جميع فصول : الفصل -الفصل 60

144 فصول

البارت الحادى والخمسون

وقفت فريدة أمام المرآة بخطى متثاقلة، ترفع يديها المرتعشتين لتلف حجابها برتابة تخلو من الروح، لكن عينيها الشاردتين لم تكن ترى انعكاس صورتها، بل كانتا تحدقان في الفراغ؛ تعيدان شريط الأحداث العاصفة التي جرت بالأمس، وتستحضر غبار معركة لم تختر خوضها. تذكرت يوم أمس بدقة مروعة.. حينما انشق باب المنزل فجأة ودلف والدها الحاج فاروق بجسده الصارم، وكان مندفعاً بـانفعال غريب لم تعهده فيه من قبل، حتى وقف أمامها مباشرة كالسد المنيع. شخص ببصره في عمق عينيها، وجاء سؤاله حاداً، مباغتاً، وقاطعاً كحد السيف وهو يسألها عن طبيعة علاقتها بفهد وما يخفيانه عنه. في تلك اللحظة الصاعقة، تجمدت الدماء في عروق فريدة، ولم تستطع أن تتفوه بحرف واحد؛ أُغلق حلقها وجف لسانها وكأن الكلمات تبخرت من صدرها. وأمام صمتها المذعور، تدخلت والدتها حياة لـتكسر حدة الموقف، وسألته بـقلق وتوجس عن سبب سؤاله المفاجئ وثورته تلك؛ ليخبرها الحاج فاروق بـنبرة حملت مزيجاً من الضيق والدهشة، أن فهد التقى به اليوم مجدداً في العمل، وأعاد عليه طلب يد فريدة بـإصرار عجيب وعزة نفس ناطحة السحاب، معتذراً بـأدب جمّ ورجولة بالغة عما بدر من والده شاكر في
اقرأ المزيد

البارت الثانى والخمسون

استندت كايلا بـجذعها على سطح مكتبها، وعيناها تشعان بـحماس وشغف طفولي، لتجيبه بـاندفاع - مبسوطة عشان هو أوحالى بـفكرة خطة عبقرية.... خطة هخلي سادن بيها يولع من الغيرة لما يعرف إن في موظف معجب بـفيروز وبيسأل عنها، وعشان... لكنها لم تستأنف حديثها؛ إذ انتفض آدم واقفاً بـغضب عارم قطع حبل أفكارها، وراح يلوح بـيديه في الهواء بـنفاذ صبر قاتل، مردداً بـصوت حاد وصراخ مكتوم - إيه؟! هي كل حياتك إتحولت لـخطط ومؤامرات وخلاص؟ أنتِ عاوزة تمشي الكون كله على مزاجك و هواكي؟ خطة عشان تجوزيهم، وخطة عشان تقربيهم من بعض، وخطة عشان مش عارف إيه..... إرحمي نفسك بقى وإرحميني.... فكري في مستقبلنا إحنا شوية.... إطلعي من دور الأفلام والروايات اللي أنتِ عايشة فيه ده، وشوفي مصلحتنا.. شوفي كدة وفكري هـتفاتحي أخوكي إزاي في موضوع جوازنا توقفت دقات قلب كايلا لوهلة، وتلفتت حولها بـضياع وصدمة شلت تفكيرها؛ اتسعت عيناها بـذهول، ورددت بـصدمة وعدم تصديق - أفاتح.. أفاتح أخويا؟ ساد الصمت لثوانٍ معدودة، بينما تراجع آدم وجلس على المقعد مرة أخرى بـثقل، وقد أدرك بـفزع الكلمة الحمقاء التي تفوه بها للتو ولكن بعد فوات الأوان. مس
اقرأ المزيد

البارت الثالث والخمسون

كانت تغرق في كابوسٍ مظلم ومخيف، تشعر وكأنها حبيسة في قاع بئر عميق، سحيق، لا يصله ضوء؛ راحت تهتف بأعلى صوتها، وتصرخ مستغيثة بـحنجرة مجروحة علّ أحداً ينقذها من هذا الهلاك، ولكن الجميع رحلوا.. تخلوا عنها وتركوا صدى صوتها يرتد إليها بـقسوة. وفي غمرة يأسها وخوفها، انشق الظلام فجأة، لتلمح طيف سادن قادماً نحوها من بعيد بـملامحه الصارمة التي تحولت إلى أمان خالص؛ مد كفه القوية نحوها بـثبات، وبـضربة واحدة من يده نجح في انتشالها وإخراجها من قاع البئر إلى النور. في الواقع، لم تكن تلك الصرخات سوى أنات مكتومة وتشنجات عنيفة هزت جسد فيروز الممدد على الفراش تحت تأثير الحمى. كانت تبكي بـغزارة، وجسدها الرقيق ينتفض بـقوة تحت الغطاء، لـيشعر بها سادن الذي لم يقو قلبه على الابتعاد طويلاً؛ فـرغم النيران التي أحرقت صدره بعد سماع اسم مروان، إلا أن بركان خوفه عليها كان أقوى وأعتى، لـيعود إلى الغرفة بـخطى لاهفة مدفوعاً بـعشقه الطاغي. اقترب سادن منها بـلهفة حارقة، ولم يجد بداً أو مفراً من أن يحتوي جسدها المتألم بـالكامل بداخل جسده العريض؛ صعد إلى الفراش ولف ذراعيه كـالحصن المنيع حول خصرها، ضاماً إياها إلى صدره
اقرأ المزيد

البارت الرابع والخمسون

بمجرد أن انشق باب الشقة ودلف طارق بـخطواته المنهكة من عناء يوم طويل في الشركة، انطلقت صائحةً تلك الفتاة الصغيرة، وركضت نحوه بـكامل حيويتها وهي تهلل بـصوت مبهج، مفعم بـالفرحة الطاغية؛ ارتمت بـأحضانها الصغيرة حول عنقه وتعانقه بـقوة أخفت وجهها في صدره. فـاليوم ليس كـأي يوم، بل هو الموعد الأسبوعي المقدس والمخصص لـنزهتها المنفردة معه، اليوم الذي تنتظره بـفارغ الصبر. بادلها طارق العناق بـشغف وحنان أخوي دافئ، وحملها بين ذراعيه لـيرتفع بها عن الأرض، ثم أنزلها بـرفق وهو يبتسم بـعذوبة ملأت ملامحه الرجولية؛ مد يده إلى جيب سترته وأخرج منها قطعة صغيرة وفاخرة من الشيكولاته التي تحبها، لتتناولها منه بـسعادتها المعهودة وهي تقفز للأعلى بـخفة كـالفراشة، ثم نظرت إليه بـأعين تلمع بـالترقب والفضول وسألته بـلهفة عن تفاصيل نزهة اليوم والمكان الذي سيأخذها إليه. مد طارق كفه الدافئة ويمسح على خصلات شعرها الناعم بـحنان جارف، ثم انحنى وطبع قبلة حانية، طويلة على رأسها، ليردد بـنبرة صوت تقطر رقة وعطفاً - عيوني يا أملي.. من غير ما تسألي، أنا هتدخل أتغدى بسرعة وأغير هدومي دي، وننزل على طول مش هتأخر يا أمولى طار
اقرأ المزيد

البارت الخامس والخمسون

- أنا.. أنا عارفة إن الموضوع سهل وبسيط بالنسبالكم وميستدعيش كل ده.. إنما أنا عندي فوبيا حقيقية من الحقن والإبر، وبموت منهم بجد ومش عارفة أتغير أو أتحكم في خوفي. ابتسم سادن بـعذوبة، وربت على ظهرها بـحنان جارف، وجذبها لـيدخلها بين أحضانه مرة أخرى محتوياً خجلها؛ كانت كلمتها التي نطقت بها في عز وعكتها بالأمس ما زالت ترن في أذنه بـصدى لا ينقطع - متسبنيش يا سادن بات عقله مشتتاً، لا يعلم يقيناً ما معنى تلك الكلمة الجوهرية؟ هل كانت تقصد بـها وعفوية الحمى أن يظل بـجوارها طيلة العمر ويتخليا عن ذلك الاتفاق المؤقت بالانفصال؟ أم أنها كانت مجرد رغبة طارئة في أن يظل بـجوارها فترة مرضها تلك لـتحتمي به من الوجع؟ وتدريجياً، تذكر كيف كانت تهتف بـاسم مروان بـرقة ونعومة أحرقت ضلوعه، لـتتغير ملامح وجهه فوراً ويسودها الجمود والشر؛ شعر بـأن بركان الحقد يغلي في عروقه، وتيقن أنه لو رأى ذلك المدعو مروان أمامه الآن، لـلكمه بـقبضتيه بـعنف حتى يغيبه عن الحياة بـأكملها. (على لسان سادن) - أنا مش عارف ليه حاسس بـكمية الغيرة الفظيعة والغل دي منه.. وبالأكتر ولما افتكر إنها نطقت اسمه هو بـالذات بـالرقة والضعف ده و
اقرأ المزيد

البارت السادس والخمسون

- يعني أنتِ رأيك إني أطنشه تماماً، ولا كأني شايفاه في الرايحة والجاية؟ كانت تلك الكلمات الهامسة والمليئة بـالتوجس والترقب هي ما وجهته كايلا لـفيروز، وهما تقفان متجاورتين داخل عربة المصعد المتجهة صوب طابقهما الإداري في الشركة. تطلعت إليها فيروز بـنظرة حكيمة، ثم أومأت لها بـرأسها بـالموافقة القاطعة تأييداً لـموقفها، مردفة بـنبرة هادئة وحاسمة - أيوا يا كايلا.. ده الصح؛ لازم آدم يحس إنك مش مضمونة في حياته، وإنك ممكن تضيعي من إيده في ثانية لو استمر في بروده وسلبيته دي. انفتح باب المصعد، فـخرجتا معاً إلى الممر الرئيسي. ولم تكادا تخطوان بضع خطوات، حتى تملكت الدهشة كايلا؛ فـها هو حسن، الموظف بـالقسم، يقف في منتصف الممر كـالأبله تماماً، متصلباً في مكانه وعيناه متسعتان بـذهول وإعجاب شديد عقب رؤيته لـفيروز التي غابت لأيام. كتمت كايلا ضحكاتها بـصعوبة بالغة ودارت وجهها؛ فـقد تذكرت فوراً ملامح شقيقها سادن بالأمس والبركان الذي كاد ينفجر من وجهه عندما أخبرته بـمكر أن حسن كان يسأل عن فيروز باهتمام. ولكن، يا للهول.... لم يكن حسن وحده هو المفاجأة؛ فـعلى بعد خطوات وفي نهاية الممر ذاته، كان سادن يقف
اقرأ المزيد

البارت السابع والخمسون

عاد سادن في وقت متأخر من المساء، يجرّ خطاه بـإعياء شديد، وقد نُهكت قواه تماماً إثر ذلك اليوم الطويل والمزدحم بالاجتماعات والقرارات المصيرية. كان جسده يطالب بالراحة، لكن قلبه كان يقوده بـشوق خفي نحو ذلك الملاذ الدافئ؛ وهناك، في عتمة الليل الساحرة، كان ثمة من ينتظره بـلهفة متخفية في ثوب المشاكسة.. نعم، إنها فيروز، زهرته الرقيقة، كانت تجلس على تلك الأرجوحة الخشبية في ركن الحديقة المنعزل، تتأرجح بـخفة وتضم يديها إلى صدرها، ممتصعة شفتيها بـدلال وعفوية وهي تُمثل أنها غاضبة منه بـشدة لتأخره عليها. خطا سادن نحوها بـابتسامة متعبة تملكها سحر حضورها، وألقى عليها تحية المساء بـصوت رخيم خافت يملؤه الحنين، ثم ارتمى بـكامل ثقله وجسده المنهك على الأرجوحة بـجوارها، ودفن رأسه بـتلقائية في الفراغ بين كتفها وعنقها، مستنشقاً عبيرها النقي الذي يهدئ ثوران عقله. في تلك اللحظة الوجيزة، وبمجرد أن لامس جسده جسدها، شعرت فيروز بـتلك الرعشة الطفيفة التي تسري في أطرافه من فرط التعب، واستمعت لـدقات قلبه المثقلة بـالإرهاق؛ وفجأة، تلاشت كل حصون غضبها المصطنع، وتبدلت مشاعرها المشاكسة في لمح البصر إلى فيضان جارف من ال
اقرأ المزيد

البارت الثامن والخمسون

حلّ اليوم الموعود، اليوم الذي حزم فيه فهد أمره ليدق باب فريدة للمرة الثالثة، آملاً أن تبتسم له الأقدار بعد عناء. جلس سادن بجوار فاروق، يتفاوض معه بـحكمة وهدوء، بينما كان فهد يجلس في المقعد المقابل لفريدة، يغزوه القلق وتتسارع أنفاسه، وكأن عمره كله يتوقف على هذه اللحظات. أما آدم، فكان يجلس بجوار أخيه، يغلفه برود مصطنع من الخارج ليخفي عن الأنظار بركاناً من الوجع والكسرة التي بدأت تنهش قلبه، خاصة وهو يرى دفء التجمعات الذي يفتقده في حياته. فتح سادن باب الحوار بـلباقة، ناقش فاروق بـمنطقية حول أسباب الرفض المتكررة، ممهداً الطريق لإنهاء الخلاف الجذري الذي تمثل في تعنت والد فهد وأسلوبه المتعالي في الاجتماعات السابقة. وبـحنكته المعهودة، استطاع سادن أن يلين قلب فاروق ويحصل على موافقته المنتظرة. ما إن انطلقت الزغاريد معلنة قراءة الفاتحة، حتى شعر فهد أن قلبه يوشك على التوقف من فرط الفرحة العارمة؛ كان يغوص ببصره في عيني فريدة، يبحر في ملامحها الهادئة ليغرق في دوامة عشق لا يعرف النهاية. (على لسان فهد) - حسيت إن روحي رجعتلي بـأعجوبة، قلبي كان بيدق لدرجة إني خفت اللي قاعدين يسمعوه. مش قادر أصدق إنه
اقرأ المزيد

البارت التاسع والخمسون

طيلة الطريق، كان عقله غارقاً في لُجّة من التفكير والوجل، تدور في ذهنه فكرة واحدة تؤرقه وتسرق النوم من جفنيه كيف سأقدم سيدة أعمال راقية وابنة عائلة مخملية كـكايلا لوالدي ووالدتي. كانت هذه هي المرة الأولى في حياته التي يخطو فيها خطوة كهذه، ويسمح لامرأة من خارج محيطهم بـاختراق خصوصية منزله البسيط. أخيراً، أطلق كوابح سيارته لـتقف بـهدوء أمام البناية السكنية الدافئة التي يقطن بها في أحد أحياء القاهرة الحيوية. ترجلت كايلا هى الأخرى من السيارة بـخطوات مترددة، وراحت تتطلع حولها بـانبهار صامت؛ فـالمكان، رُغم بساطته ومقارنته بـحي الفيلات الفخم الذي تعيش فيه، كان له طابع خاص، طابع حميمي تفوح منه رائحة البيوت المصرية الأصيلة والدفء الذي تفتقده في قصرها البارد، شعور غريب لم تستطع تحديد كنهه لكنه لامس شغاف قلبها. بعد لحظات معدودة، كانا قد دلفا من باب الشقة. تقدم طارق بـخطوات مرتبكة يحاول أن يرحب بها بـأدب جم، لتكتمل معالم الموقف المربك بـظهور والدته "دلال" من خلفه؛ توقفت الأم في مكانها وتطلعت إلى كايلا بـدهشة صاعقة، تتأمل أناقتها الطاغية وملامحها الأجنبية بـأعين متسعة، قبل أن تتساءل بـعفوية وبل
اقرأ المزيد

البارت الستون

حاول جاهداً أن يطوع الأرقام والملفات، يلتهم تلال العمل المتراكمة فوق مكتبه بـسرعة جنونية، فـهناك معركة أخرى.. معركة كبرى وأكثر شراسة في انتظاره بالمنزل، ويجب عليه الفوز بها بـأي ثمن. طالما جاهد سادن نفسه، وطالما تذرع بـالكبرياء وحصّن قلبه بـالجمود، ولكن اليوم.. اليوم انقشعت الغمامة؛ فـقد رأى بـأم عينيه بريق عشقه المتلألئ في عيناها المشتعلتين بـالغيرة، والآن أصبح يوقن، بـلا أدنى شك، أنه هو الآخر لا يستطيع الحياة أو التنفس بـدونها. ولأول مرة في حياته، يفعلها سادن الهاشمي؛ ترجل من سيارته الفارهة وخطا بـجسده الشامخ داخل متجر للزهور، ليشتري باقة ضخمة، منسقة بـعناية من الياسمين الأبيض والورد الجوري الفاتن، فـهو يعلم مدى عشقها الطفولي للزهور، والتقط معها قالباً كبيراً وفاخراً من الشيكولاتة السويسرية التي تحبها. لم يستطع مداراة تلك الابتسامة العذبة التي ارتسمت على شفتيه، ليضحك في خوالج نفسه بـسخرية دافئة وهو يردد - إيه المراهقة المتأخرة اللي أنا بقيت فيها دي؟ سادن الأسيوطى واقف ينقي ورد وشيكولاتة؟ ده ناقص أجيب دباديب وارانيب واقف اغنى لها وصل سادن إلى الفيلا، وكان يسابق الرياح بـسيارته، ي
اقرأ المزيد
السابق
1
...
45678
...
15
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status