All Chapters of عواصف مراهقة: Chapter 71 - Chapter 80

80 Chapters

صرخة في الظلام.. وخطوة نحو الفجر

جلست سمارة في غرفتها، والكتاب الذي أهدتها إياه الأستاذة ريم مستقرًّا بين يديها. منذ عادت به إلى البيت، ظل الفضول يجرّها إليه كلما وقعت عيناها عليه. لم تكن تعرف لماذا اختارت ريم هذا الكتاب بالذات، ولا ما الذي أرادت منها أن تراه بين صفحاته. قالت لها ريم يومها، وهي تناوله إياه: — اقرئيه، ثم أخبريني ماذا ترك فيك. لم تفهم سمارة يومها ما الذي تقصده. أما الآن، فقد وضعت إصبعها على حافة الصفحة الأولى، وقلبتها ببطء. بدأت القراءة. في تلك الليلة... اشتدّ السواد وسجى الظلام... سكنت الحركات وساد الصمت لبرهة... رصاصة اخترقت جدار الصمت... من بين الدخان والضباب، امرأة تركض وتركض وتركض... قنابل ورصاص ودم... اختبأت بين الحطام والأنقاض... إنها حامل... وقد أتاها المخاض... وحيدة... تؤمن أن من بين يدي الموت ستولد حياة. في تلك الليلة... قاسم وُلد في ليلة ظلماء غاب فيها ضوء القمر، فكان هو القمر والنجوم... حياة وُلدت من رحم الموت... فجرًا للحرية... لم تمتلئ رئتا قاسم بالهواء كأي طفل رضيع، بل امتلأتا بدخان القنابل، فصرخ أول صرخة معلنًا بداية النهاية... صرخة طفل بين الأنقاض... عانقها الموت وعانقت
last updateLast Updated : 2026-09-14
Read more

لقاء تحت سماء غزة

بعد ستة أشهر، استقرت رماح في غزة، ووجدت نفسها مقيمة مع عائلة فلسطينية في بيت يقع وسط الأنقاض. وعلى الرغم من ذلك، لم تحس يوماً بطعم الحياة كما أحسته في هذا المكان وسط الركام والموت؛ كأنها ولدت لتعيش هناك. شعرت بطمأنينة روحية عجيبة، وكأنها خلقت لتعيش على تراب هذه الأرض الطاهرة المروية بدماء الشهداء، أين يعبق الجو برائحة الحرية في عمق الأسر بين يدي الاستدمار والدمار. كان الصباح هادئاً، ولكن الهدوء هناك كان مخيفاً ينبئ بالخطر. خرجت رماح ككل يوم تحمل عتادها والكاميرا التي أصبحت جزءاً منها، سلاحها الذي تنشر به الحقيقة التي يريد العدو دفنها بأي ثمن؛ يقتلون الأطفال والنساء ويستهدفون المثقفين والعلماء، ويرمون بالرصاص شباباً سلاحهم الصخر والحجر، بينما القنابل تتساقط على رؤوسهم تساقط المطر. هناك للموت صوت ورائحة، والموت صديق ورفيق يرحبون به بالأحضان، فمعه نهاية الطريق وبداية المقاومة. ائتلفت الحياة في غزة بسرعة قياسية ودخلت رماح في روتينها، فإن تجاهلت حقيقة وجودهم وسط الحرب، فالحياة هناك جميلة حقا، قريبة إلى الله، ومطمئنة بشكل رهيب دون خوف من شيء. ووجدت رماح نفسها وسط تلك الطمأنينة، حيث أطفال
last updateLast Updated : 2026-09-14
Read more

حكاية توقظ اخرى

شيئاً فشيئاً استطاعت رماح التقرب من أطفال قاسم. كانت فكرة عجيبة أن يكون شاب في العشرينات متكفلاً بعدد هائل من الصغار، لكن لم يعد هناك شيء عجيب في غمار الحرب. سنحت لها الفرصة للتحدث معهم، فوجدتهم يكنون لقاسم الكثير من الاحترام والوفاء والولاء. كانوا يتجنبون البوح بأي معلومة تخصه، وكل ما يشاركونها إياه هو معلومات عامة عن الأوضاع هناك والأخبار التي في متناول الجميع؛ كانوا أذكياء ويختارون كلماتهم بحذر كأنهم شخصيات سياسية فذة وليسوا أطفالاً في عمر الزهور. يوماً بعد يوم، سمح قاسم لرماح بالاقتراب أكثر من الأولاد، وأعطاها الضوء الأخضر لالتقاط بعض الصور لهم وهم يدرسون أو يلعبون، لكن كان ممنوعاً منعاً باتاً تصوير تدريباتهم؛ فتلك هي الخطوط الحمراء والحدود التي لا يجب تجاوزها لئلا يكونوا موضع استهداف. أحبتهم رماح وأحبُّوها، احتضنتهم واحتضنوها، وشاركتهم تجاربها وشاركوها تجاربهم، حتى نشأت بينهم رابطة وصلة وثيقة. تعلمت رماح الكثير منهم، ورجت أن يكونوا قد تعلموا ولو القليل منها، فقد صقلتهم الحياة في غزة وهم بين سن السادسة والخامسة عشرة أكثر مما صقلتها هي وقد قاربت السادسة والعشرين... نعم، لقد مر تقر
last updateLast Updated : 2026-09-14
Read more

اطياف من عاصفة اخرى

بقيت عيناها معلقتين بالغلاف لحظات، ثم أدارت وجهها إلى النافذة. كان الليل قد استقر في الغرفة، ولم يكن يُسمع سوى أصوات البيت الخافتة. حاولت أن تنام. لكن النوم لم يأتِ. تقلبت في فراشها مرة، ثم أخرى، وسحبت الغطاء إلى كتفيها قبل أن تدفعه بعيدًا. كلما أغمضت عينيها، عادت إليها الجملة ذاتها: «ابقي آمنة من فضلك... لا تتأذي.» فتحت عينيها. مدّت يدها إلى الكتاب، ثم توقفت قبل أن تلمسه. لم تكن تريد أن تعرف ما سيحدث لرماح وقاسم بقدر ما كانت تريد أن تعرف لماذا بدا كل شيء في حكايتهما مألوفًا على نحو أربكها. تناولت الكتاب من جديد، وفتحت الصفحة التي توقفت عندها. --- ما لم تكن تعلمه رماح هو ثقل وجودها على قلب قاسم غزاوي؛ رجلٌ كل ما يعرفه هو الحرب والجهاد وزرع بذور القضية في نفوس جيل المستقبل، رجلٌ كل غايته وطموحه الاستشهاد في سبيل الله. لكنها أتت من بعيد لتتسلل إلى زوايا روحه وتشعِل في أركان قلبه شعلة غير شعلة الكفاح والمقاومة؛ مشاعر زعزعت كيانه وهزت جوارحه. لم يخف يوماً من الموت، ولكن الآن أصبحت فكرة أن تموت هي ترعبه. كانت في البداية مصدر إزعاج، ثم مصدر فضول؛ فتاة غادرت بلدها وعائلتها
last updateLast Updated : 2026-09-15
Read more

تختلف الحكايات و تتشابه المشاعر

خلال أسبوع واحد فقط، تزوج قاسم وأنفاس (رماح) وأقام لها عرساً صغيراً. أنكرت رماح فكرة الاحتفال في البداية، إلا أنه قال إن العرس ضروري وإن الحرب ليست مانعاً للفرح؛ ففي فلسطين الحرب لا تنتهي، فهل يعني هذا أن يعيشوا في حداد مستمر؟ فرح بها أهل المنطقة وحضر الأطفال زفافها وشاركوها فرحتها، ليس كرماح الجزائري الصحافية، ولكن كأنفاس طه غزاوي. استمرت الحياة وطوى الزمن صفحة القصف الذي أودى بحياة رفقاء رماح، ومات معهم اسمها، لتعيش أنفاس مع قاسمها وتشاركه حياته وأيامه. لم تتوقع أبداً أن تعيش تلك السعادة الغامرة؛ كان يعاملها كالملكة على عرش روحه، حتى كادت تجزم أنه يهيم بها عشقاً ويحبها أكثر مما تحبه. لم يبح لها بمشاعره لساناً، لكن حبه كان يترجم إلى أفعال حيث لا حاجة للكلام؛ فنظراته الدافئة كانت تكفي لتحس أنها تملك جزءاً كبيراً من قلبه. لم تكن تطمع أن تملك كل فؤاده، فقد كانت تعلم أن فلسطين هي المعشوقة التي لا تستطيع منافستها، وإن كان الخيار بينها وبين القضية، فحتماً سيختار أرض الزيتون وأرض المسجد الأقصى دون تردد ودون أن يرف له جفن. مر عام آخر سريعاً،وبهذا قضت رماح —أو أنفاس حالياً— تقريباً ثلاث سنوا
last updateLast Updated : 2026-09-15
Read more

العودة

أغلقت سمارة الكتاب. ضغطت بإصبعَيها على عينيها لحظات، ثم وضعته تحت وسادتها واستلقت بصمت. كانت الكلمات الأخيرة لا تزال عالقة في ذهنها، وصورة رماح وهي تعود إلى الجزائر، تحمل في أحشائها طفل قاسم، أثقلت قلبها بشيء لم تستطع أن تسميه. وضعت الكتاب جانبًا. قالت في نفسها إنها ستعود إليه لاحقًا. لكن «لاحقًا» لم تكن في اليوم التالي، ولا بعد يومين. مرّ أسبوع كامل قبل أن تفتحه من جديد. طوال ذلك الأسبوع، ظل شيء من الحكاية يرافقها في صمت؛ مقاطع تتسلل إلى ذاكرتها دون استئذان، ووجوه لم ترها إلا بين صفحات كتاب، لكنها تركت فيها أثرًا يصعب تجاهله. وحين عادت إليه، كانت مستعدة لمواصلة الحكاية. عادت رماح إلى الجزائر... بعد أن كانت قد غادرتها مسبقاً بإصرار وإرادة صلبة، رغبةً منها في إحداث الفارق وترك بصمة لا تمحى. لكنها اليوم تتساءل في سرها: هل كان ذلك قراراً صائباً حقاً أم أنه كان مجرد عناد أحمق؟ لقد تحدت والدها، وأبكت والدتها، وهربت من مشاعر "مطر" التي كانت تزن على قلبها كعبء ثقيل، لتعود أخيراً وهي تحمل في أعماقها ألم لا ينتهي. ما الذي حققته؟ وما الذي جنته؟ وجدت رماح نفسها تغرق في دوامة من ا
last updateLast Updated : 2026-09-16
Read more

حين يصبح الحب معضلة

ثم مرت بها لحظة إدراك... مهلًا... هل قال أبي «رماح الصغيرة»؟! اسمها رماح؟ حقًا؟ لا، لا بد أنك فقدت صوابك يا مطر! أين أمل؟ أريد أن أراها! علت وجه مطر ملامح الألم، ورسمت شفتاه ابتسامة مريرة منكسرة. — تمهلي يا رماح... اتركي لي مجالًا لأستوعب وجودك معنا، وسأشرح لك كل شيء رويدًا رويدًا، وسأنصت إلى تفاصيل غيابك أيضًا. أريد أن أعرف كل شيء، التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة. كانت رماح الصغيرة تبدو في نحو عامها الأول. مدّها مطر نحو رماح كي تحملها، فترددت ثم رفضت. خافت. خافت كثيرًا أن تحمل بين ذراعيها براءة الطفولة ونعومتها، بينما يداها ملطختان بالدماء، حتى وإن كانت دماء العدو. كانت تلك واحدة من الهواجس التي تضرب جدران كيانها كلما هدأت الضوضاء من حولها. هو لا يعلم. لا أحد يعلم. لكن يكفي أن تعلم هي أنها خطيرة. جلسا على مقعد في الحديقة، ووضع مطر طفلته في حجره، وأخذ يلاعبها، بينما راحت الصغيرة تمسك بذقنه وتضحك. كانت لحظة لم تظن رماح أنها ستعيشها يومًا، وهي تحاول النجاة من براثن الحرب؛ النجاة من الأرض التي احتوتها وعلّمتها معنى الحب والموت. وعفويًا، دون أن تشعر، وجدت نفسها
last updateLast Updated : 2026-09-23
Read more

الجامعة

مرت الأيام التالية بهدوء.لم تفتح الكتاب.ومع انشغالها بالمرحلة القادمة، بدأت الأسئلة التي أثارتها حكايته تبتعد شيئًا فشيئًا، لا لأنها وجدت لها إجابات، بل لأن شيئًا آخر كان يطرق باب حياتها بإلحاح أكبر.الجامعة.كانت الكلمة وحدها كافية لتوقظ في داخلها شعورًا يصعب عليها تسميته.منذ أن عرفت أنها ستغادر الثانوية، راحت تتخيل اليوم الذي ستدخل فيه الحرم الجامعي للمرة الأولى. أحيانًا كانت تتساءل عن شكل المكان، وعن القاعات، والأساتذة، والطلبة الذين ستلتقيهم، وعن الحياة التي تنتظرها هناك.لكنها كلما حاولت أن ترسمها في خيالها، بقيت الصورة ناقصة.وفي مساء اليوم الذي سبق انطلاقها، كانت تقف أمام حقيبتها المفتوحة، تحاول أن تقرر للمرة الأخيرة ما الذي ستأخذه معها.وضعت دفاترها، ثم أخرجت بعضها.أضافت كتابًا، ثم ترددت وأعادته إلى مكانه.كانت تستعد لبداية لا تعرف عنها إلا القليل.وحين طرق والدها الباب ودخل، كان يحمل علبة صغيرة.وضعها أمامها على السرير.— هذه لك.رفعت سمارة عينيها إليه.— لي؟— افتحيها.فتحت العلبة، فتوقفت حين رأت الهاتف.— هاتف؟أومأ والدها.— نعم.حملته بين يديها، ثم نظرت إليه باستفهام.
last updateLast Updated : 2026-10-05
Read more

الغرفة الثانية و الاربعون

كانت الشمس تجرّ ذيولها الأخيرة، مسلّمة السماء لغسق هادئ، حين غادرت سمارة مبنى المعهد متجهة إلى الإقامة الجامعية. أثقلتها ساعات المحاضرات والتنقل بين القاعات، وكانت حقيبتها تتأرجح على كتفها مع كل خطوة، بينما راحت تفكر في الغرفة التي ستقضي فيها ليلتها.وصلت إلى الطابق الثاني، وسارت في الممر حتى نهايته، ثم انعطفت يمينًا. توقفت أمام الباب الذي يحمل الرقم 42، وأخرجت المفتاح الذي تسلمته عند التسجيل.أدارت المفتاح، ودفعت الباب.استقبلتها ثلاثة أسرّة حديدية، وثلاث خزائن خشبية، وطاولة صغيرة تحت النافذة. أما الغبار، فقد استقر فوق الأسطح وفي الزوايا، وامتدت خيوط العنكبوت عند أطراف السقف، شاهدة على أن الغرفة لم تعرف يدًا تنظفها منذ مدة.تقدمت سمارة إلى الداخل، ووضعت حقيبتها فوق أحد الأسرّة، ثم ألقت نظرة شاملة على المكان.لم تكن تحمل معها الكثير؛ فقد علمتها سنوات الإقامة منذ المرحلة المتوسطة أن تميز بين ما تحتاج إليه فعلًا وما يمكنها الاستغناء عنه. لم تعد من الفتيات اللواتي يملأن الحقائب بأشياء لا يستعملن نصفها، ولا اللواتي يضطربن أمام مكان جديد لا يعرفن كيف يرتبنه. كانت تعرف كيف تدبر أمورها، وكيف
last updateLast Updated : 2026-10-29
Read more

قاعة المحاضرات

كانت القاعة الكبرى في معهد علم النفس تضج بأصوات الطلبة. حقائب تستقر فوق المقاعد، وصفحات تُقلَّب على عجل، وأحاديث متداخلة عن المواد والأساتذة. في الصفوف الخلفية، ارتفعت ضحكة أعقبتها همسة مكتومة، بينما ظل بعض الطلبة يتلفتون نحو المنصة، مترقبين ظهور أستاذهم الأول.اختارت سمارة مقعدًا يتوسط القاعة، ووضعت حقيبتها إلى جوارها. أخرجت دفترها وقلمها، ومررت أصابعها على حافة الغلاف قبل أن تفتحه.كانت آثار الليلة الماضية لا تزال حاضرة في ذهنها؛ ضجيج الممرات الذي حرمها النوم، والأصوات التي لم تهدأ إلا بعد وقت طويل، والوجوه الجديدة التي لم تعرف بعد كيف تتعامل معها. ومع ذلك، خفّ عنها شيء من الضيق حين استقرت في مقعدها. هنا، لم تكن مضطرة إلى التكيف مع حياة اختارها الآخرون لها. لقد وصلت إلى المكان الذي أرادته بنفسها، وإلى التخصص الذي طالما رغبت في دراسته.لم يكن علم النفس بالنسبة إليها مجرد شهادة تسعى إلى نيلها. لطالما شغلتها تناقضات الإنسان، والفجوة التي قد تفصل بين ما يشعر به وما يفعله، وبين ما يقوله لنفسه وما يعجز عن الاعتراف به. وكانت تجربتها قد علمتها أن الإنسان قد يسيء فهم نفسه، حتى حين يظن أنه يع
last updateLast Updated : 2026-10-29
Read more
PREV
1
...
345678
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status