All Chapters of الأرملة السوداء: Chapter 91 - Chapter 100

108 Chapters

الفصل 89

مرّت ثمانٍ وأربعون ساعة على دخول الضابط "شاكر" إلى متجر الحيوانات الأليفة. يومان كاملان انقضيا، ولم يظهر له أي أثر. ​في مديرية الأمن، كان الجو مشحوناً بتوتر خانق يخيم على المكان بأكمله. لم يكن غياب شاكر ليوم واحد أمراً غريباً؛ فقد اعتاد الجميع على انغماسه في العمل، ومبيته أحياناً على مكتبه أو في سيارته حين تسيطر عليه قضية معقدة. لكن أن تنقطع اتصالاته تماماً، وتُغلق هواتفه ليومين متتاليين.. كان هذا مؤشراً مرعباً في لغة رجال الشرطة. ​وقف اللواء "مجدي"، رئيس وحدة المباحث، وسط مكتب التحريات، يضرب بعصاه الخشبية الصغيرة على راحة يده بعصبية بالغة. صرخ في الضباط المتجمعين أمامه: "هل يعقل أن يتبخر ضابط مباحث في الهواء؟! ألم يصلكم أي رد من عائلته؟" ​أجابه أحد الضباط بصوت متوتر: "يا فندم، تواصلنا مع زوجته وعائلته. لم يذهب إلى المنزل منذ ثلاثة أيام. بحثنا في المستشفيات وأقسام الحوادث، ولا يوجد أي بلاغ يطابق مواصفاته أو مواصفات سيارته." ​دخل "أدهم" إلى المكتب بخطوات ثقيلة، وملامحه تعكس إرهاقاً شديداً. ورغم انشغاله بترتيبات زفافه الذي لم يتبقَ عليه سوى أسبوع واحد، إلا أن غياب شريكه وصديقه
last updateLast Updated : 2026-08-01
Read more

الفصل 90

أشرقت شمس الصباح ببرود على المدينة، وبدت الحياة في الشارع الهادئ الذي يقع فيه متجر "رندة" طبيعية ومسالمة إلى حد يبعث على الملل. استيقظت رندة من نومها العميق والمريح، وكأنها لم ترتكب في الأمس جريمة قتل بحق ضابط شرطة، ولم تحوّل جثته إلى قطع مقرمشات صغيرة تُحفظ في علب بلاستيكية. ​ارتدت ملابسها البسيطة، وخرجت من باب متجرها متوجهة نحو الـ "سوبر ماركت" القريب لشراء بعض الأغراض اليومية وبعض المنظفات. كانت تمشي بخطوات واثقة، تستنشق هواء الصباح وتبتسم لجيرانها القلائل. ​لكن، وما إن تجاوزت متجرها بعدة أمتار، حتى تسمرت قدماها في مكانهما! ​على الجانب الآخر من الرصيف، وتحت ظل شجرة كبيرة، كانت تقبع سيارة سيدان رمادية اللون، تبدو مألوفة جداً. ضيقت رندة عينيها، وألقت نظرة فاحصة، ليتجمد الدم في عروقها للحظة. ​"يا إلهي! إنها سيارة شاكر!" ​صرخت رندة في سرها، وحافظت بصعوبة على ثبات ملامحها أمام المارة. لم تكن تعلم أنه جاء بسيارته الشخصية! لقد افترضت أنه أوقفها في شارع بعيد أو جاء بسيارة أجرة كي لا يلفت الانتباه أثناء قيامه بتحقيقه السري. وجود سيارة ضابط شرطة مفقود مركونة أمام متجرها مباشرة هو ب
last updateLast Updated : 2026-08-01
Read more

الفصل 91

مرت الأيام ثقيلة وكئيبة كأنها دهر. أُجل الزفاف لأجل غير مسمى، وتحولت بهجة التجهيزات إلى صمت جنائزي يخيم على شقة "نور". كان أدهم يعيش أسوأ أيامه؛ عيناه غائرتان، ذقنه نبتت بغير عناية، وهاتفه لا يفارق يده بانتظار أي خبر من المديرية عن شريكه المختفي. ​في إحدى الأمسيات الباردة، كان أدهم يجلس وحيداً في غرفة النوم، بينما كانت نور في المطبخ تعد له كوباً من الأعشاب المهدئة. نظر أدهم إلى زاوية الغرفة؛ هناك، كان فستان زفاف نور الأبيض معلقاً داخل غلافه الشفاف، يبدو كطيف حزين ينتظر معجزة لن تأتي قريباً. ​شعر أدهم بصداع نصفي عنيف يكاد يفتك برأسه من كثرة التفكير وقلة النوم. نهض بتثاقل، وتوجه نحو تسريحة نور (طاولة الزينة) ليبحث في أدراجها عن أي مسكن للألم. ​سحب الدرج الأول برفق. كانت هناك مستحضرات تجميل، زجاجات عطر، وعلبة مجوهرات خشبية صغيرة ومفتوحة. وبينما كان يقلب الأشياء بيده بحثاً عن شريط الدواء، وقعت عيناه على شيء غريب يقبع في زاوية العلبة. ​كان خاتماً أسود اللون، تصميمه معقد وغير مألوف، يتوسطه حجر ياقوت أحمر قاني يلمع كلون الدم الطازج. ​مد أدهم يده والتقط الخاتم. لقد رآه مسبقاً عدة مر
last updateLast Updated : 2026-08-01
Read more

الفصل 92

مرّت ثلاثة أسابيع ثقيلة على اختفاء الضابط "شاكر". عمليات البحث المكثفة، الاستجوابات في حي المشردين حيث وُجدت سيارته، ومئات التحريات.. كلها باءت بالفشل. اللصوص الذين سُرقوا السيارة أقسموا وهم يبكون تحت وطأة التحقيق أنهم وجدوها مفتوحة ومتروكة في الزقاق المظلم، ولم يروا أي ضابط شرطة. ​مع مرور الوقت، بدأ الأمل في العثور على شاكر حياً يتلاشى تدريجياً، وتحولت حالة الطوارئ إلى صمت حزين ومحبط خيّم على جدران مديرية الأمن. ​استدعى اللواء "مجدي" أدهم إلى مكتبه. كان اللواء يبدو أكبر بعشر سنوات، أشار بيده نحو صندوق كرتوني كبير موضوع على طرف المكتب، وقال بصوت متعب: "لقد طال الانتظار يا أدهم، والجرائم في هذه المدينة لا تتوقف لتنتظر أحداً. قضايا شاكر المفتوحة وملفاته المعلقة لا يمكن أن تظل حبيسة الأدراج. بصفتك شريكه الأقرب، ستتولى أنت مراجعة إرثه وإغلاق قضاياه أو استكمالها." ​حمل أدهم الصندوق الكرتوني الذي يحوي متعلقات شريكه وملفاته، وعاد إلى مكتبه بخطوات ثقيلة. وضع الصندوق أمامه، وجلس يحدق فيه بحزن. كان يشعر وكأنه ينبش في قبر صديقه. ​بدأ أدهم بإخراج الملفات واحداً تلو الآخر؛ قضايا سرقة عاد
last updateLast Updated : 2026-08-02
Read more

الفصل 93

لم يغادر أدهم مديرية الأمن تلك الليلة. بعد أن صُفع بـ "الملف الأزرق"، تحجّر الدمع في عينيه، وتحولت صدمته العاطفية إلى برود جليدي مرعب؛ برود المحقق الذي أدرك للتو أن رفيق دربه قد دُفع إلى حتفه. ​وقف أدهم وتوجه نحو مكتب "شاكر" مجدداً. كان عقله يخبره أن شاكر ربما يكون قد ترك دليلاً مادياً قبل أن يقوم بزيارته الأخيرة لعرين الأفعى. بدأ يفتش أدراج المكتب بتركيز شديد، درجاً تلو الآخر، حتى وصل إلى الدرج السفلي المغلق. فتحه بقوة، فوجد في قاعه كيساً ورقياً أنيقاً. ​أخرج الكيس وفتحه. كان بداخله شيء يثير السخرية والريبة في آن واحد؛ طوق وردي رقيق مخصص للكلاب بالغة الصغر، وعلبة كرتونية أنيقة. ​عقد أدهم حاجبيه وهو يرفع الطوق. شاكر يكره الحيوانات، ولا يملك كلباً، فما بالك بطوق وردي لكلب بحجم القطة؟! التقط العلبة الكرتونية وقرأ المكتوب عليها بخط بارز: "مقرمشات رندة الخاصة للكلاب والقطط". ​في تلك اللحظة، اكتملت الصورة في رأس أدهم. لقد زار شاكر متجر رندة سابقاً متخفياً في ثوب الزبون ليجري تحرياته المبدئية، واشترى هذه الأشياء كحجة واهية. وبما أن شاكر كتب في ملاحظاته الأخيرة أنه سيذهب لمواجهتها،
last updateLast Updated : 2026-08-02
Read more

الفصل 94

أوقف أدهم سيارته قبالة متجر "رندة للحيوانات الأليفة". كان قلبه ينبض ببطء مخيف، وعقله يعمل ببرود آلة حاسبة لا تعرف الرحمة. نظر إلى الواجهة الزجاجية المضيئة، حيث تتراقص طيور الكناري في أقفاصها، ولا يدرك المارة أن هذا المكان الجميل ليس سوى مسلخ تفوح منه رائحة الموت. ​ترجل من السيارة، ودفع الباب الزجاجي ليدخل. رن الجرس النحاسي في الأعلى، فخرجت رندة من الغرفة الخلفية تمسح يديها بمئزرها، وعلى وجهها ارتسمت تلك الابتسامة الملائكية المعتادة. ​"أدهم! يا لها من مفاجأة سارة! أين نور؟ هل..." ​لم تكمل رندة جملتها. لاحظت فوراً اختفاء ملامح العريس الودود، وحلول ملامح المحقق الجنائي الشرس الذي يوشك على الانقضاض. ​دون أن ينطق بكلمة، استدار أدهم نحو الباب الزجاجي، وأدار اللوحة المعلقة لتصبح "مغلق"، ثم سحب المفتاح من القفل، وأغلق الباب من الداخل، ووضع المفتاح في جيبه. ​تلاشت الابتسامة عن شفتي رندة ببطء، وتراجعت خطوة غير ملحوظة للوراء، لكنها حافظت على نبرتها الهادئة: "ما الأمر يا أدهم؟ هل هناك خطب ما؟ لقد أخفتني!" ​تقدم أدهم نحوها بخطوات بطيئة وثقيلة، وتوقف على بُعد متر واحد منها. نظر في عينيه
last updateLast Updated : 2026-08-02
Read more

الفصل 95

ساد صمت جنائزي داخل المتجر، لا يقطعه سوى صوت لهاث أدهم الذي بدأ يخفت تدريجياً، وحفيف أجنحة العصافير في الأقفاص. ​وقفت رندة تنظر إلى جسده الضخم الممدد على الأرض بانتصار بارد. عدلت مئزرها، ومسحت قطرة عرق عن جبينها، ثم استدارت ببطء متجهة نحو الغرفة الخلفية لتجهيز الأكياس البلاستيكية وأدوات القبو. لقد فعلتها مجدداً؛ تخلصت من الخطر، وحافظت على مملكتها. ​لكن.. قبل أن تخطو خطوتها الثالثة، توقفت فجأة. ​تناهى إلى سمعها صوت غريب ومكتوم قادم من خلفها. لم يكن حشرجة موت، ولا أنيناً من الألم.. بل كان صوتاً يشبه.. الضحك! ​استدارت رندة بسرعة وعيناها تتسعان بذهول. ​كان أدهم لا يزال على الأرض، لكنه لم يكن ينازع. كان يرتجف، نعم، لكن ليس من السم، بل من ضحكة خافتة بدأت تعلو تدريجياً حتى تحولت إلى قهقهة ساخرة ومجلجلة زلزلت أركان المتجر! ​تسمرت رندة في مكانها، وشعرت بشلل يسري في أوصالها وهي ترى المستحيل يتحقق أمام عينيها. ​توقف أدهم عن الضحك، وفتح عينيه اللتين كانتا تلمعان ببريق الافتراس والوعي الكامل. مسح فمه بظهر يده، ثم وضع كفيه على الأرض، ونهض ببطء.. وثبات.. وصلابة كجبل لا يتزحزح! ​تراجع
last updateLast Updated : 2026-08-02
Read more

الفصل 96

​عاد أدهم إلى الشقة بخطوات ثقيلة كأنما يجر جبالاً من الهموم. كان الليل قد انتصف، والهدوء يخيم على البناية، لكن داخل صدره كان هناك بركان يغلي بالدموع والغضب والحسرة. ​فتح باب الشقة بدفعة حادة. كانت "نور" تجلس في الصالة تنتظره والقلق ينهشها، ما إن سمعت صوت الباب حتى قفزت من مكانها وهرعت نحوه: "أدهم! أين كنت؟ لقد انشغل بالي عليك طوال..." ​توقفت الكلمات في حنجرتها، وتجمدت قدماها على السجادة. ​لم يكن هذا الرجل الذي يقف أمامها هو حبيبها الودود الذي يتطلع لليلة زفافهما. كان وجه أدهم مسوداً، وعيناه المحمرتان تقطران رعباً وقسوة لم ترَهما فيه من قبل. صوته الجهوري نزل كالصاعقة وهو يشير بيده نحو طاولة السفرة: "اجلسي!" ​ارتجفت نور من نبرته الآمرة والمخيفة، وجلست على الكرسي بأنامل مرتجفة وقلب يقرع كطبول الحرب. ​اقترب أدهم ببطء، ولم ينطق بكلمة. أدخل يده في جيب سترته، وأخرج الخاتم الأسود ذو الياقوتة الحمراء -خاتم نور الذي أخذه من درجها سابقاً- ووضعه بقوة على الطاولة أمام عينين نور المذعورتين. ​نظر إليها ببرود يمزقه الوجع، وسأل بصوت خافت ومسموم: "ما قصة هذا الخاتم يا نور؟" ​ابتلعت نور
last updateLast Updated : 2026-08-02
Read more

الفصل 97

أُغلق باب زنزانة التوقيف على "نور"، ومعه أُغلق باب الحياة في وجه "أدهم". ​عاد إلى شقته في تلك الليلة المشؤومة وحيداً. بمجرد أن وطأت قدماه عتبة الباب، ضربه الصمت الجنائزي الذي خيّم على المكان كصفعة وحشية. كل زاوية في الشقة كانت تنطق باسمها؛ رائحة عطرها العالق في الستائر، فنجان قهوتها المتروك على الطاولة، وفستان زفافها الأبيض المعلق في الزاوية ككفن لأحلامهما التي اغتيلت. ​في صباح اليوم التالي، اتصل أدهم بمديرية الأمن، وبصوت ميت، طلب إجازة مفتوحة لأجل غير مسمى. لم يناقشه اللواء مجدي، فقد كان يعلم أن المحقق الذي اكتشف أن عروسه قاتلة متسلسلة، يحتاج إلى معجزة ليعود إلى رشده. ​مرت الأيام، وتحولت الشقة إلى مقبرة لعقل أدهم. ​أغلق النوافذ وأسدل الستائر، رافضاً رؤية نور الشمس. نبتت ذقنه بغير عناية، وغاصت عيناه في هالات سوداء عميقة، وتحولت أرضية الصالة إلى ساحة فوضوية من الزجاجات الفارغة. كان يشرب حتى يغيب عن الوعي، أملاً في الهرب من طيفها، لكن الخمر كان وقوداً للكوابيس لا أكثر. ​كان يجلس على الأريكة لساعات، يبكي بنحيب يمزق حنجرته، ثم يهدأ فجأة، يحدق في الفراغ كالمجنون، ليعود للبكاء مجد
last updateLast Updated : 2026-08-02
Read more

الفصل 98

دفع أدهم باب مديرية الأمن ليدخل، لكنه لم يشعر بأجواء الانتصار التي تعقب عادةً الإيقاع بأخطر المجرمين. كان المكان يبدو وكأنه سرادق عزاء ضخم. الأروقة هادئة بشكل مرعب، والضباط يقفون في مجموعات صغيرة، يتهامسون بوجوه شاحبة وعيون تكسوها صدمة لا توصف. ​توجه أدهم بخطوات جرداء نحو مكتب رئيس المباحث. عندما دخل، وجد اللواء "مجدي" يجلس واضعاً رأسه بين كفيه، بينما كان الضابط "طارق"-أحد أصلب المحققين في القسم- يقف بجوار النافذة ويدخن سيجارة تلو الأخرى، ويداه ترتجفان بوضوح. ​"أدهم.. لم يكن ينبغي لك المجيء،" قال اللواء مجدي بصوت متعب وهو يرفع رأسه الذي بدا وكأنه شاخ عشرين عاماً في ليلة واحدة. ​سحب أدهم كرسياً وجلس بانهيار، وقال بصوت أجش: "أحتاج أن أعرف.. ماذا وجدتم في ذلك القبو؟ ما هو حجم الكارثة؟" ​التفت طارق من عند النافذة، ونظر إلى أدهم بعينين محمرتين ومليئتين بالاشمئزاز، وقال: "كارثة؟ الكلمة لا تفي بالغرض يا أدهم. إنهما شيطانتان! لا أصدق كمية الشر والظلام التي يمكن أن يحملها عقل بشري.. لقد قتلا العشرات! رجال مسجلون كمفقودين منذ أشهر، وأشخاص لا نعرف حتى هوياتهم بعد!" ​سأل أدهم بقلب مقبوض
last updateLast Updated : 2026-08-02
Read more
PREV
1
...
67891011
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status