All Chapters of نبضات الصخر: Chapter 11 - Chapter 20

26 Chapters

الحادي العشر

عاشت نايا في الجناح الملكي وكأنها ملكة متوجة على عرش قلب معاذ. كان الصباح يبدأ بنسمات رقيقة تدخل من الشرفة، لتجد نايا نفسها محاطة بذراعي معاذ اللتين تضمانها بحنان مفرط وكأنها قطعة من الزجاج الثمين يخشى عليها من الكسر. تلاشت النسخة القديمة الشرسة من نايا تماماً، وحل محلها وجه مشرق تملأه الطمأنينة، وعينان لا تريان في الكون سوى رجلها ومنقذها.في صباح ذلك اليوم، استيقظت نايا على لمسات معاذ الرقيقة وهو يمرر أصابعه بين خصلات شعرها، ويقبل وجنتها بنعومة : "صباح الخير يا أم ابني.. صباح الورد على أحلى عيون في الدنيا."ابتسمت نايا بكسل ودلال، واختبأت في صدره أكثر وهي تهمس : "صباح النور يا حبيبي.. أنا مش عايزة أقوم من السرير خالص، الدفا اللي في حضنك ده أحلى من أي حاجة في العالم."ضحك معاذ بصوت رجولي دافئ، وقبل جبينها بحنان : "مفيش قيام من السرير أصلاً يا ملكتي.. الدكتور قال الراحة التامة في أول شهرين، وأنا النهاردة واخد إجازة من الشركة ومخصص اليوم كله ليكي ولابننا.. هجيب لك الفطار لغاية عندك.تحرك معاذ وخلفه السرد التي تصف رقة مشاعره وعنايته الفائقة بها؛ فقد قام بإعداد وجبة صحية متكاملة بيده، و
Read more

12

مرت عدة أشهر كأنها حلم جميل طهر قصر السيوفي من كل سموم الماضي. بعد طرد ميرفت وسجنها بتهمة الشروع في القـتل والتزوير، عاد الهدوء الحقيقي ليتنفسه الجميع. واصلت نايا رحلة حملها التي دخلت الآن في شهرها الخامس، وبدأت بطنها تبرز بشكل طفيف ومحبب زادها جمالاً ورقة فوق جمالها الكلاسيكي. لم تكن نايا تسير خطوة واحدة دون أن تجد يد معاذ تحيط بخصرها لحمايتها، وصار القصر شاهداً على قصة عشق ولدت من رحم المعاناة والصدق.في ليلة شتوية دافئة، كانت أمطار القاهرة تهبط برقة وتضرب زجاج الشرفة الكبيرة لجناحهما الفاخر. كانت نايا تجلس على مقعد مخملي مريح، ترتدي فستاناً صوفياً واسعاً بلون البيج الدافئ، وتضع يدها فوق بطنها البارزة وهي تبتسم لقطرات المطر. اقترب معاذ من خلفها ببطء، وحمل في يده غطاءً صوفياً ناعماً وضعه فوق كتفيها، ثم انحنى وقبل عنقها برقة : "الجميل سرحان في إيه وسايبني كل ده؟ المطر برة حلو بس عيونك أنتِ أحلى بكتير يا نايا." التفتت إليه نايا وعيناها تشعان حباً وعشقاً، وأمسكت بيده وجعلته يجلس بجانبها مباشرة وتحدثت بدلال رقيق: "مش سرحانة يا حبيبي.. أنا كنت بفكر في المعجزة اللي إحنا عايشين في
Read more

13

كانت الأمور في الشركة تبدو هادئة، لكن تحت الرماد كان هناك بركان يغلي. "مازن" ابن ميرفت، الذي تملكه الحقد بعد سجن والدته وطردها، قرر ألا يقف صامتاً. كان يعلم أن نقطة ضعف معاذ الوحيدة هي ماضيه مع "سيرين"، وعلم بذكائه الشيطاني أن سيرين عادت إلى البلاد سراً بعد أن أنفقت جزءاً كبيراً من أموالها في الخارج. تواصل مازن معها، وأقنعها بخطة خبيثة للانتقام من نايا واستعادة معاذ، مستغلاً عاطفته القديمة.في صباح أحد الأيام، دخل معاذ مكتبه ليفاجأ بوجود سيرين تجلس على مقعد المقابل لمكتبه، وتبكي بحرقة مصطنعة، وترتدي ملابس بسيطة لتبدو ضحية. تجمد معاذ في مكانه، واشتعلت عيناه بالغضب: "أنتِ إيه اللي جابك هنا يا سيرين؟ وبأي عين جاية تظهري في حياتي تاني بعد ما بعتيني بالرخيص وخنتيني عشان الفلوس؟"ارتمت سيرين على ركبتيها أمامه، وأمسكت بيده وهي تبكي بنحيب مرير وتتحدث بصوت متهدج: "ظلمتني يا معاذ! والله العظيم أنا عمري ما خنتك ولا حبيت غيرك! نايا هانم مرأتك هي اللي عملت كل ده.. هي اللي هددتني بسجن عيلتي وتدمير حياتي لو ما سبتكش ورميت الدبلة في وشك وقبلت الفلوس عشان تبان قدامك إنها خاينة! أنا عملت كدة عشان أحم
Read more

14

مرت ثلاثة أيام على اختفاء نايا، وكانت الأيام الثلاثة بمثابة دهر كامل من العذاب والندم الذي ينهش في جسد معاذ وروحه. لم يذق الشاب طعم النوم أو الراحة؛ كانت عيناه الحمراوان الغائرتان تبوحان بحجم الكارثة التي تسبب فيها بجهله وتسرعه. قلب القاهرة الكبرى رأساً على عقب؛ بحث عنها في كل المستشفيات، وتفقد سجلات المطارات والموانئ خوفاً من أن تكون قد غادرت البلاد، وفتش في كل فندق ومكان يمكن أن يخطر على بال بشر، ولكن دون جدوى. كانت نايا قد تبخرت كقطرة ماء في صحراء قاحلة، مأخذة معها نبض قلبه ووريثه المنتظر.في صباح اليوم الرابع، اقتحم "شاكر بيه" جناح معاذ في القصر الفاخر بعد أن علم بالقصة الكاملة من سكرتيرة الشركة ومن التحقيقات في القسم مع سيرين ومازن. كانت ملامح الأب تشع غضباً مرعباً يهز الجبال، ودموع القهر على ابنته الوحيدة تجمدت في عينيه لتتحول إلى رغبة عارمة في الانتقام من الرجل الذي ائتمنه على عرضه وصان بيته.اندلع شاكر بيه في الصالة، وأمسك بمعاذ من ياقة قميصه وهزه بعنف وهو يصرخ بصوت هز أركان القصر: "أنت إيه اللي عملته ده يا معاذ؟! أنا ائتمنتك على بنتي وعلى شقى عمري.. صدقت واحدة رخيصة خاينة و
Read more

15

مر شهران كاملان على ذلك اليوم العاصف الذي انكسرت فيه الروابط وتشتتت فيه القلوب. تبدلت فصول السنة، ومعها تبدلت أحوال نايا التي دخلت الآن في شهرها التاسع والأخير من الحمل. اصبحت بطنها بارزة ومثقلة، تذكرها في كل لحظة بالمعجزة القابعة بين أحشائها. لم تعد غرف الجناح الملكي في قصر السيوفي كما كانت؛ فقد خيم عليها صمت مهيب، صمت يقطعه فقط أنين نايا الخافت جراء ثقل الحمل وآلام الرحم التي عادت لتطل برأسها مع اقتراب موعد الولادة الحاسم.كانت نايا تقف خلف الستار الزجاجي لشرفتها، تتأمل خيوط الفجر الأولى. لم تعد تلك الفتاة الضعيفة المكسورة، بل استعادت كبرياءها وصارت ملامحها لوحة من القوة الصامتة التي تخفي خلفها بحراً من الشوق والوجع. لم تغفر لمعاذ، ولم تنسَ طعنته، لكن قلبها كان يرفض نزع صورته من مخيلتها. تنفست بعمق وقالت وهي تمسح على بطنها المنتفخة: "خلاص يا حبيبي.. هانت. كام يوم وتطلع للدنيا، وهتكون أنت كل دنيتي.. مش محتاجين حد معانا، إحنا أقوى لوحدنا."وفي نفس اللحظة، وعلى بعد أمتار قليلة خارج أسوار القصر العالية، كان معاذ يقف مستنداً إلى سيارته البسيطة. لم يغادر محيط القصر طوال الشهرين الماضيي
Read more

16

اخترقت سيارة معاذ شوارع القاهرة بسرعة جنونية، وخلفها سيارات الحراسة التابعة لشاكر بيه، يفسحون الطريق أمام جسد نايا المنهك الذي كان يستلقي في المقعد الخلفي، ورأسها ممدد على فخذ معاذ. كانت أنفاس نايا متسارعة، وتطلق بين الحين والآخر أنات ألم حادة تمزق نياط قلب معاذ الذي كان يمسك يدها بقوة ويقبلها بدموع وعشق جارف : "استحملي يا حبيبتي.. خلاص وصلنا المستشفى. الدكتور مستنينا.. اتمسكي بيا يا نايا، متسيبنيش للضياع تاني." فتحت نايا عينيها ببطء، ونظرت إلى وجهه الباكي المليء بالخوف الصادق عليها وعلى طفلها. رغم الألم الشديد الذي كان يعتصر أحشاءها، ورغم الجرح القديم في كرامتها، إلا أن لمسة يده الدافئة وخوفه عليها في هذه اللحظة الحاسمة جعلها تشعر بنوع من السلام المفتقد. ضغطت على يده بوهن وقالت بصوت خافت: "معاذ.. ابني في خطر؟ أنا خايفة الرحم المريض بتاعي ما يستحملش الوجع ده." انحنى وقبل جبينها بحنان جارف وتحدث بصوت حاسم: "ابننا بطل وهيطلع للدنيا يا نايا، ورحمك قوي بوجودك وبحبنا.. أنا جمبك ومش هسيبك ثانية واحدة." وصل الموكب إلى المستشفى الخاص، وكان الفريق الطبي بقيادة طبيبها الخاص بانتظارهم
Read more

17

مر يومان كاملان داخل تلك الغرفة الهادئة بالمستشفى الخاص، وكان هذان اليومان بمثابة مرحلة تطهير شاملة لكل الجروح والندوب التي عاشها الزوجان طوال الأشهر الماضية. لم يغادر معاذ الغرفة لثانية واحدة؛ تحول إلى ظل نايا الحارس، يتنفس بأنفاسها، ويراقب حركة المحاليل في يدها بالثانية. كان ينام جالساً على الكرسي بجانب سريرها، ممسكاً بيدكها كأنه يخشى أن تفلت منه فيضيع في ظلمات الندم مجدداً. هذا الاهتمام المفرط والحنان الجارف جعل قلب نايا يلين تماماً، وتلاشت قسوتها المصطنعة لتحل محلها مشاعر العشق القديم الذي نما وزاد قوة وسط المحنة.في صباح اليوم الثالث، بدأت خيوط الشمس الدافئة تتسلل عبر نوافذ الغرفة الفسيحة، لتنير وجه نايا التي بدت في حالة صحية ونفسية أفضل بكثير بفضل الراحة والعلاج والدعم النفسي. فتحت عينيها ببطء لتجد معاذ يجلس بجانبها، ممسكاً بفرشاة شعرها، ويمشط خصلاته الحريرية برفق شديد وحذر لكي لا يزعجها، وكان يهمس بكلمات غزل خفيضة يعتذر فيها لنفسه ولها عما مضى.التفتت نايا إليه بابتسامة رقيقة وناعمة : "معاذ.. أنت منمتش خالص من يومين؟ وشك تعبان وأنا بقيت كويسة والوجع قل كتير بفضل ربنا.. قوم ن
Read more

18

مر اليومان التاليان في المستشفى كأنهما تراتيل من السلام والعشق الصافي. غمر معاذ نايا بحنان واهتمام لم تشهده امرأة من قبل؛ فكان يرتب لها وسائدها، ويحرص على دفئها، ويطعمها الفاكهة بيده وهو يهمس لها بأبيات الغزل العذبة التي كانت تعيد النضارة وجهها الشاحب ذابت كل بقايا العاصفة الماضية ، وأصبح رحم نايا في حالة استقرار مثالية تحت الرعاية الطبية الصارمة والدعم النفسي الهائل الذي يحيط بها من رجلها ووطنها . .وفي صباح اليوم الحاسم الذي يسبق عملية الولادة بـ 24 ساعة فقط، دخل "شاكر بيه" الغرفة ومعه محامي العيلة الخاص وسليم رئيس الحراسة كانت ملامح الأب بتشع بوقار وفخر شديدين وهو ينظر إلى معاذ الذي كان يجلس بجانب نايا ويمسك يدها بحب تنحنح شاكر بيه وتحدث بابتسامة حنونة: "صباح الخير يا ولاد.. منورين ومجمعين في الخير دايماً. معاذ يا ابني، أنا جيت النهاردة ومعايا المحامي عشان أعمل حاجة كان لازم تتعمل من زمان، حاجة تليق بالراجل اللي صان بنتي وحمى شقى عمري بروح ودمه." وقف معاذ باحترام وصافح حماه وتحدث بحترام: "صباح النور يا عمي.. خير في إيه؟ المحامي معاه ورق إيه؟" أشار شاكر بيه للمحامي بفتح الملف ال
Read more

19

خيم هدوء الليل الساحر على أركان المستشفى الخاص، وكانت هذه الليلة هي الليلة الأخيرة التي تفصل نايا ومعاذ عن تحقيق المعجزة الكبرى ودخول غرفة العمليات الحاسمة بعد صدمة الفرحة الكبرى بمعرفة أنهما ينتظران توأماً (ولد وبنت)، تبدلت الأجواء تماماً لتصبح مزيجاً مشحوناً بلهفة الانتظار، والفرحة الطاغية، وقليل من الخوف الطبيعي الذي يراود قلب أي أم تقترب من لحظة الولادة كان معاذ يعيش في تلك الساعات حالة من الاستنفار العاطفي؛ فلم تبتعد عيناه عن نايا لثانية واحدة، وكان يحاول بكل قوته ورجولته أن يبث في روحها الطمأنينة والسلام .في زاوية الطابق الفخم بالمستشفى، كانت الحراسة المشددة التي يقودها سليم تؤمن المكان بالكامل كحصن منيع . وبتوجيهات مباشرة من معاذ وبدعم كامل من شاكر بيه، تحول الجناح الطبي المكون من غرفتين ملحقتين بغرفة نايا الرئيسية إلى خلية نحل كان مصممو الديكور يرتبون غرف استقبال التوأم؛ فامتزجت الألوان برقة بالغة بالفصحى لتجمع بين اللون الأزرق السماوي المخصص للأمير المنتظر، واللون الوردي النبوئي المخصص للأميرة الصغير. ملأت البالونات الملونة الأسقف، ورُتبت الأسرة الخشبية البيضاء المطرزة با
Read more

20

أُغلقت أبواب غرفة العمليات الحديدية الثقيلة، لتضاء اللوحة الحمراء المرعبة في الممر المعقم في تلك الثواني، شعر معاذ وكأن جزءاً من جسده وروحه قد انتُزع ودخل خلف تلك الأبواب. وقف مكانه كالصنم، وعيناه الحمراوان الغائرتان معلقتان بالزجاج الداكن لم يكن هذا الخوف خوفاً عادياً، بل كان رعباً عاشقاً على فتاة تحدت المرض، وحاربت التليف، وحملت في أحشائها المجهدة نبضين وتوأماً لتهبه الحياة والأمان فقد كان الممر الطويل فسيحاً وبارداً، يقطعه فقط صوت خطوات معاذ القلقة وهو يروح ويجيء وعقله يرتجف ندمًا وشوقًا جلس شاكر بيه على أحد المقاعد، ممسكاً بمسبحته الخشبية، ودموعه الصامتة تنهمر على لحيته البيضاء وهو يدعو الله : "يا رب سلم بنتي نايا.. يا رب رجعها ليا بالسلامة وقومها هي وأولادها.. ماليش غيرها يا رب ."اقترب معاذ من حماه، وجلس على ركبتيه أمامه، وأمسك بيده المرتعشة وتحدث بصوت متهدج يملأه اليقين: "هتقوم بالسلامة يا عمي.. نايا قوية، وحبنا والرسالة اللي قرأتها قبل ما تدخل ثبتت قلبها ربنا مش هيضيع رجاءنا ولا تعب الشهور اللي فاتت دي أنا حاسس إن أولادنا بيحاربوا معاها جوة."مرت ساعة ونصف بدت وكأنها قرن كا
Read more
PREV
123
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status