Share

19

last update publish date: 2026-06-23 02:26:18

خيم هدوء الليل الساحر على أركان المستشفى الخاص، وكانت هذه الليلة هي الليلة الأخيرة التي تفصل نايا ومعاذ عن تحقيق المعجزة الكبرى ودخول غرفة العمليات الحاسمة بعد صدمة الفرحة الكبرى بمعرفة أنهما ينتظران توأماً (ولد وبنت)، تبدلت الأجواء تماماً لتصبح مزيجاً مشحوناً بلهفة الانتظار، والفرحة الطاغية، وقليل من الخوف الطبيعي الذي يراود قلب أي أم تقترب من لحظة الولادة

كان معاذ يعيش في تلك الساعات حالة من الاستنفار العاطفي؛ فلم تبتعد عيناه عن نايا لثانية واحدة، وكان يحاول بكل قوته ورجولته أن يبث في روحها الطمأنينة والسلام .

في زاوية الطابق الفخم بالمستشفى، كانت الحراسة المشددة التي يقودها سليم تؤمن المكان بالكامل كحصن منيع .

وبتوجيهات مباشرة من معاذ وبدعم كامل من شاكر بيه، تحول الجناح الطبي المكون من غرفتين ملحقتين بغرفة نايا الرئيسية إلى خلية نحل كان مصممو الديكور يرتبون غرف استقبال التوأم؛ فامتزجت الألوان برقة بالغة بالفصحى لتجمع بين اللون الأزرق السماوي المخصص للأمير المنتظر، واللون الوردي النبوئي المخصص للأميرة الصغير.

ملأت البالونات الملونة الأسقف، ورُتبت الأسرة الخشبية البيضاء المطرزة بالحرير الفاخر، وفاحت في ممرات الطابق رائحة زهور الياسمين والورود الطبيعية المبهجة التي أنعشت قلب نايا وجعلتها تبتسم بسعادة بالغة.

في منتصف الليل، استلقت نايا على سريرها الطبي، وكانت بطنها الكبيرة جداً تتحرك بركلات مزدوجة وعنيفة من التوأم البطلين

كان وجهها يميل إلى الشحوب الخفيف بفعل التوتر الطبيعي، وعيناها الخضراوان معلقتين بمعاذ الذي كان يجلس على مقعد جانبي أمام مكتب صغير في الغرفة، ممسكاً بقلم وورقة فخمة ويكتب بتركيز شديد وعلامات الحب والصدق ترتسم على وجهه الوسيم.التفتت نايا إليه، وقالت بصوت ناعم وخافت يملأه الدلال والتوتر: "معاذ.. حبيبي، أنت بتكتب إيه بقالك ساعة ومركز أوي كدة؟ سيب القلم وتعال قعم جمبي هنا، الوجع الخفيف والتوتر مخليني خايفة أوي من بكرة."

وضع معاذ القلم ببطء، واعتدل في وقفته بخطواته الواثقة والرزينة بالفصحى التي تعكس هيبته وحبه الجارف .

توجه نحو السرير وجلس بجانبها مباشرة، وأخذ كفيها الباردتين وقبلهما بحنان مفرط ثم وضعهما فوق صدره ليستمعا لنبضات قلبه المتسارعة : "أنا بكتب لك عهد عمري يا نايا.. بكتب كلام نفسي تفضلوا فاكرينه أنتِ وأولادنا طول العمر. متخافيش يا قلب معاذ.. بكرة ده هيبقى أحلى يوم في حياتنا، بكرة المعركة هتنتهي وهتبقي أحلى أم لتوأم في الدنيا أنا جمبك وروحي محاوطاكِ."

سحبت نايا يدها برفق، وأشارت إلى الورقة المطوية وقالت بابتسامة رقيقة : "طب قولي كاتب إيه في الرسالة دي؟ أنا فضولية أوي وعايزة أعرف دلوقتي حالا."

ابتسم معاذ وعيناه تشعان حباً، وأخرج الرسالة وقبلها، ثم وضعها في جيب فستانها الأبيض المنزلي وقال بخبث محبب: "لأ.. الرسالة دي مش هتقريها دلوقتي خالص يا ملكتي. الرسالة دي هتقريها بكرة الصبح وأنتِ داخلة غرفة العمليات عشان تفضل كلماتي جوة قلبك وتطمنك وتعرفي قيمتك عندي إيه.. اجهزي دلوقتي عشان تاخدي الحقنة الأخيرة وترتاحي تماماً."

أومأت نايا برأسها واستسلمت لطلبه، وقام معاذ بمساعدة الممرضة بإعطائها الحقنة الطبية الأخيرة المهدئة والمنشطة لجدار الرحم لتثبيته حتى الصباح

بعد خروج الممرضة، أطفأ معاذ الأنوار الرئيسية وترك إضاءة خافتة زرقاء تملأ الغرفة هدوءاً ورومانسية ساحرة .

جلس على حافة السرير وضم نايا إلى صدره العريض، وأسندت رأسها على كتفه وراحت تتنفس بأمان كامل افتقدته طوال شهور الفراق الماضية امتدت يد معاذ برفق لتمسح على بطنها الكبيرة المزدوجة، وتحدث بصوت دافئ ومنخفض كالموسيقى العذبة : "عارفة يا نايا.. أنا بكرة مش بس هستقبل ولادي، أنا هستقبل حياتي الجديدة معاكي. زمان لما عرضتي عليا الجواز لست شهور، كنت فاكرك بنت مغرورة وطماعة بس النهاردة أنا بكتشف إني كنت أعمى، وبكتشف إن ربنا رزقني بأعظم ملكة صمدت وحاربت المرض عشان تحمي بيتنا وعيلتنا أنا فخور بيكي فوق ما تتخيلي يا حبيبتي."

انهمرت دموع الفرح والصداقة الصافية من عيني نايا، وتشبثت بقميصه بقوة وقالت بصوت متهدج: "وأنا لولا وجودك يا معاذ ولولا رجولتك وشهامتك اللي حمتني في كل لحظة، مكنتش هكون واقفة على رجليا النهاردة أنت المعجزة اللي ربنا بعتها ليا عشان يشفيني ويشفي رحمي المريض.. أنا بعشقك يا أبو أولادي."

انحنى معاذ وقبل شفتيها قبلة طويلة ومفعمة بالشوق والوعد الأبدي بالوفاء والدعم، قبلة مسحت كل توتر داخلها وجعلت جسدها يسترخي تماماً في أحضانه الدافئة حتى غطت في نوم عميق وآمن

في الصباح الباكر، بدأت خيوط الشمس الذهبية تشرق وتعلن عن بدء اليوم المنتظر واليوم الأكبر في الرواية.

استيقظت نايا لتجد الغرفة مليئة بالحركة؛ الممرضات يجهزنها لارتداء ملابس العمليات المعقمة، ووالدها شاكر بيه يقف بجانب السرير وعيناه تدمعان بفرحة جارفة ويقبل رأسها وقال : "جاهزة يا قلب أبوكي؟ بكرة الحفيد والوريث والأميرة الصغيرة هينوروا دنيتنا ورفعتي راسي ربنا يقومك بالسلامة يا نور عيني."

ابتسمت نايا بثقة ورفعت رأسها بقوة وكبرياء استعادته تماماً بفضل حب معاذ .

تقدم معاذ بخطواته الثابتة، وكان يرتدي الزي الطبي المعقم لمرافقتها حتى باب غرفة العمليات.

انحنى وسحب الرسالة المطوية من جيب فستانها القديم وقدمها لها قائلاً بابتسامة تشع عشقاً : "دلوقتي جه وقت قراية الرسالة يا ملكتي.. اقريها وأنتِ داخلة عشان تفتكري دايماً إن معاذ بيموت فيكي."

فتحت نايا الورقة بطلب وشغف كبير، وبدأت تقرأ الكلمات المكتوبة بالفصحى الشاعرية الرائعة والخط العربي الأنيق:"إلى ملكتي الوحيدة وأم معجزاتي الباذخة، نايا.. أكتب لكِ هذه الكلمات وروحي معلقة بين أنفاسكِ. غداً ستدخلين غرفة العمليات لتهبين لي وللدنيا قطعتين من روحكِ النبيلة اعلمي يا حبيبتي أنكِ لستِ مجرد زوجة، بل أنتِ الوطن، والأمان، والدرع الذي أعيش لأجله. لستِ وحدكِ في الداخل، قلبي ينبض مع دقات قلبكِ، وروحي تحرسكِ وتحرس طفلينا البطلين اخرجي إليّ سالمة ورافعة رأسكِ، لتجدي معاذ ينتظركِ ساجداً ليعلن للعالم كله أنكِ الفائزة الوحيدة بقلبي وعمري.. أحبكِ للأبد يا أميري الجميلة."

انهمرت دموع الفرحة العارمة والثقة المطلقة من عيني نايا، وطوت الرسالة وضمتها إلى صدرها بقوة شديدة.

نظرت إلى معاذ بعيون تشع بالثبات والعشق وقالت بصوت قوي هز أركان المكان: "أنا جاهزة يا معاذ.. وجاهزة أدخل وأجيب أولادنا وأنا رافعة راسي ومطمنة، لأن عندي راجل ودرع زيك مستنيني برة يلا بينا."

تحركت النقالة الطبية ببطء نحو الممر الطويل ومعاذ يمسك يدها بقوة ويقبلها حتى وصلا إلى الباب الزجاجي الكبير لغرفة العمليات الحاسم ، لتغلق الأبواب وتضاء اللوحة الحمراء، معلنة بدء الحلقة العشرين الحاسمة والتاريخية التي ستشهد صرخة الحياة الأولى وولادة التوأم المعجزة

(الولد والبنت) ونزولهما للدنيا بسلام

نبضات الصخر

هاجر سلامة

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • نبضات الصخر   20

    أُغلقت أبواب غرفة العمليات الحديدية الثقيلة، لتضاء اللوحة الحمراء المرعبة في الممر المعقم في تلك الثواني، شعر معاذ وكأن جزءاً من جسده وروحه قد انتُزع ودخل خلف تلك الأبواب. وقف مكانه كالصنم، وعيناه الحمراوان الغائرتان معلقتان بالزجاج الداكن لم يكن هذا الخوف خوفاً عادياً، بل كان رعباً عاشقاً على فتاة تحدت المرض، وحاربت التليف، وحملت في أحشائها المجهدة نبضين وتوأماً لتهبه الحياة والأمان فقد كان الممر الطويل فسيحاً وبارداً، يقطعه فقط صوت خطوات معاذ القلقة وهو يروح ويجيء وعقله يرتجف ندمًا وشوقًا جلس شاكر بيه على أحد المقاعد، ممسكاً بمسبحته الخشبية، ودموعه الصامتة تنهمر على لحيته البيضاء وهو يدعو الله : "يا رب سلم بنتي نايا.. يا رب رجعها ليا بالسلامة وقومها هي وأولادها.. ماليش غيرها يا رب ."اقترب معاذ من حماه، وجلس على ركبتيه أمامه، وأمسك بيده المرتعشة وتحدث بصوت متهدج يملأه اليقين: "هتقوم بالسلامة يا عمي.. نايا قوية، وحبنا والرسالة اللي قرأتها قبل ما تدخل ثبتت قلبها ربنا مش هيضيع رجاءنا ولا تعب الشهور اللي فاتت دي أنا حاسس إن أولادنا بيحاربوا معاها جوة."مرت ساعة ونصف بدت وكأنها قرن كا

  • نبضات الصخر   19

    خيم هدوء الليل الساحر على أركان المستشفى الخاص، وكانت هذه الليلة هي الليلة الأخيرة التي تفصل نايا ومعاذ عن تحقيق المعجزة الكبرى ودخول غرفة العمليات الحاسمة بعد صدمة الفرحة الكبرى بمعرفة أنهما ينتظران توأماً (ولد وبنت)، تبدلت الأجواء تماماً لتصبح مزيجاً مشحوناً بلهفة الانتظار، والفرحة الطاغية، وقليل من الخوف الطبيعي الذي يراود قلب أي أم تقترب من لحظة الولادة كان معاذ يعيش في تلك الساعات حالة من الاستنفار العاطفي؛ فلم تبتعد عيناه عن نايا لثانية واحدة، وكان يحاول بكل قوته ورجولته أن يبث في روحها الطمأنينة والسلام .في زاوية الطابق الفخم بالمستشفى، كانت الحراسة المشددة التي يقودها سليم تؤمن المكان بالكامل كحصن منيع . وبتوجيهات مباشرة من معاذ وبدعم كامل من شاكر بيه، تحول الجناح الطبي المكون من غرفتين ملحقتين بغرفة نايا الرئيسية إلى خلية نحل كان مصممو الديكور يرتبون غرف استقبال التوأم؛ فامتزجت الألوان برقة بالغة بالفصحى لتجمع بين اللون الأزرق السماوي المخصص للأمير المنتظر، واللون الوردي النبوئي المخصص للأميرة الصغير. ملأت البالونات الملونة الأسقف، ورُتبت الأسرة الخشبية البيضاء المطرزة با

  • نبضات الصخر   18

    مر اليومان التاليان في المستشفى كأنهما تراتيل من السلام والعشق الصافي. غمر معاذ نايا بحنان واهتمام لم تشهده امرأة من قبل؛ فكان يرتب لها وسائدها، ويحرص على دفئها، ويطعمها الفاكهة بيده وهو يهمس لها بأبيات الغزل العذبة التي كانت تعيد النضارة وجهها الشاحب ذابت كل بقايا العاصفة الماضية ، وأصبح رحم نايا في حالة استقرار مثالية تحت الرعاية الطبية الصارمة والدعم النفسي الهائل الذي يحيط بها من رجلها ووطنها . .وفي صباح اليوم الحاسم الذي يسبق عملية الولادة بـ 24 ساعة فقط، دخل "شاكر بيه" الغرفة ومعه محامي العيلة الخاص وسليم رئيس الحراسة كانت ملامح الأب بتشع بوقار وفخر شديدين وهو ينظر إلى معاذ الذي كان يجلس بجانب نايا ويمسك يدها بحب تنحنح شاكر بيه وتحدث بابتسامة حنونة: "صباح الخير يا ولاد.. منورين ومجمعين في الخير دايماً. معاذ يا ابني، أنا جيت النهاردة ومعايا المحامي عشان أعمل حاجة كان لازم تتعمل من زمان، حاجة تليق بالراجل اللي صان بنتي وحمى شقى عمري بروح ودمه." وقف معاذ باحترام وصافح حماه وتحدث بحترام: "صباح النور يا عمي.. خير في إيه؟ المحامي معاه ورق إيه؟" أشار شاكر بيه للمحامي بفتح الملف ال

  • نبضات الصخر   17

    مر يومان كاملان داخل تلك الغرفة الهادئة بالمستشفى الخاص، وكان هذان اليومان بمثابة مرحلة تطهير شاملة لكل الجروح والندوب التي عاشها الزوجان طوال الأشهر الماضية. لم يغادر معاذ الغرفة لثانية واحدة؛ تحول إلى ظل نايا الحارس، يتنفس بأنفاسها، ويراقب حركة المحاليل في يدها بالثانية. كان ينام جالساً على الكرسي بجانب سريرها، ممسكاً بيدكها كأنه يخشى أن تفلت منه فيضيع في ظلمات الندم مجدداً. هذا الاهتمام المفرط والحنان الجارف جعل قلب نايا يلين تماماً، وتلاشت قسوتها المصطنعة لتحل محلها مشاعر العشق القديم الذي نما وزاد قوة وسط المحنة.في صباح اليوم الثالث، بدأت خيوط الشمس الدافئة تتسلل عبر نوافذ الغرفة الفسيحة، لتنير وجه نايا التي بدت في حالة صحية ونفسية أفضل بكثير بفضل الراحة والعلاج والدعم النفسي. فتحت عينيها ببطء لتجد معاذ يجلس بجانبها، ممسكاً بفرشاة شعرها، ويمشط خصلاته الحريرية برفق شديد وحذر لكي لا يزعجها، وكان يهمس بكلمات غزل خفيضة يعتذر فيها لنفسه ولها عما مضى.التفتت نايا إليه بابتسامة رقيقة وناعمة : "معاذ.. أنت منمتش خالص من يومين؟ وشك تعبان وأنا بقيت كويسة والوجع قل كتير بفضل ربنا.. قوم ن

  • نبضات الصخر   16

    اخترقت سيارة معاذ شوارع القاهرة بسرعة جنونية، وخلفها سيارات الحراسة التابعة لشاكر بيه، يفسحون الطريق أمام جسد نايا المنهك الذي كان يستلقي في المقعد الخلفي، ورأسها ممدد على فخذ معاذ. كانت أنفاس نايا متسارعة، وتطلق بين الحين والآخر أنات ألم حادة تمزق نياط قلب معاذ الذي كان يمسك يدها بقوة ويقبلها بدموع وعشق جارف : "استحملي يا حبيبتي.. خلاص وصلنا المستشفى. الدكتور مستنينا.. اتمسكي بيا يا نايا، متسيبنيش للضياع تاني." فتحت نايا عينيها ببطء، ونظرت إلى وجهه الباكي المليء بالخوف الصادق عليها وعلى طفلها. رغم الألم الشديد الذي كان يعتصر أحشاءها، ورغم الجرح القديم في كرامتها، إلا أن لمسة يده الدافئة وخوفه عليها في هذه اللحظة الحاسمة جعلها تشعر بنوع من السلام المفتقد. ضغطت على يده بوهن وقالت بصوت خافت: "معاذ.. ابني في خطر؟ أنا خايفة الرحم المريض بتاعي ما يستحملش الوجع ده." انحنى وقبل جبينها بحنان جارف وتحدث بصوت حاسم: "ابننا بطل وهيطلع للدنيا يا نايا، ورحمك قوي بوجودك وبحبنا.. أنا جمبك ومش هسيبك ثانية واحدة." وصل الموكب إلى المستشفى الخاص، وكان الفريق الطبي بقيادة طبيبها الخاص بانتظارهم

  • نبضات الصخر   15

    مر شهران كاملان على ذلك اليوم العاصف الذي انكسرت فيه الروابط وتشتتت فيه القلوب. تبدلت فصول السنة، ومعها تبدلت أحوال نايا التي دخلت الآن في شهرها التاسع والأخير من الحمل. اصبحت بطنها بارزة ومثقلة، تذكرها في كل لحظة بالمعجزة القابعة بين أحشائها. لم تعد غرف الجناح الملكي في قصر السيوفي كما كانت؛ فقد خيم عليها صمت مهيب، صمت يقطعه فقط أنين نايا الخافت جراء ثقل الحمل وآلام الرحم التي عادت لتطل برأسها مع اقتراب موعد الولادة الحاسم.كانت نايا تقف خلف الستار الزجاجي لشرفتها، تتأمل خيوط الفجر الأولى. لم تعد تلك الفتاة الضعيفة المكسورة، بل استعادت كبرياءها وصارت ملامحها لوحة من القوة الصامتة التي تخفي خلفها بحراً من الشوق والوجع. لم تغفر لمعاذ، ولم تنسَ طعنته، لكن قلبها كان يرفض نزع صورته من مخيلتها. تنفست بعمق وقالت وهي تمسح على بطنها المنتفخة: "خلاص يا حبيبي.. هانت. كام يوم وتطلع للدنيا، وهتكون أنت كل دنيتي.. مش محتاجين حد معانا، إحنا أقوى لوحدنا."وفي نفس اللحظة، وعلى بعد أمتار قليلة خارج أسوار القصر العالية، كان معاذ يقف مستنداً إلى سيارته البسيطة. لم يغادر محيط القصر طوال الشهرين الماضيي

  • نبضات الصخر   العاشر

    مر أسبوعان على الفضيحة المدوية التي عاشتها ميرفت داخل مكتب رئيس مجلس الإدارة. تحول القصر بعدها إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الصامتة؛ ميرفت انزوت في غرفتها لا تجرؤ على مواجهة نظرات شاكر بيه الحادة، ولا نظرات معاذ الواثقة التي كانت تذبحها في كل مرة تلتقي عيونهما في الرواق. كانت نايا تعيش في هذه الأي

  • نبضات الصخر   التاسع

    لم ينم معاذ ليلته تلك؛ كان يجلس في صالة الجناح المظلمة وعقله يعمل كآلة حسابية معقدة لا تخطئ. كان ينظر إلى باب غرفة النوم حيث تنام نايا بهدوء مستسلمة لحضن الأمان الذي منحه إياها. علم معاذ أن ميرفت لن تنتظر كثيراً، وأنها بالتأكيد ستقوم بعرض صور التحاليل والتقارير الطبية على "شاكر بيه" في أقرب فرصة ل

  • نبضات الصخر   التامن

    استمرت الأيام والأسابيع في المرور ومع كل يوم كان الحب بين نايا ومعاذ يزداد عمقاً وصلابة. أصبح معاذ هو النبض الذي يحيي قلب نايا، وكانت نايا هي الوطن الذي وجد فيه معاذ أمانه وضالته. الالتزام بالبرنامج الطبي كان دقيقاً للغاية؛ مواعيد الحقن، الأدوية، والراحة التامة كانت تحت إشراف معاذ الصارم، مما جع

  • نبضات الصخر   السابع.

    بدأت مرحلة جديدة تماماً في حياة نايا ومعاذ، مرحلة ذابت فيها أسوار الجليد وحل محلها دفء لم يختبره أي منهما من قبل. تحول الجناح الخاص بهما في قصر السيوفي من ساحة حرب باردة إلى ملاذ آمن يجمعهما بعيداً عن عيون ميرفت المتربصة. ومع بدء البرنامج العلاجي المكثف الذي أقره الطبيب، أخذ معاذ على عاتقه مسؤولي

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status