Share

وجوه الغرباء

last update publish date: 2026-05-21 23:49:23

كان السطح مُنبسطًا واسعًا، مبنيًا فوق بيت طيني عتيق، تتدلّى من أحد أركانه حبال الغسيل تُطوحها نسمات العصر الهادئة، فتتمايل الملابس كأنها تسبح في فلك من نور.

الجدران الحمراء المشققة عانقت ضوء الشمس الذهبي، وانسابت خيوطه على السقف الخشبي وأطراف الطوب المتآكل كأنها تودّع نهارًا طيّبًا بقبلة حانية.

جلس علي عند الركن الشرقي من السطح، مُنهمكًا في إصلاح لعبة بلاستيكية مكسورة، أمامه صندوق خشبي قديم مفتوح، تعج بداخله المفكات والمفاتيح والكماشات.

كان يرتدي جلبابًا رماديًا مشمّرًا عن ساقيه، وعيناه تتابعان القطع الصغيرة كأنها كنز دفين لا يجوز إهماله.

من باب السطح المفتوح، انبثقت كوثر، تحمل صينية معدنية بها كوبان من الشاي، يتصاعد منهما البخار بخفة، ورائحة النعناع تنساب منهما كأنها دعوة للسكينة.

كوثر (بابتسامة وهي تقترب):

ـــ يا ساتر يا رب! هو في يوم يعدّي من غير ما تعكّ جنب علبة المفاتيح دي؟!

علي (من دون أن يرفع بصره):

ـــ يوم ما تعضّيش فيه الشاكوش، ما يتسجّلش في الدفتر أصلاً يا كوثر!

كوثر (تضع الصينية بجواره):

ـــ يا راجل، دا أنا قلت أطلّعلك كوباية شاي تطفّي نارك شوية، لقيتك بتولّع في اللعبة المسكينة دي!

علي (يمسك الكوب ويتنهد):

ـــ الله! ريحة النعناع بسّ تبرد القلب… دا شايك دا يتشرب بخشوع.

كوثر (بغمزة):

ـــ يبقى اشرب وادعيلي… دا معمول من قلبي!

(تجلس كوثر على حافة السور، والهواء يحرّك أطراف خمارها في هدوء)

علي (وهو يرمقها بنظرة دافئة):

ـــ مش عارف ربنا رزقني بيكي إزاي… كل حاجة بتعمليها فيها طيبة!

كوثر (وهي تغمز له):

ـــ علشان تستاهل… يا عم الطيبين.

وفجأة، انطلق صوت صراخ صغير من الجهة الأخرى من السطح، فالتفت كلاهما فورًا.

عدنان (يبكي وهو يركض):

ـــ مامااااااا! كِنان خد العرباية بتاعتي!

كنان (يجري وراءه):

ـــ ما كنتش ماسكها! لقيتها سايبة… قلت ألعب بيها شوية!

(قامت كوثر واقفة، تنفض جلبابها بتوتر الأم الفوري، واقتربت بخطوات سريعة)

كوثر:

ـــ كِنان! تعال لهنا بسرعة، ولا أندّه لأبوك؟!

(كنان توقف في مكانه، بينما عدنان اقترب وهو يشهق، ووجهه محمر من البكاء)

علي (وهو يقف ويحك رأسه):

ـــ خير يا ولاد؟ إيه اللي حصل؟

عدنان:

ـــ كنت بلعب بالعربية، وسِبتها لحظة أروح أشرب… رجعت ملقتهاش، لقيته هو واخدها!

كنان (يدافع عن نفسه):

ـــ ما كنتش عارف إنها بتاعته! ملقتش حد حواليها… قلت ألعب بيها شويتين!

كوثر (تنحني لمستواهم):

ـــ يا كِنان، يا حبيبي… مش كل حاجة نلاقيها فاضية تبقى بتاعتنا. نسأل الأول، وناخد بإذن، ماشي؟

كنان (بصوت منخفض):

ـــ ماشي… آسف يا عدنان.

عدنان (يمسح دموعه):

ـــ خلاص، مافيش حاجة… خُدها، بس ترجعها بعد شوية.

علي (بابتسامة):

ـــ الله يرضى عليكم… هو ده العِشرة، هو ده الدم الواحد.

(يحضن كِنان أخاه، وعدنان يبتسم في خجل، فتفيض عينا كوثر دمعة صغيرة وتمسحها بخفة)

كوثر (تهمس وهي تنظر لعلي):

ـــ شفتهم؟ دول دنياي كلها…

علي (يقترب منها ويبتسم):

ـــ وإنتي دنياي أنا…

كوثر (تضحك وهي تشير للشاي):

ـــ يلا، قبل ما يبرد، وإلا أرجع أعمل لك واحد بنار قلبي بقى!

علي (بضحكة خافتة):

ـــ لا لا، نار قلبك دي أنا هخليها دايمًا مولعة… بس ليا أنا وبس.

(وتعود الشمس لتتوارى خلف الجبل البعيد، والنسيم يُداعب أرواحهم، والضحك الطفولي يملأ السطح كأنه صلاة حب لا تنقطع)

__  __  __  __  _

كانت الشمس قد أوشكت على الرحيل، وانكسر ضوءها على الأرض كأنه سِجادة ذهب، تمتد ببطء وتنسحب رويدًا رويدًا.

جلس الأطفال على حصيرة مفروشة في الفُسحة ما بين غرف البيت، أعينهم الصغيرة تلمع، وأيديهم متشابكة أو تحت خدودهم، كأنهم في حضن أم كبيرة تحكي لهم سرًّا من أسرار الزمان.

في وسطهم كانت مغفرة، تجلس بثوبٍ بسيط ووشاح منقوش يغطي رأسها، وقد اتكأت على وسادة صغيرة، تحيطها ماسة وعدنان وكنان وزين، وحتى الصغيرة حور تتقلب على الأرض بجوارها.

بعيدًا بعض الشيء، وقف مراد، يراقب المشهد بصمت… عيناه فيها سكون عميق، لكنه سكون بيحمل ألف معنى.

إلى جواره، كانت إيڤا تقف، ذراعاها معقودتان، ونظرتها مشدودة نحو مغفرة، تستمع وكأنها تنقّب عن شيء مفقود في قلبها.

---

مغفرة (بصوتها الحنون):

ـــ تعرفوا يا ولاد، إن في تلات شباب… هربوا من الظلم، وراحوا استخبّوا في كهف بعيد، بس ما كانوش خايفين… كانوا مؤمنين بالله!

زين (يرفع إيده):

ـــ زي إيه يعني؟ يعني كان في حد بيجري وراهم؟

مغفرة (تبتسم):

ـــ آه يا زين… الملك بتاع البلد كان ظالم، وكان بيعذّب كل اللي يعبد ربنا. وهُمّا كانوا مؤمنين قوي، وقالوا لا! إحنا مش هنعبد غير رب السما.

عدنان (بعيونه الواسعة):

ـــ وهربوا؟

مغفرة:

ـــ أيوه، وراحوا كهف في الجبل… هناك، دعوا ربنا وقالوا:

"ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيّئ لنا من أمرنا رشدًا"

كنان (ينظر حوله بخوف خفيف):

ـــ طيب… كانوا لوحدهم؟

مغفرة (تهز رأسها):

ـــ لأ… كان معاهم كلب! الكلب اسمه مش مذكور، لكن ربنا خلى اسمه يتقال في القرآن. الكلب نام قدام باب الكهف، حارسهم المخلص… وربنا نامهم كلهم… مية سنة؟ لأ…

(تتوقف وتبصّ لهم كلهم، وكأنها بتختبرهم)

مغفرة (بصوت واطي):

ـــ تفتكروا ناموا كام سنة؟

ماسة (تحاول تفتكر من اللي سمعته قبل كده):

ـــ ناموا… خمسين سنة؟

مغفرة (تضحك وتومئ لها بحنان):

ـــ لأ يا روحي… ناموا تلتمية وتسعة سنة!

ـــ تلتمية وتسعة سنة وهما نايمين وربنا بيحفظهم… لا جعانين، لا عطشانين، لا تعبنين… كانوا في أمان ربنا.

عدنان (بصوت مبهور):

ـــ يعني كبروا وهما نايمين؟

مغفرة:

ـــ لأ… ربنا وقّف لهم الزمن، ولما قاموا، كانوا زي ما ناموا. ولما نزلوا البلد، لقوا الدنيا اتغيّرت، والناس بقوا مؤمنين، والملك بقى طيب… وربنا خلى قصتهم عبرة.

(وقفت لحظة وسكتت… الأطفال لسه مشدودين، وعينهم متعلقة بيها)

مغفرة (بصوت أهدى):

ـــ عارفين ليه ربنا حفظهم؟ علشان قلوبهم كانت صافية، وكانوا مؤمنين، حتى وهما لوحدهم، حتى وهما خايفين… كانوا واثقين في ربهم.

(مراد أنزل نظره، وكأن الكلام أصابه… أما إيڤا، فاقتربت قليلًا، وبصوت منخفض سألت)

إيڤا (بفصحاها المعتادة):

ـــ أحقًّا كانوا شبابًا؟ لم يكونوا أنبياء؟

مغفرة (نظرت لها بعينين دافئتين):

ـــ أيوه… كانوا بس شباب عاديين، بس إيمانهم كان فوق العادي. وده اللي بيحبّه ربنا، مش إنك تكون نبي، لكن إن قلبك يكون صادق، مهما كنت.

إيڤا (بهمس):

ـــ وهل يحفظني الله إن آمنت… كما حفظهم؟

مغفرة (تضع يدها على قلبها):

ـــ لو آمن قلبك، هيتفتحلك كهف الأمان… وربنا هيسندك، حتى لو العالم كله واقف ضدك.

(سكت الجميع… حتى النسمة وقفت كأنها تسمع)

ثم انفجر كنان فجأة بسؤال:

كنان:

ـــ طب هو الكلب دخل الجنة؟

مغفرة (تضحك وتخبط على ركبتها):

ـــ دي مش أول مرة تتسأل يا بطل! العلماء قالوا… ربنا يقدر يعمل أي شيء، ولو الكلب خدم أولياء الله، فالله أكرم من إنه ينسى المعروف!

عدنان:

ـــ يعني ممكن نلاقيه في الجنة؟

مغفرة:

ـــ ولو ما لقينهوش، هتلاقوا الرحمة اللي خلقته ❤️

(الأطفال يضحكون، وحور تزحف وتتمسك بطرف ثوب مغفرة، فترفعها وتضمها لصدرها)

مراد (بصوت خافت، لإيڤا):

ـــ مغفرة… قلبها أحن من ألف مدرسة.

إيڤا (بنظرة مدهوشة):

ـــ بل هي كتاب… يُقرأ لا بالحروف، بل بالشعور.

(ويسدل الغروب ستاره، بينما مغفرة تحتضن الطفلة الصغيرة، وتطلب من الأولاد يردّدوا الدعاء اللي قاله أصحاب الكهف…)

مغفرة (بصوتها الحنون):

ـــ يلا معايا يا حبايبي… قولوا:

"ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيّئ لنا من أمرنا رشدا…"

(يرددون وراها بصوت بريء، بينما العيون تلمع بنور لم تعرفه الدنيا بعد…)

__  __  __  __

كانت الشمس قد انسحبت عن وجه الأرض، تاركة خيوطها الباهتة معلّقة في الأفق، وهدأ البيت شيئًا فشيئًا، وكأنّه يتهيّأ لسكينة المساء.

في باحة الدار، كانت إيڤا تحمل الصغيرة "حور"، تهمّ بالدخول إلى الداخل، وعلى شفتيها ابتسامة خفيفة من أثر قصة مغفرة.

لم تكن تعلم أن عينًا تقطر شررًا ترقبها من أعلى.

على أول درجات السُلّم، وقفت عهود، كتفها مستند إلى الحائط، وعيناها معلّقتان على إيڤا بنظرةٍ حارقةٍ، لا تحتمل التأويل…

نظرة امرأة لم تهزمها امرأة، بل هزمها الرجل حين جعل الأخرى فوق رأسها.

في زاويةٍ مقابلة، لمحها مراد… توقّف.

تأمّل السكون في ملامحها، والصخب خلف عينيها.

وحين استدارت لتصعد، تبعها… خطوة بخطوة، دون أن يُصدر صوتًا.

---

🟫 المكان: السطح — النسيم بارد، والسماء نصفها ظلام ونصفها لهيب مغيب

وقفت عهود هناك، لا تدري لماذا صعدت، لكنها أرادت أن تبتعد، أن تختبئ من الكلّ… حتى من نفسها.

جاء صوت مراد من خلفها، هادئًا، قويًا، كأنّه يعاتبها بالسكوت.

مراد (بصوت هادئ):

ـــ بصيتِ لها ليه كِده يا عهود؟

لم ترد.

ظلّت صامتة، لكن يدها قبضت على طرحتها بشدة.

مراد (اقترب منها قليلًا):

ـــ النظرة دي… ما تشبِهْكِيش.

إنتِ مِش كِدَه.

عهود (تستدير، وعيناها تلمع بالدموع):

ـــ وأنا عِرفِت أنا بئيت إيه دلوقت؟

بئيت ست إتضربِت ف وِشّها قدام العِباد… علشان يهوديّة!

مراد:

ـــ مِش يهوديّة، يا عهود…

بني آدميّة، وإنتي اللي مدّيتِي إيدِك.

عهود (بصوت يرتجف):

ـــ وأنا ما استاهلش؟

ما استاهلش كلمة؟

ما استاهلش يفهّمني؟

هو جوزي ولا جوزها؟

مراد (تنهد):

ـــ جُوزِك… وبيحبك.

بس إنتي خَرَبتِها بإيدِك…

وبدل ما تصلّحي، بتِزوّدي الكُره.

عهود (صرخت):

ـــ أكرَه؟!

أنا ما بئيتش أكرَه غير نَفسي!

كلّ يوم أبُصّ ف المراية، ألاقي وشّي ملوّث بالإهانة.

مراد (اقترب خطوة، وصوته خفض):

ـــ طيب هِتفضّلي لِمْتَى؟

هتفضّلي تِتفرّجي من بعيد… وإنتي سايبة جُوزِك وابنِك؟

الواد بيعيّط كلّ ليلة… بيسأل "ماما فين؟"

عهود (تخفض رأسها):

ـــ ما قِدرِتش…

قلبي مِش راضي يسلِّم.

كلّ ما أفتِكر إيده وهِيّا بتلطّشني…

بحِسّ الدنيا كلّها بتوجّعني.

مراد (بهدوء تام):

ـــ طيب اسمعيني…

الضرب غَلَط، وأنا ما برّرُوش.

بس العِناد… بيهدم بيوت.

وإنتي ستّ عاقلة، وعارفة قدّ إيه الغضب بيخلّي البني آدم يتْجَنّن.

عهود (بكتمة):

ـــ وأنا فين الكرامة؟

فين حقي؟

هارجَع كِده… من غير ولا كلمة؟!

مراد (ينظر إليها بعينٍ حادّة):

ـــ في كرامِة ف إنِك تِقومي بيتِك.

في كرامة إنِك تِحضني الواد وتبُصي ف عِينه وتقوليله: "ماما رجِعِت".

عهود (بهمسٍ مخنوق):

ـــ طب… وهو؟

هيحِسّ إنِه غلط؟

ولا هيبُصّ لي كأني خِسِرت المعركة؟

مراد (صوته يلين):

ـــ هو ندمان، يا عهود.

بس الراجل لما يِندَم… ساعات ما بيعرفش يقولها.

يقولها بحضنه… بس إنتي مش كنتي موجودة.

عهود (تمسح دمعتها بسرعة):

ـــ طيب…

لو رجِعِت، هاكون ضعيفة؟

مراد:

ـــ لأ…

هتكوني أُمّ، وزوجة… وستّ عاقلة، شالت بيتها بعد ما كان هيقَع.

(يسود صمت طويل… لا يُسمع فيه سوى صوت الريح تلامس طرحتها. تنظر أمامها لعتمة السطح، كأنها تحاول أن ترى ما خلف جدار الكرامة والوجع)

مراد (بصوت منخفض قبل أن يرحل):

ـــ خُدي وقتِك…

بس ما تطوّليش…

القلب لو بات على الزعل، بيبرد.

(ويهبط درجات السُلّم، يختفي بهدوء… وتبقى عهود وحدها، واقفة في مهبّ الهواء، والعتمة تنزل على وجهها، لا تدري لما لم تخبره أنها رأته يسير معها مبتسما ليلا

لا تدري هل تغسل دمعتها… أم تغسل كل شيء سواها.)

_  _  _  _  _

كانت ليلةٌ من ليالي الصيف التي تنبض بالصمت، إلا من أنين الريح بين سعف النخل، ووقع أقدامٍ خافتةٍ في الدار القديمة. في الفناء، افترش الرجال الأرض، وتحلّق الأحفاد من حول جدّهم، الشيخ عبد الجليل، الذي جلس في صدر الحلقة، يشعُّ من محيّاه نور السنين، وهيبة الماضي، ووقار الكلمة.

أمامهم كانت مصابيح الكيروسين تُلقي ضوءًا خافتًا على وجوههم، وأكواب الشاي لا تزال تفوح ببخارها، بينما جلس الأبناء الأربعة — عبد القاسم، عبد الواحد، عبد المجيد، وعبد الرؤوف — وقد بان التوجّس على ملامحهم، كأنّهم يعلمون أن ثمّة أمرًا جللًا سيُقال الليلة.

رفع الجد عينيه الثقيلة، وقال بهدوءٍ عميق:

ـــ "يا ولاد، اللي هقوله دلوقت مش سهل… بس كان لازم يتقال."

انحنت الرؤوس، وشدّت النفوس أوتارها، فتابع الشيخ:

ـــ "أنا… وعمامكم الأربعة، لازم نسافر برّه البلاد، والسفر مش يومين تلاتة… ولا حتى شهر. يمكن نغيب، ويمكن نرجع. الله أعلم بالآجال."

انفرجت عيون الشباب عن دهشةٍ واستغراب، وقبل أن يُسارع أحدهم بالكلام، سبقهم رحيم، وقال وهو يعتدل في جلسته:

ـــ "سفركوا فجأة ليه يا جدي؟! مالناش علم بحاجة."

ـــ "في أمر كبير… أمر فيه مصالح ناس ومظالم، واحنا رايحين نردها، ومانرضاش نسيب الأرض معلّقة ولا الحقوق ضايعة."

تنحنح الجد، ومسح على جبينه، ثم نظر إلى الأحفاد واحدًا واحدًا، وصوته يهبط ويعلو كنبضٍ متوتر:

ـــ "بس فيه حاجة أهم… أمانة هسيبها في رقابكم، ووصية تنحط فوق راسكم."

اقترب الجميع أكثر، حتى كأن قلوبهم تتقدّم آذانهم، فقال الجد:

ـــ "البنيّة إيڤا."

ارتعشت النظرات، خاصةً عند ذكر الاسم. هي الغريبة التي حضرت منذ أسبوع، ابنة سارة المسلمة، التي فرّت من ماضيٍ ثقيل إلى مستقبلٍ مجهول.

ـــ "إيڤا دي… صحيح جاية من بعيد، وسارة أمّها كانت عايشة برّه حتي لو كانت متجوزة يهودي ، بس الست كانت مسلمة… وصانت دينها، وبنتها مرحتش لأهل أبوها دي جاتلنا

علشان تبقى وسط ناسها. إيڤا دلوقت وسطنا، مش ضيفة، ولا غريبة."

مراد (بشيءٍ من الحذر):

ـــ "بس يا جدي، هي لسه دخلة من أسبوع… ولسّا بتتعوّد."

الجد عبد الجليل:

ـــ "ما الدنيا كلها بتتعود، يا ولدي. ودي بنت أمانة… بنت ستّ محترمة، مسلمة، واللي يعرف أصلها يعرف إنها من نسل طيب. ما ينفعش نسيبها عرضة لنظرات، ولا كلام فاضي."

علي (بصوت منخفض):

ـــ "فيه ناس مش عاجبها وجودها…"

الجد (وقد اشتد صوته قليلًا):

ـــ "اللي مش عاجباه، يمشي من وسْطنا. البيت ده بيت أمان، واللي يدخل فيه ضيف… يدخل بأمان. ما بالك ببنت جاية من أم مسلمة، ودخلت ببركة الدعاء، وجاتنا من بعد ما الحيطة وقعت عليها؟!"

رحيم (وقد رفع رأسه بثبات):

ـــ "أنا شايلها في عيني يا جدي… ومش هسمح لحد يضايقها، لا بكلمة، ولا بنظرة."

مراد:

ـــ "وإن قالتها سيرة أو جار، نِجْزم السيرة، ونوقف الجار. هي منّا… وعد علينا."

الجد (وقد رقت نبرته):

ـــ "أنا مطمّن بيكم… بس حبيت أقول الكلمة دي قدّام الكبير والصغير، علشان ميبقاش فيها نقاش بعد كده. أنا مسافر، ومش هارتاح إلا لما أكون سايب إيڤا وسط قلوب طيبة."

ثم أشار بعصاه نحو السماء، وقال:

ـــ "الدنيا فتن، والقلوب ساعات تغلط. بس اللي يستر… يتستر ف ربنا، مش ف نفسه."

ساد صمت مهيب، كأنَّ الليل نفسه توقف يستمع. فتنحنح الجد مرةً أخيرة، وقال:

ـــ "وصيتي ليكم… إيڤا بنت سارة، وسارة بنتي، والمودة فـ الدين قبل الدم. ومن آذاها… فقد آذاني، ولو بكلمة."

ثم أنهض نفسه بصعوبة، وهمّ بالخروج، يترك خلفه أمانة تتوهج بين القلوب، وعيونًا ملأى بالعهود

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • من نسل يعقوب    بداية امل جديد

    مرت أربعون ليلة، ودار عبد الجليل قد عادت إلى سكونها المعتاد، لا صوت رصاصٍ يُدوّي، ولا نظرات شكٍّ تُطعن في النوايا. الأرض التي تلطّخت بالدماء غسلها المطر ذات فجر، والمصانع عادت تفتح أبوابها في السادسة صباحًا، والعمال يدخلون ويخرجون ببطاقات معدنية، كأن شيئًا لم يكن.لكن الألم لا يُغسل بالمطر.وفي الطابق العلوي من دار عبد الجليل، حيث غرف النساء تطلّ على حديقة بها نخلة وحيدة، جلست عهود في إحدى الزوايا، شاحبة الوجه، هامدة الجسد، تحتضن ركبتَيْها بثوبٍ رمادي خالٍ من الزينة. الستائر كانت مسدلة، والضوء يدخل خافتًا، يزحف على الأرض كجسد منهك.جلست بجوارها مغفرة، تمسك بيدها وتضغط عليها برفق، وعلى المقعد الخشبي المقابل جلس مراد، عاقدًا حاجبَيْه، بينما وقف والدها عبد الواحد بجوار النافذة، يقبض كفّيه خلف ظهره، يُخفي قلقه في صمتٍ ثقيل.قالت مغفرة بصوت مكسور:– "يا عهود، والله ماينفع كدا. الدنيا رجعت تمشي، واللي حصل كان اختبار وراح. دا رحيم نفسُه انكسر وتغيّر، وواقف برا الباب مستني كلمه تطمنه."رفعت عهود رأسها ببطء، وعيناها متورمتان كأنها لم تنَم منذ ليالٍ.قالت بنبرة مخنوقة:– "هو انكسر؟ طب وأنا؟! أن

  • من نسل يعقوب    خيانة لا تغفر

    ساد صمت غريب في الغرفة التي كانت تغمرها أضواء خافتة تتسلّل من أباجورة زجاجية ذات لون عسلي، تنبعث منها إضاءة ناعمة تنكسر على وجه إيڤا المذعور. كانت واقفة في منتصف الغرفة، ترتدي عباءة سوداء فضفاضة تخفي جسدها، وشعرها مربوط خلف رأسها بإهمال، وعيناها الزرقاوان ترتجفان مثل قلبها. كانت تعرف أن هناك خطبًا ما… أحسته في الهواء… في نظرات رحيم الأخيرة… في طريقة مغادرة مراد للمكتب دون حديث… في صمت العائلة رغم ما تصنعه.ثم انفتح الباب ببطء… طقطقة خفيفة... لا صوت أقدام… مجرد ظل امرأة يدخل كأنما انسلّت من العدم.رفعت إيڤا حاجبيها، نظرت باستغراب مشوب بالخوف، ثم بصوت مرتجف سألت بالفصحى:"من أنتِ؟!"لكن الفتاة التي دخلت لم تُجِب مباشرة، كانت ترتدي عباءة رمادية، وجهها حاد القسمات، وشعرها الأسود مسدول على كتفيها، وعيناها كعيني صقر... تقفل الباب خلفها وتُخرج من جيبها الداخلي هاتفًا مغلقًا وكأنها تستعدّ لشيء أكثر من مجرد زيارة.قالت بهدوء، وصوتها كحد السكين:"أنا ميادة... بنت سارة، من جوزها الأول... جوزها المسلم."شهقت إيڤا دون صوت، فتحت فمها كمن كتمت الصراخ في صدرها."أنتِ... ميادة؟! ميادة بنت...؟! لكنهم ق

  • من نسل يعقوب    ووقعت الفريسة

    كانت الشمس تميل نحو الغروب، فألقت بظلالها الطويلة فوق الحديقة الرحبة التي اتخذتها العائلة مجلسًا لهم في تلك الأمسية المضطربة. تجمّع الرجال والنساء حول الطاولة المستطيلة المنصوبة أسفل شجرة الجميز العتيقة، تتدلّى منها فروع كثيفة تحجب بعض النور وتمنح المكان رهبة موشّحة بغلالةٍ من الصمت المترقّب.جلس رحيم في صدر المجلس، بقامته المعتدلة وهيئته الهادئة ظاهريًّا، بينما يداه تعبثان بلا وعي بطرف مسبحته الخشبية. مراد إلى جواره يطالع أوراقًا يذرّيها الهواء بين الحين والآخر، وأمامهما إيڤا التي بدت في تلك اللحظة أكثر هدوءًا من الجميع، متصنعة اهتمامًا عابرًا بحديث العائلة، ترفع بصرها أحيانًا لتبتسم ابتسامة لا يخطئها قلب يقظ: ابتسامة امرأة تخفي أكثر مما تعلن.امتدت أطراف الحديقة في صمت ثقيل، فيما علت ضحكات طفيفة من كوثر وناهد وهما تسكبان الشاي في الفناجين الصغيرة. ولم يشأ رحيم أن يُظهر أدنى ريبة، فقد تواطأ مع مراد على ألا يثيرا الشك في نفس تلك المرأة الغريبة التي احتلت مكانًا في حياتهم دون استئذان.كان صوته منخفضًا وهو يهمس لمراد:ـــ "كلّ حاجة في سلوكها بتقول إن وراها مصيبة… بس لازم نصبر. لو بان عل

  • من نسل يعقوب    بداية النهاية

    في غرفة المكتب الهادئة الواقعة في الطابق الثاني من دار عبد الجليل، تلك الغرفة التي تشبه حصنًا صغيرًا بديكور خشبي داكن وستائر ثقيلة تعزلها عن ضجيج البيت. يتناثر الضوء الشاحب من مصباح صغير مثبت أعلى الرف، فتنعكس ظلال الكتب والملفات الكثيرة على الجدران، وتُخيم على المكان رهبة أشبه بغرفة تحقيقات، لا مكتب منزل.في الزاوية، جلس رحيم على مقعد جلدي أسود، متكئًا بظهره إلى الوراء، إحدى ساقيه فوق الأخرى، وأصابعه تضغط بقوة على ذقنه المتصلب. أمامه وقف مراد، ساكنًا للحظة، لكنه سرعان ما بدأ يتقدّم بخطوتين مترددتين، وهو يرمقه بنظرة قلقٍ لا يخفى فيها الذهول.---مراد (بصوت منخفض ومضطرب):"رحيم... انت متأكد من اللي بتقوله؟ يعني متأكد إن إيڤا جاسوسة؟"رحيم (بهدوء مرّ ومكر دفين):"أيوه... متأكد زي ما إني قاعد قدّامك دلوقتي. عنيها... بتخبي. بتكدّب، مره عينها تهرب، مره تترعش، مره تسكن أوي كأنها بتحاول تثبّت نظرتها عشان ما تتهزش... فاهم؟"مراد (باندهاش):"يعني... كل اللي فات دا تمثيل؟ حتى موضوع الحمل؟"رحيم (ضاحكًا بسخرية مريرة):"الحمل؟! يا بني أنا دكتور نسا وتوليد، وبعرف الحامل من أول أسبوع حتى لو مش قالت

  • من نسل يعقوب    بداية الحقيقة

    في ردهة الطابق العلوي، حيث الجدران مطلية بلون العاج الهادئ، والمقاعد مزدانة بوسائد تراثية نقشها الصعيدي المميز، جلست "إيڤا" في ركن الغرفة، تطوي ساقًا فوق ساق، تقرأ كتابًا بلغة عربية فصيحة لا تشوبها شائبة. كانت أشبه بزهرة غريبة نبتت في غير أرضها، غريبة في هيئتها، غريبة في صمتها، وغريبة في هذا الهدوء المدروس الذي يغلف كل حركة منها.جلس "رحيم" قبالتها، خلف منضدة خشبية داكنة اللون، يزعم الانشغال بجهازه المحمول، يضغط على لوحة المفاتيح تارة، ويعدّل من نظارته تارة أخرى. غير أنّ عينيه لم تبرحا وجهها؛ تدرسه بحدة، يحصي ومضات عينيها، وتقلّبات تعبيراتها، كما لو كان يقرأ خريطةً خفية تحت جلدها.هي تعلم… بل شعرت بذلك الثقب في ظهرها، كأن نظراته تسلّلت كسكين باردة. رفعت عينيها للحظة، فالتقت نظراته، لم تهرب… بل ابتسمت ابتسامة خفيفة لا روح فيها، ثم قالت بهدوء:إيڤا (بالفصحى):"أظنّك لم تعد تكتب شيئًا، يا رحيم… لقد نفدت الكلمات من حولك، أليس كذلك؟"ارتبك قليلًا، ثم تمتم:رحيم (بالصعيدي):"لا يا بنت الناس… بكتب، بس دماغي مش مجمعة… كملتِ الكتاب؟"أغلقت الصفحة بخفة، وأجابت بصوت واثق:إيڤا:"قرأته، ولكن هناك

  • من نسل يعقوب    اكتشاف

    في قلب منشأة أمنية تقع على أطراف النقب، وتحديدًا داخل مبنى رمادي اللون محاط بأسلاك شائكة، جلس أربعة رجال في غرفة محصنة تحت الأرض، تكتظ جدرانها بشاشات مراقبة متراصة تعرض بثًا مباشرًا من أنحاء مختلفة من المنطقة، بينما تملأ الطاولة الطويلة أمامهم ملفات ورقية وأقراص تخزين إلكترونية.الإضاءة باهتة، متعمدة، وتنبعث من مصابيح صغيرة مثبتة في السقف الخرساني، أما الهواء فكان مشبعًا برائحة معدن وأوراق قديمة، وكان السكون يخيّم على المكان إلا من صوت أزيزٍ خافت يصدر عن الأجهزة.(يدخل رجل في منتصف الخمسينات، حليق الرأس، يحمل رتبة رفيعة على كتفه)الضابط (بهدوءٍ حذر):"هل بدأتم فحص ما وصلنا من العميلة إيڤا؟"شاب أشقر يضع نظارة دقيقة، كان يقلب في الأوراق بانتباه:"نعم، سيدي. لقد وصلتنا ثلاث دفعات حتى الآن... المستندات تحمل ختم المصنع، وتفاصيل تتعلّق بما أسمته بمحرك الجنوب."الضابط:"هل تم التأكد من صحتها؟"شاب آخر، ذو شعر داكن وجبهة عريضة، كان يحدّق في شاشة أمامه:"التوقيعات، الأكواد، الرموز الداخلية، حتى ترتيب الصفحات... كل شيء يوحي بأنها أصلية. إن كانت هذه المستندات مزيفة، فصاحبها عبقري."الضابط:"وما

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status