All Chapters of بين أحضان الوحش : Chapter 41 - Chapter 50

55 Chapters

مقبرة لخطاياهم

لم يكن الصباح في قصر كلاين يحمل النور، بل كان امتداداً رمادياً لليلة احترقت فيها أطراف المدينة. ​فتحت جوليا عينيها ببطء، لتجد سقف الغرفة الشاهق يلوح في عتمة الفجر الخفيف. كانت أنفاسها ثقيلة، وثقل المهدّئ يضغط على صدرها كأنه جبل من رصاص. تحركت قليلاً، فجاءها الألم أولاً من معصميها؛ تلك الوخزات الحادة تحت الشاش الطبي النظيف أعادت لها شريط الرعب كاملاً بدقة سينمائية مرعبة. ​تذكرت كل شيء. رائحة القبو العفنة، مزيج الرطوبة والصدأ، الضحكات الصفراء التي كانت تنهش كرامتها، صوت تمزق قماش ثوبها الذي لا يزال صداه يتردد في أذنيها كأنه تمزيق لروحها، وبروس وهو يأمر بتشغيل الكاميرا لتصوير دمارها، وومضات الضوء الأحمر للكاميرا التي كانت العين الوحيدة التي لا تغمض في ذلك الجحيم. ​ومع تدفق الذكريات، شعرت بنبض حارق في عنقها. لمست بأصابعها المرتجفة تلك البقعة القانية التي تركها ستيف في عتمة الليل دون أن تدري؛ ظنتها كدمة من همجية الأمس، حزّاً آخر تركه الجحيم على جسدها. ​لكن الألم الأعمق لم يكن جسدياً، كان شرخاً نامياً في قاع روحها وهي تفكر في عائلتها. جوليانا... تلك المرأة التي تحمل اسم والدتها زوراً، و
Read more

الألم الأعمق

كانت خيوط الفجر الأولى تزحف على بوابات قصر آل وايد الحديدية، حاملة معها برداً ينهش العظام وصمتاً جنائزياً لم يكسره سوى صوت إطارات سيارة مسرعة، فرّت مخلّفة وراءها جثة هامدة تقريباً. عند البوابة الشاهقة، أُلقيت جورجينا وايد كخرقة بالية مسحوقة. كانت عارية تماماً، جسدها مغطى ببقع زرقاء وقانية، وخصلات شعرها الأشقر التي طالما تفاخرت بها كانت ملتصقة بوجهها بفعل الأتربة والدماء الجافة. كانت عيناها مفتوحتين على الفراغ، تحدقان في السماء الرمادية دون قدرة على البكاء أو الصراخ، كأن روحها قد غادرت جسدها وبقيت فقط الغلاف البشري المحطم. انفتح باب القصر الداخلي بهلع، وخرجت كيسي وهي ترتدي ثوب نومها المخملي، بعد أن نبهها الحراس لوجود شيء مريب عند البوابة. تيبست كيسي في مكانها لثوانٍ، سقطت الألوان من وجهها وهي ترى والدتها، رمز القوة والأناقة في العائلة، ملقاة على الرصيف البارد بهذه الهيئة المهينة. "أمي! أمي ما الذي حدث؟" صرخت كيسي بصوت حاد هجين بين البكاء والذعر، وأسرعت نحوها جارية، لتسقط على ركبتيها في الطين وتعانق جسد والدتها المرتجف بخوف هستيري. كانت تسألها وتشدد من عناقها، لكن جوليانا لم تجب،
Read more

ظل

كان الصباح في أروقة "كلاين للصناعات" يحمل بروداً يشبه طقس المدينة العاصف. في مكتب جوليا، كان "كارين" (الرقم 17) يقف مستنداً إلى حافة المكتب، مستغلاً غياب الرقابة الصارمة ليتودد إليها بنبرة هادئة ومدروسة للغاية، تحمل ثقة مريبة.في الطابق السفلي للشركة، وتحديداً في مرسم التصميم الفاخر الذي يشرف عليه جوليا بصففتها مصممة محترفة، كانت تجلس وسط الأقمشة والرسومات الهندسية، تحاول تشتيت ذهنها عن كوابيس القبو.دلف كارين ببطء، يحمل كوباً من القهوة الدافئة، وملامحه تقطر وداعة مصطنعة. تقدم ووضعه برفق بجانب رقعة التصميم الخاصة بها، ثم انحنى قليلاً ليتأمل رسوماتها، مقترباً بمسافة تتجاوز حدود العمل."تصاميمكِ تحمل روحاً متمردة يا سيدة جوليا... كأنها صرخة للتحرر من قيود هذا المكان" همس كارين بنبرة ناعمة، وعيناه تدرسان ملامح وجهها الشاحب، محاولاً استغلال حاجتها للأمان لزرع نفسه كصديق مخلص وملاذ نفسي. "أنتِ لستِ مجرد مصممة في شركة باردة؛ أنتِ فنانة تستحق أن ترى النور، بعيداً عن تحكم السيد داستن وبروده القاتل."نظرت إليه جوليا، وشعرت ببعض الارتباك من هجومه العاطفي المبطن، وقبل أن تنطق بكلمة واحدة...ان
Read more

بداية الفتن

ضحك ستيف ضحكة قصيرة، خافتة ومكتومة، ضحكة سخرية من القدر ومن الأقنعة التي يرتديها. تراجع بضع خطوات نحو الباب، وعيناه لا تزالان معلقتين بوجهها، ونظر إلى عنقها حيث برزت تلك العلامة الحمراء التي تركها شفتيه بالأمس وسط عتمة نومها."تبعديني؟" همس وعيناه تتسعان ببريق مظلم. "أنتِ لا تستطيعين العيش بدون ظلكِ يا جوليا... حتى لو كرهتِ وجوده. كارين لن يقترب منكِ مجدداً لأنني سأقتله إن فعل، وداستن سيبقى في برج العاج الخاص به... أما أنا، فسأبقى هنا، في عتمة ممراتكِ، أحميكِ من العالم... ومن نفسكِ."استدار ستيف ببطء، وفتح الباب وخرج، ضارباً إياه خلفه بقوة هائلة هزت جدران المرسم بأكمله، تاركاً جوليا تسقط على مقعدها بانهيار، واضعة يديها على وجهها وتبكي بنحيب مرير، وسط تداخل المشاعر وعمق الغموض والشرخ الذي بات يهدد بانهيار كل شيء حولها.في ساعة متأخرة من الليل، كان كارين يجلس في سيارته السوداء المعتمة على أطراف المدينة، بعيداً عن العيون. أخرج هاتفاً مشفراً وضغط على زر الاتصال السريع، لينتقل الخط مباشرة إلى سيده، والذي كان الرقم ثلاثة عشر المساعد واليد اليمنى لزعيم منظمة الأرقام هذه "سيدي... الخطوة ال
Read more

دلال زائف

لم يتحرك كارين، بل قال بسرعة ونبرة هامسة وخبيثة تلامس الوتر الحساس:"أنا هنا فقط للعمل... لكنني أشفِق عليك حقاً. أنت تحترق لأجلها، تحميها بجسدك ودمك، بينما هي... هي لا ترى فيك سوى خادم ينفذ أوامر زوجها داستن. داستن يجلس في برجه العاجي ويملك قلبها واسمها دون مجهود، وأنت تموت في الظل. أليس هذا ظلماً لرجولتك وقوتك يا ستيف؟"سقطت كلمات كارين المسمومة في عقل ستيف كقطرات من الأسيد الحارق. تراجعت يده ببطء عن ياقة كارين، لكن نظراته زادت جنوناً وتملكا مرضياً. كان السم النفسي الذي بثه كارين يجد طريقاً سهلاً داخل عروق ستيف"أنت لا تعرف شيئاً عنها..." قال ستيف بصوت مخنوق من شدة الغيظ والتحجر."بل أعرف..." ابتسم كارين ابتسامة ثعلب أدرك أن السهم قد أصاب الهدف تماماً. "أعرف أنك تستحق أكثر من كونك ظلاً لـ داستن كلاين. السيدة جوليا تحتاج رجلاً يحميها بصدق، وليس طاغية يتحكم بها خلف الأوراق والملفات. فكر في الأمر... فربما يكون التخلص من تحكم داستن هو السبيل الوحيد لترى جوليا حقيقتك."استدار كارين وسار بخطوات هادئة نحو مكتبه، تاركاً ستيف واقفاً في منتصف الممر كتمثال من غضب ورماد. كانت الفتنة قد زُرعت،
Read more

الظل

امتزجت برودة الليل بنسمات الأمل الدافئة التي تولدت على ضفة النهر، لتُعلن بداية فصل جديد تتشابك فيه مشاعر الحب الصادقة مع خيوط المؤامرات السوداء التي تُحاك في العتمة. إليك تكملة الرواية بأسلوب أدبي حافز بالروح، والعمق النفسي، والتشويق الدرامي:لم تكن طريق العودة من ضفة النهر مجرد مسافة تقطعها السيارة عبر شوارع المدينة الشبه خالية، بل كانت رحلة عبور حقيقية من جفاء دام لشهور إلى بر أمان دافئ تلمسته جوليا لأول مرة. كان كف داستن لا يزال يستقر فوق كفها، يمدها بوقار وهدوء جعل أعباء الأيام الماضية تتساقط عنها كأوراق الخريف.عندما توقفت السيارة الفاخرة أمام البوابة الحديدية الضخمة للقصر، بادرت الأضواء الخارجية بالاشتعال تلقائياً، كاشفةً عن الرخام الأبيض المصقول والنباتات المتسلقة التي تزين الجدران. ترجل "ألبرت" بوقاره المعهود، وفتح الباب الخلفي بخفض رأسه احتراماً، ثم أحضر الكرسي المتحرك الخاص بداستن.تحركت جوليا بخفة، ورفضت بابتسامة رقيقة أن يقوم ألبرت بدفع الكرسي، قائلة بصوت ناعم: "سأتولى أنا الأمر الليلة يا ألبرت، شكراً لك."أمسكت جوليا بمقبضي الكرسي المتحرك، وتبادلت مع داستن نظرة سريعة في م
Read more

فتنة جديدة

.رفعت جوليا رأسها، وقبل أن تنطق بكلمة، انفتح الباب ببطء ليدخل كارين. كان يتحرك بخطوات واثقة، هادئة، وتحمل تلك الخفة الذكية التي تميزه دائماً. كان يرتدي سترته الرمادية الأنيقة، وفي يده يحمل كوبين من القهوة الساخنة التي يرتفع منها البخار ناشراً رائحة الهيل والبن المحمص في أرجاء الغرفة الباردة."مساء الخير، سيدة جوليا،" قال كارين بنبرته المنخفضة والناعمة التي تحمل وداعة مدروسة. تقدم نحو مكتبها وضع أحد الأكواب برفق بجانب لوحتها الرقمية، متابعاً بابتسامة دافئة مصطنعة: "رأيت أضواء مكتبكِ مشتعلة من الممر، وتخميني لم يخطئ.. كنتِ غارقة في إبداعكِ، لذا قلت لنفسي إن كوباً من القهوة الدافئة قد يكون الرفيق المثالي لهذه اللحظة."ابتسمت جوليا بامتنان طفيف، وأزاحت خصلة من شعرها وراء أذنها قائلة: "شكراً لك يا كارين، لقد جاءت في وقتها تماماً، كنت بحاجة إلى شيء يجدد طاقتي."لم يتراجع كارين بعد تسليم القهوة، بل تعمد أن يلتف حول الطاولة بخطوات بطيئة، مقترباً من الشاشة الكبيرة التي تعرض التصميم الجديد. شبك يديه وراء ظهره وانحنى قليلاً يتأمل الخطوط بعناية فائقة، ثم التفت إليها ونظراته تشع بإعجاب عميق، وقال
Read more

جيسون

كان الظلام في قبو القصر السري كثيفاً، لزجاً، وكأنه كائن حي يتغذى على الأنفاس المحتقنة. لم يكن هناك ما يكسر هيبة العتمة سوى خيط ضئيل من ضوء القمر يتسلل من نافذة علوية ضيقة، ليسقط على شظايا المرايا المكسورة المتناثرة على الأرضية الخرسانية الباردة. وسط هذا الحطام، كان ستيف يجلس كصخرة صماء، جسده الضخم ينبض بتوتر مكتوم، وعضلات كتفيه المشدودة تشتعل بآلام ندوبه القديمة التي انفتحت من فرط الغيظ.كانت صورة جوليا وهي بين يدي داستن، وقبلة التملك التي طبعها الطاغية المقعد على وجنتها أمام مرأى من كارين، تدور في عقله كإعصار من الأسيد الحارق. كان الانفصام ينهش خلايا دماغه؛ نصفه يريد سحق كل من يقترب منها، ونصفه الآخر يرتجف رعباً من أن تبتعد عنه جوليا أو تراه كوحش دموي لا يستحق سوى النبذ.فجأة، اهتز الصمت المطبق برنين حاد. كان هاتف ستيف الخاص، المشفر وغير المسجل، يرتجف على الطاولة الخشبية مستدعياً الضوء الأزرق البارد الذي انعكس على ملامحه المتجهمة.التقط ستيف الهاتف ببطء، وضغط زر الإجابة دون أن ينطق بحرف، تاركاً أنفاسه الثقيلة الحارقة تعبر الخط.من الطرف الآخر، جاء صوت منخفض، معدني، يقطر هدوءاً أفعوان
Read more

غيرة مدفونة

في قصر كلاين، كانت الأجواء تبدو هادئة من الخارج، لكن داخل الجناح الرئيسي، كان التوتر يغلي كمرجل تحت الرماد. وضعت جوليا حقيبتها بعنف على الطاولة، والتفتت نحو داستن الذي كان قد أوقف كرسيه المتحرك بالقرب من النافذة الكبيرة المطلة على الحديقة المظلمة.كان وجه جوليا محتقناً، وعيناها تشعان بمزيج من الغضب والحيرة. لم تعد تحتمل الصمت المحيط بها، ولا النظرات والكلمات المشفرة التي تبادلها داستن مع كارين في المكتب.— "داستن! كفى!" دصرخت جوليا، ونبرة صوتها تهتز بقوة أدهشت داستن نفسه. ."أنا لست دمية تستعرض تملكك لها أمام الموظفين والحراس لترسل رسائل مبهمة! ما الذي يحدث بينك وبين كارين؟ وتلك القبلة أمام عينه.. لم تكن حباً يا داستن، كانت علامة تملك! أنا لست قطعة أثاث في هذا القصر لتتصارع عليها مع حارسك الجديد بكلمات غامضة لا أفهم منها شيئاً!"التفت داستن بكرسيه ببطء شديد. حافظ على هدوئه الجليدي المعتاد، لكن عروق يديه الممسكتين بمقودي الكرسي تيبست. نظر إليها بعمق، وكان وراء نظرة الصرامة غيرة مدفونة وخوف حقيقي عليها من العواصف التي يعلم أنها بدأت تقترب.قال داستن بصوت منخفض، عميق، يحمل نبرة الآمر الذ
Read more

انا متعب

في هذه الأثناء، وعلى الجانب الآخر من المدينة الصاخبة، كان الصمت يفرض هيبته الوقورة والخانقة داخل المكتب الفخم لقصر كلاين. كانت الجدران الخشبية الداكنة المطعمة بالذهب تعكس تاريخاً من النفوذ والقوة، لكنها الليلة كانت تبدو كجدران سجن اختياري.كان داستن كلاين يجلس على كرسيه المتحرك خلف مكتبه العريض المصنوع من خشب البلوط النادر. كانت الإضاءة مسلطة فقط على سطح المكتب، لتكشف عن مجموعة من الأوراق والتقارير المالية المبعثرة أمامه. وعلى وجهه الشاحب، كانت ترتسم ابتسامة باردة، غامضة، تنم عن دهاء رجل اعتاد أن يرى الموت يحيط به من كل جانب ومع ذلك يرفض الانحناء. كان يمرر أصابعه الطويلة فوق تقرير للمناقصة الجديدة، وعقله يزن الاحتمالات ببرود يحسد عليه.انفتح الباب الخشبي الثقيل للمكتب بهدوء شديد، ودخل ألبرت بخطواته الموزونة والوقورة التي حفظتها ردهات القصر لسنوات طويلة. كان يحمل في يده ملفاً جلدياً أسود جديداً، مختوماً بالشمع الأحمر الذي يشير إلى سريته القصوى. تقدم وضعه أمام داستن قائلًا بصوت خفيض ودافئ يحمل نبرة الأب الحريص:— "سيدي... هذه هي الأوراق النهائية والتحركات الأخيرة للسوق، بالإضافة إلى تقر
Read more
PREV
123456
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status