في يوم صحو صباحا وقفت في شرفة منزلها الجديد تمسك بين يديها كوب القهوة لتأخذ بعدها نفس عميق وهي تطالع العالم الخارجي بابتسامة خفيفة وكأنها تراه لأول مرة، كانت تشعر ان لكل شيء طعم ومذاق مختلف عن كل مرة فها هي تستطعم نكهة الحرية، حتى نظرتها للحياة اختلفت
اخذت تتطلع الى المارين امامها ببعض الفضول، وتفكر ان لكل منهم حكاية في هذه الحياة،
ثم رفعت عينيها تنظر للاعلى تطالع البيوت من حولها وتقول في نفسها ان وراء كل باب حكاية ربما حكاية سعيدة واصحابها يعيشون في هناء وسرور رغم المشاكل اليومية البسيطة والتي تعتبر ملح الحياة واخرى حزينة مدمرة مثل حكايتها
مما دفعها الى ان تبتسم بتهكم وهي تفكر في ما آلت اليه حياتها
تذكرت ذلك اليوم الذي تغيرت فيه كل المعايير كان بالضبط قد مر عليه تسعة شهور
ولقد خلدت ذلك اليوم في ذاكرتها عندما اعتبرته بداية حريتها وحياتها الجامحة المجنونة التي طالما ارادت ان تحياها
كانت حينها تجلس في غرفة الاستقبال بمنزلها آنذاك
وكان المأذون يردد تلك العبارة الشهيرة:-
تريثوا ولا تتسرعوا فإن ابغض الحلال عند الله الطلاق.
لا تعرف لماذا صمتت وكأنها كانت تريد ان ترى إن كان سيتمسك بها ام لا
رغم انها في دواخلها لا تريد ان تستمر معه،
لن تقول ان اجابته كانت صادمة لها بل كانت تتوقعها لكنها فقط لا تعرف ماهية الشعور الذي راودها وقتها عندما استمعت اليه يقول:-
لا، مش عاوز اكمل في الجوازة دي.
فصدّقت هي الاخرى على كلامه ليتم الطلاق
على الرغم من انه كان بكامل ارادتها ولم تكن تتخيل ابدا انها سوف تحصل على طلاقها ما حيت، ولكنه احساس من اصعب ما يكون فالطلاق مثله مثل الموت الذي يترك غالبا وجع وآلام وعذاب ولكنه احيانا يكون نهاية لعذاب أكبر
بكت كما لم تبكِ من قبل، ولا تعلم هل تبكي ضياع حياتها طوال عشر سنوات مضت وتضحيتها مع من لا يستحق، ام تبكي وحدتها التي سوف تعيش بها ، ام اولادها والذين لاول مرة منذ ولادتهم سوف تنفصل عنهم
نعم، فلقد كان المقابل لتسترد حريتها ان يبقوا ولديها مع والدهم على ان يقضوا معها طوال فترة اجازتهم الدراسية
كانت فكرة ابتعادها عنهم مستبعدة من تفكيرها تماما
لذلك فضلت ان تظل في سجنها الابدي بجانب اولادها ولكنها لم تعد تستحمل اكثر من ذلك
لكن دائما تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن فها هي الان ومنذ ان تخلصت من سجنها الزوجي وهي تبحث عن عمل، تريد ان تبدأ في اثبات نفسها بعد القمع والقهر الذي كانت تعيشه
كما انها لن تنكر تريد ايضا المال الكافي لاعانتها على تلك المعيشة فلولا معاش والدها المتوفي لا تعرف ما الذي كان سوف يحل بها،
لكن كانت المشكلة الوحيدة التي كانت تواجهها في اي مقابلة عمل هي انها لا تمتلك اي خبرة في ايا من المجالات
فهي قد تخرجت من الجامعة وتزوجت على الفور،
وعلى الرغم من مؤهلها العالي وانها تتقن أربع لغات الانجليزية والالمانية والفرنسية وحتى التركية ، الا ان ذلك لم يشفع لها في ايا من الشركات التي ذهبت اليها
اخرجها من تفكيرها رنين هاتفها الذي صدح في المكان، التقطته لتجد اسم ابنة عمتها فتجيب فورا:-
لولو القمر، عاملة ايه.
اجابتها ليلى بلهجة عتاب:-
ايوة اضحكي عليا بكلمتين، كدة يا كوكي ما تسأليش عليا خالص اسبوع بحاله ما تكلمينيش.
تنهدت كيان وهي تضغط باصبعيها اعلى انفها وما بين عينيها لتجيبها بنبرة يأس:-
معلش يا ليلى حقك عليا بس انا حقيقي الفترة دي عندي احباط وطاقة سلبية، ف مش عاوزة اضايق حد معايا.
لاحظت ليلي نبرة الاحباط في حديث كيان لتسألها بلهفة:-
مالك يا حبيبتي، وليه محبطة
اخذت كيان نفس عميق وهي تزفره ببطئ ثم اجابت بنفس نبرة اليأس والاستسلام:-
ما انتي عارفة يا ليلى لحد دلوقتي مافيش شغل وخلاص اتأكدت ان مافيش شركة او اي وظيفة هيقبلوني من غير خبرة
هتفت ليلى على الجانب الاخر بحماس:-
طيب واللي يضيعلك الاحباط دة
تحدثت كيان باحباط شديد من كثرة الخيبات :-
اهم حاجة يكون متأكد انه هيضيعوهلي فعلا
ضحكت ليلى وهي تتحدث بحماس واضح:-
بصي يا ستي جهزي نفسك بكرة عندك انترڤيو في شركة كريتيڤ، هبعتلك اللوكيشن بتاعها بعد ما اقفل معاكي
صاحب الشركة صديق ليا من ايام الجامعة، انا كلمته عنك وحكيتله ظروفك.
سألتها كيان بتعجب ممزوج بعتاب:-
وكان فين دة من كام شهر فاتوا
لتجيبها ليلى مدافعة عن نفسها:-
اصله كان مسافر برا مصر ف شغل ولما رجع كلمني امبارح علشان نخرج مع اصحابنا واول ما قابلته قولتله على طول، المهم انتِ بكرة تروحي الشركة وتسألي على مالك الجمال
تنهدت كيان بارتياح ثم سألت ليلى بتذكر:-
قوليلي يا ليلى صحيح، انتِ قولتيله ايه عن ظروفي بالظبط.
تحدثت ليلى بضيق مصطنع:-
قولتله انك مطلقة ومحتاجة الشغل جدا،
هقوله ايه يعني يا كوكي
لتنهي معها الحديث مغلقة الهاتف داعية من الله ان يوفقها في تلك المقابلة،
بينما على الجانب الاخر جلست ليلى تفكر في تلك المقابلة بينها وبين مالك،
حيث انها عندما اخبرته بظروف كيان رفض رفضًا قاطعًا خصوصًا وانها بلا اي خبرة
فمالك شخص عصامي وبدأ من الصفر ومن مثله يرفض المحسوبيات
ولكنها أكدت له انها تتعلم سريعا، فليختبرها لمدة اسبوع
ليوافق على مضض
*************
في صباح اليوم التالي استيقظت كيان من نومها بنشاط على غير العادة وهي تشعر بتفاؤل شديد ولكن كالمعتاد يجب ان تجد ما يعكر صفو حياتها، وجدت رسالة على احدى تطبيقات التواصل الاجتماعي يسمى الواتساب من زوجة طليقها
كانت رسالة صوتية اخذت نفس عميق وهي تتوقع الاسوأ فدائما يكون سبب ارساله لها هو ان يتشاجر معها او يضع بعض قوانينه السخيفة كنوع من انواع الايذاء النفسي والمعنوي لها كأنه لا يحق لها ان تكون سعيدة من بعده، ولقد كانت محقة فالرسالة كانت بصوت طليقها يخبرها بكل ما امتلك في قلبه من قساوة
ان اولادها لن يذهبوا اليها في عطلة نهاية الاسبوع كما كانت تريد
وان تحمد ربها انه سيتكرم عليها باحضارهم في اجازتي منتصف واخر العام
ولم يخلُ محتوى الرسالة من السباب بأفظع الالفاظ
اغمضت عينيها بقلة حيلة وقد انسابت منها الدموع واخذت تفكر كيف كانت تهيم عشقا بهكذا رجل في يوم من الايام
حركت رأسها وكأنها تنفض تلك الذكريات الاليمة منها ومسحت دموعها لتقوم من على فراشها وتدلف الى المرحاض
غسلت اسنانها ووجهها ونظرت لنفسها في المرآة لتأخذ نفس عميق ثم تزفره ببطء وهذه عادة منها حتى تخفف من الضغط الذي تشعر به
خرجت من المرحاض لتفتح خزانة ملابسها
فيقع اختيارها على بدلة رسمية نسائية من اللون الاسود
ارتدت الملابس ووضعت القليل من مساحيق التجميل
والتي تكاد تلاحظ وجودها فقط من اجل ان تخفي اثار البكاء
اطلقت لشعرها العنان لتنظر الى نفسها باستحسان فمن يراها الان سيعتقد انها مديرة الشركة وليست باحثة عن عمل فقط
نظرت الى ساعة يدها لتدرك انها قد تأخرت فأسرعت مهرولة للخارج عندما ظهر من اللا مكان مسمار بارز من الطاولة كانت قد اعطت نفسها ملاحظة عدة مرات ان تدقه لتعيده الى مكانه مرة اخرى، وها هي الكارما تمزق سروالها من ناحية الفخذ جاعلا من المستحيل حياكته الان
اخذت تسب وهي تكاد تبكي باحثة بين ثيابها عما قد يصلح لارتداؤه وفشلت فالبعض يحتاج للكي والاخر لا يصلح للخروج به من المنزل من الاساس
تنهدت بقلة حيلة وهي تتناول سروال من الچينز الازرق ترتديه على مضض، وتغير معه حذائها ذو الكعب بآخر مريح وهي تقول لنفسها بتشجيع:-
خلاص يا كيان مكنش بنطلون دة اللي هيبوظلك مودك كفاية عليكي سي زفت ع الصبح وكمان اهو مصلحة غيرت الشوز بسنيكرز مريح.
اخذت نفس عميق
وتناولت حقيبة يدها وارسلت لليلى رسالة انها في طريقها للمقابلة.
***************
جالسة في صمت تتأمل سقف حجرتها وقد انحدرت دمعة دون ان تشعر على وجنتها ، وهي غارقة في بحر ذكريات ماضية لم تمحى من ذاكرتها
وبالتحديد يوم ان كانت تلد ابنتها التي لم تتمكن من ان ترى ملامحها حتى
ولكنها تعلم انها مذنبة وان هذا كان اقل ما تستحقه،
سرعان ما افاقت من ذكرياتها على صوت رجل غليظ يتحدث بتهكم والذي لم يكن سوى الرجل الذي اخطأت عندما وافقت عليه زوجا لها:-
جرا ايه يا ست رانسي هتفضلي منكدة عليا وعلى نفسك لحد امتى.
نظرت له بلا اي تعبير وكأنها جسد بلا روح لتتحدث بآلية حتى انها لم تتمكن من الزفر بضيق او حتى الشعور بالغضب ولو قليلا :-
انت عمرك ما هتحس ابدا باللي انا حاسة بيه،
ثم بدأت الدموع تتلألأ في عينيها مرة اخرى وقد اختنق صوتها لتقول بصوت مبحوح:-
6 سنين وانا عايشة معاك في عذاب يا مراد اتخليت عن بنتي اللي ما اعرفش حتى اسمها ايه علشانك، وبعد دة كله ليك عين تتريق
ضحكة ساخرة عالية تجعل من يسمعها يشعر بفوران الدم لتستفزه كما فعل مع رانسي ثم قاطعها مراد وهو يتحدث باستخفاف منها وبمشاعرها:-
بنتك! بنتك اللي اول ما عرفتي انك حامل فيها جريتي عليا تعيطيلي علشان عاوزة تنزليها
دلوقتي افتكرتي امومتك وانك ام.
اتسعت عيونها بصدمة اولا ثم انفجرت باكية وهي تندب حظها الذي اوقعها في رجل مثل هذا:-
كنت ساذجة وغبية
بس انا اللي غلطت اني آمنتلك وانت بتستغلني انك تنتقم من مالك اخوك
كان لازم افهم انك ممكن ببساطة ترميني
انا غلطت اني شاركتك في لعبتك القذرة دي
مجرد سماعه لاسم توأمه مالك حتى شعر بالغضب وقد انتفخت عروقه وهو يكاد يفتك بها بغل ثم هتف بها بكل ما به من قسوة وجبروت:-
لا ياهانم انتِ اللي حبك للفلوس عماكي،
ولا نسيتي ان انتِ وابوكي النصاب ليكوا دور البطولة في لعبتي القذرة
ولولا اني كشفتكوا من البداية كان زماني مت من الحسرة زي ابويا
سكت قليلا ملتقطا انفاسه ليكمل بغل وشماتة مما جعلها تشعر بحسرة:-
بنتك اللي كل ما تنقح عليكي امومتك تعيطيلي علشانها اكرملها تعيش مع ابوها احسن ما تعيش مع ام زيك خاينة وانانية ولا نسيتي انك سبتي بنتك لابوها بمزاجك
بهتت ملامهحا من حديثه وتحدثت بشرود وضياع وقد شعرت انه طعنها بسكين بارد ليقتلها بالبطيء:-
خاينة؟
انا لو كنت خاينة كنت فضلت مع مالك عايشة مع بنتي وزوج على الاقل مش زيك كل يوم والتاني بيرجعلي نص الليل وكل يوم مع واحدة شكل،
كنت روحت من البداية وحكيت لمالك على اتفاقنا وكنت هكسب كتير اوي يا مراد بيه
شعر بالغيظ الشديد منها وقد بدأ يمل من تكرار ندبها لحظها وهي تتجرأ بكل بساطة ان تشتكي منه فتحدث مراد بتهكم وهو ينظر لها باحتقار شديد:-
دلوقتي مالك بقى الراجل اللي بتتمنيه،
فكريني كدة مين اللي كانت كل يوم تجيلي اوضتي فى نص الليل علشان تنام في حضني وتقولي امتى بقى اتطلق منه وابقى معاك باقي العمر،
وكنتِ روحي احكيله يا رانسي علشان وقتها كان هيبقى موتك على ايده لاني ببساطة كنت هعرفه تاريخ عيلتكوا المشرف
عضت على شفاهها بقوة ثم نظرت له بقلة حيلة وتحدثت وعينيها في الفراغ حتى ان دموعها انسالت على خدها كدعم لها من قساوة كلمات مراد:-
كنت مفكراك بتحبني بجد،كنت فاكرة اني لما اعمل اللي انت عاوزه مني اني بزود رصيد حبي عندك
رفع حاجبه وابتسم لها باستخفاف وهو يكشفها امام نفسها قائلا بلهجة لاذعة كمن يجلد ضحيته بسوط جلد يدميها بدون رحمة او شفقة:-
لا يا رانسي هانم انتِ كنتِ بتزودي رصيدك في البنك يا حبيبتي،
انا وانتِ من الاول فاهمين وعارفين كويس ان جوازك من مالك كان فيه مصلحة لينا احنا الاتنين
والحب ما كانش ليه وجود في اللعبة بتاعتنا
نظرت له تحاول معرفة كيف يمكنه ان يخطئ في حقها مرارا وتكرارا ناسيا انه كان العقل المدبر لكل ذلك وهو من قام بتمثيل الحب عليها منذ البداية، فوجدت نفسها تسأله بتهكم:-
ولما انت ما حبتنيش وعارف تاريخ عيلتنا المشرف زي ما بتقول، ايه اللي اجبرك تتجوزني، كان ممكن بعد ما اخدت منهم كل الفلوس انك تسيبني.
ضحك بقوة جعلت جسدها يقشعر وهو ينظر لسذاجتها التي تجعلها حتى الان تظن انه يكن لها الحب او المشاعر ثم اجابها وهو يتحدث بحقد دفين:-
جوازي منك كان تكملة لانتقامي من مالك، علشان يعرف اني اخدت منه كل حاجة هو كان يملكها
الحاجة الوحيدة اللي ما كانش متخططلها هي حملك
وانتي اللي وافقتي انك تسيبيهاله مقابل انه يطلقك اديكي خلصتي منها زي ما كنتِ عاوزة
ما تجيش تعيشي عليا دور الام المسكينة والمكسورة دة علشان مش لايق عليكي والنبي.
وقفت مصدومة من كلماته فعلى الرغم من كل شيء الا انها احبته بصدق، لاحظ هو تخبط افكارها
ليحاول ان يهدأ وهو يفكر فهي من الممكن ان تتركه، نعم لو تأكدت من عدم حبه لها سترحل بالتأكيد زفر انفاسه واقترب منها بابتسامته الجذابة وكلامه المعسول وهو يضمها له:-
ما تزعليش من كلامي يا رانسي، أنا بس عاوزك تفوقي لنفسك
حقك عليا ياقلبي
ابعدته باستنكار وهي تنظر له بعدم تصديق:-
بعد كلامك الجارح دة وجاي تقولي حقك عليا اصرفها فين انا دي؟
أولته ظهرها ليخرج قلادة ماسية من علبة مخملية ويلبسها اياها:-
بصي انا كنت جايب لك ايه معايا بس انتي اللي بتحبي تنكدي علينا كل شوية
نظرت الى القلادة بانبهار وطمع واضحين للغاية وهي تبتسم قبل ان تلتفت وتحتضنه:-
ما تزعلش مني يامراد بس بنتي بتوحشني اوي واحنا لسه مخلفناش ودة عمل لي ازمة نفسية
سامحني يا حبيبي
ابتسم لها وهو يربت على ظهرها ويقول لها بحب ملموس:-
طيب ادخلي البسي هخرجك في مكان هيعجبك اوي
اسرعت لترتدي ملابسها ليهمس بينه وبين نفسه:-
مادية حقيرة، خليها تنبسط بالعقد ما هي ما تعرفش انه ازاز
اظبط بس اللي برتبله وهرميها رمية الكلاب
****************
على الجانب الآخر وتحديدا داخل منزل مالك الجمال،
في غرفة الطعام نجده جالس على طاولة الافطار يفكر في الطلب الذي طلبته ليلى صديقته عندما قابلته بالأمس حتى يتم جمع شملهم
فلقد طلبت منه توظيف قريبة لها و لولا انه يكن لها التقدير والاحترام كان رفض رفضًا قاطعا
لكنه لن ينسى ابدا المعروف الذي قامت به من اجله وكيف انها قد وقفت الى جواره في الفترة التي غدر به الجميع واولهم توأمه مراد
فلقد مر مالك بظروف قاسية عندما تعرض والده لصدمة عمره وفقد كل امواله في صفقة مشبوهة
وتوفي على اثرها
كل ذلك ساهم في تأخر مالك في سنته الدراسية الاخيرة
فسبقته ليلى في التخرج وبدأت في مساعدته لتجاوز وفاة والده، كانت تساعده على المذاكرة الى ان تخرج هو الاخر
وعندما اراد ان يبدأ حياته المهنية من جديد كانت قد توظفت في البنك
فعلمت باحتياجه لرأس المال حتى يبدأ مشروعه الخاص
فما كان منها الا انها قدمت له كل التسهيلات من البنك للحصول على قرض تمويل المشروعات،
منذ تلك اللحظة وتوطدت علاقتهم اكثر واكثر
اخذ يفكر في الظروف التي قصتها ليلى عليه فيما يخص ابنة خالها فمنذ ان علم انها مطلقة بل وكانت ربة منزل اخذ قراره بالرفض
لكنه سوف يرى ملفها اولا فمن المحتمل ان تكون مؤهلاتها تستحقق ان يعطيها تلك الفرصة
وان يكون له الفضل في ان تكتسب خبراتها من شركته
فما يهم مالك هو الكفاءة والتفاني في العمل
اثناء انهماكه في التفكير جاءه اتصال هاتفي والذي ما كان سوى من مساعدته تخبره بضرورة حضوره الى الشركة في الحال وعندما سألها عن الامر اخبرته بقلق وخوف واضح في صوتها ان الشركة التي يتعامل معها بالخارج تطالبه بدفع الشرط الجزائي لفسخ العقد بينهم
ليكفهر وجه مراد الذي اغلق الهاتف على الفور دون سماع المزيد
نزل مسرعًا من منزله وما هي الا نصف ساعة وكان امام شركته
دخل الى المصعد الخاص به وقبل ان يغلق الباب تفاجأ من دخول فتاة تتحدث في الهاتف
ولكن ما اثار دهشته ان الجميع يعلم ان هذا المصعد خاص به هو وهناك مصاعد اخرى خاصة بالموظفين لكنه
هدأ من روعه فمن الواضح انها اول مرة لها بالشركة
اثار اهتمامه حديثها في الهاتف وصوتها الحزين واخذ يفكر في نفسه كيف من الممكن ان يكون الصوت حزين ورقيق للغايه
لينظر بطرف عينيه يجد فتاة يكاد يجزم ان عمرها لن يتعدى السابعة والعشرون ذات بشرة بيضاء وشعر بني وعينيها بلونها العسلي التي لمح بها حزن ممزوج بشيء اخر لم يتبينه بعد
قبل اغلاق باب المصعد حدث ما لم يكن في الحسبان
***************
قبل ذلك بقليل
كانت كيان قد وصلت الى مقر الشركة
لتجد ذلك المبنى الضخم المكون من عشرين طابق
دخلت لتندهش من فخامته من الداخل بداية من مكتب الاستقبال والموظفات ذوات الزي الموحد الانيق جدا،، ولم تفهم هل هي صدفة ان جميع الموظفات شقراوات ام ان هذه من شروط العمل في ذلك الصرح العظيم،،
مرورا بالمصاعد المنتشرة في كل الاتجاهات وصولا الى قاعة الانتظار والتي بها نافذة
ذات اطلاله رائعة على سماء المدينة
توجهت الى احدى موظفات الاستقبال تسألها عن مكتب السيد مالك الجمال لتخبرها انه بالطابق العشرين
ذهبت باتجاه احد المصاعد فوجدت رجل ببذلة رسمية انيقة ورائحته العطرة التي تزكم الانف ملأت المكان لم ترفع عينيها الى وجهه ولكنها لاحظت فرق الطول وجسمه المتناسق
دلفت إلى الداخل وهي تتحدث في الهاتف مع صديقة عمرها صبا
ولكن قبل ان يغلق الباب تفاجئوا من ركض احد الاطفال ليقف امام المصعد مباشرة
جحظت عين مالك فهو يعلم انه ابن احد العاملين بالشركة ولكن ما لم يفهمه هو كيف له ان يخرج من الحضانة والتي اصر على انشائها بالطابق الارضي في مبنى الشركة حتى يسهل الامر على موظفينه
اخرجه من تفكيره ظهور احد المعلمات والتي قامت بتوبيخ الطفل ولم تكتفي بذلك بل قامت بضربه
ليتوعد لها مالك في نفسه كان اكثر ما يكرهه هو القسوة على طفل فكيف لأحد ان يضرب كائن لا حول له ولا قوة سوى انه استفزه بعصيان الاوامر
بينما كانت مشاعر كيان اخذت منحنى اخر فهي لا تعرف بوجود الحضانه بعد فتخيلت ان تلك المعلمة هي والدة الطفل
افاقت كيان على صوت صبا تتسائل عن سر صمتها المفاجئ لتخبرها متناسية وجود شخص اخر معها في نفس المصعد:-
أسوأ انواع البشر وأسوأ الامهات اللي تمد ايديها على ولادها رغم ان هي اللي تكون غلطانة
مش فاهمة طالما مش عارفين قيمة ولادهم بيخلفوا ليه،
ولا اللي يفتكر فجأة انه اب ويقرر يمارس ابوته ويحرم ام من ولادها.
هتفت بها صبا بنفاذ صبر:-
با بنتي في ايه اللي حصل بس وانتِ فين كدة
اخذت كيان نفس عميق في محاولة منها لتهدئة نفسها متحدثة:-
واحدة غبية بتضرب ابنها علشان بيجري، ما الهانم لو واخدة بالها كويس منه ما كانش جري اصلا، كمان شكلها شركة مهملة اللي تخلي موظفينهم يجيبوا اولادهم معاهم الشغل
ثم تذكرت كيان امرا ما لتقول لصبا:-
وبعدين يا بنتي انا مش قايلالك امبارح ان ليلى كلمتلي واحد صاحبها عنده شركة وهعمل انترڤيو النهاردة بس شكله كدة بصباص وعينه زايغة موظفات الاستقبال كلهم بلوندات يابنتي، المهم ادعيلي يا صبا اتقبل.
اجابتها صبا بتقرير:-
ايوة صح معلش نسيت، انتِ حاولي تهدي نفسك كدة، علشان تعرفي تركزي ف الانترڤيو، وإن شاء الله موفقة يا كوكي
انهت معها المكالمة ولا تعلم ابدا ما مدى تأثير كلماتها على ذلك الواقف معها في نفس المصعد
والذي تذكرت وجوده ما ان انهت مكالمتها.
وقف المصعد بالطابق المنشود وما ان فُتح الباب حتى خرج مالك كالاعصار متجها الى غرفة مكتبه
بينما نظرت كيان في اثره بتعجب ثم اتجهت الى مكتب السكرتيرة ورسمت على وجهها ابتسامة وتحدثت بطريقة عملية:-
صباح الخير، عندي ميعاد مع الاستاذ مالك
قوليله كيان اللي من طرف ليلى
مدت كيان يدها تناولها اوراقها لتأخذهم منها السكرتيرة وهي تخبرها:-
ثواني هدخل اديله خبر اتفضلي حضرتك ارتاحي.
توجهت السكرتيرة الى داخل مكتب مالك وبعد مرور حوالي ربع ساعة خرجت تبتسم باستحياء لكيان وهي تخبرها بحرج شديد:-
معلش استاذ مالك مشغول جدا دلوقتي، ف حضرتك هتستني شوية.
ابتسمت لها كيان وتوجهت الى غرفة الانتظار
واخذت تعبث في هاتفها قليلا ولكن طال انتظارها
ولولا احتياجها الشديد لتلك الوظيفة لكانت رحلت منذ ثلاث ساعات مضت
اخيرا جاءت اليها السكرتيرة تعتذر لها عن التأخير وتخبرها انه لولا حدوث مشكلة كبيرة في العمل ما كانت ابدا انتظرت كل ذلك الوقت
ابتسمت لها كيان ابتسامة لم تصل الى عينيها وتوجهت الى حيث اشارت لها
طرقت على الباب وعندما سمعت الاذن لها بالدخول اخذت نفس عميق ثم فتحت الباب لتدلف الى داخل غرفة مكتب مالك التي تحتوي على مكتب ضخم وخلفه نافذة زجاج ترتفع من الارض الى السقف
لم تكد ترفع عينيها لترى ذلك الجالس على مقعده الجلدي الا وقد سمعت صوته يتحدث ببرود شديد:-
حضرتك مرفوضة، مالكيش شغل عندي.
انتظر مالك وصول المصعد على احر من الجمر حتى يمكنه الوصول الى مكتبه في الطابق العشرون وما ان بلغ وجهته خرج منه كالاعصار
مر اولا على مكتب مساعدته الشخصية ليقول لها بصوت مخيف:-
محدش يدخل غير بإذني انتي فاهمة
لم يترك لها فرصة للرد وهو يدلف الى داخل مكتبه وتفكيره كله منحصر في تلك الكلمات التي القيت على مسامعه كانت تتكرر مثل طلقات نارية تصيب القلب مرة بعد مرة لتزيد انهاكه
زفر بضيق وهو يفكر ويتساءل ما هو مقصدها مما تقوله
هل تقصده هو بأولئك الاباء الذين يحرمون الامهات من رؤية ابنائهن؟
هل تعرف عنه شيء، لا يعتقد انها تعرف شكله حتى بدليل انها وصفته بزير النساء
اذا الكلام قيل بمحض الصدفة، لكن هل يعني ذلك انها حرمت من ابنائها لتقول مثل ذلك الكلام؟
استدرك نفسه عند هذه النقطة وهو يفكر ان هذا لايعنيه وسوف يحاسبها على وصفها له بأنه زير نساء
وعلى ذكر الحساب ومن يحتاج الى العقاب تذكر مالك سبب غضبه الاساسي
اقترب من الهاتف الداخلي وهو يطلب رقم مساعدته وما ان اجابته حتى قال بصوت مهيب:
بلغي البهوات ان فيه اجتماع مجلس ادارة حالا عايزهم ضروري ومعاهم المترجمين بتوع الالماني برضه
ثم تذكر امر ما ليقول بقلة صبر:
-والقهوة بتاعتي اتأخرت لحد دلوقتي ليه
أنهت سها المكالمة وهي تحمد الله ان حديثه بالكامل كان من خلال اسلاك الهاتف فلن تكذب يمكنها ان تموت رعبا لو التقت عينيها بعين مالك وقت غضبه
ثم قالت بصوت حزين:-
طب والله صعبان عليا الناس اللي هتقابلوا دلوقتي بس اكيد هما السبب في غضبه دة ما هما اللي غلطانين برضه حد قالهم يلعبوا مع مالك الجمال
فهي اكثر من يعلم انه لن يمرر التلاعب الذي حدث مرور الكرام وقد رأته من قبل يفصل الناس عن العمل لأسباب اقل من هذه بكثير
بعد مرور حوالي ثلث ساعة كان مالك يجلس على رأس طاولة الاجتماع وينظر بعينين ثاقبتين لكل الوجوه التي أمامه
استمر صمته لمدة دقيقتين حتى انه لاحظ توتر البعض ليبتسم باستهزاء في داخله
واخيرا بعد ان وصل الى مراده قرر ان يتحدث:-
اكيد طبعا انتوا عارفين سبب الاجتماع،
واكيد كلكم عارفين اني مش بسامح واللي غلط بيتحاسب
سكت قليلا ثم فاجأهم بالسؤال:-
ممكن افهم امتى انا فسخت العقد مع الألمان علشان يطالبوني بالشرط الجزائي .
توجهت انظار الجميع الى رجل في اواخر الاربعينات عندما بدأ يتحدث بتوتر من مفاجأة السؤال ليس الا:-
حضرتك انا مبلغ باشمهندس مصطفى من اسبوعين فاتوا ان الخامات ما وصلتش يعني هو عنده علم ان فيه مشكلة.
وضع مالك يده مستندا بها تحت ذقنه ووجه انظاره الى هذا المصطفى منتظر منه ان يتحدث
اخذ مصطفى في ابتلاع لعابه وظهرت حبيبات العرق على وجهه متحدثا بصوت مهزوز:-
حضرتك انا كتبت جواب شديد اللهجة للشركة الالمانية اللي بتوردلنا وبعته لاستاذ حازم علشان يترجمه و..
قاطعه مالك ولم يدعه يكمل كلامه وهو
يضرب الطاولة بيده بقوة ارعبت من حوله وقد ارتد صداها من الصمت الذي اطبق بعدها
ليتحدث بصوت يشوبه الوعيد :-
انا عارف كويس جدا كل واحد شغال هنا بيعمل ايه وبيفكر ف ايه وازاي
زي ما انا عارف كويس االي بيحصل دة ليه ولحساب مين
وانا مش هسمح بالاهمال والتسيب دة يحصل مرة تانيه فاكرين انكوا كدة بتلوا دراعي علشان اشتري من شركة تانية بسبب العمولة اللي هتخدوها صح
سكت قليلا يأخذ انفاسه ليعود مرة اخرى يتحدث مع السيد عبدالله مسئول خط الانتاج:-
استاذ عبدالله المخازن فيها بضاعة تغطينا لمدة قد ايه
اجابه السيد عبدالله بينما وجه مالك انظاره الى فريق الترجمة ورئيس القسم الهندسي بغضب واضح:-
يكفينا ممكن الشهر دة
هز مالك رأسه بتفهم ثم قام باستدعاء سها ليقول لها بلهجة آمرة حتى يعلم الجميع ان قراره لا رجعة فيه:-
الاستاذ مصطفى وكل فريق الترجمة خلاص شغلهم انتهى معانا لحد كدة
اماءت رأسها بالايجاب وتحركت صوب مكتبها
ثم وجه مالك كلامه إليهم مرة اخرى:-
انا من كرم اخلاقي هصرفلكم مرتب الشهر دة،
الاجتماع انتهى.
هب واقفا ليعود الى غرفة مكتبه ولكن قبل ان يدخل نظر الى سها بتمعن وكأنه قد تذكر امر ما:
-حصليني على المكتب عايزك ضروري
بعد ان جلس على مقعده اخبرها:-
هاتي صور لفريق المعلمات اللي شغالين في الحضانة تحت، هتلاقي ملفهم في الدرج التالت على اليمين
امتثلت لأمره رغم اندهاشها من الطلب وهي تنظر الى المكتبة الكبيرة امامها لتحصيهم حتى وصلت للدرج المراد الوصول اليه وهي تخرج الملف وتناوله لمراد بأدب:-
اتفضل يا فندم
ما ان امسك مالك الملف حتى اخذ يقلب في السير الذاتية للموظفين ويتمعن في النظر للصور حتى اختار واحدة من بينهم يعطيها لها وهو يقول:-
تاخد كل مستحقاتها وتمشي وما تجيش تاني.
كادت ان تسأله عن السبب ولكنه نظر لها نظرة ارعبتها لتبتلع سؤالها لتعلم ان السؤال سيكون محض غباء
ارجع ظهره ليستريح في جلسته يتحدث وهو مغمض العينين:-
اجلي كل مواعيد النهاردة.
تحدثت بصوت يشوبه القلق من ردة فعله:-
بس فيه الانسة كيان اللي بقالها 3 ساعات مستنية تقابل حضرتك.
فتح عينيه فلقد نسي امرها تماما، ولكنه لن ينكر ان هذا التأخير قد هدأ من حمم غضبه منها قليلا
امتدت يده الى ملفها الشخصي يتطلع عليه وهو يطلب من سها ادخالها
****************
كان مالك منهمك في قراءة الملف الشخصي الخاص بكيان ليتذكر سها وهي تلقبها بالانسة
ليقول في نفسه بتهكم انسة!
ولكنه تذكر انه ما ان وقعت عينيه عليها امام المصعد ظنها فتاة في مقتبل العمر
ولم يكن يتخيل ان تكون امرأة اتمت الثلاثة وثلاثون من عمرها بل ومطلقة
للمرة التي لم يعد يعرف عددها يضبط نفسه متلبسا بالتفكير بها ما ان تأتي سيرتها
ليستمع الى صوت طرقات على الباب فأخذ يجلي صوته آذنا لها بالدخول،
لكن ما ان دخلت وجد نفسه وبلا اي مقدمات يهتف بها:-
حضرتك مرفوضة، مالكيش شغل عندي
نظر لها ليجدها ترمش بعينيها بضعة مرات وهي تسأل بتعجب واضح:-
افندم!
تحدث وهو مبتسم باستهزاء:-
ايه اللي ف كلامي مش مفهوم،
بقولك انتِ مرفوضة مش مقبولة كدة فهمتي.
نظرت له كيان بعيون جاحظة تكاد تبكي ليس لانها لن تقبل ولكن لانها ادركت الان انه هو نفسه الذي كان يستقل معها المصعد
نظرت للاسفل في محاولة منها لترتيب افكارها مقررة تبرير موقفها اخذت نفس عميق قائلة:-
انا اسفة على فكرة، بس بدل ما تتشطر عليا انا روح شوف موظفينك اللي بيجيبوا اولادهم معاهم هنا
تفاجأت مما تتفوه به ولكن ما استفزها حقا هو ما قاله لها بعد ذلك بعد ان هب واقفا:-
اولا ودة للعلم بس انا بعرف اسيطر كويس جدا على شركتي وموظفيني وعارف دبة النملة هنا
واللي حضرتك ما تعرفيهوش ان الدور الارضي فيه حضانة لاولاد الموظفين بتوعي
نظر لها نظرة انتصار ثم اكمل كلامه قائلا:-
ثم ان موظفيني اللي مش عاجبينك دول محترمين سنهم ولبسهم
بصي لنفسك كدة وللبسك، دة لبس يتلبس في انترڤيو ولا لبس لواحدة في سنك فاكرة نفسك صغيرة على الحب
نظرت له بعيون حمراء وهي تلعنه وتلعن احتياجها للعمل لتهتف قائلة:-
انت فاكر نفسك ايه ملك الكون ولا الحاكم بأمره،
ولا تكونش مفكر ان علشان استنيت 3 ساعات ابقى مش لاقية غير الشغل بتاعك، انا استنيت بس احترام للميعاد اللي بيننا وعلشان خاطر ليلى،
بس دي غلطتي اني عملت اعتبار لناس ما تستاهلش
لتستدير في اتجاه الباب منهية هذا الحديث وهي تسمح لدموعها بالهبوط
خرجت كيان من غرفة مكتب مالك بينما ظل الاخير واقفا في مكانه ينظر في اثرها احس بالندم قليلا عندما لاحظ تجمع الدموع بعينيها ولكنه اقنع نفسه بأنه لم يخطئ
يعلم انه ليس من شأنه طريقة لبسها وليس له الحق بالتدخل ولكنها هي من استفزته بكلامها ومن قبل ذلك ما وصفته به في المصعد
واثناء انغماسه في تلك الافكار سمع طرق على الباب ليأذن بالدخول فيجدها سها دلفت وما ان وصلت لمكتبه الخشبي تحدثت بطريقة عملية:-
حضرتك ما قولتليش يافندم انزل اعلان في الجرايد نطلب مترجمين
نظر لها وهو يضم ما بين حاجبيه فلقد نسي تماما انه قام بفصل كل فريق الترجمة عنده
تنهد وهو يتحدث بيأس:-
احنا لو نزلنا اعلان هناخد وقت كبير على ما نلاقي حد بيعرف الماني بيرفكت
نظرت له سها بحيرة لتقول:-
طيب هنعمل ايه استاذ عبدالله بيقول لازم نبلغ الشركة الالمانية المسئولة عن الصيانه لانه اكتشف انهم ما كانوش بعتوا اصلا قبل كدة
اخذ يعتصر دماغه وهو يحك جبهته ثم نظر لها وكأن مصباح اضاء في عقله
ليوجه نظره على ملف كيان الذي كان مازال مفتوح امامه
فيجد انها تجيد اربع لغات ومن بينهم الالمانية
ليطلق سبة بصوت منخفض
اغمض عينيه يأسا ثم فتحها بتعب قائلا لسها التي مازالت واقفة :-
خلاص يا سها روحي انتِ انا هتصرف في موضوع المترجم.
جلس على مقعده مستندا بكفه على ذقنه ينظر للفراغ يفكر، كيف له اقناع كيان بالعمل معه بعد ما حدث بينهم
اخذ التفكير يتآكله الى ان قرر محادثتها بعد ان وجد رقم هاتفها في الملف
****************
خرجت كيان من مبنى الشركة بأكمله قبل ان تقف تطالعه وهي تمسح بقايا اثر الدموع وهي تشعر بإحباط وضيق شديد، واكثر ما أحبطها هو كلمات مراد اكثر من الرفض،تنهدت بقلة حيلة كان يجب ان تعلم ان هذا اليوم سيكون من اسوأ ايامها منذ ان وجدت تلك الرسالة ليكون اول ما تسمعه هو سباب طليقها،
اتجهت نحو الرصيف تحاول ان تستوقف سيارة اجرة، ولكن مرت العديد من السيارات دون ان تقف لها احداهن، لتبتسم بيأس وهي تقول لنفسها:
-يعني هي جت على العربيات كمان هو يوم باين من اوله
وأخيرا توقفت لها سيارة فأسرعت بالدخول بها ثم جلست وهي تنظر خارجا من زجاج السيارة تنعي حظها
ولكنها ليست من النوع الذي يعلن استسلامه بسهولة فهي لن تيأس ابدا ولن تتنازل عن احلامها ولتحقيقهم يجب ان تبدأ بالعمل ولهذا أقسمت لنفسها ان تجد الوظيفة المناسبة لها حتى وان اضطرت الى ان تبحث في كل مكان
اخيرا وصلت الى منزلها وبعد ان دلفت الى الداخل سمعت رنين هاتفها نظرت الى المتصل لتتفاجأ بأنها والدتها
قلبت عينيها بملل وهي تأخذ نفس عميق ثم تزفره ببطء قبل ان تجيب بهدوء:-
ايوة يا ماما عاملة ايه يا حبيبتي.
اجابتها السيدة سميرة والدتها دون ان تهتم بالرد على سؤالها:-
هاعملتي ايه اتقبلتي ولا الوضع زيه زي غيره.
تنهدت كيان بيأس من طريقة والدتها معها فهي دائما محبطة لها لتجيب بصوت يملأه الحزن:-
لا يا ماما ما اتقبلتش.
لا تعلم كيان ان كانت قد سمعت ضحكة شماتة من والدتها ام انه فقط بسبب الاحباط توهمت ذلك وخصوصا ان السيدة سميرة لم تكن تحتاج اكثر من تلك الكلمات حتى تتحدث معها بلهجة آمرة:-
اعملي حسابك يا كيان ان مافيش تفكير في موضوع الشغل دة تاني
وان دي كانت اخر فرصة ليكي
زفرت كيان بضيق واضح لتقول:-
ماما علشان خاطري مش وقته الكلام دة
لم تعطيها والدتها الفرصة لاستكمال كلامها لتقاطعها:-
لأ وقته انتي هترجعي الغردقة هنا تقعدي معايا السنة دي لحد ما اطلع معاش ونبقى انا وانتي نعيش ف القاهرة قعاد لوحدك تاني وكلام في موضوع الشغل دة لأ
انا طاوعتك المرة دي وسيبتك تشوفي بنفسك
وما تنسيش وضعك يا كيان
لا تعلم كيان ايهما ضايقها اكثر انهاء والدتها للمكالمة فجأة، ام لانها تتحكم في حياتها ام لكلمة وضعك التي تدرك به جيدا مقصد والدتها
تذكرت والدها وحنانه لها واحتوائه لها
فإذا كان على قيد الحياة لما سمح بمثل هذه المعاملة
ألقت نفسها على اقرب مقعد لها وهي تبكي وتتساءل متى سوف يكون لها الحق في اتخاذ اي قرار مصيري يخص حياتها
الى متى سوف تظل تابع لغيرها
اليست هذه حياتها وليس من حق اي احد اخر ان يقرر ما عليها فعله
ثم ما به وضعها هل لقب المطلقة وصمة عار
ياله من مجتمع جاهل يحكم دائما في حالات الطلاق على المرأة بأنها مذنبة
اخرجها من تفكيرها رنين الهاتف التقطته فوجدته رقم مجهول تنفست بعمق قبل ان تجيب وتجده صوت رجولي يتحدث: -
مدام كيان معايا.
ضيقت عينيها وهي تجيب بشك:-
أيوة اتفضل مين حضرتك.
استمعت الى الطرف الاخر وهو يحمحم ويجيب بتردد:-
معاكي مالك الجمال
هبت واقفة كالملسوعة لتهتف :-
ايه نسيت اهانة تانية ف قولت تكمل في التليفون وتقولهالي، ما انا بقيت ملطشتكوا.
زفر بضيق وهو يبعد الهاتف عن وجهه ينظر له للحظات لن ينكر انه استغرب كثيرا من ردة فعلها ولكن على ما يبدو ان سبب عصبيتها شخص اخر بخلاف ماحدث في مكتبه ولكنه التمس لها العذر فما قاله لم يكن هين بالمرة ثم تحدث بهدوء جديد عليه:-
هو انتِ مش كنتِ جاية علشان تشتغلي، انا وافقت انك تشتغلي ف الشركة.
كرد فعل تلقائي منها اجابته:-
وانت لو اخر واحد ف الدنيا انا مش هشتغل عندك.
تنهد وهو مازال على نفس هدوءه:-
وانا هسيبك تفكري لو وافقتي مستنيكي بكرة الساعة 10 في الشركة.
كادت ان تجيبه برفضها التام ولكنها تذكرت حديث والدتها وان مالك الجمال كان اخر فرصة لها، وها هي الفرصة تأتي على طبق من دهب
لتجيبه بعد ان ابتلعت ريقها:-
انا موافقة.
اندهش من تغير موقفها المفاجئ ولم يستطع منع نفسه من السؤال بشك واضح:-
ايه السرعة دي لحقتي تفكري.
رفعت احد حاجبيها وهي تجيب بنفاذ صبر:-
انا ياسيدي باخد قرارتي بسرعة وبغير رأيي أسرع عندك مانع .
كاد ان يضحك ولكنه استدرك نفسه وهو يتحدث بطريقة مهنية بحتة:-
تمام يبقى ميعادنا بكرة الساعة 10 مع السلامة
اغلقت المكالمة وهي تكاد تطير فرحا
أمسكت هاتفها وهي تتصل بوالدتها وبينما تنتظر رد والدتها سمعت طرقات على الباب لتنهض مسرعة وهي تتجه الى الباب وما ان فتحت حتى صدمت بصبا تقف امامها وهي تحمل في يد طفلتها الرضيعة وفي اليد الاخرى حقيبة ملابسها وقد تورمت وجنتها
لم تستطع كيان منع نفسها من التساؤل:
-لا متقوليش سليم عملها اخيرا واخد رد فعل وضربك.