首頁 / الرومانسية / من نسل يعقوب / غريبة في بيت من نار

分享

غريبة في بيت من نار

last update publish date: 2026-05-21 21:06:29

في الساعة السابعة صباحًا، استيقظت الشمس على حياء، تُطلُّ بخجل من خلف الستائر البيضاء المطرزة التي تُموجها نسائم يوليو، تُضيء غرفة رحيم بنور ذهبي ناعم. الجدران بلون سكري هادئ، يتوسطها سرير خشبي عتيق يعلوه ظهرٌ منقوش بزخارف عربية. بجواره خزانة ذات مرآة باهتة الأطراف من كثرة ما شهدت من صباحاتٍ ثقيلة.

كان رحيم يقف أمامها، يُغلق أزرار قميصه الكُحلي، عاقدًا حاجبيه في شرود. صوت أنفاس صغيرهما زين يُطرب الغرفة بطمأنينة، وقد تمدد بينهما في الفراش مثل ملاكٍ تعب من لهو الأمس.

عهود جلست على طرف السرير، تلف جسدها بعباءتها الستان، وشعرها مرفوع بعجلة، لكن عينيها كانتا يقظتين، تقيس بهما حديث الصباح قبل أن يبدأ.

قالت وهي تُعدل حافة الغطاء على جسد ابنها:

ــ "ما تقولّيش إنك هتسكت على البت دي تبات هنا تاني؟"

أدار وجهه نحوها ببطء، تنهد وهو يلتقط ساعته من على الطاولة:

ــ "عهود، متبدئيش يومك بالنقاش دا. البت غريبة، ومكسورة، ومالهاش حَدّ."

رفعت حاجبيها، ونبرة صوتها بدأت تعلو:

ــ "غريبة؟ ده انت ناسي يا رحيم إن دمها مش منّا؟ ناسي إن أبوها يهودي؟ واللي يهودي ميصحش يعيش وسطنا!"

اقترب منها بخطوات هادئة، ثم جلس على الكرسي المقابل، يُحاول أن يزن كلماته، لكنه ما لبث أن انفجر:

ــ "يعني عشان أبوها كان يهودي، نحكم عليها؟ أمّها كانت مسلمة، وانتِ عارفة دا كويس، وبتقول كانت بتصلي وبتصوم، البت دي اتربّت بعيد ومش ذنبها!"

نهضت عهود فجأة، تمشي في الغرفة وذراعاها متشابكتان، تتكلم بصوتٍ يكاد يوقظ زين:

ــ "إنت مش شايف بعينك؟ كل ما تدخل علينا البت، العيلة كلها تتكهرب. ناهد مش مرتاحة، ومغفرة قلبها واجعها، وأنا قلبي مش مطمّن. البت وشها مش مِرتاح."

ــ "وشها؟! هو دا المقياس يا عهود؟! دي ضيفتنا، ودمها من دم عبد الجليل، غصب عن الكل."

ــ "بس ما ينفعش تعيش وسط ولادنا، ولا تنام وسطنا، البت مش زينا، ودي مش قساوة، دي حِكمة."

صمت رحيم لحظات، ينظر إلى انعكاس وجهه في المرآة، كأنّه يبحث عن الإجابة داخله. ثم قال بهدوء مشوب بالغضب:

ــ "أنا مش عاوز أظلمها زي ما زمان ظلمونا. إحنا مش أنقياء أوي يا عهود. لو جدنا عبد الجليل شايفها، كان قال: اختبروا القلب، مش النسب."

حدقت فيه، تائهةً بين الغضب والخوف:

ــ "بس أنا خايفة، خايفة تدخل في ديننا وهي مش صافية، خايفة تقلب عليكم، خايفة على زين."

اقترب منها هذه المرة، أمسك بيدها برقة، وقال:

ــ "أنا كمان خايف، بس مش منها.. خايف من إننا نكون أول ناس تكسرها بعد ما جت تدور علينا. هنسيبها؟"

ترددت عهود، نظرت إلى وجهه، ثم إلى طفلها النائم، وقلبها يشتد بين القبول والرفض.

همست:

ــ "لو فضلت هنا، لازم تتعلّم حدودها. ومينفعش تدخل الحريم ولا تتكلم في الدين إلا لما تفهم إحنا مين."

ابتسم ابتسامة باهتة، وقال:

ــ "دا اللي أنا عاوزه. مش نحكم عليها.. نربّيها من جديد."

ثم مضى يلبس حذاءه ويخرج، تاركًا الباب مواربًا، والنور يدخل شيئًا فشيئًا إلى قلب عهود.

---

صباح جديد يتسلل إلى دار عبد الجليل، والشمس ترسل خيوطها إلى أركان البيت العتيق كأنها تبحث عن حياةٍ ما تحت الغبار.

في الصالة الواسعة ذات الجدران الحجرية السميكة، كانت الحركة دائرة كخليّة نحل، أصوات المواعين تصطدم، وضحكات مكتومة تتخللها تنبيهات حازمة.

على الأرض المفروشة بسجادة من خوص النخل، جلست كوثر بثوبها المزهر، تغرز الإبرة في القماش وتخرجها بدقة، تغني بصوتٍ خفيف:

ــ "يا بنت أبوها يا شِدّة، قوليلي حكايتك امتى تبان..."

وبجانبها، كانت مغفرة تعجن الطحين بيدين ماهرتين، تتصبب العرق من جبينها لكنها تبتسم برضا، تهمس لنفسها أذكار الصباح، وتحرك العجين ببطء.

ناهد تجلس على الكنبة الخشبية المنخفضة، تراقب الجميع، وعيناها تلمعان بحذر، توجه كوثر حين تنحرف الإبرة، وتنبّه مغفرة أن تُضيف الملح.

ضحكت كوثر وقالت:

ــ "ما تبقيش حَكم علينا كده يا ناهد، دا انتي لو مسكتي عصا، تبقي ناظرة مش حريمي!"

ردّت ناهد بهدوءها المعتاد:

ــ "وأهو الحريم نفسهم محتاجين اللي يِحكُمهم، وإلّا الدار تتقلب هايص."

قاطعتهم عهود، وهي تمسح البلاط بقوة، وتحكّه وكأنها تمحو ذنوبًا من تحته:

ــ "الدار ما تبقاش هايص، إلا لما يِدخل فيها الغريب."

جفّ الكلام في الجو، وكأن الجميع انتبه لنقطة النار المشتعلة.

لكن ما لبث أن سُمع صوت خطوات على السلم.

نزلت إيڤا بخطوات بطيئة. كانت ترتدي ثوبًا طويلاً بلون السماء، وشعرها مربوط بعقدة مرتفعة، عيناها نصف ناعسة، وعلى وجهها ملامح غريبة من البراءة والتوهان.

توقفت عند أول السلم، ونظرت إليهن بارتباك.

رفعت عهود رأسها فورًا، وقالت بصوت جهوري:

ــ "بسم الله! يا ستي، هو الساعة كام عندكم؟ دا احنا بدأنا من الفجر، وانتي لسه فايقة؟!"

ردّت كوثر بخفة:

ــ "ما تصحيش عليها كدا، البت شكلها لسه بتتأقلم..."

قاطعتها عهود، وصوتها يرتفع:

ــ "تتأقلم؟ دا بيت مش فندق. اللي يعيش هنا يصحى معانا، يشتغل معانا، ولا ياخد باب الدار ويمشي!"

نظرت إليها إيڤا، بعينين ملؤهما الحرج، وقالت بالفصحى بهدوء:

ــ "أنا لم أسمع أحدًا يوقظني… ولم أظن أنني يجب أن أستيقظ في هذا الوقت."

قهقهت عهود بضحكة قاسية:

ــ "ده عذر ولا فضيحة؟ دي الدار بتصحى من الفجر، مش لما حضرتك تِخلّصي أحلام!"

اقتربت منها بخطوات محسوبة، وقالت بصوت عالٍ أمام الجميع:

ــ "طالما ناوية تعيشي وسطنا، يبقى تبدأي تفهمي أصولنا. وهبدأهالك من دلوقتي: امسكي الشرشوبة، وامسحي الصالة دي كلها."

شهقت مغفرة:

ــ "عهود! حرام عليكي دي لسه جاية امبارح! تمسّح؟!"

ردّت ناهد بنبرة حازمة:

ــ "الشغل مش عيب، بس الفَرَض بالإهانة هو العيب."

قالت عهود وهي ترفع صوتها أكثر:

ــ "أنا ما بفرضش، أنا بربي. ولو كانت جاية تعيش وسط عيال عبد الجليل، يبقى تشيل زينا، ولا تاخد بعضها وترجع للمكان اللي جت منه!"

وقفت إيڤا وسطهن، وبصوتٍ فصيح، هادئ لكن يقطر كرامة:

ــ "إن كنتم ترون فيّ وصمةً، فقولوا بوضوح. لا تعاملوني كجسدٍ ينبغي إهانته، بل أخبروني: هل تريدونني هنا؟ أم لا؟"

سكتت كوثر، وانخفض رأس مغفرة، بينما نظرت ناهد إلى عهود في استنكار.

لكن عهود قالت بصوت كالصخر:

ــ "إحنا ما طردناكيش، بس وجودك له تمن. والتمن مش بس غسيل وكَنْس، التمن إنك تِنسي اللي كنتي عليه. أبوك، تربيتك، دينك… تمسحيه من قلبك زي ما هتمسحي الأرض."

صمتٌ ثقيل.

ثم همست إيڤا، بكلمات تُنذر بعاصفة:

ــ "أنا لم أختَر أن أُولد من أبٍ يهودي. ولم أطلب أن أعيش هنا. جئت أبحث عن شيءٍ ما، شيءٌ يربطني بدمٍ نقي... لكن يبدو أن النقاء في نظركم لا يُكتسَب، بل يُحتكر."

رفعت الشرشوبة، وبدأت تمسح الأرض في صمت.

كل تمريرة كانت تجرح، لا تمسح.

كل حركة كانت تنطق: أنا هنا رغمًا عنكم.

كانت إيڤا تمسح الأرضية بصمت، يداها تتحركان ببطء، والشرشوبة تتمايل معها كأنها ترقص رقصة مذلة أمام سيدات الدار.

لكن عهود لم تكتفِ بما حدث، بل بدا وكأن النار اشتعلت بداخلها، وصارت تريد إهانة الضيفة على أعين الجميع.

قالت بصوت مرتفع وهي تنظر نحو الركن المقابل:

ــ "ما تنسيش تحت الكرسي، عشان التراب هناك زي نيّتك!"

رفعت كوثر رأسها من الخياطة، وقالت بنبرة فيها تحذير:

ــ "عهود... كفاية كدا."

لكن عهود رفعت حاجبها وتجاهلتها تمامًا:

ــ "وبعد ما تخلّصي، شوفي البلاط اللي قدّام باب المطبخ، باين عليه مداس مش نضيف... وامسحيه حتة حتة، ما تبلّش الدنيا كلها."

قالت إيڤا، وصوتها بدأ يرتجف:

ــ "هل هذا... طبيعي هنا؟ أنتم تعاملون ضيوفكم هكذا؟"

ضحكت عهود ضحكة قاسية:

ــ "ضيوف؟! وإنتي جيتي معزومة؟ إنتي جيتي تِدوّري على أصل؟ يبقى لازم تنظّفي الطريق لِسكتك."

دخلت مغفرة وقالت:

ــ "ما تعمليش في البت كدا، إحنا ما تربيناش على القسوة دي يا عهود!"

لكن عهود لم تلتفت، واستمرت تملي أوامرها:

ــ "والمطبخ؟ ليه لسه مش ممسوح؟ ولا حضرتك مستنيانا نِفرشلك سجادة؟! خلّصي الصالة وروحي على المطبخ، والعيون البتجاز لازم تِدعكيها، أنا شمّة ريحة شياط."

قامت ناهد واقتربت منها خطوة حازمة:

ــ "أوامر بإهانة؟ ولا تعليم؟ عشان لو تعليم، أنا أعلمها. لكن بالشكل دا؟ عيب يا عهود."

رفعت عهود ذقنها بشموخ:

ــ "هي مش زيّنا. ودي مش قسوة... دي غربلة، واللي يطلع صافي، يبقى مننا. غير كدا؟ تلمّ هدومها وترجع للّي زيّها."

توقفت إيڤا، وضعت الشرشوبة أرضًا، ووقفت ببطء.

وجهها شاحب، لكن عيناها تلمعان كالسكين.

قالت بصوتٍ ثابت، بلغتها العربية المضيئة:

ــ "أنا لم أهرب من غربتي لأدخل في ذلٍّ جديد. إن كان العمل شرفًا، فسأعمل. وإن كانت الأوامر امتحانًا، فسأُجيب. لكن لا تأمريني كي تُذليني... فأنا لست عبدة في دارك، ولا وصمة في سِجلكم الشريف."

خيم الصمت.

ثم أضافت، بصوت أكثر حدة:

ــ "أنا ابنة امرأة مسلمة ماتت في وحدتها، وجئت هنا أبحث عن رائحة لها في هذه الدار. فإن كانت رائحتها مرفوضة، فقولوا... هل أغسل الأرض أم أغسل يدي منكم؟"

اهتز وجه عهود للحظة، لكنها أخفت ارتباكها وراء غضبها، وأشارت بيدها:

ــ "كمّلي المطبخ، بعدين طلعي السطوح، انفضي المشّايات، واغسلي الغسيل لو لقيتيه نشف. ولما تِخلصي، تعالى شوفي كوثر محتاجة إيه."

قالت كوثر بسرعة:

ــ "أنا مش محتاجة حاجة يا إيڤا، تعالي ارتاحي بس."

لكن عهود التفتت إليها كالسهم:

ــ "انتي سايبة الغُربة تِكسب على حسابك؟ ولا نسيتِ دار مَن إنتي؟"

قالت ناهد بحزم:

ــ "كفاية يا عهود. الإهانة دي هتردلك، والقلوب ما بتطولش على الظلم."

لكن عهود قالت وهي تغادر الصالة:

ــ "سيبوها تتعلم... النار ما بتنقّي إلا الذهب. ونشوف البت دي ذهب ولا نحاس مغشوش."

وبقيت إيڤا واقفة، تنظر إلى المطبخ، ثم إلى السلالم، ثم إلى الأرض تحتها.

ثم انحنت، من جديد.

__  ___  ___

المصنع، هناك حيث تدوي أصوات الماكينات كأنها قلوب نابضة، تصرخ تحت وقع الساعات الثقيلة.

رائحة المعدن المطحون تختلط بالعرق، والهواء ثقيل كأنّه لا يريد أن يُستنشَق.

كانت الشمس قد اعتلت السماء، والحديد يتوهج تحتها، كأنّه يغلي بالغضب.

داخل الورشة الرئيسية، وقف رحيم على رأس العمال، كمّه مرفوع، ويداه مشققتان من كثرة الإمساك بالحديد.

مرّر يده على جبينه ومسح العرق، ثم التفت نحو أخيه مراد، وقال وهو يراقب ماكينة القطع:

ــ "الحديد جاي رديّ، الصاج ده لو دخل على القص، هيكسر السِنّ."

ردّ عليه مراد وهو ينزل برميلًا من الحمالة:

ــ "ونعمل إيه؟ دا اللي جالنا من المورد. نرجّعه؟ هنقعد أسبوع من غير شغل."

دخل سالم من طرف الورشة، كان يُمسك بدفتر، ونظارته على أنفه، يتفحّص الأرقام:

ــ "أنا بصيت على الفواتير، فيه حاجة غلط، الوزن مش طالع مزبوط، دا يطلع نصب ولا غلط في الميزان؟"

ضحك علي وهو يجرّ قطعة طويلة من المواسير:

ــ "طالع نصب يا دكتور، وإحنا عايشين في بلد كلها مغالط، تحسب عدل يطلعلك راجل كداب!"

قال رحيم بنبرة حازمة:

ــ "الغلط لو اتعدّى علينا، بيتكرر. نرجّع الحديد ونخسر، أحسن ما نشتغل ونبوّظ سمعتنا."

ردّ عليه مراد:

ــ "طب والزبون اللي حاجز؟ مستعجل ورايح يستلم كرفان بكرا. لو قلناله استنّى؟ مش هيرجع تاني."

اقترب سالم، ونبرة تفكيره واضحة:

ــ "السمعة أهم، بس محتاجين حل. نشتغل نص الشغل، ونكمل بكرة لو وصل حديد تاني؟ أو نوضّب اللي عندنا وناخده ببطء؟"

علي، وهو يمسح يديه، قال ساخرًا:

ــ "أهو الشغل بقى زي عيشتنا في الدار، كله بالهَبد، وسايبين الكبير يشيل الهم!"

ابتسم رحيم، لكنه لم يُعلّق، فقط قال:

ــ "السُتر من عند ربنا. بسّ خلّونا نعدي اليوم دا بأقل خسارة."

ثم جلس على الكرسي الخشبي عند الباب، وقال:

ــ "قولولي... حسّيتوا بحاجة متغيّرة في البيت؟"

تبادلوا النظرات، وتكلم علي:

ــ "أصل السؤال؟ ولا إحنا هنلفّ ونرجع لنفس الموضوع؟"

ردّ مراد، وهو يربط قطعة حديد بحبل:

ــ "البيت بقى مش هادي... كل واحدة صوتها طالع، وكلّهم عيونهم على بعض."

ــ "وكأنّ فيه ريحة غريبة فاحت، وخلّت كل قلب يراجع نفسه." قالها سالم وهو يغلق دفتره.

رحيم، صوته خرج متهدجًا:

ــ "أنا عارف إن وجودها صعب... بس الغريب لو ما لقاش مكان بين أهله، هيروح فين؟"

قال علي، نصف جاد:

ــ "طب مش يمكن هي السبب؟ مش يمكن الغريب جاي مش غريب، جاي شايل سمّ؟"

نهض رحيم، نظر إليهم واحدًا واحدًا:

ــ "اللي بيحكم القلب، مش السجلات. أنا مش بسيبها تكبر وسطنا عبث. بس عاوز أفهمها، وأفهم نفسي... أنا ليه مش قادر أطردها؟"

ساد الصمت. لم يرد أحد.

وفجأة، دوّى صوت قطعة حديد سقطت من يد عامل، فارتدّ صوتها كأنها طرقة قاضٍ أنهى الجلسة.

قال مراد:

ــ "نخلص شغلنا يا ولاد، الحكي مش هيوقف الحديد، ولا هيعدّي اللي جاي."

---

غاصت الشمس في قلب الأفق، بلونها الناري الذي كأنما يعكس ما يجري في صدر الدار، وغرّدت عصافير المساء كأنها تجهل أنّ الهدوء الذي يسكن الأجواء، ما هو إلا سكون ما قبل العاصفة.

عاد الرجال من المصنع مبكرين على غير العادة. التعب يعلو وجوههم، والعرق يبلل قمصانهم، غير أنّ القلق الذي انغرس في عيونهم كان أبعد من تعب الجسد...

فتح رحيم الباب، وإذ بصراخٍ يعصف بجدران الدار كريحٍ تضرب أعمدة الخشب:

– "يا عهود كفاية! البت مالهاش ذنب!"

دخل الرجال ليجدوا الصالة غارقة في الفوضى...

إيڤا واقعة على الأرض، شعرها منكوش، جلبابها ممزق عند الطرف، يداها تحمي وجهها بينما تحاول النهوض.

عهود فوقها، تصرخ وتسبّ، تقبض على خصلة من شعرها بقوة، تكاد تنزعها من الجذور.

كوثر ومغفرة تبكيان وهما تحاولان جذب عهود بعيدًا،

ناهد تمسك بابنها زين الذي اختبأ خلف صدرها باكيًا من الخوف.

الأطفال يصرخون، والصوت كأنه طبل حرب.

صرخ مراد بأعلى صوته:

– "في إيه يا ناس؟! دا بيت ولا ساحة نطاح؟!"

لكن رحيم لم يتكلم... نظر للمشهد، نظر طويلًا...

نظر إلى وجه إيڤا الذي التصق بالغبار، إلى دمعة تحاول أن لا تنزل،

إلى رجولته تُسحق أمام عينيه.

ثم...

صرخ صرخة أوقفت الدار:

– "عهود!"

انتفضت عهود، التفتت إليه بعيونٍ ملتهبة، وثيابها غير مرتبة، شعرها متناثر، أنفاسها لاهثة.

– "آه يا خويا؟ جاي تدافع عنها؟ عن واحدة أبوها يهودي؟ عن واحدة نايمة للساعة ١١ وتقول بتتعب؟ بتتعب في إيه؟ في شيل المعالق؟!"

تقدّم رحيم نحوها بخطى بطيئة، ووجهه ثابت كصخرة، لا غضب ولا رحمة، فقط حكمٌ صدر من الداخل.

قال بهدوء عاصف:

– "ضربتيها؟"

سكتت عهود لحظة، ثم قالت بوقاحة:

– "أيوه، وضربها قليل فيها، دي غريبة، وهنا مفيش غريبة تاكل وتشرب وتتمدّد... م

فاجأها...

لم تكد تكمل الكلمة حتى رفع يده، وهوت صفعة ثقيلة على وجهها.

صفعة اهتزّت لها جدران البيت...

صرخة عهود مزّقت الهواء.

ثم أمسك بذراعها وجذبها بقسوة حتى تعثرت:

– "انتي نسيتي نفسك ولا إيه يا عهود؟!

دي ضيفتي أنا!

ضرب؟! تضربي واحدة جاية من غُربة، مش لاقية رحمة؟

بقى دا قلبك؟!

أنتي مرة! بس ما تبقيش بهيمة!"

كانت عهود تصرخ من الدهشة، من الوجع، من الصدمة.

مراد اقترب بسرعة وهو يمد يده:

– "رحيم! كفاية!!!"

لكن رحيم لم يتراجع.

ألقى عهود على الأرض عند قدمي مراد وقال:

– "خُد أختك دي وربّيها، عشان لو رفعت إيدها تاني، أقسم بالله ما هسيب فيها نفس!"

شهقت كوثر، وبكت مغفرة، وناهد أمسكت الأطفال تبعدهم عن المشهد،

أما إيڤا... فنهضت ببطء، ووقفت تمسح التراب عن وجهها، وقالت بصوتٍ هادئ متماسك:

– "لم أطلب منكم شيئًا... كل ما أردته أن أعيش كإنسانة. لست أقلّ منكنّ، ولا أكثر.

أمّا أنتِ يا عهود، فاعلمي... أنّ يدكِ لم تضربني فقط، بل مسّت ما تبقى لي من كرامة... لكنّي لن أنحني."

انهارت عهود في حضن مراد وهي تبكي وتصرخ:

– "بتضربني عشانها؟! عشان واحدة ملهاش أصل؟! عشان واحدة..."

قاطعها مراد بعنف:

– "اسكتي!

اسكتي بدل ما أطلعك برّه الدار وأقول للكل إنك بهدلتِ عرضنا!

هوّ حد قالك تبقي فرعونة؟!

دي ضيفتنا يا عهود، وإن كنتي نسيتي أصولنا... أنا هفكّرك."

وساد الصمت...

رحيم وقف وسط الدار، يتنفس ببطء، وألمه واضح في عينيه.

أدار ظهره للجميع وقال بهدوء:

– "اللي مش قد الرحمة... ما يستاهلش يعيش في دارنا."

وغادر، تاركًا خلفه دارًا انقسمت بين الغضب، والندم، والدموع...

أما إيڤا، فوقفت وحدها في طرف المشهد، لا تبكي، ولا تتكلم...

لكن نارًا هادئة اشتعلت في عينيها... نار الصبر، ونار العزم.

在 APP 繼續免費閱讀本書
掃碼下載 APP

最新章節

  • من نسل يعقوب    بداية امل جديد

    مرت أربعون ليلة، ودار عبد الجليل قد عادت إلى سكونها المعتاد، لا صوت رصاصٍ يُدوّي، ولا نظرات شكٍّ تُطعن في النوايا. الأرض التي تلطّخت بالدماء غسلها المطر ذات فجر، والمصانع عادت تفتح أبوابها في السادسة صباحًا، والعمال يدخلون ويخرجون ببطاقات معدنية، كأن شيئًا لم يكن.لكن الألم لا يُغسل بالمطر.وفي الطابق العلوي من دار عبد الجليل، حيث غرف النساء تطلّ على حديقة بها نخلة وحيدة، جلست عهود في إحدى الزوايا، شاحبة الوجه، هامدة الجسد، تحتضن ركبتَيْها بثوبٍ رمادي خالٍ من الزينة. الستائر كانت مسدلة، والضوء يدخل خافتًا، يزحف على الأرض كجسد منهك.جلست بجوارها مغفرة، تمسك بيدها وتضغط عليها برفق، وعلى المقعد الخشبي المقابل جلس مراد، عاقدًا حاجبَيْه، بينما وقف والدها عبد الواحد بجوار النافذة، يقبض كفّيه خلف ظهره، يُخفي قلقه في صمتٍ ثقيل.قالت مغفرة بصوت مكسور:– "يا عهود، والله ماينفع كدا. الدنيا رجعت تمشي، واللي حصل كان اختبار وراح. دا رحيم نفسُه انكسر وتغيّر، وواقف برا الباب مستني كلمه تطمنه."رفعت عهود رأسها ببطء، وعيناها متورمتان كأنها لم تنَم منذ ليالٍ.قالت بنبرة مخنوقة:– "هو انكسر؟ طب وأنا؟! أن

  • من نسل يعقوب    خيانة لا تغفر

    ساد صمت غريب في الغرفة التي كانت تغمرها أضواء خافتة تتسلّل من أباجورة زجاجية ذات لون عسلي، تنبعث منها إضاءة ناعمة تنكسر على وجه إيڤا المذعور. كانت واقفة في منتصف الغرفة، ترتدي عباءة سوداء فضفاضة تخفي جسدها، وشعرها مربوط خلف رأسها بإهمال، وعيناها الزرقاوان ترتجفان مثل قلبها. كانت تعرف أن هناك خطبًا ما… أحسته في الهواء… في نظرات رحيم الأخيرة… في طريقة مغادرة مراد للمكتب دون حديث… في صمت العائلة رغم ما تصنعه.ثم انفتح الباب ببطء… طقطقة خفيفة... لا صوت أقدام… مجرد ظل امرأة يدخل كأنما انسلّت من العدم.رفعت إيڤا حاجبيها، نظرت باستغراب مشوب بالخوف، ثم بصوت مرتجف سألت بالفصحى:"من أنتِ؟!"لكن الفتاة التي دخلت لم تُجِب مباشرة، كانت ترتدي عباءة رمادية، وجهها حاد القسمات، وشعرها الأسود مسدول على كتفيها، وعيناها كعيني صقر... تقفل الباب خلفها وتُخرج من جيبها الداخلي هاتفًا مغلقًا وكأنها تستعدّ لشيء أكثر من مجرد زيارة.قالت بهدوء، وصوتها كحد السكين:"أنا ميادة... بنت سارة، من جوزها الأول... جوزها المسلم."شهقت إيڤا دون صوت، فتحت فمها كمن كتمت الصراخ في صدرها."أنتِ... ميادة؟! ميادة بنت...؟! لكنهم ق

  • من نسل يعقوب    ووقعت الفريسة

    كانت الشمس تميل نحو الغروب، فألقت بظلالها الطويلة فوق الحديقة الرحبة التي اتخذتها العائلة مجلسًا لهم في تلك الأمسية المضطربة. تجمّع الرجال والنساء حول الطاولة المستطيلة المنصوبة أسفل شجرة الجميز العتيقة، تتدلّى منها فروع كثيفة تحجب بعض النور وتمنح المكان رهبة موشّحة بغلالةٍ من الصمت المترقّب.جلس رحيم في صدر المجلس، بقامته المعتدلة وهيئته الهادئة ظاهريًّا، بينما يداه تعبثان بلا وعي بطرف مسبحته الخشبية. مراد إلى جواره يطالع أوراقًا يذرّيها الهواء بين الحين والآخر، وأمامهما إيڤا التي بدت في تلك اللحظة أكثر هدوءًا من الجميع، متصنعة اهتمامًا عابرًا بحديث العائلة، ترفع بصرها أحيانًا لتبتسم ابتسامة لا يخطئها قلب يقظ: ابتسامة امرأة تخفي أكثر مما تعلن.امتدت أطراف الحديقة في صمت ثقيل، فيما علت ضحكات طفيفة من كوثر وناهد وهما تسكبان الشاي في الفناجين الصغيرة. ولم يشأ رحيم أن يُظهر أدنى ريبة، فقد تواطأ مع مراد على ألا يثيرا الشك في نفس تلك المرأة الغريبة التي احتلت مكانًا في حياتهم دون استئذان.كان صوته منخفضًا وهو يهمس لمراد:ـــ "كلّ حاجة في سلوكها بتقول إن وراها مصيبة… بس لازم نصبر. لو بان عل

  • من نسل يعقوب    بداية النهاية

    في غرفة المكتب الهادئة الواقعة في الطابق الثاني من دار عبد الجليل، تلك الغرفة التي تشبه حصنًا صغيرًا بديكور خشبي داكن وستائر ثقيلة تعزلها عن ضجيج البيت. يتناثر الضوء الشاحب من مصباح صغير مثبت أعلى الرف، فتنعكس ظلال الكتب والملفات الكثيرة على الجدران، وتُخيم على المكان رهبة أشبه بغرفة تحقيقات، لا مكتب منزل.في الزاوية، جلس رحيم على مقعد جلدي أسود، متكئًا بظهره إلى الوراء، إحدى ساقيه فوق الأخرى، وأصابعه تضغط بقوة على ذقنه المتصلب. أمامه وقف مراد، ساكنًا للحظة، لكنه سرعان ما بدأ يتقدّم بخطوتين مترددتين، وهو يرمقه بنظرة قلقٍ لا يخفى فيها الذهول.---مراد (بصوت منخفض ومضطرب):"رحيم... انت متأكد من اللي بتقوله؟ يعني متأكد إن إيڤا جاسوسة؟"رحيم (بهدوء مرّ ومكر دفين):"أيوه... متأكد زي ما إني قاعد قدّامك دلوقتي. عنيها... بتخبي. بتكدّب، مره عينها تهرب، مره تترعش، مره تسكن أوي كأنها بتحاول تثبّت نظرتها عشان ما تتهزش... فاهم؟"مراد (باندهاش):"يعني... كل اللي فات دا تمثيل؟ حتى موضوع الحمل؟"رحيم (ضاحكًا بسخرية مريرة):"الحمل؟! يا بني أنا دكتور نسا وتوليد، وبعرف الحامل من أول أسبوع حتى لو مش قالت

  • من نسل يعقوب    بداية الحقيقة

    في ردهة الطابق العلوي، حيث الجدران مطلية بلون العاج الهادئ، والمقاعد مزدانة بوسائد تراثية نقشها الصعيدي المميز، جلست "إيڤا" في ركن الغرفة، تطوي ساقًا فوق ساق، تقرأ كتابًا بلغة عربية فصيحة لا تشوبها شائبة. كانت أشبه بزهرة غريبة نبتت في غير أرضها، غريبة في هيئتها، غريبة في صمتها، وغريبة في هذا الهدوء المدروس الذي يغلف كل حركة منها.جلس "رحيم" قبالتها، خلف منضدة خشبية داكنة اللون، يزعم الانشغال بجهازه المحمول، يضغط على لوحة المفاتيح تارة، ويعدّل من نظارته تارة أخرى. غير أنّ عينيه لم تبرحا وجهها؛ تدرسه بحدة، يحصي ومضات عينيها، وتقلّبات تعبيراتها، كما لو كان يقرأ خريطةً خفية تحت جلدها.هي تعلم… بل شعرت بذلك الثقب في ظهرها، كأن نظراته تسلّلت كسكين باردة. رفعت عينيها للحظة، فالتقت نظراته، لم تهرب… بل ابتسمت ابتسامة خفيفة لا روح فيها، ثم قالت بهدوء:إيڤا (بالفصحى):"أظنّك لم تعد تكتب شيئًا، يا رحيم… لقد نفدت الكلمات من حولك، أليس كذلك؟"ارتبك قليلًا، ثم تمتم:رحيم (بالصعيدي):"لا يا بنت الناس… بكتب، بس دماغي مش مجمعة… كملتِ الكتاب؟"أغلقت الصفحة بخفة، وأجابت بصوت واثق:إيڤا:"قرأته، ولكن هناك

  • من نسل يعقوب    اكتشاف

    في قلب منشأة أمنية تقع على أطراف النقب، وتحديدًا داخل مبنى رمادي اللون محاط بأسلاك شائكة، جلس أربعة رجال في غرفة محصنة تحت الأرض، تكتظ جدرانها بشاشات مراقبة متراصة تعرض بثًا مباشرًا من أنحاء مختلفة من المنطقة، بينما تملأ الطاولة الطويلة أمامهم ملفات ورقية وأقراص تخزين إلكترونية.الإضاءة باهتة، متعمدة، وتنبعث من مصابيح صغيرة مثبتة في السقف الخرساني، أما الهواء فكان مشبعًا برائحة معدن وأوراق قديمة، وكان السكون يخيّم على المكان إلا من صوت أزيزٍ خافت يصدر عن الأجهزة.(يدخل رجل في منتصف الخمسينات، حليق الرأس، يحمل رتبة رفيعة على كتفه)الضابط (بهدوءٍ حذر):"هل بدأتم فحص ما وصلنا من العميلة إيڤا؟"شاب أشقر يضع نظارة دقيقة، كان يقلب في الأوراق بانتباه:"نعم، سيدي. لقد وصلتنا ثلاث دفعات حتى الآن... المستندات تحمل ختم المصنع، وتفاصيل تتعلّق بما أسمته بمحرك الجنوب."الضابط:"هل تم التأكد من صحتها؟"شاب آخر، ذو شعر داكن وجبهة عريضة، كان يحدّق في شاشة أمامه:"التوقيعات، الأكواد، الرموز الداخلية، حتى ترتيب الصفحات... كل شيء يوحي بأنها أصلية. إن كانت هذه المستندات مزيفة، فصاحبها عبقري."الضابط:"وما

更多章節
探索並免費閱讀 優質小說
GoodNovel APP 免費暢讀海量優秀小說,下載喜歡的書籍,隨時隨地閱讀。
在 APP 免費閱讀書籍
掃碼在 APP 閱讀
DMCA.com Protection Status