لم أكن أدرك أن البرد يمكن أن يكون بهذه القسوة. في حلب، كان القيظ يقتل ببطء؛ يذيب روحك قبل جسدك. أما هنا في سيبيريا، فالصقيع يشن هجومه الضاري فور خروجك من بوابة المطار. لا مهلة، ولا رحمة. وقفتُ هناك، وحقيبتي الوحيدة ترتجف في يدي. تنفست بعمق، فشعرت بفتحات أنفي تلتصق من الداخل. تصاعد زفيري كدخان أبيض تلاشى في الهواء. لو كنت أعلم حينها أن هذا البخار هو آخر ما تبقى من دفئي الإنساني، لربما حاولت التشبث به. لكنني لم أكن أعرف شيئاً.. ليس بعد. كانت الحافلة المتجهة إلى الجامعة مكتظة برجال بوجوه خشنة ونساء يرتدين قبعات الفرو الثقيلة. جلستُ بجانب نافذة كساها الجليد، وحككت الزجاج بأصبعي لأسترق نظرة نحو الخارج. كان كل شيء أبيض؛ الأشجار، الطرق، حتى السماء. كأن العالم قد فقد ألوانه للأبد. اهتز هاتفي. رسالة من أمي: "وصلت يا روحي؟ خذ معك بطانية.. لا تمرض." ابتسمتُ بمرارة؛ فبطانية واحدة لا تكفي في بلاد تميت القلب قبل الجسد. في الجامعة، استقبلني مسؤول التسجيل "بافل إيغوروفيتش". رمق أوراقي ثم نظر إليّ وكأنني حشرة غريبة تحت المجهر. سأل بنبرة جافة: "سوري؟" "نعم." "الكيمياء العضوية." لم تكن
Last Updated : 2026-05-04 Read more