كانت الساعة تشير إلى ما بعد منتصف ليل القاهرة بقليل، لكن الزمن في محيط برج "النور" المنهار في الزمالك لم يكن يُقاس بالدقائق، بل بوزن الركام وحجم الفقد. ساد صمت مطبق عقب الانفجار العظيم، صمتٌ لم يكن من هذا العالم، كأن الطبيعة نفسها قد أصيبت بالخرس وهي تشاهد تحطم "بابل" الحديثة. لم يعد الهواء هواءً؛ بل أصبح مزيجاً خانقاً من ذرات الزجاج المطحون، وأبخرة المواد الكيميائية المحترقة، وغبار الجرانيت الذي امتزج برائحة الموت والبارود. كان هذا الغبار يتساقط ببطء شديد، ككفن رمادي يغطي معالم الحي الأرستقراطي، محولاً الشوارع التي كانت تعج بالحياة إلى مقبرة مفتوحة تحت أضواء القمر الشاحب.وسط هذا الخراب الموحش، برز "مراد" من بين كومة من الرخام الأسود المحطم. كان خروجه يشبه خروج كائن أسطوري من جوف الأرض. بدت ملابسه القتالية وكأنها جلد ثانٍ تمزق في معركة مع القدر؛ الدماء المتجلطة غطت جبينه، لترسم خطوطاً داكنة تلاقت مع وشم "الألفا" عند رقبته. لم يكن يشعر بآلام جروحه الجسدية، بل كان يشعر بـ "طنين" وجودي في أعماقه، كأن المصل الذي كان يجري في عروقه يلفظ أنفاسه الأخيرة، مخلفاً وراءه فراغاً بيولوجياً موحشاً.
Last Updated : 2026-04-15 Read more