All Chapters of كيان مالك: Chapter 21 - Chapter 30

63 Chapters

الواحد وعشرون

​بداخل غرفة دافئة، حيث تتلاشى حواجز العالم الخارجي وقسوته، كانت تفاصيل المكان تنطق بالألفة.على الطاولة الرخامية المستديرة في وسط غرفة المعيشة بشقة كيان، تناثرت أطباق الحلوى والمقرمشات، وتصاعدت رائحة الفشار الساخن لتختلط ببرودة علب المثلجات والعصائر التي أصرت كيان على إعدادها.لم تكن هذه الجلسة مجرد سمر عابر، بل كانت حصناً منيعاً شيدته الفتيات لحماية "صبا" من شظايا انكسارها الأخير.​جلست صبا تحاول التشبث بصلابة زائفة ترتشف من عصيرها ببطء، قبل أن تكسر الصمت بنبرة امتزج فيها القهر بالمرارة:​"شفتوا الحقير اللي اسمه حازم عمل معايا إيه؟ ما كفهوش المهزلة اللي عملها في المكتب وخراب بيتي.. لاقيته واقف قدامي في النادي وبيتجرأ يتعرض لي تاني!"​هبدت أروى كوبها فوق الطاولة بعنف تطايرت معه قطرات العصير، واندفعت قائلة بغضب مشتعل:​"ده بني آدم بجح! كنتِ تخلعي اللي في رجلك وتنزلي فوق دماغه علميه الأدب، عشان يعرف هو بيكلم مين!"​ابتسمت صبا بتهكم، وحاولت استعادة كبريائها الجريح وهي تحرك يدها في الهواء وكأنها تطوح بخصلات شعرها وراء كتفها بزهو مصطنع:​"ومين قالك إني سكت له؟ أنا وقفته عند حده وسمعته كلمت
Read more

الاثنان والعشرون

​في الحب كما في الحرب، كلُّ شيءٍ مُباح. سواءٌ اختلفنا أم اتفقنا مع فلسفة هذه المقولة العتيقة، فإننا ندرك يقيناً أن ساحات الطرفين لا تعترف إلا بوجود غالبٍ ومغلوب. ولا بد في النهاية أن يؤول النصر للطرف الأكثر جَلَداً، والأشد صبراً، والأعمق ثقة. ينتصر في معارك الهوى مَن امتلك ذكاءً حاداً وخبرةً تتيح له إشعال النيران وإيقاظ سعيرها في قلب الآخر، دون أن تسمح لتلك الشظايا بأن تحرقه هو أولاً.فالحب مثله مثل الحرب يبدأ بسهولة وينتهي ببالغ الصعوبة، لكن يجب ان ندرك جيدا ان الحب لا يختلف عن الحرب فعن طريقهما يتحرك الساكن، ويلغى من خلالهما المستحيل فيثيران اشعال الكون، وبالنهاية لغة الحرب لا تروى ولغة الحب لا تحكى. ​على الرغم من أن "مالك الجمال" بحكم مكانته واجتماعياته رأى وصادف الكثير من النساء؛ جميلاتٌ حِسان، ذوات حسبٍ ونسب، يتلألأن في ثياب المخمل والحرير، إلا أنه كان يقف عاجزاً عن فهم سر "كيان" على وجه التحديد. ما الذي تمتلكه تلك المرأة لتكون هي الاستثناء الوحيد؟​هي وحدها من نجحت في ايقاظ ذلك القلب الخامد بين ضلوعه، ونفضت الغبار عن قلبه ليخفق من جديد؛ ذلك القلب الذي كان حريصاً كل الحرص على تح
Read more

الثالث والعشرون

غادر سليم المكتب، ليخلف وراءه صمتاً ثقيلاً وموحشاً. ظلت كيان واقفة في مكانها، شاخصة ببصرها نحو الباب المغلق كأنها تتأمل بقايا حطام. كان الحزن ينهش قلبها؛ فهي أعلم الناس بأن موافقة سليم تلك لم تكن زُهداً، بل تجسيداً لعجزه القاهر أمام سطوة الظروف.​​لم يكن مالك غافلاً عن تلك المسحة الشجية التي غلّفت ملامحها. أحسّ بضيقٍ حاد يجتاح صدره، رافضاً أن يرى هذا الانكسار في عيني امرأة بدأت تحتل زوايا قلبه. تملكه دافعٌ طاغٍ لانتشالها، ليفعل أي شيء يظفر بابتسامة واحدة منها.​بحركة حاسمة تشي برغبته في كسر هذا الجمود، لملم أوراقه وخطا نحوها بخطوات واثقة، ثم انحنى قبالتها قليلاً ليتحدث بنبرة حفوّ دافئة خفض لها نبرة صوته المعتادة:- يلا.. هاتي شنطتك وحاجتك وتعالي معايا.​نظرت إليه ببطء، وكأنها تستفيق من حلم مزعج، عقدت حاجبيها بوجل وتوجس سكن عينيها وهي تسأله:- هنروح فين؟​رفع مالك حاجبه الأيسر، وارتسمت على شفتيه ابتسامة تحدٍّ ممازحة ليزيح عنها كاهل الجدية:- هخطفك.. عندك مانع؟​تسللت ابتسامة عذبة -وإن كانت باهتة- إلى شفتيها، وهزت رأسها بنفي هادئ وهي تجمع أغراضها بأصابع مرتعشة قليلاً، لتتبعه بخطى شبه مس
Read more

الرابع والعشرون

لم يكن الحب يوماً مجرد كلمة من حرفين، بل كان خيطاً سرياً يربط الروح بالروح، إن انقطع.. أدماها. كانت "كيان" تظن أن سنوات عذابها السابقة كانت سجناً أبدياً صُنع لها خصيصاً، وأنها ذلك الطائر الكسير الذي نسى شكل السماء في قبضة سجان لا يرحم. لكن غيث العوض دائماً يأتي بغتة، كقطرة ندى تسقط على أرض قاحلة فتحييها.​في غرفتها الدافئة، جلست تحتضن كفيها، وعلى شفتيها ترتسم ابتسامة غزلها طيف "مالك". تتذكر حنان كفه، غيرته المحببة التي تطل من عينيه، ولمساته التي تخاف عليها من نسمة الهواء. حتى بعد أن أوصلها إلى عتبة بيتها، لم تتحرك سيارته إلا بعد أن تيقن من إغلاق بابها بأمان.​لكن تلك الابتسامة ما لبثت أن تلاشت، وحلّت مكانها غشاوة من الضيق؛ فتلك اللعبة الخطرة التي أقحمت نفسها فيها باتت تثقل كاهلها. أغلقت عينيها، وتنهدت بعمق وهي تستسلم لشبح الساعات الماضية التي تطاردها...​(فلاش باك)​ما إن أدارت مفتاح الشقة ودلفت إلى الداخل، حتى تجمدت الدماء في عروقها. كان السيد "منصور"، والد صبا، يجلس بوقاره المعهود على الأريكة المخملية التي تتوسط الصالة. ابتلعت ريقها الذي جف فجأة، وداهمها ارتباك عنيف، غير أن الابتسام
Read more

الخامس والعشرون

أن تشتهي الاغتراب داخل مدينة خاوية، يسكنها النقاء، وتلوذ فيها بمفردك بعقلٍ شُفي تماماً من حطام عالمٍ أشبه بحربٍ طاحنة.. ذاك هو الأمان. ولكن، حين يُسرق منك هذا الأمان عنوة، ويُلبسك الظلم ثوباً لا يناسبك، لا يتبقى لك سوى السعي وراء الانتقام؛ ليس حباً في الدماء، بل لتسترد حقك في أن تعيش ذاك الهدوء باطمئنان.​داخل مكتبه—الذي كان حتى وقتٍ قريب يخص غريمه "سليم"—كان حازم يدور كليثٍ جريح، ينهشه إحساسٌ عارم بظلم هذا العالم. ها هي "صبا"، رغم كل ما بذله وما يزال يبذله لأجلها، لا تلتفت إليه، ولا تلمح ذاك العشق القابع في عينيه، لا ترى سوى سليم.​حتى بعد أن نجح في إيهامها بخيانة سليم، وحمل الأخير على إلقاء يمين الطلاق عليها، ما زالت أطيافه تطاردها! وكأن لعنة الهزيمة لم تكن تخص صبا وحدها... بل كانت تلاحقه منذ أن وعى على الدنيا.كأن العالم كله اتفق منذ طفولته أن يمنحه المركز الثاني؛ كلما مد يده إلى شيء، سبقه إليه سليم بخطوة.​اندفع نحو المكتب الفخم، وضرب بسطحه بعنف أطاح ببعض الأوراق. جلس على مقعد سليم الجلدي الوثير، وفتح درج المكتب الأخير بعصبية باحثاً عن أي شيء، لتستقر عيناه على ملفٍ كرتوني قديم مه
Read more

السادس والعشرون

تتمنى الروح أن تتخطى كل المنعطفات الوعرة، والعقبات المباغتة، والندوب التي حفرتها العثرات في جسدها. أن تضع الخطط السليمة، وتتحرك كلاعب شطرنج محترف كي تصل إلى مبتغاها. فالراحة هي أثمن ما تطلبه النفس، ولن تنالها حتى تتصالح مع شياطينك بالداخل، ثم مع من هم حولك.. حينها فقط، سيهديك القدر السلام.بخطى واثقة، مدروسة، كمن يملك البناية بأكملها، سار رجل غريب في ردهات شركة "الجمال". كانت عيون الموظفين تلاحقه بفضول ممتزج بالدهشة؛ نظارته الشمسية السوداء الداكنة غيبت ملامحه ومنحته هالة من الغموض الآسر.استقل المصعد بهدوء، وتحرك مباشرة نحو مكتب المدير العام. وبلا مقدمات، دفع الباب ودلف إلى الداخل دون طرق أو استئذان.رفع مالك رأسه عن الأوراق، وما إن أدرك هوية الزائر حتى هز رأسه يميناً ويساراً بقلة حيلة وضيق مجرّب، وهو يتأمله. أما كيان، فقد قطبت جبينها بعقدة دهشة طفولية، وتأملت بذهول ذلك الرجل الذي يرتدي جلباباً أبيض ناصعاً، ويضع على رأسه شماغاً باللونين الأحمر والأبيض. انتظرت أن يثور مالك لانتهاك خصوصية مكتبه، لكن مالك ظل صامتاً يتابع العرض بتسلية غاضبة.وما إن نزع الزائر نظارته الشمسية بحركة استعراض
Read more

السابع والعشرون

حين يرتسم الحلم في الأفق، يبذل المرء روحه في سبيل الوصول؛ لكن البعض في دأبهم يدهسون القلوب، ويسرقون ثمار غيرهم بلا ذمة. احذر العاقبة الأخلاقية.. فما أُخِذ بالمراوغة لا يُسترد إلا بها، والحلم المسلوب لن يكون سوى مقبرة تشهد على جشع صاحبه.​في غرفة المكتب التي كانت تخص "سليم" سابقًا، جلس "حازم" على مقعده الوثير، مسندًا ذقنه فوق كفيه المرتكزتين على سطح المكتب. كان ينظر أمامه بزهو مفرط، مستمتعًا بنشوة الانتصار. طالما راقب سليم وهو يدخل هذا المكان بحب، كأنه يتعامل مع الشركة كابنته الثالثة بعد "روفان" و"صبا". نفض حازم تلك الأفكار بضيق حين زحفت الغيرة إلى صدره، وبدأ يرسم ملامح حياته القادمة. أصابته حالة من الانتشاء وهو يتخيل "صبا" زوجة له، تتأبط ذراعه كملك خاص، تبتسم له وتطعمه بعفوية.قطع​ حبل تخيلاته الطروبة طرقات رشيقة على الباب. زفر بضيق، واعتدل في جلسته ينفخ صدره ويحمحم لإظهار الهيبة:— "ادخل."​فُتح الباب لتدخل سكرتيرته الجديدة "سمر".. تلك الفتاة التي عينها بالأمس فقط بناءً على مظهرها الجذاب وزينتها المتقنة، ضاربًا بعرض الحائط إرث سليم الذي كان يصر على وجود سيدة مسنة ليس لها معيل. فحازم
Read more

الثامن والعشرون

​تختلف مسارات السعادة بين البشر، لكنها تلتقي في مصب واحد، ذلك الاجتياح الدافئ الذي يغمر الروح بغتة، معلناً الانتصار. والانتصار الأجمل، هو ما ينبت من رحم شعور صادق، أو من يدٍ تمتد لتحمي من نحب؛ حينها فقط، تدرك أنك لمست السعادة بقلبك.​وكانت تلك السعادة الطاغية هي ذاتها التي تجتاح كيان وهي تخرج هرولة من مكتب مالك. كانت قدماها ترتجفان كالهلام، فاستندت بظهرها إلى الباب الخشبي المغلق، وأغمضت عينيها تضع كفها فوق قلبها الثائر، محاولة يائسة لتهدئة نبضاته الصاخبة. لم تستفق من خدر تلك اللحظة إلا على صوت صفير خافت ومشاكس، التفتت لتجد "سها" تراقبها بابتسامة عريضة، وكانت كيان قد نسيت وجودها تمامًا.​اشتعلت وجنتا كيان بخجل وارتباك حاد، وحاولت جاهدة الهروب بنظراتها، لكن سها اقتربت منها باحتضان حانٍ لكتفيها، وقالت بنبرة تفيض بالحب:- "أنتِ مكسوفة ليه؟ مش عيب على فكرة إن الواحدة تحب خطيبها.. أنتِ ومستر مالك تستحقوا السعادة دي بعد كل اللي شفتوه."​نظرت لها كيان باهتمام وعينيها تلمعان بفضول أنثوي حاولت إخفاءه خلف قناع من اللامبالاة الزائفة، وسألتها بصوت خفيض:- "سها.. أنتِ تعرفي حاجة عن حياته القديمة؟ ع
Read more

التاسع والعشرون

​جلست كيان بجانب مالك داخل سيارته الفارهة، تتطلع إلى الشوارع المتلاحقة خلف الزجاج بعيون شاردة غامرة بالغموض. كان شعرها يتطاير خصلات عابثة خلف وجهها بفعل نسمة الهواء المتسللة من النافذة المواربة. بدت من الخارج هادئة، رقيقة، كلوحة ساكنة، بينما كان داخلها يغلي بمزيج حارق من المشاعر المختلطة.ضيق شديد يكتم أنفاسها؛ ضيق من مالك، من حصونه الحديدية، ومن أسراره التي يصر على إحاطة نفسه بها كخندق مظلم، أم أن الأمر يتعلق بـبذرة الشك التي بدأت تنمو في أعماق قلبها؟​تزاحمت الأفكار في رأسها بعنف، فزفرت بضيق أكبر.لن تنكر أنها استشعرت رجولته، طيبة قلبه، وعدالته النادرة في مواقف كثيرة، ولكن بعد ما حدث اليوم، شعرت بأن هناك حلقة مفقودة في روايته. شيء مبهم ومرعب.. كيف لأب حانٍ ومثالي مثله أن يحرم ابنته من رؤية والدتها؟ ما السبب القوي الذي يجعله يمنع أمها من مجرد زيارتها؟ هل يمكن لمالك الجمال أن يكون بالقسوة التي تجعله يقطع صلة رحم أمر الله بها أن تُوصل؟​وفي غمرة تشتتها، استشعرت دفء كفه الكبيرة وهي تحتضن كفها الباردة فوق المقعد. التفتت إليه ببطء، ونظرت له نظرة طويلة وعميقة، وكأنها تراه لأول مرة. لم تباد
Read more

الثلاثون

حكمة قالها لنا كبارنا وصدقوا بها، احذر من التكبر، فإنه يظهر جميع عيوبك أمام الناس ويخفيها عنك؛ فلا يتواضع إلا من كان واثقاً من نفسه، ومن يرى في نفسه نقصاً هو فقط من يتكبر ويحسب أنه الأذكى في مضمار الحياة.​داخل مكتب سليم السابق، حيث تغير لون الدهان وجُلب أثاث أحدث وأكثر كلفة، كان حازم يجلس على مقعده الجلدي الوثير بـعنجهية، وفي المقابل جلس سيف وأروى بملابسهما الخليجية التي تعكس ثراءً فاحشاً. أحضر حازم القهوة العربية المرة بنفسه من باب كرم الضيافة، محاولاً إثبات أنه خبير بعاداتهم وتقاليدهم، وهو ما لم تحسب حسابه أروى؛ فهي تمتلك معدة حساسة لا تتحمل المشروبات الحارقة، لكنها أمسكت بالفنجان الصغير على مضض، ترتشف منه رشفات بسيطة تداري بها توترها.​كان حازم يعتقد واهماً أنه يمسك بزمام الأمور والمسيطر على الجلسة، وضعت أروى فنجانها على الطاولة الزجاجية وتحدثت بهدوء وثقة:— "شوف سيد حازم.. إحنا نظام الشراكة معنا وايد سهل وعوائده ممتازة، مجموعتنا بتاخد منك السيولة، بنشغلها في محافظ استثمارية كبرى، وكل شهر بتنزل الأرباح في حسابك بانتظام."​نظر لها حازم بشك، وقطب جبينه متسائلاً:— "بس أنا إيه اللي
Read more
PREV
1234567
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status