All Chapters of سيبيريت: Chapter 111 - Chapter 120

133 Chapters

اسمه زياد

الرجل الذي يعود من رحلة منتصراً، يحمل معه شيئاً آخر لا يراه: الثقة الزائدة التي تجعله أعمى عن الخطر القادم من الاتجاه الذي لم يحسب له حساباً. عدتُ إلى دمشق بعد أسبوع، أحمل معي اتفاق آسيا الوسطى كانتصار واضح، لكنني أحمل أيضاً قلقاً خفياً بخصوص اختفاء الموزع. كمال استقبلني هذه المرة في مكتبه الرسمي، وكان هناك شيء مختلف في طريقة جلوسه — توتر مكتوم لم أعهده فيه من قبل. «اتفاق آسيا الوسطى ممتاز،» قال بعد أن استمع لتقريري المختصر. «لكن لدي خبر أقل سروراً.» «أخبرني.» «الموزع الذي اختفى عندك في موسكو — اسمه وصل إلى هنا.» شعرتُ بشيء يتجمد في صدري. «كيف؟» «رجل يُدعى زياد القاسمي. تعرفه؟» لم أعرفه شخصياً، لكنني سمعتُ الاسم يتردد في أحاديث جانبية بين رجال كمال — تاجر طموح بدأ يتوسع بسرعة مريبة في الأشهر الأخيرة، يحاول أن يبني لنفسه موطئ قدم في أكثر من سوق حساس في آن واحد. «سمعتُ الاسم. لم ألتقِ به.» «ستلتقي به قريباً، شئتَ أم أبيتَ. لأن الموزع الذي اختفى في موسكو، كان يعمل لصالحه في الخفاء منذ أشهر. كان يسرّب معلومات عن خطوط التوزيع، وعن شركائك في كازاخستان، وعن... بعض ما رأيتَه في ذلك
Read more

أول رصاصة

الرجل الذي يرسل تحذيره الأول بابتسامة، لا يريد حرباً بعد. يريد أن يرى كيف ترد على لمسة خفيفة، قبل أن يقرر إن كانت الضربة القوية تستحق العناء. التقيتُ زياد القاسمي بعد أسبوعين، في ظرف لم أختره بنفسي. كانت دعوة عشاء في بيت أحد رجال الأعمال المحايدين، رجل يحاول أن يبقى على علاقة جيدة مع كل الأطراف بلا أن ينحاز لأحد. وجدتُ نفسي جالساً على نفس الطاولة مع زياد، وجهاً لوجه لأول مرة. كان رجلاً متوسط الطول، أنيقاً بإفراط، بابتسامة لا تفارق وجهه حتى في اللحظات التي يفترض أن تستدعي جدية. صافحني بحرارة مصطنعة. «سمعتُ الكثير عنك يا سيد يوسف. الرجل الذي جاء من سيبيريا ليبني إمبراطورية في دمشق.» «وأنا سمعتُ القليل عنك،» قلتُ بهدوء. «لكن ما سمعتُه كان كافياً.» ابتسم زياد ابتسامة أوسع، كأن الإشارة المبطّنة سرّته بدل أن تستفزّه. «أحب الرجال الذين لا يخفون ما يعرفونه. يوفّر ذلك الكثير من الوقت.» طوال العشاء، تبادلنا حواراً مهذباً ظاهرياً، مليئاً بإشارات خفية تحتها. تحدّث عن "فرص جديدة في السوق" بطريقة جعلتني أفهم أنه يتحدث عن مناطق نفوذي أنا تحديداً. تحدّث عن "شركاء غير موثوقين" بطريقة بدت موجهة
Read more

أسلحة لم تُطلَق بعد

الرجل الذي يضرب أولاً في الظلام، يظن أنه يحسم المعركة. لكنه أحياناً لا يفعل سوى أن يُوقظ خصماً كان لا يزال نائماً نصف يقظته. جاءت الضربة الأولى من زياد بعد عشرة أيام، ولم تكن ضربة مباشرة ضدي، بل ضد شيء أكثر إيلاماً: شركتي للنقل والتوزيع التي بنيتُها في دمشق كواجهة قانونية لعملياتي. اتصل بي محاسبي صباحاً بصوت مرتبك. «السيد يوسف، هناك مشكلة. الجمارك أوقفت ثلاث شحنات لنا بدعوى مخالفات في الأوراق. كل شيء كان قانونياً تماماً، لكن فجأة...» فهمتُ على الفور. لم تكن مصادفة. كان توقيت الإيقاف دقيقاً جداً ليكون عشوائياً — ثلاث شحنات في وقت واحد، بدعاوى لم تكن موجودة من قبل. اتصلتُ بعماد فوراً، الضابط الذي قابلته في اجتماع كمال الأول. «عماد، أحتاج معرفة من أصدر أمر إيقاف شحناتي.» استغرق الأمر ساعتين ليعود إليّ بجواب. «الأمر صدر من مكتب صغير في الجمارك، لكن التوقيع الفعلي يعود لشخص مقرّب من زياد القاسمي. لم يكن قراراً رسمياً بالكامل — كان استخداماً لنفوذ شخصي.» شعرتُ بغضب هادئ يتصاعد في داخلي، نوع الغضب الذي تعلّمتُ في سيبيريا أن أحوّله إلى تركيز بدل أن أتركه يتحول إلى انفعال يكشف ضعفي. ذ
Read more

الضربة بلا توقيع

الرجل الذي يكسر سمعة خصمه برسالة لا تحمل توقيعه، يتعلم أن أقوى الضربات هي تلك التي لا يعرف أحد من وجّهها فعلاً. انتظرتُ ثلاثة أسابيع قبل أن أستخدم ما جمعته عن زياد. لم يكن الانتظار كسلاً، بل حساباً دقيقاً. أردتُ أن تأتي الضربة في وقت يكون فيه زياد في أوج ثقته، حين يظن أن صمتي يعني خوفي أو استسلامي. اللحظة المثالية جاءت حين علمتُ أنه يستعد لعقد صفقة كبيرة مع مستثمر خليجي، صفقة كانت ستمنحه دفعة قوية في دوائر النفوذ التي يحاول اختراقها منذ سنوات. استخدمتُ شبكتي بهدوء فائق. لم تخرج المعلومات مني مباشرة، بل عبر سلسلة معقدة من الوسطاء — رجل أعمال يعرف صحفياً، صحفي يعرف مستشاراً قانونياً للمستثمر الخليجي نفسه، ومستشار قانوني بدأ يطرح أسئلة حذرة عن سمعة زياد المالية والأخلاقية قبل توقيع أي اتفاق. لم أذكر اسمي في أي مرحلة من هذه السلسلة. كل ما فعلته كان توجيه المعلومات الصحيحة إلى الأذن الصحيحة، في الوقت الصحيح، وتركها تنمو بنفسها كنار صغيرة تجد حطباً جافاً. النتيجة جاءت أسرع مما توقعتُ. انسحب المستثمر الخليجي من الصفقة بهدوء، بحجج دبلوماسية لا تذكر السبب الحقيقي. خسارة زياد لم تكن مالية
Read more

الشبكة البديلة

الرجل الذي يُستدعى لاجتماع لم يكن على جدول أعماله، يعرف أن شيئاً تغيّر في نظرة من استدعاه إليه. إما أنه صعد درجة، أو أنه اقترب أكثر مما يجب من نار لا يراها بعد. استدعاني كمال بعد شهر من سقوط صفقة زياد، إلى اجتماع لم أكن أتوقعه على الإطلاق. لم يكن في مكتبه ولا في بيته، بل في قاعة اجتماعات صغيرة داخل مبنى حكومي لم أدخله من قبل. وحين وصلتُ، وجدتُ نفسي أمام ثلاثة رجال لم أرهم من قبل، يرتدون بدلات رسمية، يحملون في عيونهم ذلك الثقل الذي يحمله من اعتاد اتخاذ قرارات تؤثر على مصائر كثيرة. «يوسف،» قال كمال، مقدّماً إياي بصوت رسمي مختلف عن نبرته المعتادة، «هؤلاء زملاء أثق بهم. أردتُ أن يروك بأنفسهم، لا أن يسمعوا عنك فقط.» جلستُ، أشعر بثقل أنظارهم تتفحصني بصمت. كان واضحاً أن هذا الاجتماع لم يكن عادياً — كان نوعاً من العرض، تقديم رسمي لي أمام دائرة أوسع من تلك التي عرفتُها حتى الآن. تحدّث أحدهم، رجل في الستينات بشعر رمادي ونظرة حادة، عن "حاجة متزايدة لرجال يفهمون كيف يتحركون بين العالمين — العالم الرسمي وعالم الظل." لم يذكر تفاصيل محددة، لكن الرسالة كانت واضحة: يبحثون عن رجل يستطيع أن يكون جس
Read more

صوت أمي

الرجل الذي يبني ملاذاً لغيره، يكتشف في منتصف الطريق أنه يبني ملاذاً لنفسه أيضاً، بصمت، دون أن يعترف بذلك حتى لنفسه. قضيتُ الأسابيع التالية غارقاً في بناء الشبكة البديلة التي طلبها كمال. كان العمل دقيقاً ومرهقاً، يتطلب حذراً مضاعفاً عن أي مهمة سابقة قمتُ بها. فتحتُ حسابات في بنوك صغيرة في دول لا تخضع لرقابة مشددة — قبرص، الإمارات، وحتى بعض الدول الإفريقية التي لا تطرح أسئلة كثيرة. أسّستُ شركات وهمية تحمل أسماء بريئة، تديرها وجوه لا علاقة ظاهرية لها بكمال أو بي. في خضم هذا العمل، اتصلت بي أمي من حلب لأول مرة منذ أسابيع. صوتها كان كما هو دائماً — دافئاً، لكن فيه ذلك القلق الخفي الذي لا تستطيع أي أم إخفاءه عن ابنها مهما حاولت. «يوسف، متى ستزورنا؟ مرّ وقت طويل.» شعرتُ بثقل السؤال أكثر من المعتاد. كنتُ غارقاً جداً في عالم كمال، في حساباته وشبكاته وخططه، لدرجة أنني نسيتُ، لفترة، أن لي أماً تنتظرني في مدينة أخرى، تحمل قلقها الصامت كل يوم منذ أن غادرتُ سوريا قبل سنوات. «قريباً يا أمي. أعدك.» «تقول هذا منذ شهور يا ابني.» لم يكن في صوتها لوم حاد، بل ذلك النوع من الحزن الهادئ الذي يثقل ا
Read more

نصف المفاتيح

الرجل الذي يُسلَّم مفتاحاً واحداً يفهم أنه موضع ثقة. الرجل الذي يُسلَّم كل المفاتيح، يفهم أنه أصبح جزءاً لا يتجزأ من البيت نفسه، حتى لو لم يكن صاحبه الحقيقي. أنهيتُ بناء الشبكة البديلة بعد أسبوعين كما وعدتُ. كانت شبكة معقدة بثلاث طبقات — حسابات مالية موزعة على ست دول، شركات وهمية تتشابك ملكياتها بطريقة يصعب تتبعها حتى على محققين محترفين، وقنوات اتصال مشفّرة لا تمر عبر أي خط يمكن تتبعه بسهولة. كانت أفضل عمل قمتُ به منذ سنوات، وشعرتُ بفخر هادئ وأنا أراجع كل تفصيل قبل أن أقدّمه لكمال. استدعاني إلى بيته الخاص، حيث جرى لقاؤنا الأول الحقيقي بعيداً عن المكتب الرسمي. هذه المرة لم يكن هناك نبيذ ولا حديث تمهيدي. جلس أمام الأوراق التي قدمتُها له، يقرأ بتركيز شديد لدقائق طويلة بصمت تام. حين انتهى، رفع عينيه إليّ بنظرة لم أرها من قبل — ليست نظرة المعلم الذي يقيّم تلميذه، بل نظرة رجل يقيّم شريكاً حقيقياً. «هذا أكثر مما طلبتُه،» قال أخيراً. «أنت لم تبنِ شبكة طوارئ فقط. بنيتَ بنية تحتية كاملة يمكن أن تخدم أغراضاً أخرى كثيرة، إن احتجنا إليها يوماً.» «كان هذا الهدف. شبكة لا تخدم سيناريو واحداً، ب
Read more

العودة التي ليست رجوعاً

المدينة التي تهرب منها، لا تنتظرك كما تركتَها. تكبر بدونك، تتغيّر بدونك، وحين تعود إليها، تكتشف أنكما أصبحتما غريبين يحاولان تذكّر لغة مشتركة نسياها معاً. وصلتُ إلى حلب بعد ظهر يوم خريفي هادئ. لم آتِ بموكب من السيارات كما كنتُ أفعل في دمشق، بل بسيارة واحدة، أقودها بنفسي، تماماً كما فعلتُ في أول زيارة لبيت كمال. أردتُ أن أدخل مدينتي القديمة كرجل عائد، لا كزعيم يستعرض قوته. الشوارع التي تركتُها قبل سنوات كانت لا تزال هناك، لكنها بدت أصغر مما تذكرتها — ظاهرة غريبة تحدث دائماً حين يعود الإنسان إلى أماكن طفولته بعد أن كبر العالم من حوله بطرق أخرى. مررتُ بالحي القديم، بالأسواق التي اعتدتُ المرور فيها وأنا طفل، وشعرتُ بخليط من الحنين والغربة لا أستطيع وصفه بدقة. لم أذهب إلى بيت أمي القديم مباشرة. ذهبتُ أولاً إلى العقار الذي اشتريتُه لها قبل أسابيع عبر وكيل موثوق — فيلا صغيرة في حي هادئ خارج صخب المدينة، بحديقة بسيطة وغرف واسعة مضاءة جيداً. أردتُ أن أرى المكان بنفسي قبل أن أصطحبها إليه. كانت الفيلا أجمل مما تخيلتُ من الصور التي أرسلها الوكيل. وقفتُ في حديقتها الصغيرة، أتخيل أمي تجلس هناك
Read more

كريم

الوجه الذي عرفتَه طفلاً، حين تراه رجلاً، يحمل لك مرآتين في آن واحد: مرآة تُريك من كنتَ، ومرآة أخرى تُريك بوضوح أشد من كنتَ تخدع نفسك بشأنه. في اليوم الثالث من إقامتي في حلب، خرجتُ للتجول في الحي القديم وحدي. كنتُ أمشي بلا وجهة محددة حين سمعتُ صوتاً يناديني باسمي الكامل، اسم لم يستخدمه أحد منذ سنوات طويلة. «يوسف حمدان؟ يا الله، أنت حقاً يوسف؟» التفتُّ فوجدتُ رجلاً في عمري تقريباً، وجهه يحمل ملامح بدت مألوفة بشكل غامض حتى تذكرتُ فجأة — كريم، صديق الطفولة الذي كنا نلعب معاً في زقاق ضيق خلف بيتنا القديم، قبل أن تفرقنا الحياة كل في طريق مختلف تماماً. «كريم! لم أتوقع أن أراك هنا.» عانقني بحرارة صادقة، ثم تراجع خطوة ليتفحصني من رأسي حتى قدمي بنظرة مليئة بالدهشة. «انظر إليك! يبدو أنك أصبحتَ رجلاً مهماً. سمعتُ أنك سافرتَ إلى روسيا، لكن لم أتخيل... هذا.» أشار بيده إلى ملابسي، إلى الساعة التي أرتديها، إلى السيارة المنتظرة على بُعد أمتار. جلسنا في مقهى قديم كنا نزوره معاً في المراهقة، وتبادلنا الحديث عن سنوات طويلة من الانفصال. أخبرني كريم عن حياته — زواج، ثلاثة أطفال، عمل بسيط في محل أدوا
Read more

عمي سليم

الرجل الذي يهرب من ماضيه، يظن أنه يهرب من ذكريات فقط. لكنه أحياناً يهرب أيضاً من أشخاص لا يزالون أحياء، ينتظرون بصبر أن يعود ليواجههم بما تركه خلفه. في اليوم الخامس من إقامتي، استقبلتني أمي بخبر لم أتوقعه: «عمك سليم يريد رؤيتك.» شعرتُ بتوتر فوري عند سماع الاسم. سليم، شقيق والدي الأصغر، كان رجلاً لم تربطني به علاقة جيدة قط، حتى قبل أن أغادر سوريا. كان دائماً يحمل تجاه عائلتنا الصغيرة مزيجاً من الشفقة والازدراء، خاصة بعد وفاة والدي المبكرة، حين تُرِكنا أنا وأمي بلا سند مالي حقيقي، بينما كان سليم يرفض مساعدتنا بحجج واهية متكررة. «لماذا يريد رؤيتي الآن؟» سألتُ أمي. «سمع بنجاحك. أعتقد أنه... يريد أن يعتذر، أو ربما يريد شيئاً آخر. لا أعرف بالضبط.» قبلتُ اللقاء على مضض، أكثر فضولاً مني رغبة حقيقية في المصالحة. وجدتُ سليم في بيته القديم، قد تقدّم به العمر كثيراً منذ آخر مرة رأيته فيها. استقبلني بحفاوة مبالغ فيها، حفاوة جعلتني أشعر بعدم الارتياح أكثر من أي عداء صريح كان سيشعرني به. «يوسف! يا ابن أخي! كم اشتقتُ لرؤيتك!» جلسنا، وبعد دقائق من المجاملات الفارغة، وصل أخيراً إلى ما أراد قوله
Read more
PREV
1
...
91011121314
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status