All Chapters of سيبيريت: Chapter 91 - Chapter 100

103 Chapters

الغياب وهو حاضر

الإنسان يمكنه أن يكون في غرفة ولا يكون فيها. جسده يجلس ويتنفس ويُجيب حين يُسأل. لكن شيئاً أساسياً فيه غائب بطريقة لا تراها إلا إذا كنتَ تعرفه جيداً. وأن تعرف شخصاً جيداً يعني أن ترى ما يختفي فيه قبل أن يعرف هو أنه اختفى. كان الاجتماع مع فولكوف وباشكوف وميخائيل أحد أهم اجتماعات الشهر. التمدد خارج موسكو بات رسمياً — خطوط جديدة، مدن جديدة، شبكة تكبر بالشكل الذي رسمتُه في رأسي منذ أن كنتُ في سيبيريا أنظر للخريطة وأتساءل. كان هذا ما جئتُ من أجله. المحطة التي تسبق القمة. نيكولاي كان في الغرفة. جالس عن يساري في مكانه المعتاد. يرتدي معطفه الأسود كأننا على وشك الخروج لا في اجتماع. أمامه كوب قهوة لم يلمسه. تحدثتُ عن الخطة. فولكوف يسأل وأُجيب. باشكوف يُعلّق وأستمع. ميخائيل يضع أرقاماً على الطاولة وأُناقشها. الغرفة كانت حية بالطريقة التي تحيا بها الغرف حين يكون ما يُقال فيها مهماً. وفي مرحلة ما، نظرتُ لنيكولاي. كان يُحدّق في نقطة فوق رأس فولكوف. ليس في فولكوف. فوق رأسه. بمسافة خمسة عشر سنتيمتراً تقريباً. عيناه مفتوحتان لكنهما لا تريان الغرفة. توقفتُ في منتصف جملتي. قلتُ: «نيكولاي، ما رأيك
last updateLast Updated : 2026-06-01
Read more

نوفوسيبيرسك

بعض الرحلات لا تُشفي. تُريك فقط بوضوح ما لا تستطيع العودة إليه. وهذا الوضوح أحياناً أقسى من الضباب الذي كان قبله. طلب نيكولاي السفر في صباح عادي. لم يكن هناك مقدمة ولا تفسير طويل. قال بنبرة رجل يطلب شيئاً بسيطاً: «يوسف، أريد أن أزور أمي وأختي في نوفوسيبيرسك. بضعة أيام.» نظرتُ إليه. كان وجهه هادئاً بالهدوء الذي بات معتاداً في الأسابيع الأخيرة. لا إلحاح ولا توقع — رجل يسأل وهو مستعد للجوابين. «متى؟» «هذا الأسبوع إذا أمكن.» قلتُ: «اذهب.» جاء الموافقة بسرعة أكبر مما توقع. رأيتُ ذلك في عيناه — وميض خفيف لم يدم. ثم أومأ وقام. لم أسأله كم يوماً. لم أسأله متى بالضبط يعود. أخبرتُ نفسي أنني أُعطيه المساحة التي يحتاجها. أن الرجل الذي لم يرَ أمه منذ سنوات يستحق أن يذهب دون أن يُحاط بأسئلة. لكن الحقيقة الأخرى كانت أنني لم أسأل لأنني خفتُ أن السؤال سيُخبرني بشيء لم أكن مستعداً لسماعه. سافر في اليوم الثاني. الشقة بدون نيكولاي كانت مختلفة بطريقة لم أتوقعها. ليس لأنه كان صاخباً — نيكولاي لم يكن صاخباً يوماً. بل لأن غيابه كان يُخبرني كم كان حضوره يملأ حجماً لا يُقاس بالصوت. اتصلتُ به بعد ي
last updateLast Updated : 2026-06-02
Read more

آخر ليلة

بعض الليالي تبدو عادية حتى تنتهي. ثم حين تنظر إليها من الخلف ترى أن كل تفصيلة فيها كانت تقول شيئاً. لكن الإنسان لا يقرأ الليالي العادية — يقرأ فقط تلك التي تركت شيئاً وراءها. في ذلك المساء، أعلنتُ الخطوة الكبيرة. اجتماع في الشقة — بوريس وفولكوف وباشكوف وغريغوري. الخطة الكاملة للتمدد على الطاولة. مدن وأسماء وأرقام وخطوط رسمتُها منذ شهور وها هي أصبحت حقيقية قابلة للتنفيذ. القمة لم تعد أفقاً — أصبحت خطوات محسوبة. نيكولاي لم يكن في الاجتماع. حين دخل الضيوف ولم أجده في مكانه المعتاد، اتصلتُ به. رد بعد رنتين. «الاجتماع بدأ.» «أعرف.» «أين أنت؟» «في الشقة.» توقفتُ. «في الشقة؟» «في غرفتي. اعذرني اليوم يا يوسف.» أغلقتُ الهاتف وعدتُ للاجتماع. أكملتُ الاجتماع. تحدثتُ وسمعتُ وقررتُ. وكل شيء سار كما خططتُ. لكن كرسي نيكولاي الفارغ عن يساري كان حاضراً طوال الوقت بطريقة لا يُفسّرها غياب. حين خرج الجميع في المساء، مشيتُ لغرفة نيكولاي. طرقتُ الباب. «ادخل.» كان جالساً على حافة السرير. لا كتاب ولا هاتف ولا شيء في يديه. فقط جالس. الغرفة كانت مرتبة بشكل لفت انتباهي لثانية ثم أكملتُ — نيكولاي
last updateLast Updated : 2026-06-02
Read more

نيكولاي كان هنا ولم يعد

بعض الصباحات تبدأ عادية. وهذا هو أقساها. استيقظتُ في الثامنة. الضوء يدخل من النافذة بالزاوية المعتادة. موسكو خارجاً تتنفس بإيقاعها الصباحي. أصوات بعيدة، محرك سيارة، ريح خفيفة على الزجاج. رائحة القهوة لم تكن في الهواء. خرجتُ من غرفتي. الصالة فارغة. الطاولة نظيفة تماماً. لا كوب، لا جريدة، لا أثر لأحد. نظرتُ لباب غرفة نيكولاي. كان مفتوحاً. مشيتُ إليه ببطء لا أعرف سببه. وقفتُ عند العتبة. الغرفة مرتبة بعناية لا يرتبها نيكولاي أبداً. السرير ممدود بلا تجاعيد. الجاكيت الأسود معلق على الكرسي بدقة. الحذاء بجانب الباب منتظم. كل شيء في مكانه بطريقة تقول إن من رتّب هذا كان يعرف أنه لن يعود ليُبعثره. وعلى الأرض بجانب السرير كانت علبة دواء فارغة. نظرتُ إليها ثانية واحدة. ثم رفعتُ عيني. لأن بعض الأشياء حين تراها تعرف، ولا تستطيع أن تتراجع عن المعرفة. على الطاولة الصغيرة ورقة مطوية. عليها اسمي بخط نيكولاي. التقطتُها. فتحتُها. ثلاث جمل فقط: «يوسف، أنت وصلتَ. وأنا تعبتُ من المشي. لا تتوقف.» جلستُ على حافة سريره. الورقة في يدي. الغرفة ساكنة بسكون لم يكن فيه من قبل. قرأتُ الجملة الأولى:
last updateLast Updated : 2026-06-02
Read more

التراب

الموت يجعل كل شيء صغيراً. المدن والمال والخطط والأسماء. كل شيء يصغر أمام حفرة في الأرض وجسد يُودَع فيها. كانت موسكو في الصباح الباكر رمادية بطريقة لم تكن رمادية من قبل. أو ربما كانت دائماً هكذا ولم أنتبه. جاؤوا في صمت. بوريس أول من وصل. وقف عند الباب لم يدخل مباشرة. نظر إليّ بعيون لم أرَ فيها الرجل العملي الذي اعتدتُه — رأيتُ رجلاً لا يعرف أين يضع يديه ولا ماذا يقول. فسكتنا معاً لأن الصمت كان أصدق من أي كلام. فاسيلي جاء من سيبيريا. لم أطلب منه المجيء. لكنه جاء. وحين دخل ووجد وجهي لم يسأل عن التفاصيل ولم يُعلّق. فقط وضع يده على كتفي ثانية واحدة ثم أخذ مكانه في الزاوية. وصلت عائلة نيكولاي في المساء. كنتُ أنتظرهم عند المدخل. الأخت أولاً — امرأة في الثلاثين تشبه نيكولاي في ملامح الوجه بطريقة جعلت شيئاً في صدري يتوقف للحظة. ثم الأم. امرأة في الستين. شعر أبيض ووجه يحمل من السنوات ما يكفي لجعله كتاباً. مشت ببطء وعيناها تنظران إليّ من المسافة قبل أن تصل. توقفت أمامي. لم تبكِ. لم تتهمني. لم تقل شيئاً في البداية. فقط نظرت إليّ بعيون أم رأت ابنها آخر مرة وقالت له أنت تعبتَ يا نيكولاي
last updateLast Updated : 2026-06-03
Read more

بدون بوصلة

الرجل الذي يفقد من يُعرّفه لا يفقد شخصاً فقط. يفقد نسخة من نفسه كانت موجودة فقط في عيني ذلك الشخص. وحين تذهب تلك العيون لا تجد تلك النسخة في أي مكان آخر. في اليوم الأول بعد الدفن، استيقظتُ ولم أعرف ماذا أفعل. ليس بالمعنى العملي. كان هناك ما يكفي من العمل — بوريس ينتظر، وفولكوف أرسل رسالة، والشبكة تتحرك كما تتحرك دائماً بغض النظر عما يحدث للناس الذين بنوها. الشبكة لا تحزن ولا تتوقف ولا تسأل عمّن غاب. تتحرك لأن هذا ما تفعله الأشياء التي بنيتَها لتتحرك وحدها. لكنني جلستُ على حافة السرير دقائق طويلة قبل أن أقوم. الشقة كانت ساكتة بطريقة مختلفة عن كل صمت سبقه. في السابق كان الصمت فيها صمت مكان ينتظر — ينتظر أن يعود نيكولاي من الخارج، أو أن يخرج من غرفته، أو أن تملأ الهواء رائحة سيجارته، أو أن يبدأ صوت الأكواب في المطبخ قبل أن أستيقظ. كل هذه الأصوات الصغيرة التي لا تُلاحظها حين تكون موجودة. تُلاحظها حين تغيب. الآن كان صمتاً لا ينتظر شيئاً. صمت اكتمل. نهضتُ. مشيتُ للمطبخ. صنعتُ القهوة بالطريقة المعتادة — الماء والمقدار والوقت. كل شيء كما هو دائماً. الأشياء العملية لا تتغير حين يتغير كل
last updateLast Updated : 2026-06-03
Read more

لا تتوقف

الوعد الذي تُعطيه للميت أثقل من أي وعد آخر. لأنه لا يستطيع أن يُذكّرك به. أنت من يحمله وحده. في الصباح، قمتُ قبل الفجر. لم يكن هناك سبب محدد للاستيقاظ المبكر. لكن النوم في تلك الأيام كان يأتي ناقصاً — تنام وتستيقظ وبينهما شيء يشبه النوم لكنه ليس راحة. جسدك يستريح وشيء آخر فيك لا يستريح. جلستُ على الكرسي أمام النافذة. موسكو في ما قبل الفجر كانت في أهدأ حالاتها. الأضواء لا تزال مضاءة لكن الشوارع شبه فارغة. بين الليل والنهار توجد ساعة تبدو فيها المدينة كأنها تتنفس بهدوء قبل أن تبدأ من جديد. كنتُ أُحب هذه الساعة في سيبيريا. وأنا أُحبها هنا أيضاً، لكن لأسباب مختلفة — لأنها الساعة التي لا يطلب فيها أحد شيئاً. أخرجتُ الورقة من جيبي. لا تزال هناك منذ ذلك الصباح. مطوية بنفس الطريقة. فتحتُها. «يوسف، أنت وصلتَ. وأنا تعبتُ من المشي. لا تتوقف.» قرأتُها في ضوء موسكو الخافت. لا تتوقف. جملة من كلمتين. لكنها في تلك اللحظة كانت تحمل كل ما لم يقله نيكولاي في الأسابيع الأخيرة. كل صمت وكل ليلة في الثالثة فجراً وكل سيجارة أطفأها قبل أن تنتهي. كأنه جمع كل ما لم يستطع قوله وضعه في كلمتين أخيرتين.
last updateLast Updated : 2026-06-05
Read more

القمة

الرجل الذي يصل وحده لا يصل بنفس الطريقة التي تخيّلها. القمة هناك. لكن المكان بجانبك فارغ. وهذا الفراغ لا يُشبه أي فراغ آخر — لأنه فراغ له شكل. في الأسبوع الثالث بعد رحيل نيكولاي، وصلتُ. ليس بإعلان ولا باحتفال ولا بلحظة درامية تُخبرك أن هذا هو المكان. وصلتُ بالطريقة التي تصل بها الأشياء الحقيقية — ببطء وبتراكم وبيوم يشبه اليوم الذي قبله حتى تجلس ذات مساء وتنظر لما أمامك وتُدرك بهدوء أنك وصلتَ. كان المساء عادياً في بداياته. بوريس على الطاولة يُراجع أرقام الأسبوع. غريغوري أرسل تقريراً عن آخر التحركات في الشبكة. وفولكوف — الذي نادراً ما يتصل في المساء — اتصل في الثامنة. رددتُ. «يوسف.» «فولكوف.» «أريد أن أقول لك شيئاً.» نبرته كانت مختلفة — ليست نبرة الاجتماعات والأرقام. نبرة رجل في الستين يقول شيئاً قرر أن يقوله لأنه يعتقد أنه يجب أن يُقال. «موسكو الآن لك بالكامل. ليس بالقدر الذي يهم — بالكامل. كل من يعمل في هذه المدينة بالطريقة التي تعمل بها يعرف اسمك ويعرف ما خلفه.» جلستُ مع هذه الجملة في صمت. موسكو بالكامل. فكّرتُ في سيبيريا. في الغرفة 319 والبرد الذي لا يرحم والحافلة التي أو
last updateLast Updated : 2026-06-05
Read more

ما يبقى

الإنسان لا يتذكر كل شيء. لكن بعض الأشياء تتذكره هي — تجلس فيه دون أن يدعوها وتبقى دون أن يطلب. وهذا النوع من البقاء لا يُشبه أي شيء آخر. في الأسابيع التي تلت، تعلّمتُ شيئاً لم أكن أعرفه من قبل. تعلّمتُ أن الفقد لا يذهب. يتغير شكله فقط. في البداية كان حاداً بطريقة الجروح الجديدة. كل صباح بدون رائحة القهوة كان يُخبرني. كل اجتماع والكرسي عن يساري فارغ كان يُخبرني. كل لحظة أريد فيها أن أقول شيئاً لشخص يفهم قبل أن أُكمل الجملة — كانت تُخبرني. الفقد في أيامه الأولى يسكن في الأشياء الصغيرة أكثر مما يسكن في اللحظات الكبيرة. ليس في الجنازة ولا في الورقة ولا في الغرفة المرتبة. بل في كوب القهوة الفارغ. وفي السيجارة التي لا أحد يُشعلها. وفي الصمت الذي لا ينتظر. ثم بدأ يتغير ببطء. لم يخف. لم يُصبح أصغر. لكنه أصبح جزءاً من الهواء الذي أتنفسه — دائماً هناك لكن لا يمنعك من التنفس. في أحد الصباحات في الأسبوع الرابع، صنعتُ القهوة كالمعتاد. جلستُ أمامها. ومددتُ يدي وشربتُ. وهي لا تزال ساخنة. لم أنسَ. لم تبرد أمامي بينما أنا أحدق في نقطة لا شيء فيها. شربتُها كما يشرب الإنسان قهوته في صباح عادي —
last updateLast Updated : 2026-06-05
Read more

العودة

المكان الذي بدأتَ فيه لا يتذكرك. لكنك تتذكره. وهذا الفرق هو كل شيء. قررتُ العودة لسيبيريا في صباح عادي. لم يكن قراراً مدروساً بالطريقة التي أتخذ بها القرارات عادةً — لا جداول ولا أوراق ولا اجتماعات. استيقظتُ وعرفتُ. أحياناً الأشياء الصحيحة تأتي هكذا، بدون مقدمات، كأن جزءاً من داخلك كان يعرف منذ وقت وانتظر حتى تلحق به. اتصلتُ بفاسيلي. «فاسيلي، أنا قادم.» صمت قصير. ثم: «متى؟» «بعد يومين.» «سأكون في المحطة.» لم يسأل لماذا الآن. لم يسأل عن خطط أو أعمال أو اجتماعات. فقط قال سأكون في المحطة. وهذا كان كافياً. أخبرتُ بوريس. جلس أمامي وسمع. ثم قال: «كم ستبقى؟» «لا أعرف.» «يوسف، هناك أشياء هنا تحتاج—» «بوريس.» توقف. «الشبكة تعمل وحدها. هذا ما بنيناه من أجله. أعطني أسبوعاً.» نظر إليّ بعيون تُقيّم ثم أومأ. «أسبوع.» في اليوم الأخير في موسكو، مشيتُ في الشوارع وحدي. مشيتُ في أربات — الشارع الذي مررتُ به أول أيامنا حين أخذنا بوريس في جولته. مررتُ بالمطعم الصغير الذي جلسنا فيه مع فولكوف في أول لقاء حقيقي. مررتُ بالمقهى الذي كان نيكولاي يذهب إليه وحده في تلك الأيام الصعبة. وقفتُ أمام
last updateLast Updated : 2026-06-06
Read more
PREV
1
...
67891011
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status