All Chapters of سيبيريت: Chapter 71 - Chapter 80

103 Chapters

ما تركتُه في حلب

بعض الأشياء لا تُترك خلفك حقاً. تمشي معك، لكنها تصمت حتى تجد لحظة هادئة لتتكلم. جاءت الرسالة في الصباح. لم يكن هناك شيء استثنائي في ذلك الصباح؛ القهوة على الطاولة، والثلج خارج النافذة، ونيكولاي يقرأ جريدة قديمة بعيون نصف مفتوحة. رن هاتفي برسالة عادية من رقم أعرفه منذ أن أعرف نفسي. أمي. «يا روحي، مرت أشهر طويلة. أنا بخير لا تقلق. فقط أريد أن أسمع صوتك. متى ترجع؟» وضعتُ الهاتف على الطاولة. لم أرد فوراً. لم أستطع. نظر إليّ نيكولاي من فوق الجريدة. رأى وجهي فأغلق الجريدة ووضعها جانباً. لم يسأل. فقط وضع كوبه على الطاولة وانتظر. قلتُ بعد دقيقة طويلة: «أمي.» أومأ. «تسأل متى أرجع.» لم يقل شيئاً. كان يعرف أن هذا السؤال لا يحتاج تعليقاً. نظرتُ من النافذة إلى سيبيريا. فكرتُ في حلب. ليس حلب الحرب والقصف والأنقاض؛ فكرتُ في حلب التي قبل كل هذا. الشارع الذي كنتُ أمشي فيه للمدرسة. رائحة الخبز من الفرن في الصباح. صوت أبي وهو يقرأ الجريدة. لحظات صغيرة جداً لم أعرف قيمتها حتى أصبحت بعيدة بعداً لا تقيسه المسافات. كل هذا كان في رسالة واحدة. في سؤال واحد. «متى ترجع؟» قلتُ لنيكولاي دون أن أُدي
last updateLast Updated : 2026-05-23
Read more

إمبراطور سيبيريا

في الصباح، كان الاجتماع. ليس اجتماع أزمة ولا اجتماع حرب. اجتماع عادي؛ أرقام وتقارير وخطط. لكنه كان الأول من نوعه بهذا الشكل؛ كل من يعمل تحت يدي في غرفة واحدة. جلسنا حول الطاولة الكبيرة في مستودع فاسيلي. أنا في رأس الطاولة. نيكولاي عن يميني. فاسيلي عن يساري. ميلان وديمتري في المنتصف. وتيمور في الطرف الآخر. نظرتُ إليهم جميعاً لثانية قبل أن أبدأ. أشخاص جاؤوا من أماكن مختلفة وبدوافع مختلفة، وجدوا أنفسهم في هذه الغرفة لسبب واحد؛ لأن شيئاً ما يُنتج في هذا المكان لا يستطيع العالم تجاهله. بدأ فاسيلي بأرقام التوزيع. «سيبيريت-4 يصل الآن لكل مناطق سيبيريا. الطلب في الشمال تضاعف مرتين خلال أسبوعين. والطلب الخارجي عبر بوريس في موسكو بدأ يتحرك.» «الأرقام الدقيقة؟» أخرج فاسيلي ورقة: «إنتاج أسبوعي ثمانية كيلوغرامات. الطلب الفعلي يتجاوز اثني عشر.» نظرتُ لميلان: «المختبر الجديد؟» «بحلول نهاية الأسبوع القادم نستطيع الوصول لعشرة كيلوغرامات. والطاقة القصوى بعد شهر خمسة عشر.» «خمسة عشر يكفي في الوقت الحالي.» قال ديمتري بصوته المعتاد الذي يحمل دائماً قلقاً خفياً: «يوسف، الطلب المتزايد يعني ضغطاً
last updateLast Updated : 2026-05-23
Read more

نحو موسكو

الرجل الذي يقف على عتبة الباب الكبير لا يفكر في ما خلفه. يفكر في ما أمامه. لكن الباب الكبير يعرف ما لا يعرفه الرجل؛ أن ما خلفه لن يبقى كما تركه. في الصباح جلسنا وحدنا. أنا ونيكولاي في الشقة. لا فاسيلي ولا تيمور ولا أحد. قهوة على الطاولة والثلج خارج النافذة والصمت الذي أصبح لغتنا الأولى. قلتُ: «الوقت حان يا نيكولاي.» نظر إليّ. «موسكو.» وضع كوبه ببطء: «متى؟» «الأسبوع القادم. بوريس جاهز. والأرضية ممهدة بما يكفي.» «وأندريه؟» «أندريه تراجع. لكنه لم ينتهِ. موسكو ستكون ساحة مختلفة عن سيبيريا.» «أعرف ذلك.» قام نيكولاي ومشى نحو النافذة. وقف ينظر للمدينة. سيبيريا في الشتاء كانت كما هي دائماً؛ بيضاء وصامتة وبلا مبالاة بمن يعيش فيها أو يرحل عنها. قال دون أن يلتفت: «يوسف، سأقول لك شيئاً.» «قل.» «حين وصلتَ إلى سيبيريا كنتُ أعرف أنك مختلف. ليس لأنك ذكي، الذكاء كثير في هذا العالم. بل لأنك كنتَ تحمل شيئاً لا يحمله الآخرون.» «وما هو؟» التفت إليّ: «اليقين. حتى حين كنتَ خائفاً كان هناك يقين في أعماقك أنك لن تتوقف. وهذا النوع من البشر إما يصل بعيداً جداً أو يسقط بعيداً جداً. لا وسط.» جلس
last updateLast Updated : 2026-05-24
Read more

موسكو

المدن الكبيرة لا تستقبلك. تتركك تدخل وتنتظر لترى إن كنت تستحق البقاء. وصلنا في الليل. اخترتُ الليل عمداً؛ الرجل الذي يدخل موسكو نهاراً يُرى. والرجل الذي يدخلها ليلاً يرى. القطار أوصلنا في الحادية عشرة. أنا ونيكولاي في مقطورة واحدة، حقيبتان خفيفتان، ولا شيء يدل على من نحن. هكذا أردتُ الأمر؛ رجلان عاديان يصلان موسكو في ليلة شتائية باردة. قال نيكولاي حين نظر من نافذة القطار للمدينة تقترب: «أكبر مما تخيلتُ.» «دائماً أكبر مما تتخيل.» «وهل هذا يخيفك؟» «يجعلني أفكر أكثر.» في المحطة كان بوريس ينتظر. لم يأتِ بسيارة فارهة ولا برجال لافتين. سيارة عادية ورجل واحد بجانبه. هذا كان أول شيء أعجبني فيه منذ وصولنا؛ بوريس يفهم أن الأشياء الكبيرة لا تحتاج إعلاناً. صافحني بيد باردة: «يوسف.» «بوريس.» نظر لنيكولاي وصافحه: «سمعتُ عنك كثيراً.» قال نيكولاي ببرود: «الأخبار الجيدة أم السيئة؟» «الأخبار الحقيقية. وهي دائماً مزيج من الاثنين.» في السيارة، تحدثنا بهدوء. قال بوريس: «موسكو تعرف باسمك يا يوسف. ليس الجميع لكن من يهم.» «وماذا يقولون؟» «يقولون إن رجلاً من سيبيريا يملك شيئاً لا يملكه أحد غ
last updateLast Updated : 2026-05-24
Read more

قواعد موسكو

في سيبيريا، القوة تُرى. في موسكو، القوة تُحسّ ولا تُرى. والفرق بين الاثنين هو الفرق بين الرجل الذي يحارب والرجل الذي يُحكم. في اليوم الثاني، أخذنا بوريس في جولة. ليست جولة سياحية. جولة رجل يُعرّف رجلاً آخر على مدينة يجب أن يفهمها قبل أن يبني فيها. ركبنا أربعتنا؛ أنا ونيكولاي وبوريس وغريغوري. سيارة عادية في شوارع موسكو الصباحية. بوريس يقود وغريغوري يتكلم وأنا أسمع. قال غريغوري وهو يُشير من النافذة: «هذا الحي كان لأندريه قبل سنتين. الآن هو رمادي؛ لا أحد يملكه بالكامل.» «ولماذا؟» «لأن أندريه أضعف والبديل لم يظهر بعد.» «الفراغ،» قلتُ. «دائماً الفراغ يا يوسف. موسكو مليئة بالفراغات التي تنتظر من يملأها.» مررنا بمنطقة صناعية في أطراف المدينة. قال بوريس: «ميخائيل يعمل هنا. ثلاثة مستودعات وشبكة توزيع تصل لأحد عشر حياً.» «وهو موثوق؟» «موثوق بقدر ما تكون مصلحته واضحة،» قال بوريس ببرود، «ميخائيل رجل مصالح لا رجل ولاء. وهذا يعني أنه يعمل جيداً طالما الحساب في صالحه.» قال نيكولاي من المقعد الخلفي: «ورجل المصالح يتغير حين تتغير المصلحة.» «نعم،» قال بوريس، «لهذا يجب أن تجعل مصلحته دائما
last updateLast Updated : 2026-05-25
Read more

أول اختبار

موسكو لا تختبرك بالحروب. تختبرك بالمواقف الصغيرة التي تبدو عادية حتى تجد نفسك فجأة في منتصف شيء لم تخطط له. في اليوم الثالث، جاء الاختبار الأول. لم يكن بالطريقة التي توقعتُها. لم يكن تهديداً ولا مواجهة ولا رسالة محترقة. جاء في شكل دعوة عشاء. اتصل بوريس في الظهيرة: «يوسف، هناك رجل يريد مقابلتك الليلة.» «من هو؟» «اسمه كونستانتين فولكوف. يملك شبكة في وسط موسكو وعلاقاته تصل لأماكن لا تصلها يد عادية.» «وماذا يريد؟» «يريد أن يرى من وصل من سيبيريا.» جلستُ مع نيكولاي وبوريس في الشقة. قلتُ: «فولكوف. ماذا تعرف عنه؟» قال بوريس: «رجل في الستين. بنى شبكته في التسعينيات حين كانت موسكو فوضى. نجا من ثلاثة محاولات اغتيال وأربعة تحقيقات. ذكي، صبور، ولا يدعو أحداً لعشاء إلا إذا كان لديه سبب حقيقي.» «والسبب هذه المرة؟» «سيبيريت-4 وصلت عينات منه لأناسه. وما سمعه جعله فضولياً.» قال نيكولاي: «الفضول في هذا العالم ليس مجاملة.» «لا،» وافقه بوريس، «الفضول يعني أنه يزن ما إذا كان ما تملكه يستحق التحالف أو يستحق الإزالة.» نظرتُ لنيكولاي: «رأيك؟» «أذهب. لكن اذهب وأنت تعرف ما يريده قبل أن يقوله.»
last updateLast Updated : 2026-05-25
Read more

ما تحت السطح

موسكو مثل البحيرات المتجمدة في سيبيريا؛ السطح يبدو صلباً وآمناً، لكن تحته ماء عميق لا تعرف درجة حرارته حتى تسقط فيه. في اليوم الرابع، طلب ميخائيل اجتماعاً. جاء للشقة وحده في العاشرة صباحاً. جلس وأخرج ورقة مطوية ووضعها على الطاولة. كنا ثلاثتنا؛ أنا ونيكولاي وبوريس. «أرقام الأسبوع الأول،» قال. نظرتُ للورقة؛ أرقام الطلب من مختلف الأحياء وأرقام ما يستطيع تأمينه حالياً والفجوة بينهما. قال ميخائيل: «الطلب أكبر مما توقعتُ. سيبيريت-4 انتشر الخبر عنه بسرعة. وهناك مناطق لم أصلها بعد تطلب.» «وما تحتاجه للوصول إليها؟» «رجالاً وإذناً.» «الإذن عندك. والرجال مسؤوليتك.» نظر إليّ: «وهل الإمداد سيكفي إذا توسعنا؟» «سيكفي.» قال نيكولاي فجأة: «ميخائيل، سؤال مباشر.» نظر إليه ميخائيل. «قبل أن تعمل معنا، من كان يُمدّك بالبضاعة؟» توقف ميخائيل لثانية واحدة. ثانية كافية. «موردون متعددون.» «أسماء؟» «هذا—» «ميخائيل،» قاطعه نيكولاي بهدوء لا يرتفع ولا ينخفض، «أنت تعمل معنا الآن. والرجل الذي يعمل معنا لا يملك أسراراً نحن لا نعرفها.» نظر ميخائيل إليّ كمن يبحث عن إنقاذ. لم أقل شيئاً. تركتُ سؤال نيك
last updateLast Updated : 2026-05-26
Read more

مكتب فولكوف

الرجل الذي يُدخلك بيته يُعطيك شيئاً لا يُعطيه في المطاعم الفارهة؛ يُعطيك نفسه الحقيقية. وهذا سلاح ذو حدين. مكتب فولكوف كان في مبنى قديم في منطقة أربات. من الخارج لم يكن يختلف عن أي مبنى آخر في الشارع؛ واجهة حجرية داكنة ونوافذ صغيرة وباب خشبي ثقيل. لكن حين دخلنا، فهمتُ لماذا اختار هذا المكان. الداخل كان مختلفاً تماماً؛ أسقف عالية وجدران مغطاة بالكتب ومكتب خشبي ضخم في المنتصف يبدو كأنه موجود هنا منذ قبل أن تُبنى موسكو من حوله. كان فولكوف جالساً خلف المكتب حين دخلنا. لم يقم. فقط أشار لكرسيين أمامه. «اجلسا.» جلستُ أنا ونيكولاي. لم يكن بوريس معنا هذه المرة. فولكوف طلب أن يكون اللقاء بيننا فقط. وهذا وحده كان رسالة. نظر فولكوف إلينا بعيون تأخذ وقتها. ثم قال: «يوسف، سأكون مباشراً.» «أُفضل ذلك.» «موسكو الآن في مرحلة تغيير. أندريه ضعف. وفراغه يجذب أناساً من كل اتجاه. بعضهم محليون وبعضهم مثلك؛ جاؤوا من خارج.» «وما الذي يجعلني مختلفاً عن الآخرين؟» نظر إليّ: «سيبيريت-4.» قلتُ: «المنتج وحده لا يكفي في موسكو. أنت تعرف ذلك.» «أعرف. لكن المنتج هو الباب. ومن يملك الباب يملك ما خلفه.» «وأ
last updateLast Updated : 2026-05-26
Read more

الأبواب تفتح

الباب الذي يفتحه غيرك لا يكون لك حقاً. الباب الذي تفتحه أنت هو ملكك. في الصباح، اتصلتُ بفولكوف. رد في الرنة الأولى كمن كان ينتظر. «يوسف.» «فولكوف، قررتُ.» «قل.» «عشرة بالمئة. لكن الأبواب أولاً. لا أدفع ثمن شيء لم أرَه بعد.» صمتٌ قصير. ثم: «منطقي.» «وشرط آخر.» «قل.» «أي باب تفتحه لي أريد أن أعرف ما خلفه قبل أن أدخل. لا مفاجآت.» «في موسكو المفاجآت لا تُمنع. لكن يمكن تقليلها.» «يكفي.» جلستُ مع نيكولاي وبوريس بعد إغلاق الهاتف. قال بوريس: «فولكوف سينقلك لمستوى مختلف في موسكو. لكن هذا يعني أيضاً أن من كانوا لا يرونك سيبدؤون برؤيتك.» «وهذا يشمل أندريه.» «يشمل أندريه وغيره.» قال نيكولاي: «كلما صعدتَ أصبحتَ هدفاً أوضح.» «في سيبيريا كنتُ هدفاً وأنا في القبو. الوضوح لا يزيد الخطر. يزيد فقط عدد من يرونك.» نظر إليّ نيكولاي: «وعدد من يرونك يعني عدد من يُقررون.» «نعم. وأنا أريد أن يُقرروا لصالحي.» في الظهيرة، اتصل فولكوف. «يوسف، الليلة في التاسعة. هناك شخص تحتاج أن تقابله.» «من هو؟» «اسمه سيرغي باشكوف. يُدير العلاقات بين الشبكات الكبيرة في موسكو. ليس لاعباً مستقلاً لكنه من يج
last updateLast Updated : 2026-05-27
Read more

باشكوف وحده

الرجل الذي يريد الكلام بعيداً عن الجميع لا يريد سراً. يريد اتفاقاً لا يعرفه الجميع. جاء اتصال باشكوف في اليوم التالي في الحادية عشرة صباحاً. «يوسف، هل أنت حر الظهيرة؟» «أجعل نفسي حراً.» «مقهى على شارع بولشايا دميتروفكا. الساعة الثانية عشرة والنصف. أنت وحدك.» توقفتُ عند كلمة وحدك. «وحدي؟» «وحدك. نيكولاي رجل جيد. لكن ما سأقوله يجب أن تسمعه أنت أولاً.» أخبرتُ نيكولاي. نظر إليّ بعيون لا تُعارض لكنها لا تُوافق بسهولة. «يريدك وحدك.» «نعم.» «وهل تثق به؟» «لا أثق بأحد في موسكو بعد.» «إذن لماذا تذهب وحدك؟» «لأن الرجل الذي يرفض لقاءً بحجة الخوف يبدو خائفاً. وأنا لا أريد أن أبدو خائفاً في موسكو.» قال نيكولاي ببطء: «الخوف والحذر شيئان مختلفان يا يوسف.» «أعرف. لكن موسكو لا تُفرق بينهما من الخارج.» المقهى كان صغيراً وهادئاً. طاولات خشبية ونوافذ مبخرة من البرد الخارجي ورائحة قهوة وخشب محترق من موقد في الزاوية. باشكوف كان جالساً في الطرف البعيد بكوب أمامه لم يلمسه. جلستُ. «قهوة؟» سأل. «شكراً.» أشار للنادل. جاءت القهوة في دقيقة. لم يبدأ فوراً. شرب رشفة ونظر من النافذة للشارع خا
last updateLast Updated : 2026-05-27
Read more
PREV
1
...
67891011
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status