جميع فصول : الفصل -الفصل 80

102 فصول

الفصل ٧١

خيم ظلام الليل الثقيل على قصر آشبورن، و غرقت الأروقة الواسعة في سكون عميق بعد أن أُطفئت أغلب الثريات و المصابيح الكبرى. لم يبقَ سوى بعض المشاعل المعلقة على الجدران الحجرية، تنشر دوائر باهتة من الضوء وسط بحر من الظلال.في جناح الخدم...كانت ليان جالسة قرب نافذتها الصغيرة.بين يديها كتاب الواجب الذي اعطته لها ميس وعد، لكنها لم تكن تقرأ حرفاً واحداً.كانت ابتسامتها الخجولة تظهر وتختفي كلما تسللت إلى ذاكرتها أحداث الأيام الماضية.فارس.ذلك القرب الذي جعل قلبها يرتجف رفعت يدها دون وعي إلى صدرها.وكأنها ما زالت تشعر بدفء وجوده.همست لنفسها بخجل:— يا إلهي... ماذا يحدث لي؟لكنها لم تعلم أن خلف باب غرفتها مباشرة، كانت كارثة كاملة تستعد للانقضاض عليها.في الطرف الآخر من الممر، وقفت سهيلة مختبئة بين الظلال.كانت تراقب الباب بعينين متوترتين.رغم حقدها على ليان، إلا أن شيئاً من الخوف بدأ يتسلل إلى داخلها..أخذت نفساً عميقاً.ثم تقدمت.و طرقت الباب.طرقات خفيفة مترددة.رفعت ليان رأسها باستغراب.من يطرق بابي في هذا الوقت؟فتحت الباب.لتجد سهيلة أمامها.بشعر مبعثر قليلاً ووجه شاحب وعينين ممت
اقرأ المزيد

الفصل ٧٢

اندفعت العربة الخشبية عبر الطريق الترابي المظلم كأنها تهرب من شبح يطاردها. كانت عجلاتها تصطدم بالحجارة و الحفر بعنف، فتتأرجح يمنة و يسرة تحت صرير الأخشاب القديم و صهيل الخيول المجهدة. في الداخل، جلست ليان في زاوية العربة الضيقة. كانت يداها مقيدتين بحبل خشن ترك آثاراً حمراء مؤلمة حول معصميها، بينما تناثرت خصلات شعرها حول وجهها الشاحب. لم تعد تبكي. لقد تجاوزت مرحلة الدموع. بُح صوتها من كثرة الصراخ و الاستغاثة، و تحول الرعب الذي اجتاحها في البداية إلى شعور ثقيل بالاختناق و العجز. كل ما كانت تسمعه الآن هو صوت عجلات العربة... و صوت قلبها الذي ينهار ببطء. رفعت عينيها بصمت نحو الرجلين الجالسين في الجهة المقابلة. جابر. وسالم. أحدهما باعها والآخر اصطادها. كلاهما كان جزءاً من الكابوس نفسه. أما سالم فكان يبدو في أفضل حالاته. جلس مسترخياً فوق المقعد الخشبي، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة نصر واسعة. راح يفرك كفيه ببعضهما كمن ينتظر استلام جائزته بعد إنجاز مهمة شاقة. قال ل جابر الم اقل لك انني ساحضرها نظر إليه جابر دون اهتمام. أما سالم فتابع بفخر واضح: — لو لم أتدخل
اقرأ المزيد

الفصل ٧٣

توقفت العربة الفاخرة أخيراً بعنف، فاهتز جسد ليان المنهك داخلها. كانت أنفاسها متقطعة، و قلبها يضرب ضلوعها كطائر مذعور يبحث عن منفذ للنجاة. رفعت رأسها ببطء نحو النافذة الصغيرة. وما إن وقعت عيناها على المشهد في الخارج حتى شعرت بأن الدم تجمد في عروقها. كانت تعرف هذا الجزء من المدينة جيدا. أزقة ضيقة غارقة في الوحل. مبانٍ متداعية تكاد تسقط فوق رؤوس ساكنيها. رجال مترنحون من أثر الشراب يملؤون الشوارع، تتعالى ضحكاتهم الفظة و شتائمهم المختلطة بأصوات الموسيقى الصاخبة المنبعثة من الحانات. أما الهواء... فكان مشبعاً برائحة الخمر و الدخان و البؤس. و عند مدخل أكبر الحانات في الحي، توقفت العربة. شعرت ليان برعدة عنيفة تجتاح جسدها. لا...لا يمكن أن ينتهي بها المطاف هنا. فتحت باب العربة بقوة، و قبل أن يتمكن أحد من الإمساك بها، أطلقت صرخة اخترقت ضجيج الشارع. — ساعدوني! التفتت بعض الرؤوس نحوها. — أرجوكم... أنقذوني! تراجعت دموعها فوق وجنتيها و هي تصرخ بكل ما تبقى لديها من قوة: — لا تتركوني معه... أرجوكم! ساد صمت قصير نظرات عابرة. وجوه جامدة ثم عاد الجميع إلى ما كانوا يفعل
اقرأ المزيد

الفصل ٧٤

ما إن أغلقت زينة باب الغرفة الخشبي خلفهما حتى أسرعت نحو المزلاج الحديدي و أحكمت إغلاقه بيد مرتجفة. دوّى صوت المعدن في أرجاء الغرفة الصغيرة، و كأنه إعلان مؤقت عن عزلهما عن العالم السفلي الصاخب الذي يضج أسفل أقدامهما. رغم ذلك، ظلت أصوات الحانة تتسلل من بين الجدران؛ ضحكات ثملة، و صخب رجال فقدوا عقولهم بالخمر، و صوت موسيقى مشوهة ينبعث من الطابق الأرضي كأنها أنين روح محتضرة. استدارت زينة بسرعة. و في اللحظة التي التقت فيها عيناها بعيني ليان ، سقط القناع الذي كانت ترتديه أمام منصور. اختفت القسوة المصطنعة. و اختفى التكبر المتعمد. ولم يبقَ سوى القلق.. تقدمت نحوها بخطوتين وقالت بلهفة: — يا إلهي يا ليان... كيف وصلتِ إلى هنا؟ لم تستطع ليان الإجابة فوراً. كانت ساقاها ترتجفان بعنف. و انهار ما تبقى من صمودها فجأة. جلست على حافة السرير الخشبي القديم و أخذت تبكي بصمت موجع، بينما تحاول عبثاً التقاط أنفاسها المتقطعة. اقتربت زينة أكثر.— أخبريني ماذا حدث؟ رفعت ليان عينيها الممتلئتين بالدموع. و قالت بصوت مكسور:— لقد باعني والدي. ساد الصمت. حتى ضجيج الحانة بدا بعيداً للحظ
اقرأ المزيد

الفصل ٧٥

انقضت الدقائق العشر ببطء خانق. في نظر ليان داخل الغرفة المغلقة، بدت كأنها عشر سنوات كاملة من الانتظار والخوف. أما زينة، فكانت تعلم أن كل ثانية تمر قد تعني الفارق بين النجاة و الهلاك. أغلقت الباب خلفها بإحكام. ثم أدارت المفتاح داخل القفل مرة أخيرة. لم يكن ذلك لإبقاء ليان سجينة... بل لإبقائها بعيدة عن الوحوش التي تجوب هذا المكان. استنشقت نفساً عميقاً. وأجبرت ملامحها على التماسك. ثم بدأت تهبط درجات السلم الخشبي بخطوات هادئة و مدروسة. لكنها لم تصل حتى منتصف الدرج. فقد ظهر منصور فجأة من الأسفل. كان يصعد السلالم بسرعة غير معتادة، حتى بدا و كأن الجشع نفسه يدفعه إلى الأعلى. لمع العرق فوق جبينه العريض، و امتلأت عيناه بذلك البريق القذر الذي كانت زينة تعرفه جيداً. بريق رجل يظن أن فريسته أصبحت في متناول يده. توقف أمامها مباشرة و ألقى نظرة سريعة نحو باب الغرفة المغلق. ثم سأل بشك واضح: — انتهيتِ؟ ارتسمت على شفتي زينة ابتسامة هادئة. ابتسامة امرأة تعرف تماماً كيف تتعامل مع رجال من طينته. قالت بثقة:— انتهى الأمر. عقد حاجبيه.— بهذه السرعة؟ أومأت برأسها.— أخبرتها الحقيقة. — وأ
اقرأ المزيد

الفصل ٧٦

كان الليل لا يزال يفرض سلطانه على قصر آشبورن. غرقت الأبراج الحجرية الشاهقة و الحدائق الواسعة في سكون ثقيل يسبق الفجر بقليل، ذلك السكون الذي يجعل وقع أي صوت غريب أشبه بجرس إنذار وسط الظلام. عند البوابات الحديدية الضخمة للقصر، شق صبي صغير طريقه بين الأشجار كمن يطارده الموت نفسه. كان سيف يلهث بعنف. أنفاسه تتقطع. و ساقاه تكادان تخذلانه من فرط الركض. لكنه لم يتوقف. وصل أخيراً إلى البوابة. و تشبث بالقضبان الحديدية بكلتا يديه. ثم صاح بصوت مبحوح: — افتحوا البوابة! أرجوكم! التفت الحارسان المناوبان نحوه بحدة. و أضاف سيف و هو يكاد يختنق من اللهاث: — لدي رسالة عاجلة للسيد فارس الكيلاني... يجب أن تصله حالاً! تبادل الحارسان نظرة سريعة. ثم قال أحدهما بصرامة: — هل جننت أيها الفتى؟ أتوقظ القصر كله في هذا الوقت؟ و أشار إلى الطريق خلفه. — عد من حيث أتيت، و تعال مع شروق الشمس. شحب وجه سيف أكثر. و تقدم خطوة يائسة:— لا أستطيع الانتظار! يجب ان تصل الرسالة الآن! تردد الحارس للحظة. و قال لزميله:— انتظر. نظر الآخر إليه باستغراب. فأكمل:— إن كان يكذب فسنطرده. أما إن كان صادق
اقرأ المزيد

الفصل ٧٧

مزقت العربة السوداء عتمة الليل كرمح منطلق نحو هدفه ، و انطلقت خيولها بأقصى ما تملك من قوة عبر الشوارع الخالية و الأزقة النائمة. كانت عجلاتها ترتطم بالحجارة القديمة فتتناثر شرارات خافتة تحت ضوء القمر، بينما أخذت المدينة تغرق شيئاً فشيئاً في صمت الساعات الأخيرة قبل الفجر. داخل العربة...ساد صمت ثقيل. صمت لم يجرؤ أحد على كسره. جلس فارس الكيلاني في مواجهة الصبي سيف، كان فارس مسنداً ذقنه إلى قبضته، وعيناه مثبتتين في الفراغ المظلم خلف النافذة. جلس الصبي سيف أمام فارس وهو يتأمله بإعجاب شديد ؛ فقد بهرته تلك الهيبة الأرستقراطية الطاغية، و الصرامة الشديدة التي كانت تشع من عيني فارس الصقريتين القاتمتين كان فارس يجلس صامتاً كلوح من ثلج مشتعل أما في الخارج، فكان كرم يقود الخيول بنفسه. لم يسبق أن رآه أحد يقودها بهذه السرعة. كانت قبضتاه مشدودتين على اللجام، بينما تتطاير الرياح الباردة حوله. كل دقيقة تأخير كانت تعني أن الخطر يقترب أكثر من الفتاة التي يعرف جيداً مكانتها لدى سيده. و فجأة...بدأت الخيول تخفف سرعتها. ثم انحرفت العربة إلى زقاق جانبي مظلم. و توقفت أخيراً هب
اقرأ المزيد

الفصل ٧٨

تقدم فارس نحو المدخل الرئيسي للحانة، و عيناه مثبتتان على الباب الخشبي الكبير و البرودة المخيفة تزداد في ملامحه مع كل خطوة يخطوها نحو الداخل و بقوة حاسمة لا تعرف اللين، دفع باب الحانة العتيق بقدمه ليتحطم القفل الحديدي، و وراءه كرم يتقدم كالجدار البشري الصلب . تعالت الصرخات داخل الحانة، و انقلب مجون السكارى و بنات بائعي الهوى إلى رعب عارم تراجع الجميع نحو الجدران هرباً من النظرات الصقرية القاتلة التي اكتسحت المكان و تقدم منصور ليرى ما يحدث في مملكته، و حين شق الحشود صاعداً، تيبس جسده الضخم تماماً حين رأى فارس الكيلاني و كرم يقفان في منتصف الحانه أصبح وجهه شاحباً كالموت، و اختفت نبرة غطرسته في ثوانٍ معدودة .لم يمنحه كرم أي فرصة للتفكير أو التراجع؛ بل اندفع نحوه كالسهم، و أمسكه كرم من ياقة ثوبه المتسخ بكل قوته، و أمره أن يركع أمام السيد فارس على ركبتيه و أخذ كرم يضربه بقسوة و لكمات حديدية متتالية حطمت كبرياءه أمام زبائنه، بينما فارس ينظر إليه ببرود صخري مطلق، و لم يتحرك من مكانه، بل التفت و نظر إلى رجاله و قال لـ رجاله بنبرة جافة زلزلت القاعة:
اقرأ المزيد

الفصل ٧٩

صعد فارس السلالم الخشبية للطابق العلوي بخطوات ثقيلة و حاسمة، كان معطفه الأسود يتمايل خلفه كأنه طيف من الانتقام، و عيناه لا ترى أمامهما سوى الباب المغلق في نهاية الممر. لم يتوقف ثانية واحدة، بل تقدم و ركل الباب بقدمه ركلة قوية حطمت القفل الحديدي و أطارت الخشب في ثوانٍ في عتمة الغرفة الصغيرة، كانت ليان التي فزعت مكومة في أحد أركان الغرفة، تضم ساقيها إلى صدرها النحيل و تغمض عينيها برعب، ظناً منها أن منصور قد عاد لينفذ وعيده القذر. لكن، مع دوي تحطم الباب، رفعت رأسها الشاحب، و لما تلاقت عيناها بملامح فارس الصارمة و هيبته الطاغية التي شقت الظلام، تلاشت كل حصونها .تناست كبرياءها، و تناست شروطه و قسوته السابقة؛ ففي تلك اللحظة لم ترَ فيه سوى حصنها المنيع و الأمان الذي حرمت منه طوال حياتها . اندفعت نحو الباب كالسهم، و ألقت بجسدها المرتعش بالكامل لترتطم في أحضانه بقوة، و تتمسك بياقة قميصه بأصابع متشنجة كأنها تتشبث بالحياة نفسها . أحاطها فارس بذراعيه القويتين على الفور، و ضّم جسدها النحيل إلى صدره العريض بقوة تملكية دافئة جرفت كل الصمت و الجفاء الذي
اقرأ المزيد

الفصل ٨٠

بينما كانت ليان تحتمي بدفء صدره و تستكين بين ذراعيه، انقطع الصمت الحميم للغرفة فجأة. سمعوا صوتاً من خلفهم، صوت زينة تقول بدلال و ثقة معهودة و هي تستند إلى حافة الباب المحطم: — مرحباً يا سيد فارس.. و انتقل نظرها بين فارس و ليان بنظره فهم لما يحدث و ابتسامة تعلو على وجهها .التفت فارس و ليان إليها بسرعة. تراجعت ليان خطوتين بوجنات محمرة من الخجل، و هي تحاول ضبط خصلات شعرها المبعثر، بينما استعاد فارس سكونه الطاغي ، و إن بقيت عيناه الصقريتان تحملان ملامح امتنان نادر. تقدمت ليان نحو صديقتها بخطى ممتنة، و أمسكت كفيها و قالت بنبرة تخنقها العبرات: — أنا مدينة لكِ بحياتي يا زينة.. لولا دهاؤكِ و خطتكِ لتأخير منصور لكان جحيمي قد بدأ الليلة .التفت فارس نحو زينة، و نظر إليها بنبرة وقورة حملت كل هيبة آل الكيلاني، ثم قال بصوته الرخيم الصارم:— عائلة الكيلاني لا تنسى من يحفظون كرامتهم . اطلبي أي شيء ترغبين به الليلة يا زينة؛ ذهباً، أو نفوذاً، أو حماية.. و ستكون بين يديكِ فوراً. ابتسمت زينة بدلال داهية و هي تلوح بخصيلاتها الملونة ، و قالت بثقة واثقة: — سأحتفظ ب
اقرأ المزيد
السابق
1
...
67891011
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status