All Chapters of مدن لا تشبه الحب : Chapter 61 - Chapter 70

141 Chapters

البارت الحادى والستون

عادت كايلا إلى الفيلا في وقت متأخر، وقد تحسنت حالتها النفسية والمزاجية كثيراً بعد الوقت الدافئ والبريء الذي قضته برفقة أمل وطارق؛ لكن تلك الابتسامة المرتسمة على وجهها تلاشت بـالكامل ما إن خطت نحو الحديقة، حيث تفاجأت بـشقيقها الأكبر، سادن الهاشمي، بـهيبته وكبريائه، غافياً بـإعياء على تلك الأرجوحة الخشبية، وملامح وجهه غارقة في حزن باهت وانكسار لم تعهده فيه من قبل. شعرت كايلا بـالألم يعتصر قلبها من أجله؛ فـهي تعلم كم هو قاسٍ وجع الفراق والخذلان. تقدمت بخطى وئيدة، وجلست بجواره على طرف الأرجوحة تتطلع إليه بـأسف وشفقة، ثم لكزته في كتفه بـخفة وحنان حتى استيقظ؛ فتح سادن عينيه بـثقل، وتلفت حوله بـتشتت يحاول أن يدرك المكان الذي هو فيه ويعيد ترتيب واقعه، ثم اعتدل في جلسته بـمشقة ومسح بـكفيه على وجهه المجهد لـيطرد بقايا النوم، وسأل كايلا بـصوت مبحوح يحمل عتباً خفيفاً عن سبب تأخرها بالخارج حتى هذه الساعة. ظلت كايلا تتطلع إلى عينيه المنطفئتين بـصمت لـثوانٍ، وكأنها تقرأ حجم العذاب المستعر بـداخله، ثم اقتربت منه وربتت على يده وتردد بـرجاء حار ونبرة صادقة نبعت من عمق تجربتها - سادن.. فيروز بتحبك، و
Read more

البارت الثانى والستون

- سادن... كانت تلك هي الكلمة الوحيدة التي انقشعت من بين شفتيها بـخفوت ضائع، كلمة واحدة كانت كفيلة بـأن تفرش الممر لـتتطاير حروف العتاب، وتتبعثر الكلمات والظنون بين نفحات الأشواق الجارفة التي ملأت أركان الغرفة. ساد صمت مطبق عمّ المكان، صمت لم يكن يقطعه سوى دقات قلوبهما المتسارعة التي تخفق بـالعشق الصاخب، وأصوات أنفاسهما الحارة، الملتهبة بـنار غيرة وعشق كاد يحرق المسافات بينهما. أغلق سادن الباب خلفه بـهدوء تام، وخطا نحوها بـوعي مغيب، وعيناه تلتهمان ملامحها الشاحبة؛ حاول في عقله أن يجد الكلمات التي تليق بـاعتذاره، لكن الكلمات كلها هربت وجفت على لسانه، ولم تبقَ سوى كلمة واحدة، رددها بـنبرة رجولية مبحوحة وهو يقترب بـوجهه منها حتى التقت النظرات بـشغف، وشعرت فيروز بـسخونة أنفاسه اللاهثة تلحف وجهها وتخترق حصونها، وهو يهمس - وحشتيني... وحشتيني أوي يا فجر. في تلك اللحظة، انفرجت شفتي فيروز بـتلقائية لتبحث عن كلمة اعتراض، أو لتنفث غضبها ووجعها منه، لكنها لم تكن تعلم أنها بـذلك تسقط في فخّه بـمحض إرادتها؛ فـلم يدع لها مجالاً للكلام، بل انقضّ بـجوع ونهم طال انتظاره لـيطبق على شفتيها بـقبلة عاصف
Read more

البارت الثالث والستون

تجلس كايلا خلف مكتبها، تعاني من تخبط مشاعرها الشديد، وتصارع عاصفة تجتاح وجدانها ما بين الرفض القاطع لكل ما مضى، والحنين الغادر الذي يباغتها بين الحين والآخر. ولكن أكثر ما يؤلمها الآن، ويترك غصة حارقة في حلقها، هي تلك النظرة الجافة التي رأتها في عينَي آدم عند التقائهما العابر هذا الصباح.. فلقد كانت نظرة باردة، قاسية، كبرودة تلك العلاقة العمياء التي لم تدرك حقيقتها المرة إلا منذ زمن قصير. كم تمنت في لياليها الماضية لو عاد إليها معتذراً، نادماً، وباكياً على عتاب كرامتها؛ ولكن الاعتذار الآن أصبح بلا فائدة، فلقد مرّ الوقت الكافي لقتل حنينها واشتياقها رغماً عنها. فهي الآن، كما تطلق على نفسها دائماً أمام مرآتها، في "مرحلة التعافي".. وكم هي مرحلة ثقيلة ومؤلمة للغاية، تنزف فيها الروح صمتاً، ولكنها تعلم أنه لا خيار أمامها سوى تخطيها كاملة حتى تنقذ ما تبقى من كبريائها. نفضت الأفكار عن رأسها بـقوة، وبدأت في مراجعة الملفات بـآلية حتى لا تقع فريسة سهلة لآلام قلبها المتمرد. وبعد قليل، دلف طارق بـخطواته الهادئة المعتادة، وألقى عليها تحية الصباح بـأدب جم، لـيبدءوا سوياً العمل على أولى خطوات ذلك المش
Read more

البارت الرابع والستون

قام طارق بـتوصيلها إلى أحد المولات التجارية الكبرى، لتبدأ كايلا في عملية تسوق سريعة وخاطفة؛ كان طارق يراقبها بـإعجاب صامت، ويلاحظ سرعتها الكبيرة ودقتها العالية في الاختيار، فـهي تعرف ما تريده تماماً دون تردد. استمرت جولتهم حتى وصلت إلى متجر راقٍ للملابس النسائية، فـالتفتت إليه وطلبت منه بـأدب أن ينتظرها بضع لحظات بالخارج. وبالفعل، ما كانت إلا دقائق معدودة حتى خرجت تحمل بعض الحقائب الأنيقة، ليتوجها بعد ذلك مباشرة إلى الفيلا الخاصة بـشقيقها سادن. أوقف طارق السيارة أمام بوابة الفيلا الفخمة، فـترجلت كايلا من المقعد المجاور له، لكنها وقفت لوهلة بـتردد، ثم استدارت نحو نافذة السيارة لتوجه حديثها لـطارق قائلة بـنبرة تحمل الأسف والرجاء - طارق.. ممكن معلش تستناني هنا ربع ساعة بالظبط؟ والله مش هتيأخر عليك، هعمل حاجة جوة بسرعة وأنزلك على طول كان يطالعها بـابتسامة دافئة، ويومئ لها بـرأسه علامة الموافقة والسعادة تغمر قلبه لمجرد بقائها بجواره؛ تحركت كايلا لتسير خطوتين نحو الداخل، لكنها توقفت فجأة واستدارت له مرة أخرى، وارتسمت على وجهها ابتسامة مبهجة وهي تقول - بقولك إيه.. ممكن تتصل بـأمل دلوقتي
Read more

البارت الخامس والستون

تتوسط فيروز صدره العريض، مستسلمة تماماً لدفء أنفاسه، بينما أحاطها سادن بـذراعيه القويتين كمن يملك الكنز الأثمن في الوجود. انحنى بـرأسه بـتمهل وطبع قبلة رضا عميقة، طويلة فوق جبينها، وارتسمت على ثغره ابتسامة سعادة بالغة نبعت من أعمق نقطة في قلبه؛ فـكانت تلك اللحظة بـالذات هي الأمنية المستحيلة التي طالما ناجى بها الليل. وأخيراً، انتهى كابوس الخوف، والشك، والبعد، ليولد من بين رماده حلم واقعي، أجمل بـكثير مما نسجه في خياله. أغمض سادن عينيه لـثوانٍ، يتلذذ بـملمس بشرتها الناعمة ناصعة البياض، وعاد بـذاكرته إلى تلك الدوامة العاصفة من العشق التي خاضها منذ لحظات قليلة معها؛ اللحظات التي امتزجت فيها الأنفاس بالأنفاس، وتلاشت الحواجز تماماً لـيمتلكها وتصبح زوجته وحلاله بـالفعل والجسد والروح، معلناً انتماءه الأبدي لها. مال بـرأسه قليلاً ليقترب من أذنها الصغير، وهمس بـصوته الرجولي الأجش، المبحوح بـأثر تدفق المشاعر الساخنة التي ما زالت تسيطر على كيانه - تعبانة يا روحي؟.. قوليلي، فيه أي حاجة بتوجعك؟ عند سماع سؤاله الجريء والمليء بـالحنان، انتفض جسد فيروز بـقشعريرة دافئة، ودون وعي منها اندرست وتخفت
Read more

البارت السادس والستون

استيقظت فيروز مع أولى نسمات الصباح الدافئة، لتجد نفسها ما زالت قاطنة في أأمن بقاع الأرض؛ بين أحضانه، مستندة بـرأسها على صدره العريض الذي يعلو ويهبط بـأنفاسه المنتظمة، بينما يحيطها بذراعيه القويتين بـتملك جارف، كأنه يفرض عليها حصاراً من العشق الخالص يحميها به من العالم بـأكمله. تطلعت بـعينيها الهائمتين إلى ملامحه الرجولية؛ كم هو وسيم بـملامحه الحادة والجاذبة في آن واحد! وبـلا إرادة منها، وبتأثير سحر تلك اللحظة الصباحية، رفعت يدها النحيلة المرتعشة، وراحت أطراف أصابعها تتلمس ملامحه بـخفة قطيفة.. تحسست جبينه، ثم هبطت لـتداعب خصلات شعره المتمردة، وهي تسترجع في مخيلتها تفاصيل ليلة أمس بـأكملها؛ كم كان رقيقاً معها! كم كان حنوناً ومراعياً لـبراءتها وخوفها! لقد احتواها بـكل ما تحمله الكلمة من معانٍ، ومحا بـلمساته الدافئة كل أثر لـوجع قديم. ابتسمت فيروز بـسعادة غامرة صبغت وجهها بـالحمرة، وأغمضت عينيها لـثوانٍ كأنها تطبع ملامحه بـداخل جفونها لـتظل رفيقتها بـالأيام القادمة. ولكن، في اللحظة التي فتحت فيها عينيها، تفاجأت بـأنه كان مستيقظاً وراصداً لـلمساتها الخجولة بـأعين تشتعل بـالشغف؛ ودون مقدم
Read more

البارت السابع والستون

بالرغم من إنهماكه الشديد في مراجعة الملفات ومتابعة أرقام الصفقات المتلاحقة، إلا أن عقله لم يكن ملكاً له بـالكامل؛ فـهي كانت تتسلل إلى أفكاره ما بين الحين والآخر بـعذوبتها الطاغية، لـيلوح شبح ابتسامة دافئة ولعوبة على شفتيه، تارةً يتذكر خجلها الصباحي وأخرى يتذكر فرارها نحو الحمام. كان سادن يشتاق إليها بـضراوة، فـكل لحظة تمر بـعيدة عنها في أروقة الشركة كانت كـالدهر، الشوق يقتله ويحرق كبرياءه القديم، حتى إنه لم يستطع تحمل هذا البعد لأكثر من ساعات؛ فـتحرك بـاندفاع وجنون عاشق، وقام بـاستدعائها إلى مكتبه بـحجة العمل، مؤكداً على سكرتيرته بـنبرة حاسمة أن تجعلها تدلف فور وصولها دون أي تأخير. لحظات ثقيلة مرت عليه، عقبتها طرقاتها الرقيقة الخافتة على الباب؛ دلفت فيروز بـخطى وئيدة وعيون مسلطة بـالفعل نحو مكتبه الضخم، وشفتاها ترتسم عليهما ابتسامة رقيقة ومهذبة تليق بـمكان العمل.. لكن تلك الابتسامة زالت وتلاشت بـمجرد أن رأت المقعد الجلدي فارغاً والمكتب خالياً منه. تملّكها التشتت لـثانية واحدة، ولكنها لم تفق منها إلا وهي تتفاجأ بـحركته المباغتة من خلف الباب؛ أغلقه بـهدوء تام وقبض على خصرها النحيل، سا
Read more

البارت الثامن والستون

كانت كايلا تحمل بين يديها أوراقاً ماليّة هامة وحاسمة، تخص صفقة معلّقة تحتاج إلى توقيع آدم ومراجعته الدقيقة، حتى تطوي هذه الصفحة بـالكامل وتتفرغ لـمشروعها الجديد مع طارق بـذهن صافٍ. طرقت الباب بـهدوء وثقة، ثم دلفت لتتجمد لوهلة؛ فـالمشهد لم يكن عادياً. أختها من أبيها، دينا، تجلس بـكامل تبرّجها مقابلة لـآدم، والأنكى من ذلك هو وضعية آدم الذي كان يتأملها بـأعين جائعة تلتهم تفاصيل جسدها المكشوف بـشكل فج. ابتلعت كايلا غصتها بـسرعة، وحصّنت ملامحها بـقناع من الجماد الجليدي، ثم تقدمت وألقت تحية باردة خالية من أي مشاعر، ملتفتة بـبصرها نحو أختها لتردف بـنبرة متهكمة مغلّفة بـالهدوء - أهلاً يا دينا.. طب كنتِ تعالي يا دينا سلمي على أختك في مكتبي، والا مش عارفاه طرحت دينا بـجسدها إلى الخلف بـثقة واسترخاء، وشبكت أصابعها بـشكل مستفز؛ فـقد التقطت بـذكائها الأنثوي الماكر ذلك الارتباك المفاجئ الذي حلّ على ملامح آدم وجعله يتصلب في جلسته، بينما كانت كايلا تخصه هو بـالذات بـنظرات إشمئزاز باردة وواضحة، نظرات احتقار كانت كفيلة بإشعال الندم في جوفه. (على لسان كايلا) - دي كانت أول مرة في حياتي أشوفه على حق
Read more

البارت التاسع والستون

كانت فريدة تجلس في المكان المخصص لها، يلفها فستانها الذي اضطرت لارتدائه رغم بساطته، وبجوارها يجلس فهد، الرجل الذي اختاره قلبها عنوةً عن كل شيء. لكن، عوضاً عن بريق السعادة الذي يزين عيون العرائس، كانت فريدة تغرق في دوامة من الانكسار. لم تكن هذه اللحظة التي رسمتها في مخيلتها منذ الطفولة؛ فـنظرات والدها، فاروق، المحذرة والقاتلة التي كان يرمقها بها بين الحين والآخر، كانت بمثابة سياج حديدي يمنع قلبها من التنفس، ناهيك عن تعليماته الصارمة التي صبّها في أذنيها صباحاً، لتجعل من هذا اليوم عقد قران بطعم الجنازة. على الجانب الآخر، كانت فيروز تراقب أختها بقلب يعتصره الألم؛ فهي الوحيدة التي كانت تدرك أن وراء صمت فريدة بركاناً من القهر. وبجانبها، كان سادن يراقب المشهد بـعينين ثاقبتين، متعجباً من ذلك الصمت المطبق الذي يغلف المكان، كأنهم في مأتم لا في احتفال رسمي. زاد تعجبه من حالة التجهم والجمود التي يبدو عليها فهد وفريدة، فاقترب بـخفة من أذن فيروز وهمس بـصوت رخيم: "هو في إيه؟ الجو هنا كئيب ليه؟ كأنهم مرغمين على القعدة دي". تنهدت فيروز وأخبرته بـمقتضب عن تعليمات والدها، لـيومئ سادن برأسه في صمت، مفض
Read more

البارت السبعون

بزغت شمس يومٍ جديد، ليس كأي يوم، بل هو أول أيام العودة إلى أروقة الجامعة؛ نهضت فيروز من فراشها بنشاطٍ يغلفه حماسٌ طفولي، فهي أخيراً ستستعيد جزءاً من حياتها التي توقفت لعامٍ كامل. بينما كانت تقف أمام المرآة، تضبط خصلات حجابها بدقة متناهية، تراقصت في ذاكرتها كلمات سادن وتحذيراته التي همس بها في أذنها ليلة البارحة. كانت تعليماته حول حدود التعامل، وطريقة الحديث مع الغرباء، وتلك الغيرة الرجولية التي تفيض منه، تبدو في نظرها أثمن أوسمة الحب؛ ابتسمت بانعكاسها في المرآة، فكل حرفٍ قاله كان دليلاً إضافياً على حبه المتملك الذي صار أكسجين حياتها. لم تكد تنهي لف حجابها، حتى شعرت بذراعين قويتين تطوقان خصرها من الخلف، وبصدره العريض يلتصق بظهرها كأنه درعها الواقي. انحنى سادن ليدفن وجهه في عنقها، مستنشقاً بعمق رائحة عطرها الذي يوقد في روحه فتنة لا تنطفئ، ثم طبع قبلة حانية فوق حجابها، وقال بصوتٍ مبحوح يقطر عشقاً - تعرفي إن ده أول يوم ليا في الشركة من غيرك؟ المكان من غير ضحكتك..... هتوحشيني يا روح سادن.. يا ترى هصبر إزاي لحد ما شمسك ترجع تنور بيتنا بالليل؟ استدارت فيروز بين أحضانه، وأحاطت عنقه بذراعيه
Read more
PREV
1
...
56789
...
15
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status