공유

غيرة لا تغفر

last update 게시일: 2026-05-21 23:48:39

كانت الغرفة غارقة في صمت ثقيل، لا يُقطعه سوى شهقات متقطعة تنبعث من طرف الغرفة حيث جلست عهود، مطوية على نفسها على طرف السرير، بثوبها المنكمش وكحل عينيها المسفوك كندبة فوق وجنتيها. كان الضوء الشاحب المنبعث من المصباح المعلق في السقف يرتعش كل حين، كأنّه يحاكي اضطراب الدقائق الثقيلة التي تمرّ ببطء، وكأنّ الزمن ذاته يرفض أن يمضي.

وقف مراد عند الباب لحظةً، ساكنًا لا يتقدّم، عيناه جامدتان، ووجهه لا يحمل سوى قسوة جامدة، يَكتم خلفها بركانًا من الغضب والاستياء.

عهود، بصوت متهدّج:

– "يضربني... يضربني قدّامهم كلهم! علشان واحدة يهودية! واحدة ما تعرفش ربنا ولا دين! يضربني، أنا! بنت عبد الواحد!"

اقترب مراد بخطًى ثقيلة، ووضع يديه خلف ظهره، وجلس على الكرسي المجاور للنافذة، ناظرًا إليها دون أن ينبس بكلمة.

– "أنا عهود... أنا مراته! واللي حصل ده مايتسكتش عليه! إزاي يمد إيده عليّ؟ قدامك يا مراد، قدّام الكل! علشان واحدة..."

رفعت رأسها فجأة، تشهق بانفعال، وأردفت بصوت متكسّر:

– "واحدة ما تنفعش تطبّ برجليها دار عبد الجليل أصلاً..."

قاطعتها مغفرة بهدوء، وهي تقف عند باب الغرفة، يدها تمسك بكوب ماء:

– "يا بنت الناس، ما تغلطيش أكتر من كده. البني آدم مش بدينه، بنيّته. والنبي ﷺ عاش وسط اليهود، وتعامل معاهم بالحُسنى، بالرغم من أذاهم. وكان يقوم لهم إذا مرّوا، ويزور مريضهم، ويأكل معاهم."

رفعت عهود نظرها لمغفرة بحدة:

– "تزوريهم؟! دا احنا في زمن تاني يا مغفرة. واحدة زي دي، متعرفش راسها من رجلها، جاية تعيش وسطنا؟"

أجابت مغفرة بصوت ناعم لكن حازم:

– "لما مرّ النبي ﷺ بجنازة يهودي، قام. فسألوه: دي جنازة يهودي، يا رسول الله!

قال: أليست نفسًا؟

كان بيزور جاره اليهودي، ويسأل عنه، ولما مرض راح له، ودعاه للإسلام... مش شتمه ولا ضرب مراته علشانه."

مراد، وهو يُشيح بوجهه قليلاً:

– "اللي حصل منك يا عهود، غلط. إيڤا غلطت أو ما غلطتش، ده مش مبرر إنك تمدي إيدك. وإنتِ مش قاصر. الست لما تغلط، تتعاتب بالكلام مش بالإيد. إنما اللي حصل... خيّبتي ظننا كلنا."

عهود، تقف من مكانها فجأة، وصوتها يرتفع:

– "ده أنا اللي اتخنت! اتضربت علشان واحدة مش مننا، واخويا يسكتله ؟! إنتو اتجننتوا؟

ده أنا مرات رحيم، وربيّة عيلة عبد الواحد!"

مغفرة تتقدّم بخطى ثابتة وتجلس بجوارها على السرير، تمسك بيدها بلطف:

– "يا عهود، إنتِ مرات رحيم، صح. بس ده مش يعطيك حق فوق البشر. إيڤا ضيفتنا، وكان لازم نحفظ لها حق الضيافة. والنبي ﷺ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه).

مش مهم دينها دلوقتي، المهم إحنا نمثل الإسلام بأخلاقنا، مش بشعاراتنا."

عهود، تبعد يدها بعصبية:

– "يعني أتحمّل الضرب؟ ومينفعش أرد؟!

ثم تضحك بسخرية:

– "الله يرحم زمن الرجالة، زمنك يا بوي، لما كان الراجل ما يسمحش لمراته تتهان كده!"

مراد، يصمت قليلًا، ثم يقوم واقفًا، يمشي في الغرفة بعرضها، ثم يتوقف قبالتها، ونظراته تحمل جمرًا لا يُطفأ:

– "اللي اتضربتيه، مش علشان إيڤا، بل علشان عهود خرجت من حدودها. ضرب مراته غلط، ومش مقبول، بس فعلِك الأول هو اللي عمل شرخ فينا. البيت ده ما يتبنيش بالتحقير، ولا بالشتم، ولا بالضرب."

– "مش راجعة، فاهم؟ مش هرجعله، ولا هبصّ في وشه! لو هو راجل، كان سترني بدل ما يفضحني، قدّامهم كلهم!"

انفعل مراد فجأة، وارتفع صوته لأول مرة، يهز جدران الغرفة:

– "وإنتي! كنتي سترتي البيت! كنتي سترتي اسم العيلة! بس انتي خرقتي حرمة الضيف، ومديتي إيدك على واحدة جاية من بعيد، سايبة أهلها، ومالهاش غير ربنا ثم نحنا!"

ثم التفت ناحية الباب، كأنّه يريد أن يغادر، لكنه تراجع، ثم أشار بإصبعه ناحية الخارج:

– "ترجعي أوضتِك الليلة، وتقطعي الموضوع ده من جذوره. البيت ما يستحملش فرقة، والعيال ما لهمش ذنب في الجهل ده."

عهود، تصرخ بانفعال:

– "مش راجعة! ولا لو قُطِعت رجلي! خليه يتجوزها، يعيش معاها، إنتو نسيتوا مين أنا؟! نسيتوا بنت مين؟!

ثم تشير إلى مغفرة:

– "وإنتِ يا مغفرة، بطّلي دروشة، انتي ناسية نفسك؟ جوزك لو كان عمل كده معاكي، كنتي سكتتي؟"

مغفرة، بصوت منخفض لكنه شديد:

– "لو جوزي غلط، هعاتبه بالكلمة، مش أضرب حد، ولا أفضح بيت. وكلنا بشر، بس اللي بيحكمنا الشرع، مش الهوى.

النبي ﷺ لما جات له اليهودية وأهدته، قبل الهدية، ما قالش: دي مش من ديني.

وكان جاره يهودي، وبالرغم من أذاه، ما منعش نفسه من زيارته لما مرض."

عهود، تهمس وقد بدأ صوتها يخفت:

– "أنا... أنا كنت زعلانة... حسيت إنكم كلكم ضدّي."

مراد، يقاطعها بخشونة:

– "اللي يحس الدنيا كلها ضده، يراجع نفسه، مش الناس."

ثم اقترب منها، نظر لعينيها نظرة حادة:

– "أنا مش هسمح للبيت ده يتفتّت، ولا  ولأختي تبقي عندي، تبكي وتنقهر. اللي بينك وبين رحيم، بيتحل جوه أوضتكم ، مش في أوضتي."

عهود، تغضّ بصرها، ثم تهز رأسها نفيًا، لا تزال ترفض.

مراد يزفر بشدة، ثم يشير إلى الباب:

– "خشي أوضتِك، ولو على جثتي مش هتباتي في برا أوضتك ."

مغفرة، تحاول تهدئته:

– "هدي أعصابك، يا مراد، اللي بين الاتنين مش سهل، بس بالغصب ما يتلمش الجرح."

مراد، يلتفت نحوها، نبرة صوته مشتعلة:

– "البيت ما يبقاش دار ضيافة للغاضبين.

ثم التفت لعهود مرة أخيرة:

– "آخر مرة أقولها، يا عهود. لو خرجتي من بيت رحيم، يبقى طلاق، وإنتي اللي اخترتي."

تتسمر عهود في مكانها، والدموع تفيض من عينيها، هذه المرة بلا صوت، فقط تنهيدات ثقيلة، كأنها تكتم زلزالًا داخليًا.

هدأت الغرفة فجأة، والليل خلف النافذة قد لفّ السماء بالسواد. الهواء ساكن، كأن الكون بأسره يتنفس على حذر.

مغفرة قامت من مكانها، وضعت يدها على كتف عهود بلطف، وهمست:

– "اختاري الرحمة يا بنت الناس... الرحمة أهون من الكِبر."

...ولم تُجِب عهود.

---

هدأ الليل وسكنت الدار، ولم يبقَ من الضوضاء إلا همسات الريح تمرّ عبر أوراق الأشجار، تحركها كأنها تواسي الأرواح المتعبة. كانت الحديقة الخلفية للدار مطوّقة بجدار طينيّ قديم تتسلّق عليه شجيرات الياسمين، وعطرها يملأ الأجواء برقةٍ لا تُحتمل.

جلست إيڤا على المقعد الحجريّ القابع تحت شجرة الرمان الكبيرة، في أقصى طرف الحديقة. كانت تضمّ كفّيها في حجرها، كأنها تخاف أن تُخطئ حركة أو تُثير شبهة. عيناها تتأملان الأرض، لا تقوى على رفع نظرها، ووجهها ما زال يحمل آثار الصفعة، ليس من الألم الجسدي، بل من جُرحٍ أعمق... جرح الإهانة.

ارتفعت خشخشة خفيفة من العشب، ثم ظهر رحيم، يخطو بخطوات متزنة نحوها. كان الليل قد سحب على وجهه ستارًا من الظلال، لكنه بدا هادئًا على غير عادته. اقترب حتى بات على بُعد خطوتين، ثم توقّف.

رحيم بصوت خافت:

– "مساء الخير يا إيڤا..."

رفعت رأسها ببطء، عيناها متسعتان، وشفتيها ترجفان:

– "مساء الخير..."

جلس على المقعد المقابل، ووضع يديه على ركبتيه، ثم نظر إليها نظرة مطوّلة، فيها من الحرج والندم ما يكفي ليفكّ عقدة من حبال الغضب.

رحيم بهدوء ممزوج بالحزن:

– "أنا آسف... آسف من جَوان قلبي ع اللي حصل."

إيڤا، تتنهّد بخفوت:

– "لا بأس... أنا بخير."

رحيم يهز رأسه، ويرد بصعيدي صادق:

– "لا، مش بخير. اللي حصل فيكِ، ما يتسكتش عليه. عهود غلطت، وأنا... أنا اتصرفت بعد الغلط، لكن الجرح اللي دخل القلب، ما يتداوى بالساهل."

إيڤا بصوت خفيض:

– "لقد فهمت... الغضب أحيانًا يسبق الحكمة."

يسند رحيم ظهره قليلًا، يتأملها، ثم يقول:

– "أنا مكنتش عارف إن عهود هتعمل كده. مفيش حاجه في الدنيا تبرّر اللي عملته. ولازم تعرفي، إنك ضيفتنا... وإحنا في الصعيد، الضيف له حرمة، ومكانة... حتى لو كان عدوي، أستر عليه طول ما هو في بيتي."

إيڤا، بعينين دامعتين:

– "أنا... لا أريد الشقاق بينكم بسببي. جئت فقط لأرى... لأفهم."

رحيم، يبتسم بمرارة:

– "وإحنا زادناها تعقيد فوق ما كنتِ متوقعة... بس سامحينا، يا إيڤا، الدنيا هنا مش دايمًا بسيطة. إحنا ناس قلوبنا كبيرة، بس وجعنا قديم... وكل ما نلاقي نفسنا قدّام الغريب، بنخاف يرجّع لينا وجع كنا نسيناه."

إيڤا تمسح دمعة خفيفة وتقول بهدوء:

– "أنا لست غريبة... أو هكذا كنت أظن. دمي من دم هذا المكان. وإن اختلف ديني، فإن قلبي لا يحمل عداءً لأحد."

رحيم، ناظرًا إليها بثبات:

– "انتي ما عملتيش حاجه، يا إيڤا. كل اللي فيكِ، إنك بنت راجل يهودي... بس الناس هنا، دمهم بيغلي على سيرة اليهود، من اللي فات. بيشوفوا الاسم، ينسوا الإنسان اللي قدامهم."

– "وهذا ظلم."

– "أيوه، ظلم... وأنا ما أنكرش. بس اللي يخلّي الظلم يكبر، هو السكوت. وأنا مش هسكت. اللي حصل غلط، ولازم نصلحه."

يسود صمت قصير بينهما، فقط أصوات الليل من حولهما. ثم قالت إيڤا:

– "رحيم... لماذا لم تغضب مني؟ أنت رأيتني أُضرب، ولم تدافع عني..."

نظر إليها، وصوته خرج متثاقلًا:

– "لأني كنت مصدوم. أنا معرفتش أتصرف في اللحظة دي. شفت مراتي، ويدها ترتفع على واحدة جاية من بعيد، ما بيني وبينهاش غير الكلام الطيب... صدّقيني، قلبي اتحرق."

ثم أضاف:

– "بس أنا غلطت إني سكتّ قبل كده. كنت شايف الشك جوه عين عهود، وسايبها تكبر. سايبها تغلي وتغلي... لحد ما انفجرت."

إيڤا بهدوء:

– "هل تظن أنني أستحق ذلك؟ أن أُضرب لأني مختلفة؟"

رحيم، بحزم:

– "لا. والله ما تستحقي. انتي بريّة، طيبة، وساكنة كأنك نسمة ما تضرش حتى الهوى. وزنبك الوحيد... إنك بنت راجل يهودي."

ثم يضيف وهو ينظر للأرض:

– "بس ده مش زنب... دي حكمة ربنا."

إيڤا، تبتسم بمرارة:

– "أنا لست عدوا. لم أؤذِ أحدًا، ولم أكن سببًا في ألمكم."

رحيم، ينظر إليها بعينين فيهما صدق:

– "وأنا عارف ده. وعلشان كده، مش هسيبكِ لوحدكِ في المواجهة دي. البيت ده بيتك، مش مجرد دار نزلتي فيها، ولازم الكل يعرف إن إيڤا ما تعملتش غلط... بل إحنا اللي غلطنا في حقها."

ثم وقف، ومدّ يده نحوها:

– "تعالي نرجع جوا. البرد مش ليكِ، والليل طال."

إيڤا، نظرت ليده، ثم لعينيه، ثم قالت:

– "أريد فقط مكانًا لا أُؤذى فيه. لا أكثر."

رحيم، بابتسامة دافئة:

– "ولكِ أكتر من كده. ليكِ احترام، ومودة، وسلام. وإحنا هنتعلم، حتى لو اتأخرنا... هنتعلم نفرّق بين الديانة، والإنسان."

ثم سارت بجواره، والخطى المتثاقلة فوق العشب الرطب كانت تنبئ ببداية جديدة، لا زال فيها جراح، ولكن... فيها نية صادقة للضماد.

في الطابق العلوي، كانت نافذة الغرفة مفتوحة، والهواء الليليّ يتسلل برفق، يحمل رائحة الياسمين المختلطة ببردٍ خفيف. وقفت عهود في شرفة غرفتها، يداها تمسكان بدرابزين الحديد بإحكام، وأصابعها متشنجة كأنّها تتشبث بشيءٍ على وشك السقوط.

كانت عيناها لا تفارقان ذلك المشهد في الحديقة:

رحيم، زوجها، يمشي إلى جوار إيڤا بخطى هادئة، متقاربة. كأن الحديث بينهما منساب بلا حواجز، وكأن الألم الذي بدأ هناك –حين صفعتها عهود– قد انزاح بعيدًا، تاركًا خلفه لحظة صلح لا تخصها.

قبضت عهود على قلبها بغيظٍ مكتوم. لم تسمع ما قاله، لكن نظراته، وقفة كتفيه، طريقته في الإنصات… كلّها أوحت بشيءٍ غريب، شيء لم تعرفه فيه من قبل.

تراجع رحيم قليلًا، ومال برأسه نحو إيڤا كأنّه يطمئنها، ثم أشار بيده نحو الداخل، فمشت بجواره، مطرقة الرأس، وهو يسير بمحاذاتها، لا أمامها ولا خلفها… بل بجانبها تمامًا.

اشتدّ قبض عهود على الحديد البارد، حتى أبيضت مفاصلها.

لم تبكِ. لم تصرخ.

لكن وجهها كان يصرخ…

يصرخ بغيرةٍ مرّة، وندم لا تجيد الاعتراف به.

كانت تهمس في نفسها، همسًا لا يسمعه غير قلبها:

"هو ده اللي كنت خايفة منه..."

ثم انكمشت داخل الشرفة كمن يختبئ من ضوء، وترك الليل وحده يشهد على النار التي بدأت تحترق داخلها بصمت.

__  __  __  __

دخل رحيم إلى حجرته وهو يُغلق الباب خلفه ببطء. الليل كان ساكنًا إلا من دبيب الريح، لكنه شعر بأن الغرفة تختنق بالحرارة، كأنّها توشك على الانفجار.

توقّف في مكانه فجأة.

كانت عهود هناك...

جالسة على طرف السرير، ظهرها منحني، رأسها مُطأطأ، شعرها منسدل يغطي وجهها، ويديها تقبضان على طرف ثوبها كأنها تلوذ به من الدنيا كلها.

رفع حاجبيه بدهشة، ثم قال ببطء:

— "رجعتي؟"

لم تجبه.

اقترب خطوة، فلاح له وجهها، شاحبًا كأن الدموع قد جرفته تمامًا.

قال بحدة مكبوتة:

— "أنا اللي غلطان؟ أنا؟!"

رفعت عيناها نحوه، لأول مرة بعد طول انتظار، وكان في نظرتها شيء كسير، ميت، لا يشبهها.

قالت بصوت مبحوح:

— "أنا شايفاك… شايفاك ماشي جنبها… وبتضحك."

شهق ابنها زين في مهده، متقلبًا من صمته الطفولي، كأن روحه التقطت التوتر.

اقترب رحيم بحدة، وقال:

— "وانتي مش شايفه نفسك عملتي إيه؟ انتي ضربتيها قدّام الكل، وكسرتي هيبتي! عاوزاني أسيبك تعملي كده؟!"

صاحت فجأة، تنهار كأن جدارًا سقط داخل صدرها:

— "ماشي معاها وبتبررلي! ماشي جنب واحدة مالهاش دعوة بينا! أنا مراتك يا رحيم!"

— "وهي إنسانة! وإنتي غلطتي! غلطتي لما مدّيتي إيدك، وغلطي أكتر لما قلتي كلام ميصحش يتقال!"

— "ده أنا اللى اتبهدلت! اتبهدلت وانت واقف بتدافع عنها، يرضيك؟!"

— "لأ! بس يرضيني أبقى راجل، والراجل بيوقف الظلم، حتّى لو جا من مراته!"

انفجرت تبكي، تبكي كأن القلب تشقق، وقالت وهي تضرب صدرها:

— "أنا اللى حبيتك يا رحيم، أنا اللى ضيعت نفسي عشانك، وها انتَ واقف، واقف بتقول عليّا ظالمة؟!"

صاح فجأة:

— "لأنك ظلمتيها! ظلمتيها وهي مكسورة، وهي ملهاش ذنب غير إنها بنت راجل يهودي!"

صرخت، صرخة خنقت المكان:

— "وكان لازم أستنى لما تروح تحكي لها عني وتمسك إيديها؟!"

— "ماحصلش! والله ما حصل، أنا كل اللي عملته إني حاولت أطبطب على جرح فتحتيه بإيدك!"

في تلك اللحظة، اشتد بكاء زين، صار يصيح، يتلوّى بين الفراش، يبكي كأنه لا يحتمل وجعهم، وجع البيت الذي انشق نصفين.

هرعت إليه عهود، رفعته بين ذراعيها، وضمته إلى صدرها، وهي تقول:

— "حتى ابني تعب… تعب من وجعي ومنك!"

تقدّم رحيم نحوها وقال بلهجة حاول أن يُلطّفها:

— "عهود… إنتي مراتي، ومكانك جنبي، بس اللي حصل غلط. أنا ما بخونكيش ولا بفكر في غيرك. أنا بس… كنت بحاول أكون بني آدم."

أدار ظهره للحظة، ثم استدار فجأة، وانفجر:

— "بس إنتي! إنتي كل مرّة تكسري الدنيا عشان غيرتك! غيرتك بتخرب، مش بتحب!"

شهقت عهود، ودموعها لا تتوقف، وقالت بصوت مهزوز:

— "أنا كنت واقفه فوق… في البلكونة… وشفتك… وشفت ضحكتك وهي ماشية جنبك. وشوفت نفسي براك."

اقترب منها، همّ أن يلمس يدها، فابتعدت بهلع:

— "ما تلمسنيش!"

وقف مكانه، صامتًا، لا يعرف ما يقول.

ثم قال بهدوء كأنّه ينهار:

— "لو كنت شوفت نفسك في حضني زي ما شوفتها، كان زمانك دلوقتي بتعيطي جوا صدري… مش في أوضة أخوكي."

لكنها نظرت إليه نظرة خاوية، وقالت:

— "أنا خلاص… ما بقيتش شايفة فيك حضن… بقيت شايفة فيه غيري."

ثم ببطء، حملت زين، وأدارت ظهرها، وتوجّهت إلى الباب.

قال رحيم بصوت انكسر أخيرًا:

— "مش هتقعدي؟"

وقفت لحظة، دون أن تنظر خلفها، وقالت:

— "سيبني… لحد ما أصدق إن اللي بينك وبينها… مش حب."

ثم خرجت، وأُغلق الباب وراءها، وبقي رحيم واقفًا، في غرفة باردة، وليلٍ أشد صمتًا من الموت.

이 작품을 무료로 읽으실 수 있습니다
QR 코드를 스캔하여 앱을 다운로드하세요

최신 챕터

  • من نسل يعقوب    بداية امل جديد

    مرت أربعون ليلة، ودار عبد الجليل قد عادت إلى سكونها المعتاد، لا صوت رصاصٍ يُدوّي، ولا نظرات شكٍّ تُطعن في النوايا. الأرض التي تلطّخت بالدماء غسلها المطر ذات فجر، والمصانع عادت تفتح أبوابها في السادسة صباحًا، والعمال يدخلون ويخرجون ببطاقات معدنية، كأن شيئًا لم يكن.لكن الألم لا يُغسل بالمطر.وفي الطابق العلوي من دار عبد الجليل، حيث غرف النساء تطلّ على حديقة بها نخلة وحيدة، جلست عهود في إحدى الزوايا، شاحبة الوجه، هامدة الجسد، تحتضن ركبتَيْها بثوبٍ رمادي خالٍ من الزينة. الستائر كانت مسدلة، والضوء يدخل خافتًا، يزحف على الأرض كجسد منهك.جلست بجوارها مغفرة، تمسك بيدها وتضغط عليها برفق، وعلى المقعد الخشبي المقابل جلس مراد، عاقدًا حاجبَيْه، بينما وقف والدها عبد الواحد بجوار النافذة، يقبض كفّيه خلف ظهره، يُخفي قلقه في صمتٍ ثقيل.قالت مغفرة بصوت مكسور:– "يا عهود، والله ماينفع كدا. الدنيا رجعت تمشي، واللي حصل كان اختبار وراح. دا رحيم نفسُه انكسر وتغيّر، وواقف برا الباب مستني كلمه تطمنه."رفعت عهود رأسها ببطء، وعيناها متورمتان كأنها لم تنَم منذ ليالٍ.قالت بنبرة مخنوقة:– "هو انكسر؟ طب وأنا؟! أن

  • من نسل يعقوب    خيانة لا تغفر

    ساد صمت غريب في الغرفة التي كانت تغمرها أضواء خافتة تتسلّل من أباجورة زجاجية ذات لون عسلي، تنبعث منها إضاءة ناعمة تنكسر على وجه إيڤا المذعور. كانت واقفة في منتصف الغرفة، ترتدي عباءة سوداء فضفاضة تخفي جسدها، وشعرها مربوط خلف رأسها بإهمال، وعيناها الزرقاوان ترتجفان مثل قلبها. كانت تعرف أن هناك خطبًا ما… أحسته في الهواء… في نظرات رحيم الأخيرة… في طريقة مغادرة مراد للمكتب دون حديث… في صمت العائلة رغم ما تصنعه.ثم انفتح الباب ببطء… طقطقة خفيفة... لا صوت أقدام… مجرد ظل امرأة يدخل كأنما انسلّت من العدم.رفعت إيڤا حاجبيها، نظرت باستغراب مشوب بالخوف، ثم بصوت مرتجف سألت بالفصحى:"من أنتِ؟!"لكن الفتاة التي دخلت لم تُجِب مباشرة، كانت ترتدي عباءة رمادية، وجهها حاد القسمات، وشعرها الأسود مسدول على كتفيها، وعيناها كعيني صقر... تقفل الباب خلفها وتُخرج من جيبها الداخلي هاتفًا مغلقًا وكأنها تستعدّ لشيء أكثر من مجرد زيارة.قالت بهدوء، وصوتها كحد السكين:"أنا ميادة... بنت سارة، من جوزها الأول... جوزها المسلم."شهقت إيڤا دون صوت، فتحت فمها كمن كتمت الصراخ في صدرها."أنتِ... ميادة؟! ميادة بنت...؟! لكنهم ق

  • من نسل يعقوب    ووقعت الفريسة

    كانت الشمس تميل نحو الغروب، فألقت بظلالها الطويلة فوق الحديقة الرحبة التي اتخذتها العائلة مجلسًا لهم في تلك الأمسية المضطربة. تجمّع الرجال والنساء حول الطاولة المستطيلة المنصوبة أسفل شجرة الجميز العتيقة، تتدلّى منها فروع كثيفة تحجب بعض النور وتمنح المكان رهبة موشّحة بغلالةٍ من الصمت المترقّب.جلس رحيم في صدر المجلس، بقامته المعتدلة وهيئته الهادئة ظاهريًّا، بينما يداه تعبثان بلا وعي بطرف مسبحته الخشبية. مراد إلى جواره يطالع أوراقًا يذرّيها الهواء بين الحين والآخر، وأمامهما إيڤا التي بدت في تلك اللحظة أكثر هدوءًا من الجميع، متصنعة اهتمامًا عابرًا بحديث العائلة، ترفع بصرها أحيانًا لتبتسم ابتسامة لا يخطئها قلب يقظ: ابتسامة امرأة تخفي أكثر مما تعلن.امتدت أطراف الحديقة في صمت ثقيل، فيما علت ضحكات طفيفة من كوثر وناهد وهما تسكبان الشاي في الفناجين الصغيرة. ولم يشأ رحيم أن يُظهر أدنى ريبة، فقد تواطأ مع مراد على ألا يثيرا الشك في نفس تلك المرأة الغريبة التي احتلت مكانًا في حياتهم دون استئذان.كان صوته منخفضًا وهو يهمس لمراد:ـــ "كلّ حاجة في سلوكها بتقول إن وراها مصيبة… بس لازم نصبر. لو بان عل

  • من نسل يعقوب    بداية النهاية

    في غرفة المكتب الهادئة الواقعة في الطابق الثاني من دار عبد الجليل، تلك الغرفة التي تشبه حصنًا صغيرًا بديكور خشبي داكن وستائر ثقيلة تعزلها عن ضجيج البيت. يتناثر الضوء الشاحب من مصباح صغير مثبت أعلى الرف، فتنعكس ظلال الكتب والملفات الكثيرة على الجدران، وتُخيم على المكان رهبة أشبه بغرفة تحقيقات، لا مكتب منزل.في الزاوية، جلس رحيم على مقعد جلدي أسود، متكئًا بظهره إلى الوراء، إحدى ساقيه فوق الأخرى، وأصابعه تضغط بقوة على ذقنه المتصلب. أمامه وقف مراد، ساكنًا للحظة، لكنه سرعان ما بدأ يتقدّم بخطوتين مترددتين، وهو يرمقه بنظرة قلقٍ لا يخفى فيها الذهول.---مراد (بصوت منخفض ومضطرب):"رحيم... انت متأكد من اللي بتقوله؟ يعني متأكد إن إيڤا جاسوسة؟"رحيم (بهدوء مرّ ومكر دفين):"أيوه... متأكد زي ما إني قاعد قدّامك دلوقتي. عنيها... بتخبي. بتكدّب، مره عينها تهرب، مره تترعش، مره تسكن أوي كأنها بتحاول تثبّت نظرتها عشان ما تتهزش... فاهم؟"مراد (باندهاش):"يعني... كل اللي فات دا تمثيل؟ حتى موضوع الحمل؟"رحيم (ضاحكًا بسخرية مريرة):"الحمل؟! يا بني أنا دكتور نسا وتوليد، وبعرف الحامل من أول أسبوع حتى لو مش قالت

  • من نسل يعقوب    بداية الحقيقة

    في ردهة الطابق العلوي، حيث الجدران مطلية بلون العاج الهادئ، والمقاعد مزدانة بوسائد تراثية نقشها الصعيدي المميز، جلست "إيڤا" في ركن الغرفة، تطوي ساقًا فوق ساق، تقرأ كتابًا بلغة عربية فصيحة لا تشوبها شائبة. كانت أشبه بزهرة غريبة نبتت في غير أرضها، غريبة في هيئتها، غريبة في صمتها، وغريبة في هذا الهدوء المدروس الذي يغلف كل حركة منها.جلس "رحيم" قبالتها، خلف منضدة خشبية داكنة اللون، يزعم الانشغال بجهازه المحمول، يضغط على لوحة المفاتيح تارة، ويعدّل من نظارته تارة أخرى. غير أنّ عينيه لم تبرحا وجهها؛ تدرسه بحدة، يحصي ومضات عينيها، وتقلّبات تعبيراتها، كما لو كان يقرأ خريطةً خفية تحت جلدها.هي تعلم… بل شعرت بذلك الثقب في ظهرها، كأن نظراته تسلّلت كسكين باردة. رفعت عينيها للحظة، فالتقت نظراته، لم تهرب… بل ابتسمت ابتسامة خفيفة لا روح فيها، ثم قالت بهدوء:إيڤا (بالفصحى):"أظنّك لم تعد تكتب شيئًا، يا رحيم… لقد نفدت الكلمات من حولك، أليس كذلك؟"ارتبك قليلًا، ثم تمتم:رحيم (بالصعيدي):"لا يا بنت الناس… بكتب، بس دماغي مش مجمعة… كملتِ الكتاب؟"أغلقت الصفحة بخفة، وأجابت بصوت واثق:إيڤا:"قرأته، ولكن هناك

  • من نسل يعقوب    اكتشاف

    في قلب منشأة أمنية تقع على أطراف النقب، وتحديدًا داخل مبنى رمادي اللون محاط بأسلاك شائكة، جلس أربعة رجال في غرفة محصنة تحت الأرض، تكتظ جدرانها بشاشات مراقبة متراصة تعرض بثًا مباشرًا من أنحاء مختلفة من المنطقة، بينما تملأ الطاولة الطويلة أمامهم ملفات ورقية وأقراص تخزين إلكترونية.الإضاءة باهتة، متعمدة، وتنبعث من مصابيح صغيرة مثبتة في السقف الخرساني، أما الهواء فكان مشبعًا برائحة معدن وأوراق قديمة، وكان السكون يخيّم على المكان إلا من صوت أزيزٍ خافت يصدر عن الأجهزة.(يدخل رجل في منتصف الخمسينات، حليق الرأس، يحمل رتبة رفيعة على كتفه)الضابط (بهدوءٍ حذر):"هل بدأتم فحص ما وصلنا من العميلة إيڤا؟"شاب أشقر يضع نظارة دقيقة، كان يقلب في الأوراق بانتباه:"نعم، سيدي. لقد وصلتنا ثلاث دفعات حتى الآن... المستندات تحمل ختم المصنع، وتفاصيل تتعلّق بما أسمته بمحرك الجنوب."الضابط:"هل تم التأكد من صحتها؟"شاب آخر، ذو شعر داكن وجبهة عريضة، كان يحدّق في شاشة أمامه:"التوقيعات، الأكواد، الرموز الداخلية، حتى ترتيب الصفحات... كل شيء يوحي بأنها أصلية. إن كانت هذه المستندات مزيفة، فصاحبها عبقري."الضابط:"وما

더보기
좋은 소설을 무료로 찾아 읽어보세요
GoodNovel 앱에서 수많은 인기 소설을 무료로 즐기세요! 마음에 드는 작품을 다운로드하고, 언제 어디서나 편하게 읽을 수 있습니다
앱에서 작품을 무료로 읽어보세요
앱에서 읽으려면 QR 코드를 스캔하세요.
DMCA.com Protection Status