جميع فصول : الفصل -الفصل 20

24 فصول

الحادي عشر

ثمة قناعة زائفة تراودنا حين نُقدم على اتخاذ القرارات المصيرية؛ نظن أن الخطوة التالية ستجلب معها السلام فورًا، وأننا بمجرد النطق بالكلمة الأخيرة سننفض عن كاهلنا غبار الحيرة لنستقبل "الخلاص" بأذرع مفتوحة.​لكن قرار "كيان" الحاسم بأن تضع خطًا فاصلًا ورسميًا جافًا بينها وبين "مالك" لم يمنحها سوى انقباضة جارحة في صدرها، وغليان مكتوم من سخطها على نفسها. وما زاد الطين بلة، وسكب الزيت على نيرانها المشتعلة، هو رد فعله البارد.. ذلك البرود الذي جمد الدماء في عروقها.​قفزت إلى مخيلتها فكرة سوداوية طالما حاولت التملص منها: هل كان ينتظر هذه الفرصة على أحر من الجمر ليعاملها هكذا؟ لكنها سرعان ما نفضت رأسها بقوة مستنكرة سخافة الفكرة. فلا يوجد بينهما ما يدفعه للحرج، وهو في النهاية رجل جُبل على الوقاحة والغطرسة معها منذ اليوم الأول!​كانت تسير في ركاب صديقتيها، والخطوات تثقل كاهلها بينما النيران تلتهم هدوءها النفسي. تلاطمت الأسئلة في عقلها كأمواج عاتية: هل هذا الغضب بسبب بروده المستفز؟ أم بسبب تلك النظرة الشامتة اللامعة في عيون المرأة التي كانت تجلس معه؟ أم أن حقيقة جلوسهما معًا من الأساس هي ما يمزق أحش
اقرأ المزيد

الفصل الثاني عشر

لم يكن الطموح لـ "كيان" مجرد مجازٍ لغوي أو خطة عقلية مركونة في دفاتر الأيام؛ بل كان نبضًا تسرب تحت جلدها، وتحديًا صامتًا تلوح به في وجه كل من راهن على انكسارها بعد تجربتها الفاشلة. كانت تريد إثباتًا، ليس لهم بقدر ما هو لنفسها، أنها واقفة، قوية، وغير قابلة للمحو اطلاقا. ​وقفت في قلب القاعة الفسيحة، تتأمل المكان الذي سيحتضن الحفل بعد قليل. عيناها اللامعتان تراقبان كل حركة بغبطة وفخر لم تستطع مداراتهما. لقد فعلتها! نجحت برفقة أروى في غزل هذا الحدث من العدم. تعترف داخليًا بأن حماسها المفرط جعلها تحتكر أدق التفاصيل؛هنا فرقة الجاز التي اختارتها بعناية بعدما عرفت شغف "مالك" بهذا النوع من الموسيقى وميل ضيوفه الألمان إليه.وهناك، على الطاولات الدائرية، استقرت الأطباق الألمانية التقليدية التي أرهقت نفسها في البحث عن أسرار تحضيرها لتكون مطابقة لما يُقدم في برلين. حتى المفروشات سكرية اللون التي تتدلى فوقها شراشف بنفسجية ناعمة، وباقات الورود التي تدمج الأبيض والبنفسجي، وتكسر حدتهما زهرة حمراء وحيدة كقطرة دم في بحر من الثلج، تمنح المكان رونقًا دافئًا. أما الإضاءة، فقد كانت لعبتها الخاصة؛ ليست ساط
اقرأ المزيد

الثالث عشر

​هل تعلم أن للخوف وجوهاً شتى، وأنه لا يضرب قلوبنا بالطريقة ذاتها؟ تتباين ردود أفعال البشر حين يباغتهم الذعر؛ فهناك من يختار الغريزة الأولى، الهروب، حيث لا صوت يعلو فوق صوت ضربات القلب المتلاحقة وأقدامٍ تركض بجنون يغذيها الأدرينالين دون وعي بما حولها. وهناك من يلوذ بالاختفاء، يتمنى لو ينشق ثوب الواقع ليبتلعه، فيتحول جسده إلى هلام وتتصلب أطرافه عاجزة عن الحراك. أمّا النوع الثالث، فهو الأشد فتكاً وسوداوية؛ أن تستسلم تماماً، أن تتجمد في مكانك مستكيناً بينما تشن الذكريات المريرة هجومها الضاري عليك، لتلقي بك في غيابة سحيقة من اليأس، لدرجة تجعلك تعانق فكرة الموت كخلاص وحيد.​هذا الكابوس الأخير، كان هو ذاته الثوب الأسود الذي ارتدته روح "كيان" في تلك اللحظة، حين تراءى لها طيف زوجها السابق شاخصاً أمامها وسط الحفل.​تدفقت ذكرياتها المظلمة كشلال من الأسيد؛ خيبات متتالية، خذلان مر، وأيام من الذل والمهانة والأذى النفسي الذي ظنت أنها دفنته. بدأت تتراجع بلاوعي، خطوة تلو الأخرى، وعيناها مغيبتان تماماً عن صخب المكان، بينما انحدرت دموعها ساخنة، صامتة، ومتلاحقة دون انقطاع. لقد سُحبت بغتة من الحاضر لتُعل
اقرأ المزيد

الرابع عشر

حين تنقطع الروابط فجأة بين روحين شارفتا على التلاقي، لا يتبدد الأثر بل يرتد إلى الداخل، غصةً حارقة في جوف القلب. كم يكون الغياب قاسيًا وشرسًا حين يأتي معلنًا نهاية رحلةٍ كادت أن تبدأ!​في مكتبه الفخم، كان "مالك" يجلس غائبًا عن العالم، مبعثر النظرات، يعجز عن لملمة تركيزه الذي تشتت منذ ثلاثة أيام. لأول مرة منذ سنوات، بدا له المكتب فارغًا بشكل لا يُحتمل.ثلاثة أيام بلياليها مرت كأثر دهرٍ ثقيل منذ انتهاء الحفل، و"كيان" لم تظهر، ولم يتبقَ منها سوى طيفٍ يطارد جدران عقله.​أكثر ما كان يمزق هدوءه المصطنع هو ذلك الصوت الآلي السامج الذي يخبره في كل مرة أن هاتفها "مغلق". أي جنون هذا؟ لقد أحاطها بحمايته وأوصلها بنفسه حتى عتبة بيتها في تلك الليلة! كل المؤشرات تدل على خطبٍ ما.​انفتح الباب فجأة، ودلف "سيف" دون مبالاة ببروتوكولات الاستئذان، واللهفة تنطق بها ملامحه:— ها يا مالك؟ مفيش أي جديد برضه؟​زفر مالك بنفاذ صبر، والضيق يرتسم خطوطًا عميقة بين حاجبيه:— قولتلك من إمبارح هروح لها البيت، وأنت اللي عمال تفرملني!​هز سيف رأسه بقلة حيلة، وتنهد بثقل وهو يستند إلى حافة المكتب:— يا صاحبي افهمني، انك تر
اقرأ المزيد

الخامس عشر

هل جربت يومًا أن تطارد حلمًا بكل ما أوتيت من شغف؟ تنحت في الصخر، وتتحدى المستحيل لتقترب منه، حتى إذا ما صار قاب قوسين أو أدنى منك، ونظر في عينيك، انقبضت روحك فجأة واكتشفت أن مذاق الوصول ليس كما تخيلته أبدًا؟هذا التناقض الصارخ كان يعتصر قلب "كيان". "مالك الجمال"، الرجل الذي كان بالنسبة لها أمنية بعيدة المنال، نجمًا يلمع في سماء لا تطالها يدها، ها هو يخطو نحو عالمها ليصبح زوجها. لكن الفرحة لم تجد طريقًا لقلبها؛ ثمة غصة مجهولة تقف في حلقها، وحدس خفي يهمس في أذنها بأن خلف هذه الخطوة خطبًا ما، وأن الحلم ربما تحول إلى شرك خطير.تنهدت بعمق، وحاولت أن تنحي تلك الهواجس الرصاصية جانبًا وهي تقرر مواجهة الواقع. نهضت من فراشها متجهة صوب خزانة ملابسها لتستعد للذهاب إلى الشركة بناءً على أوامره الصارمة في الليلة الماضية. اختارت فستانًا كلاسيكيًا باللون البيج يصل لركبتيها، بأكمام طويلة وياقة عريضة تحاكي تصميم المعاطف الشتوية الأنيقة، يتوسطه حزام من نفس القماش عقدته على خصرها برقة كشريط هدية، وارتدت حذاءً رياضيًا أبيض يضفي لمسة عملية مريحة.وقفت أمام المرآة تتأمل عينيها؛ كان التورم الناتج عن بكاء ليل
اقرأ المزيد

السادس عشر

​وما النهايات إلا بدايات جديدة متخفية، ولكن ليس كل البدايات تفتح أبواب الجنة؛ فهناك بداية تضع قدمك على أول طريق الدمار والانحطاط، وهناك بداية تُعيد لك حياة استحققتها وسُلبت منك عنوة أو ربما تأخرت لأن وقتها لم يكن قد حان بعد، وهناك ببساطة بداية لمرحلة جديدة تخطوها مجبرًا، بحلوها المر، ومرها الذي لا يُطاق.​انعكست أضواء القاهرة على صفحة النيل الساكنة، بينما كان "مالك" شاردًا، يتابع حركة المياه بعينين غائمتين وعقلٍ يزن كلمات صديقه "سيف" بميزان من ذهب.نعم، لقد أصاب سيف كبد الحقيقة دون أن يدري؛ لقد اتخذ مالك من تلك الأزمة حجة وسياجًا ليحوط بها "كيان" وتصبح له. فرصة ذهبية أتته على طبق من ذهب، وكبرياء رجل الأعمال فيه يملي عليه ألا يتركها تفلت، بل يستغلها الاستغلال الأمثل ليتزوج منها ويدخلها حماه.​لكنه فجأة تذكر خيطًا هامًا التوى في عقله، فنظر إلى سيف باهتمام سائلًا بنبرة رخيمة:"أنت تعرف إيه عن سليم البنهاوي؟"​بدت الدهشة جلية على محيا سيف، وقطب جبينه مستغربًا وهو يجيب:"ماليش معاه تعامل... بس بتسأل عنه ليه دلوقتي بالذات يا مالك؟"​صمت مالك لبرهة، يتلمس كلمات دقيقة تليق بهيبته، ثم زفر أنفا
اقرأ المزيد

السابع عشر

الشك مركب مثقوب، من يركبه يظن أنه يبحر نحو الحقيقة، بينما هو يغرق في قاع من صنع خياله. يبدأ بفكرة؛ بذرة خبيثة تُسقى بالظنون، فتنمو كعشبة سامة تأكل الأخضر واليابس، وفي طريقها تلتهم أقرب الأقربين.​كانت "صبا" تسير خلف شياطين ظنونها، موقنة أن "سليم" ينسج من ورائها خيوط الخيانة. قادها غضبها الأعمى، يغذيها كبرياؤها الجريح، لتضبطه متلبساً بالجرم المشهود وتنهي هذا العذاب. لكن القدر كان يخبئ لها صفعة أعادت ترتيب واقعها بشكل مرير.. لينقلب السحر على الساحر.​اندفعت لداخل المكتب دون طرق، مقتحمةً الخصوصية بقلب يرتجف، لكن الدماء تجمدت في عروقها فوراً.. الشلل أصاب أطرافها وهي ترى "حازم" شريكه، يضم السكرتيرة إليه ويقبلها بشغف مريب.​ارتد حازم للخلف متفاجئاً، وعيناه تتسعان، بينما خفضت صبا عينيها إلى الأرض فوراً، تشعر برغبة عارمة في أن تنشق الأرض وتبتلعها من فرط الخزي.حاولت استجماع شتات صوتها المرتعش، فقالت بنبرة متحشرجة خرجت من حلق جاف:​«أنا.. أنا آسفة، افتكرت ده مكتب سليم.»​نظر إليها حازم بنظرات مبهمة، تجردت من أي احترام، بل حملت وقاحة مفاجئة، ثم التفت إلى السكرتيرة وهتف بحدة آمرة:​«اطلعي برة يا
اقرأ المزيد

الثامن عشر

دلف مالك إلى مقر الشركة وبرفقته تاليا. ومنذ أن وطأت قدمه البهو الرئيسي الفسيح، تيبست النظرات وتحولت الأعناق صوبهما في ذهول صامت؛ فالجميع هنا يعلم أن لـ "مالك الجمال" ابنة، لكنه أحاطها دائماً بسياج غامض وضرب حولها حصاراً من الخصوصية الصارمة، حتى لم يسبق لأحد في هذا الصرح أن لمح طيفها من قبل.​تغاضى مالك تماماً عن الهمسات الخافتة والعيون المتسعة التي تلاحقه، وتابع سيره بخطوات واثقة، حازمة، تصم الرخام بقوة، بينما كانت الصغيرة تسير بجواره، تتأرجح كأميرة يفيض ثوبها بالدلال، حتى وصلا إلى المصعد. وما إن ترجلا منه واتجها صوب مكتبه، حتى كانت تاليا تتطلع إلى أركان الشركة الفاخرة بعينين لامعتين يملأهما الشغف والإعجاب؛تشعر وكأنها انخرطت فجأة في مغامرة مثيرة داخل حصن والدها السري. في تلك الأثناء، داهمتها قرصة جوع مفاجئة، مباغتة، أنشبت أظفارها في معدتها الخاوية، لكنها آثرت الصمت وازدردت ريقها بتوجس؛ فقد غادرت المنزل دون إفطار من فرط حماستها، وخشيت إن بحتْ بسر جوعها أن يغضب والدها، أو يحرمها من مرافقته مجدداً.​مَرَّ مالك بمكتب سكرتيرته "سها"، والتي ما إن لمحته حتى انتفضت واقفة بوجل واحترام ممتزجي
اقرأ المزيد

التاسع عشر

دلف سيف يهرول عبر البهو الرخامي للمستشفى الاستثماري الشهير، كانت «أروى» بين يديه تبدو ضئيلة، شاحبة كقطعة من ورق الخريف، بينما أنفاسها المتقطعة تلفح عنقه ببرودة مرعبة أنذرت قلبه بخطر لم يعهده من قبل. لم تكن هذه المرة الأولى التي يطأ فيها سيف مكاناً كهذا، لكنها المرة الأولى التي يختبر فيها هذا الثقل الجاثم فوق صدره، كأن الرخام تحت قدميه انتقل ليطبق على أنفاسه. وما إن ألمحته موظفة الاستقبال، حتى اتسعت عيناها بذهول صاعق، وهتفت بنبرة مدربة على الطوارئ عبر اللاسلكي: "ترولي سريعاً.. سيف بيه في الاستقبال!".​خلال ثوانٍ معدودة، كان طاقم التمريض يحيطه كخلية نحل صاخبة. وضعها على الفراش النقال برفق شديد يناقض تماماً الفوضى العارمة التي تجتاح أعماقه. سار بمحاذاتهم في الممر الطويل، يراقب وجهها المسترخي في غيبوبته، حتى استقبلهم الطبيب المناوب بتحية دافئة تنم عن معرفة سابقة بنفوذ عائلته، قبل أن يتحول وجهه إلى الصرامة العملية وهو يسأل بلهفة:​"خير يا سيف بيه؟ إيه التاريخ المرضي للهانم؟ بتشتكي من إيه؟ أو بتاخد أدوية لإيه؟"​تجمد سيف في مكانه، وأطبقت على حنجرته يد الحرج والجهل. شلّت المفاجأة عقله؛ فهو
اقرأ المزيد

العشرون

كان الصمت ينهش جدران الغرفة كوحش كاسر، بينما تمدد "ياسر" فوق فراشه، وعيناه معلقتان بسقف الفراغ البارد. كان جسده مثقلاً بنوع خاص من الندم.. ذلك الندم المتأخر الذي لا يستيقظ إلا بعد أن تصبح كل الأشياء الجميلة رماداً.تزاحمت في مخيلته صور "كيان"؛ وجهها الصافي الذي كان يشرق بالطيبة، تضحياتها النبيلة، وصبرها الطويل على نزواته وخياناته المتكررة التي كانت تبتلع مرارتها بنقاء ملائكي لم يكن يستحقه يوماً.تذكر كيف تمادى في سحق كبريائها حين أدخل عليها امرأة أخرى في ذات البيت، بل وحين أجبرها بصلف وأنانية على التخلي عن غرفتها الزوجية لتبيت في زاوية منسية. كانت تتحمل.. يعلم الآن أنها ما جثت على جمر الأيام إلا لأجل صغارها، متحملةً مكائد ضرتها اللئيمة، حتى كان ذلك اليوم المشؤوم.سرت برودة قاتلة في أطرافه وهو يتذكر ثورة غضبه الأعمى، حين صدق وشاية كاذبة، وراح يلهب جسدها النحيل بحزامه الجلدي غافلاً عن إنسانيتها. كاد يقتلها.. ولم يستفق من جنونه الإجرامي إلا حين رأى خيط الدم القاني يشق طريقه من رأسها، مغرقاً وجهها الذي طالما كان ملاذه. هناك.. انكسر كل شيء ولم يعد قابلاً للترميم. ساومها على الأطفال ليشتري
اقرأ المزيد
السابق
123
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status