولم يلتفتوا إليك ولو مرَّة واحدة".كانت تلك المرأة ذات نوايا غير صافية.تقدمت شروق وسحبت شهاب بعيدًا، وقالت للمرأة بحزم: "سيدتي، هذا ليس من شأنك، أخت زوجي وزوجها يحبان الطفلين كثيرًا، فارجو ألا تتفوَّهي بالهراء".نظرت المرأة إلى شروق من فوق إلى أسفل، وابتسمت بازدراء، وقالت: "أنت لست سمير القزعلي ولا زوجته، كيف تعرفين ما يفكران فيه؟ الجميع يعلم أنهما يميلان أكثر نحو الابنة، أليس كذلك؟ هل كان هناك كل هذا الاحتفال عندما وُلد شهاب؟ لم أره!"ابتسم شهاب ابتسامة ساخرة وقال: "يا عمة، عدم رؤيتك له، لا يعني أنه لم يحدث. علاوة على ذلك، أنت لست والديّ، فكيف تعرفين إن كانا يحباني أم لا."رفعت شروق إبهامها له بإعجاب وبصمت. لم تستسلم المرأة بعد، وأرادت قول شيء، لكن شهاب سبقها بالرد.رفع شهاب رأسه الصغير، ونظر إلى المرأة بعينيه الكبيرتين وقال: "أعلم أن والديك ربما لم يباليا بك، لذا لديك هذا التفكير، لا ألومك. استغلي هذا اليوم المفرح واشربي الكثير".بعد ذلك، أمسك شهاب بيد شروق وتوجها نحو نور وزوجها.همست شروق لنور بما حدث
كانت شروق تغالب الدموع في عينيها، يختنق الامتنان في حلقها فلا تستطيع صياغته، وكل ما قدرَت عليه هو أن ترتفع قليلًا على أطراف أصابعها لتطبع قبلة خاطفة على خدّ همام. ارتسمت على شفتيه ابتسامة ماكرة، واقترب منها يسأل بصوت منخفض: "قبلة على الخد فقط؟"احمرّ وجهها خجلًا وهمست: "يوجد ناسٌ هنا…"ازدادت ضحكته عمقًا في عينيه، واقترب من أذنها قائلًا: "حسنًا إذًا، تذكري أن تُبادري مساءً كما فعلتِ للتو".لم تعرف شروق كيف ترد عليه، خفق قلبها كطائر مذعور. لكنها نجت من الحرج بوصولهما غرفة الفحص، إذ لم يكن هناك من ينتظر، فطلب الطبيب منها الدخول فورًا.خرجت بعد عشر دقائق، وعيناها محمرّتان. سارع همام إلى الإمساك بذراعها، صوته يفيض قلقًا وهو يقول: "ما الأمر؟"لم تتكلم، بل ناولته ورقة.ظنّ أنها تعاني مشكلة صحية، فأخذ يطمئنها بأنه معها ولن يتركها أبدًا. إلا أنّ دموعها ازدادت، وهمست بصوت خفيض: "انظر إلى النتيجة بنفسك…"كانت الورقة صورة أشعة صوتية، مكتوبًا فيها: حمل لأربعة أسابيع، وكل المؤشرات طبيعية.أربعة أسابيع، أي شهرٌ كامل. ارتجفت يدا همام من شدّة الانفعال، وكاد يضمّها إليه بشغف، لكنه تذكّر أنها حامل،
لم تكن نور ترغب في أن تنفصل ابنتها الصغيرة عنها.فقالت: "أبي، لا بأس. هي ولدت للتو، حتى لو صاحت، فلن تصنع ضجة كبيرة. كما أنني لم أتمكن من أن أكون مع شهاب حين وُلد، لذا أريد أن أعتني بهذه الطفلة بنفسي. خلال هذه الفترة، سنكون أنا وسمير مشغولان بالطفلة، لذا سيتعين عليك الاعتناء بشهاب أكثر".عندما قالت نور ذلك، وضع فرعون حفيدته الصغيرة بجانبها فورًا.أحاطت نور ابنتها بذراعيها، ونظراتها مليئة بالحنان."انظري لنفسك، لا تقولي مثل هذه الكلمات التي تُشعرني أنني غريب عنكم. شهاب حفيدي، وبقائي هنا، هو لأجل أن أقضي وقتًا أطول معه فقط، اهتمي بجسدكِ. ودعي المربية أو سمير يوفران لكِ كل ما تحتاجيه. سأعتني أنا بشهاب، لا تقلقي." وعد فرعون نور بذلك.اقترب شهاب من سرير الطفلة، واتكأ على السياج، ومد يده ليلمس بلطف وجه ناريمان.ناعم جدًا."أمي، أختي صغيرة جدًا."كانت هذه أول انطباعات شهاب عنها.وكانت الطفلة نائمة ولم تفتح عينيها بعد.شعرت نور بسعادة لا توصف، وقالت: "الأطفال حديثو الولادة صغار جدًا. شهاب، رغم أني أنجبت أختك الصغيرة، لكن مكانتك لا تزال مثل السابق بالنسبة لي".أومأ شهاب برأسه قائلًا: "أعلم يا أ







