جميع فصول : الفصل -الفصل 30

118 فصول

الفصل الحادي والعشرون

"الإنسان لا يعتاد النجاة وحده… لكنه يخاف الاعتياد على وجود شخص آخر"كانت المشكلة في تاليا أنها أمضت سنوات طويلة وهي تقنع نفسها أن القوة تعني الصمت، وأن تحمل الألم وحدك نوع من الشجاعة، وأن طلب المساندة ضعف، حتى أصبحت تلك الأفكار جزءًا منها، جزءًا ثابتًا يصعب نزعه، لذلك حين أرسلت الرسالة إلى زين، وحين كتبت ببساطة: "ممكن أشوفك؟"، شعرت بعدها مباشرة برغبة في حذفها، وكأنها ارتكبت خطأ، أو كشفت شيئًا لا يجب كشفه.لكن الرسالة أُرسلت.والرد جاء سريعًا."ابعتي المكان."دون سؤال.دون: ماذا حدث؟دون: هل أنتِ بخير؟ودون فضول مزعج متخفٍ تحت اسم الاهتمام.فقط…كان هناك.وهذا الشيء تحديدًا، البسيط جدًا، جعل شيئًا داخلها يرتجف بخفة.لم تعد للمنزل.لم تستطع.شعرت أن الجدران ستخنقها، وأن نظرات أمها القلقة ستجعلها تنهار، لذلك قادت السيارة بلا تركيز تقريبًا حتى توقفت أمام الكورنيش الهادئ القريب من النيل، المكان الذي كانت تأتي إليه أحيانًا أثناء الجامعة حين تصبح الحياة أثقل من قدرتها على الفهم.أوقفت السيارة ونزلت.الهواء كان باردًا قليلًا، والليل هادئ على غير المعتاد، وعدد الناس قليل، مجرد أفراد متفرقين يم
اقرأ المزيد

الفصل الثاني والعشرون

"حين يبدأ القلب في الاطمئنان، يخاف العقل أكثر"في تلك الليلة، وبعد أن أوصلت نفسها إلى المنزل، وبعد أن صعدت الدرج بهدوء حتى لا تقلق والدتها التي كانت تنام مبكرًا منذ فترة بسبب ضغطها المرتفع، وبعد أن أغلقت باب غرفتها واستندت إليه للحظات طويلة دون سبب واضح، أدركت تاليا شيئًا صغيرًا لكنه أربكها أكثر مما توقعت، أدركت أنها لأول مرة منذ شهور طويلة، وربما سنوات، لا تشعر أن الحزن يلتهمها كاملة.كان موجودًا.الألم موجود.والغضب أيضًا.والخيبة.لكن هناك شيء آخر ظهر بينهم جميعًا.شيء غريب.هادئ.يشبه الأمان.وهذا تحديدًا أخافها.لأن الإنسان الذي اعتاد حمل كل شيء وحده، يصبح الأمان بالنسبة له شيئًا مقلقًا أكثر من الوحدة، فالاعتياد على وجود شخص قد يتحول لخسارة جديدة لاحقًا، والخسارات المتكررة تجعل البشر أكثر حذرًا حتى من الأشياء الجميلة.جلست فوق السرير ببطء، ثم فتحت هاتفها دون تفكير تقريبًا، توقفت عيناها عند المحادثة الأخيرة.زين:"أنا موجود."مجرد كلمتين.لكن منذ متى أصبحت الكلمات البسيطة تترك هذا الأثر؟تنهدت بسرعة وأغلقت الهاتف فورًا، وكأنها هربت من فكرة.ثم ضحكت بخفة على نفسها.ضحكة متعبة.لأنه
اقرأ المزيد

الفصل الثالث والعشرون

"بعض المشاعر لا تبدأ باعتراف، بل تبدأ حين يصبح وجود شخص ما جزءًا من يومك دون أن تنتبه"حين عرض زين فكرة العشاء بهذه البساطة، لم تشعر تاليا بالصدمة بقدر ما شعرت بشيء أكثر إرباكًا، شعرت أن الأمر بدا طبيعيًا أكثر مما ينبغي، وكأنهما فعلا هذا من قبل عشرات المرات، وكأن وجوده معها خارج إطار الشركة لم يعد حدثًا يستحق التفكير الطويل، والمشكلة الحقيقية لم تكن هنا، المشكلة أنها لم ترفض فورًا.وهذا وحده…كان جديدًا.ظلت تنظر إليه ثانيتين أطول من اللازم، محاولة فهم إن كان يقصد شيئًا أكثر أو أقل، لكنها كالعادة لم تجد سوى ذلك الهدوء المستفز، الهدوء الذي يجعل قراءة ما يفكر فيه مهمة شبه مستحيلة.قالت أخيرًا محاولة أن يبدو صوتها طبيعيًا:ـ "عشاء شغل؟"ظهر شيء خافت داخل عينيه.شيء أقرب للسخرية.ثم قال:ـ "إنتِ بتحاولي تحطي تصنيف لكل حاجة؟"عقدت حاجبيها فورًا.ـ "مش فاهمة."أخذ الملف من فوق الطاولة بهدوء، ثم أجاب:ـ "لو قولت عشاء شغل، هترتاحي أكتر؟"…وتوقفت.لأن السؤال لم يكن عن العشاء أصلًا.كان عن المسافات التي تضعها.عن الحدود.عن خوفها.وهذا أربكها.فأجابت بسرعة أكبر مما أرادت:ـ "أنا بس بسأل."رفع
اقرأ المزيد

الفصل الرابع والعشرون : أكثر الأشياء رعبًا، ليست الوقوع في الحب، بل أن تجد نفسك مطمئنًا بعد أن أقسمت ألا تطمئن لأحد مجددًا

في تلك الليلة، وبعد أن صعدت تاليا إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها بهدوء، لم تتجه مباشرة لتبديل ملابسها أو ترتيب حقيبتها كما تفعل دائمًا بعد يوم طويل، بل جلست فوق طرف السرير للحظات، ساكنة تمامًا، بينما عقلها يعيد تفاصيل اليوم بشكل أزعجها، ليس لأن شيئًا كبيرًا حدث، فلم يكن هناك اعتراف، ولا لمسة طويلة، ولا كلمات مباشرة، بل على العكس، كل شيء كان بسيطًا بشكل مخيف، عشاء عادي، حديث هادئ، ضحكات متفرقة، اهتمام صغير، ونظرات توقفت ثانية أكثر من اللازم.والمشكلة أن الأشياء البسيطة هي التي تترسخ.دائمًا.أما الأحداث الصاخبة فتتعب القلب سريعًا.لكن الهدوء…الهدوء يتسلل.وهذا ما كان يحدث معها.وضعت يدها فوق عينيها وأخذت نفسًا طويلًا، ثم همست لنفسها بصوت منخفض كأنها تحاول إقناع عقلها:ـ "إنتِ مكبرة الموضوع."لكن حتى هي لم تصدق.لأن جزءًا صغيرًا داخلها، الجزء الذي ظل خائفًا منذ خيانة رامي، بدأ يرتخي ببطء، وهذا أخافها أكثر من أي شيء.في الصباح التالي استيقظت على صوت هاتفها يهتز فوق الطاولة الجانبية، مدت يدها دون تركيز وهي ما تزال نصف نائمة، توقعت رسالة عمل أو تنبيه اجتماع، لكنها توقفت حين رأت الاسم.زين.
اقرأ المزيد

الفصل الخامس والعشرون

الإنسان لا يخاف من الخيانة الأولى بقدر خوفه من أن يكتشف أن قلبه ما يزال قادرًا على الانكسار مرة أخرىفي الثواني الأولى بعد فتح الصورة، لم تشعر تاليا بشيء واضح، لم يكن غضبًا، ولا صدمة كاملة، بل ذلك الفراغ الغريب الذي يسبق استيعاب الكارثة، كأن العقل يرفض استقبال المعلومة مباشرة ويقرر تأجيل الألم قليلًا، فقط دقائق، فقط حتى تتمكن من التنفس.وظلت تحدق في شاشة الهاتف.مرة.ومرتين.وثلاث.الصورة لم تكن حميمة بشكل صريح، لا يوجد عناق، ولا شيء يمكن الحكم عليه بسهولة، لكن قرب المرأة منه، والطريقة التي كانت تنظر بها إليه، والابتسامة الصغيرة فوق شفتيها، كل ذلك كان كافيًا ليصنع عشرات الأسئلة.والأسوأ…أن الاسم الذي ظهر داخل رأسها فورًا كان مألوفًا.ليلى.حبيبة زين السابقة.المرأة التي خانته.أو هكذا أخبرها.تذكرت كلامه قبل أسابيع طويلة، حين قال بصوته الهادئ المعتاد إن الخيانة لا تتحدث عن الشخص الذي تعرض لها، بل عن الشخص الذي خان.كان يبدو وقتها صادقًا.بل أكثر من صادق.بدا موجوعًا.وهذا تحديدًا ما جعل الصورة تربكها.لأن الوجع الحقيقي لا يمكن تزويره بسهولة.أليس كذلك؟اهتز الهاتف مجددًا.رسالة أخرى
اقرأ المزيد

الفصل السادس والعشرون

الإنسان حين يخاف فقدان شخص، يبدأ لأول مرة في إدراك قيمته، والمشكلة أن هذا الإدراك يأتي متأخرًا أحيانًاحين خرج السؤال من فمها، "إنت كنت بتحب ليلى قد إيه؟"، شعرت تاليا فورًا أنها ارتكبت خطأ، ليس لأنها سألت، بل لأن نبرة صوتها لم تكن محايدة كما أرادت، كان هناك شيء خافت فيها، شيء أقرب للقلق، أو الفضول المؤلم، أو ربما خوف لم تعترف به لنفسها بعد.أما زين…فتغير.لم يكن تغيرًا واضحًا يمكن لأي شخص ملاحظته، لم تتجمد ملامحه فجأة، ولم يظهر الغضب أو التوتر، لكنه كان يعرفه من يراقبه جيدًا فقط، مثل تاليا الآن، التغير كان بسيطًا جدًا، نظرة عينيه أصبحت أهدأ بشكل مبالغ فيه، وكتفاه استرخيا قليلًا بالطريقة التي يفعلها البشر حين يقتربون من جرح قديم.وبقي صامتًا ثانيتين.ثلاث.حتى بدأت تشعر بالندم.ثم قال أخيرًا:ـ "سؤال غريب."كان صوته منخفضًا.هادئًا كعادته.لكن هناك ثقل خفيف لم تعرفه فيه من قبل.أبعدت نظرها بسرعة وقالت:ـ "لو مش عايز تجاوب… عادي."كانت مستعدة للتراجع.كما تفعل دائمًا.لكن صوته جاء بعدها مباشرة:ـ "كنت بحبها بالشكل الغلط."…توقفت.ورفعت رأسها نحوه ببطء.أما هو…فنظر أمامه للطريق الممتد
اقرأ المزيد

الفصل السابع والعشرون

أحيانًا لا يؤلمنا أن يبتعد الناس، بل يؤلمنا أننا خذلنا الشخص الوحيد الذي بدأنا نصدق أنه مختلف بقيت تاليا واقفة أمامه للحظات طويلة دون أن تعرف ماذا تقول، بينما كانت آخر جملة خرجت منه ما تزال تتردد داخل رأسها بشكل مزعج: "كنت متوقع منك تثقي." لم يكن غاضبًا حين قالها. وهذا أسوأ. لأن الغضب يمكن الرد عليه. أما الخيبة الهادئة… فتترك الإنسان عاجزًا. شعرت بشيء ثقيل يستقر داخل صدرها ببطء، وهي تنظر إليه لأول مرة منذ عرفته وتحس أن هناك مسافة صغيرة ظهرت بينهما، مسافة لم يصنعها هو، بل صنعتها هي، بخوفها، بشكها السريع، بالندوب القديمة التي جعلتها تهرب قبل أن تسأل. خفضت عينيها أخيرًا، ثم قالت بصوت أهدأ مما توقعت: ـ "أنا آسفة." خرجت الكلمة بسيطة. صادقة. ودون دفاع. رفعت رأسها بعدها مباشرة، كأنها مستعدة لأن يرفض الاعتذار أو يتجاهله، لكنه لم يفعل، فقط ظل ينظر إليها تلك النظرة نفسها، الهادئة بشكل أزعجها منذ البداية. ثم قال بعد ثوانٍ: ـ "إنتِ معملتيش حاجة تستحقي تعتذري عليها." عقدت حاجبيها فورًا. ـ "إزاي؟" زفر بخفة، ثم أبعد نظره للطريق المزدحم أمامهما وقال: ـ "الخوف بي
اقرأ المزيد

الفصل الثامن والعشرون

أكثر المعارك قسوة، ليست تلك التي تخوضها ضد أعدائك، بل التي تضطر فيها لحماية الشيء الذي بدأ يصبح مهمًا لقلبكحين رأت اسم رامي يضيء فوق شاشة الهاتف، شعرت بشيء بارد يمر داخلها بسرعة، لأن التوقيت وحده كان كافيًا ليجعل عقلها يبدأ الربط بين الأشياء، المنشور المنتشر، الصورة، الهمسات داخل الشركة، ثم مكالمته الآن.كأن الماضي كله قرر العودة دفعة واحدة.بقي الهاتف يهتز بين يديها بينما كانت نهى تراقبها بقلق واضح.ثم قالت الأخيرة بسرعة:ـ "مش هتردي صح؟"رفعت تاليا عينيها إليها.وظلت صامتة لحظة.لكنها كانت تفكر.تفكر بشكل مختلف هذه المرة.قديمًا كانت ستخاف.كانت ستتردد.أما الآن…هناك شيء تغير فيها.شيء صغير.لكنه موجود.أخذت نفسًا بطيئًا.ثم ضغطت زر الإجابة.جاء صوت رامي فورًا، متوترًا بشكل لم تعتده:ـ "تاليا."عقدت حاجبيها.ـ "في إيه؟"ساد الصمت لثانية.ثم قال بسرعة:ـ "إنتِ كويسة؟"نظرت أمامها باستغراب خفيف.هذا ليس ما توقعته.ردت ببرود:ـ "واضح إن السؤال متأخر شوية."تنهد من الطرف الآخر.تنهدة ثقيلة.ثم قال:ـ "أنا شوفت الخبر."تجمدت أصابعها قليلًا حول الهاتف.وأكمل:ـ "وعارف إن اللي حصل مش صدف
اقرأ المزيد

الفصل التاسع والعشرون

بعض الأشخاص لا يكتفون بأخذ ما يريدون، بل يحاولون تدمير كل شيء لم يستطيعوا امتلاكهظل اسم رامي ظاهرًا فوق شاشة الهاتف لثوانٍ طويلة، بينما شعرت تاليا بأن العالم حولها يتحرك أسرع مما تستطيع استيعابه، وكأن الأحداث التي كانت تتراكم ببطء خلال الأشهر الماضية قررت فجأة الانفجار دفعة واحدة، ولم تعد تعرف أي مصيبة يجب أن تفكر بها أولًا، المنشور المنتشر، النظرات داخل الشركة، اسم ريم الذي عاد بعد اختفاء طويل، أم حقيقة أن رامي نفسه يتصل بها بعد كل ما حدث بينهما.أخذت نفسًا بطيئًا قبل أن تضغط زر الإجابة.جاء صوته فورًا.لكن هذه المرة…لم يكن الصوت الذي تتذكره.لا الرجل الواثق الذي كان يتحدث وكأن كل شيء مضمون، ولا الخطيب الذي اعتاد أن يجعلها تشعر أن تقصيرها هو السبب في كل مشكلة.كان صوته متعبًا.مترددًا.كأنه يحمل شيئًا أثقل منه.ـ "تاليا."ردت بهدوء متحفظ:ـ "قول."ساد الصمت ثانيتين.ثم قال:ـ "إنتِ في الشركة؟"عقدت حاجبيها.ـ "آه."ـ "خلي بالك من نفسك النهارده."…توقفت.لأن الجملة وحدها بدت غريبة.فسألته مباشرة:ـ "إنت تعرف إيه؟"زفر من الطرف الآخر.تنهدة طويلة.ثم قال:ـ "مش كل حاجة، بس أعرف إن ر
اقرأ المزيد

الفصل الثلاثون

أخطر الأشخاص ليسوا الذين يكرهونك، بل الذين أحببتهم يومًا، لأنهم يعرفون جيدًا أين يضعون السكينبمجرد أن انتهت ريم من جملتها، "يمكن بس عايزة أشوفك بتخسري حاجة بتحبيها."، ساد صمت ثقيل داخل المكتب، ذلك النوع من الصمت الذي يسبق الانفجار، بينما شعرت تاليا أن الدم داخل عروقها تباطأ فجأة، لأن الكلمات رغم هدوئها لم تكن مجرد تهديد، بل اعتراف، اعتراف واضح بأن ما يحدث ليس صدفة، وليس سوء تفاهم، بل شيء مقصود، مخطط له.وحين لم ترد تاليا فورًا، خرجت ضحكة خافتة من الطرف الآخر.ضحكة كانت تعرفها جيدًا.ضحكة ريم حين تشعر أنها تملك السيطرة.كم كرهت تلك الضحكة قديمًا دون أن تفهم السبب.أما الآن…ففهمت.قالت ريم بصوت ناعم:ـ "ساكتة ليه؟"قبضت تاليا أصابعها حول الهاتف بقوة حتى ابيضت مفاصلها، لكنها أجبرت صوتها أن يبقى ثابتًا:ـ "إنتِ عايزة إيه؟"وجاء الرد فورًا:ـ "سألتِ السؤال ده قبل كده."صمتت ثانية.ثم أكملت:ـ "بس المرة دي الإجابة مختلفة."شعرت تاليا بوجود زين قربها، لم يقترب كثيرًا، لكنه كان واقفًا بحيث تسمع أنفاسه الهادئة، وذلك وحده، بشكل غريب، منع ارتجاف يدها.أما ريم…فأردفت بهدوء مخيف:ـ "زمان كنت عا
اقرأ المزيد
السابق
123456
...
12
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status