عواصف مراهقة

عواصف مراهقة

last updateLast Updated : 2026-07-26
By:  إحداهنUpdated just now
Language: Arab
goodnovel4goodnovel
10
1 rating. 1 review
11Chapters
7views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

دخلت سمارة المدرسة الداخلية وهي تؤمن أن التفوق الدراسي هو أكبر تحدٍ في حياتها. لكنها لم تكن تعلم أن السنوات القادمة ستضعها أمام اختبارات لا تُقاس بالعلامات، بل بالخذلان، والصداقة، والحب الأول، والقرارات التي قد تغيّر مصير الإنسان. بين قاعات الدراسة والمبيت، تبدأ رحلة تكشف كيف يمكن لخطأ واحد أن يترك أثرًا يمتد لسنوات. "عواصف مراهقة" رواية نفسية اجتماعية عن النضج، والاختيارات، والثمن الذي ندفعه عندما نتعلم معنى الحياة.

View More

Chapter 1

نحو المدرسة الداخلية

⠀⠀سمارة…

كانت تشبه الصباحات الهادئة؛ بسيطة الملامح، عذبة الحضور، كأنها خُلقت من سكينة الفجر الأولى.

عيناها السوداوان الداكنتان كانتا تخفيان في عمقهما لمعةَ ذكاءٍ تسبق سنَّها بسنوات.

ترعرعت بين جدران يفيض دفؤها بالمحبة والالتزام، وكبرت وهي تحتضن دفاترها كما يحتضن العازف آلته الموسيقية النادرة؛ بعناية، وشغف، وخوفٍ جميل من أن تخونه النغمات يومًا.

في أروقة المدرسة، كانت الملاذ الآمن لزميلاتها قبل كل اختبار. يلتففن حولها كالفراشات حول الضوء، يستمددن من هدوئها طمأنينة، ومن ذكائها عونًا، ومن ابتسامتها ثقةً خفية بأن الأمور ستمر بخير.

وحين اجتازت شهادة التعليم الابتدائي بتفوّق، لم تكن الزغاريد التي ملأت بيتهم مجرد احتفال بنجاح عابر، بل إعلانًا عن ولادة أملٍ جديد للعائلة.

غير أن ذلك الأمل حمل في طياته قرارًا صعبًا؛ قرارًا قصَّ أجنحة الاستقرار في حضن أمها، ليمنحها أجنحة التحليق نحو أفق أوسع…

نحو المدرسة الداخلية

كانت المدرسة الداخلية أكثر من مجرد مؤسسة تعليمية؛ كانت عالمًا كاملًا يجمع أبناء القرى والمناطق النائية تحت سقف واحد. ففي تلك السنوات، لم تكن أغلب الأرياف تضم متوسطات قريبة، مما كان يضطر التلاميذ إلى مغادرة بيوتهم في سن مبكرة. كانت الفتيات يُوجَّهن إلى النظام الداخلي، فيعشن داخل المؤسسة طوال الأسبوع، ولا يَعُدن إلى بيوتهن إلا في العطل، بينما يدرس الذكور بنظام النصف داخلي، ويغادرون المتوسطة مع حلول المساء.

لم تخض سمارة هذه الرحلة وحدها؛ فقد كانت صديقة طفولتها ورفيقة ابتدائيتها، منى، تلازمها كظلها. حزمتا أمتعتهما؛ ثيابًا قليلة، ودفاتر مرتبة، وأحلامًا كبيرة، وغادرتا القرية معًا نحو المتوسطة.

وبعد إجراءات التسجيل والتوجيه، جاء صباح اليوم الدراسي الأول؛ اليوم الذي ستبدأ فيه رحلتهما الحقيقية داخل ذلك العالم الجديد.

دق جرس الحصة الأولى، فتدفقت أفواج التلاميذ عبر الممرات الواسعة، يحمل كل واحد منهم ورقة التوجيه ويبحث عن قسمه.

كانت سمارة تمشي بخطوات مترددة، تقلب نظرها بين أرقام الأقسام، قبل أن يعلو صوت مألوف خلفها:

— سمارة... انتظريني!

التفتت، فإذا بمنى تلوح لها بورقة التوجيه وهي تبتسم.

أسرعت نحوها، وما إن قارنتا اسم القسم حتى تنفستا الصعداء في الوقت نفسه.

— الحمد لله... نحن في القسم نفسه.

ابتسمت سمارة بارتياح. شعرت بأن رهبة المكان قد خفّت قليلًا،

دخلتا القسم معًا، واختارتا طاولة قرب النافذة، ثم جلستا تتأملان المكان بصمت.

لم يكن يشبه قسمهما في الابتدائية.

كان أوسع، وجدرانه أعلى، وسبورته أكبر، والمقاعد مصطفة في صفوف طويلة، بينما تتصدر القاعة منصة خشبية يقف عليها الأستاذ، حتى النوافذ بدت مرتفعة، فلا تكشف من الساحة إلا جزءًا يسيرًا.

جلست سمارة في مقعدها الجديد، وأخذت تتأمل الوجوه المحيطة بها. كان معظمها غريبًا عنها، تحمل الملامح نفسها التي تعكس شعورها؛ خليطًا من الفضول والخوف والترقب.

اعتادت في الابتدائية أن ترى المعلم نفسه كل صباح، يعرف أسماء تلاميذه جميعًا ويقضي معهم اليوم بأكمله. أما هنا فلكل مادة أستاذًا مختلفًا، كان نظامًا جديدًا يختلف تمامًا عما ألفوه.

فُتح الباب، فعمّ الهدوء.

دخلت أستاذة اللغة العربية بخطوات هادئة، تحمل مجموعة من الكتب وملفًا أزرق.

ألقت التحية، فردّها التلاميذ بصوت واحد.

ابتسمت وهي تجول بنظرها بين الوجوه الجديدة.

— صباح الخير جميعًا... وأهلًا بكم في أول سنة من المرحلة المتوسطة.

فتحت ملفها، وأخرجت ورقة.

— قبل أن نبدأ الدروس، هذه قائمة الأدوات التي ستحتاجون إليها خلال السنة. سجّلوها حتى تحضروها في أقرب وقت.

أخذ التلاميذ يكتبون، بينما كانت تشرح لهم الفرق بين الكراس المخصص للدروس، وذلك المخصص للتمارين، وكيفية تنظيم الدفاتر.

ثم أغلقت الملف، وأمسكت قطعة طباشير، واستدارت نحو السبورة، وكتبت بخط واضح كلمة واحدة:

«الوطن»

لا يهمني أن يكون طويلًا، ولا أن تستعملوا كلمات معقدة، بل أريد أن أقرأ أفكاركم أنتم، لا ما حفظتموه.

انحنت الرؤوس فوق الدفاتر، ولم يعد يُسمع في القسم سوى خشخشة الأوراق وحركة الأقلام.

كانت سمارة تكتب بهدوء، تتوقف أحيانًا لثوانٍ ثم تتابع بثقة، بينما كان بعض زملائها ما يزالون يبحثون عن أول جملة يبدؤون بها.

وما إن انتهت المدة، حتى أخذت الأستاذة تجمع الدفاتر، ثم وقعت عيناها على دفتر سمارة.

تصفحت الصفحة الأولى، وسرعان ما تباطأت حركة يديها. قرأت بضعة أسطر بصمت، ثم رفعت رأسها.

— من كتبت هذا الموضوع؟

تبادلت الأنظار داخل القسم، قبل أن ترفع سمارة يدها بتردد.

ابتسمت الأستاذة.

— ما اسمك؟

— سمارة.

أومأت برأسها.

— سمارة... هل تسمحين لي أن أقرأ على زملائك فقرة من موضوعك؟

احمرّ وجهها قليلًا.

— نعم، أستاذة.

بدأت الأستاذة تقرأ بصوت واضح:

«الوطن ليس مجرد أرض نسير فوقها، بل هو المكان الذي يحتفظ بخطواتنا، حتى إذا غادرناه ظل يسكن قلوبنا أكثر مما نسكنه.»

أغلقت الأستاذة الدفتر برفق، ثم قالت:

— ما أعجبني هنا أن صاحبة الموضوع عبّرت بأسلوبها، ولم تلجأ إلى العبارات المحفوظة.

ثم التفتت إلى سمارة.

— هل تحبين القراءة؟

— نعم... أحب قراءة القصص.

ابتسمت الأستاذة.

— هذا واضح. القراءة تصنع قلمًا جميلًا، ولديك بداية موهبة حقيقية. حافظي عليها، ولا تهمليها.

خفضت سمارة عينيها بخجل، ثم وضعت دفترها أمامها من جديد. كان شعور غريب يرافقها؛ مزيج من الحرج والفرح، كأن كلمات الأستاذة فتحت نافذة صغيرة على شيء لم تنتبه إليه من قبل.

لم تكن سمارة معتادة على أن تكون محطّ الأنظار. كانت تفضل دائمًا أن تبقى هادئة، تراقب أكثر مما تتحدث، وتحتفظ بأفكارها لنفسها. لكن كلمات الأستاذة بقيت عالقة في ذهنها طوال الحصة.

لم يكن الأمر مجرد إعجاب بموضوع كتبته، بل كان إحساسًا جديدًا بأن شيئًا بداخلها قد يراه الآخرون جميلًا أيضًا.

مالت منى نحوها وهمست مبتسمة:

— يبدو أنك لفتِّ انتباه أول أستاذة من أول حصة.

ابتسمت سمارة بخجل.

— إنها مجرد فقرة أعجبتها.

ضحكت منى.

— بالنسبة لك مجرد فقرة، أما بالنسبة للأستاذة فقد اكتشفت موهبة في أول يوم.

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters

reviews

Chaima LABIOD
Chaima LABIOD
قصة تعكس تجربة واقعية و تلامس تفاصيل من الحياة من الطفولة. إلى المراهقة ثم الشباب ...
2026-07-27 18:36:11
0
0
11 Chapters
نحو المدرسة الداخلية
⠀⠀سمارة… كانت تشبه الصباحات الهادئة؛ بسيطة الملامح، عذبة الحضور، كأنها خُلقت من سكينة الفجر الأولى. عيناها السوداوان الداكنتان كانتا تخفيان في عمقهما لمعةَ ذكاءٍ تسبق سنَّها بسنوات. ترعرعت بين جدران يفيض دفؤها بالمحبة والالتزام، وكبرت وهي تحتضن دفاترها كما يحتضن العازف آلته الموسيقية النادرة؛ بعناية، وشغف، وخوفٍ جميل من أن تخونه النغمات يومًا. في أروقة المدرسة، كانت الملاذ الآمن لزميلاتها قبل كل اختبار. يلتففن حولها كالفراشات حول الضوء، يستمددن من هدوئها طمأنينة، ومن ذكائها عونًا، ومن ابتسامتها ثقةً خفية بأن الأمور ستمر بخير. وحين اجتازت شهادة التعليم الابتدائي بتفوّق، لم تكن الزغاريد التي ملأت بيتهم مجرد احتفال بنجاح عابر، بل إعلانًا عن ولادة أملٍ جديد للعائلة. غير أن ذلك الأمل حمل في طياته قرارًا صعبًا؛ قرارًا قصَّ أجنحة الاستقرار في حضن أمها، ليمنحها أجنحة التحليق نحو أفق أوسع… نحو المدرسة الداخلية كانت المدرسة الداخلية أكثر من مجرد مؤسسة تعليمية؛ كانت عالمًا كاملًا يجمع أبناء
last updateLast Updated : 2026-07-24
Read more
البيت الثاني
انقضت الحصة الأولى، وتوالت بعدها الحصص، يتنقل التلاميذ بين أساتذة جدد ويكتشفون شيئًا فشيئًا تفاصيل الحياة في المرحلة المتوسطة. ومع كل جرس، كانت سمارة تشعر بأنها تبتعد خطوة عن عالم الابتدائية الذي ألفته، وتقترب من عالم جديد ما يزال يحمل كثيرًا من الغموض.وما إن دوّى جرس نهاية الدوام، حتى امتلأت الممرات بحركة التلاميذ المتجهين إلى البوابة في لهفة للعودة إلى بيوتهم.وقفت سمارة تراقب المشهد بصمت. كانت ترى زميلاتها يغادرن واحدة تلو الأخرى، بينما بقيت هي، ومنى، وبقية التلميذات المقيمات، واقفات في وسط الساحة يحملن حقائبهن.للمرة الأولى، لن تنتهي المدرسة بالعودة إلى البيت.تسلل إليها شعور بالغربة، لكنها تماسكت، والتفتت إلى منى التي كانت تتأمل المشهد مثلها.بعد دقائق، تقدمت المشرفة وقالت:— كل التلميذات المقيمات في الداخلية، اتبعنني.تحركت الفتيات خلفها في صف غير منتظم، يخالطه الهمس وفضول البدايات، حتى وصلن إلى المدرج.كان المدرج خالٍ بعد انصراف التلاميذ، جلست الفتيات متقاربات، يتبادلن الهمسات الخافتة، بينما خيّم على المكان صمت يختلط بالترقب.وما هي إلا لحظات حتى فُتح الباب، ودخلت امرأة في أو
last updateLast Updated : 2026-07-24
Read more
بين الحنين و الاعتياد
في الصباح الباكر، فتحت سمارة عينيها على وقع التصفيق الحاد، لتجد المشرفة تقف في وسط القاعة وهي تقول بصوت حازم:— هيا يا بنات... استيقظن بسرعة. رتّبن الأسرة، وأغلقن الخزائن، ولا تدعنني أكرر الكلام. بعد دقائق ستتوجهن إلى المطعم لتناول الفطور، ولا أريد أن أرى سريرًا واحدًا غير مرتب.دبّت الحركة في المرقد دفعة واحدة، وقفزت الفتيات من أسرّتهن على عجل، وشرعن يرتبن أسرّتهن بالطريقة التي تعلمنها في اليوم السابق، بينما كانت المشرفة تمر بينهن تراقب كل تفصيل بعين لا يفوتها شيء.ألقت سمارة نظرة إلى منى، فابتسمتا في صمت، ثم عادتا إلى ترتيب سريرهما قبل أن تغلقا الخزانة وتتجها مع بقية الفتيات نحو المطعم.سارت الفتيات في صفوف هادئة حتى وصلن إلى المطعم. كان واسعًا، تتراص فيه الطاولات الطويلة والمقاعد المعدنية، بينما تعبق أرجاؤه برائحة الخبز الساخن والحليب.وقفت كل واحدة تحمل صينيتها، ثم تقدمت لتأخذ فطورها قبل أن تبحث عن مكان تجلس فيه. جلست سمارة إلى جانب منى، وأخذت تتأمل الوجوه من حولها. كانت بعض الفتيات يتحدثن بحماس وكأنهن يعرفن المكان منذ سنوات، بينما بدت أخريات صامتات، يكتفين بالنظر إلى أطباقهن بين
last updateLast Updated : 2026-07-24
Read more
يمين كاذبة
مضت الأيام، وعادت الحياة إلى روتينها المعتاد، حتى خُيِّل لسمارة أنها عرفت كل ما يمكن أن يميّز هذا المكان. لكنها لم تكن تدرك أن الداخلية، كما تجمع الضحكات والذكريات الجميلة، تخفي أيضًا مواقف تكشف وجوهًا أخرى للحياة، وتضع ساكنيها أمام اختبارات لا علاقة لها بالكتب والدفاتر.في إحدى الأمسيات، وقبل موعد المراجعة، علت فجأة أصوات متوترة داخل المرقد.— نقودي ليست هنا!التفتت الفتيات نحو صاحبة الصوت، وكانت تقلب خزانتها بعصبية، ثم تفتش حقيبتها وملابسها مرة بعد أخرى، وهي تؤكد أن المال كان في مكانه في البداية ظنت بعض التلميذات أنها أضاعته، لكن مع مرور الدقائق بدأت الهمسات تنتشر بين الأسرة.— لا يمكن أن يختفي وحده... — لا بد أن أحدًا أخذه.ساد صمت ثقيل لم تعهده الفتيات من قبل.جلست سمارة تراقب المشهد، تنتقل بعينيها بين الوجوه، بينما بدت منى شاردة على غير عادتها، كأن شيئًا يثقل صدرها.وفي صباح اليوم التالي، دخلت المشرفة إلى المرقد بوجه جاد.— لن يغادر أحد قبل أن نعرف الحقيقة.فتشت الخزائن، وسألت الفتيات واحدة تلو الأخرى، لكن أحدًا لم يعترف بشيء.ومع ازدياد التوتر، طلبت من الجميع أن يقسمن على براءت
last updateLast Updated : 2026-07-24
Read more
طعم النجاح
وما هي إلا أيام قليلة، حتى أعلن الأساتذة اقتراب أول الاختبارات الفصلية، فتبدلت ملامح المؤسسة بأكملها. اختفت الأحاديث الطويلة في المرقد، وأصبحت الدفاتر مفتوحة في كل زاوية، وتحولت ساعات المراجعة إلى لحظات يسودها الصمت، لا يقطعه إلا تقليب الصفحات أو همسات سريعة بين تلميذتين تتأكدان من إجابة.اجتازت سمارة الاختبارات بهدوء وثقة. لم تكن تفكر في العلامات أو في ترتيبها بين زملائها، ولم يشغلها يومًا أن تكون الأولى بقدر ما كان يشغلها أن تكتب الإجابة التي تؤمن أنها صحيحة، وأن تؤدي ما عليها بأفضل ما تستطيع.وحين سلّمت آخر ورقة امتحان، شعرت، مثل بقية التلميذات، وكأن حملًا ثقيلًا انزاح عن كتفيها. وما إن أقبل المساء، حتى عاد المرقد إلى ضجيجه الذي غاب عنه أيامًا؛ ارتفعت الضحكات، وتشابكت الأحاديث، وكأن الفتيات أردن أن يعوضن في ليلة واحدة كل الصمت الذي فرضته عليهن أيام المراجعة.حتى اضطرت المشرفة إلى الدخول أكثر من مرة مطالبة الجميع بالهدوء…وكانت ترتدي يومها معطفًا أسود طويلًا تركته مفتوحًا، فكانت أطرافه تتحرك خلفها كلما دخلت أو خرجت بخطوات سريعة.وما إن أغلقت الباب خلفها هذه المرة، حتى عمّ الصمت لثوا
last updateLast Updated : 2026-07-24
Read more
بداية التحول
وحين أُسدل الستار على عامها الأول، كانت قد كسبت ثقة أساتذتها، وازدادت صداقتها بمنى وشيراز رسوخًا، وأصبحت الداخلية بيتًا ثانيًا بعد أن كانت تخيفها في أيامها الأولى.ومع انقضاء العطلة الصيفية، عادت إلى المؤسسة لتبدأ عامها الثاني... دون أن تدري أن السنوات القادمة لن تشبه السنة التي مضت.وكان أول ما استقبلها عند مدخل الإدارة القوائم الجديدة المعلَّقة على الجدار.تقدمت تبحث عن اسمها، وما إن وجدته حتى اتسعت عيناها قليلًا.— شيراز معنا!اقتربت منى من القائمة، وألقت نظرة سريعة، ثم ابتسمت ابتسامة ممزوجة بالدهشة.— يبدو أنها أعادت السنة.لكن دهشتهما لم تتوقف عند ذلك. فكلما انتقلت أعينهما بين الأسماء، تعرفتا إلى وجه من الابتدائية، ثم آخر، ثم ثالث... حتى بدا لهما أن معظم الأسماء مألوفة.قطبت منى حاجبيها وقالت باستغراب:— أليس أغلبهم من أبناء القرى؟في تلك اللحظة، مرّ عدد من التلاميذ يتبادلون الحديث بصوت خافت.— يبدو أنهم جمعونا كلنا في قسم واحد.— نعم... وأبناء المدينة وزعوهم على الأقسام الأخرى.— كأنهم يريدون أن يقولوا إن مكاننا مع بعضنا فقط.تبادلت سمارة ومنى نظرة صامتة، ولم تجدا ما تقولانه. كا
last updateLast Updated : 2026-07-24
Read more
روح الجماعة
بعد حصة التربية البدنية، انصرف حديث المباراة سريعًا، وحلّ مكانه حديث آخر كان يشغل القسم كله.لم يبقَ على الاختبارات سوى أيام قليلة، ومع أن الضحكات والهمسات لم تغادر القسم، فإن القلق بدأ يتسلل إلى كثير من التلاميذ كلما ذُكرت المواد الأساسية.وفي إحدى فترات الاستراحة، تجمع عدد منهم في مؤخرة القسم يتبادلون الحديث.قال أحدهم وهو يقلب كراسه بضجر:— الرياضيات ستقضي علينا.ضحكت شيراز وقالت:— ومن قال إننا سنتركها تفعل؟وفي تلك اللحظة، تقدّم تلميذ طويل القامة، ذو بنية رياضية، وبشرة قمحية، وعينين بنيتين هادئتين. كان اسمه رؤوف.ابتسم ابتسامة هادئة وقال:— ولماذا لا نساعد بعضنا؟التفتت إليه الأنظار.وأضاف وهو يشير إلى زملائه:— كل واحد منا يتميز في مادة. من يتقن الرياضيات يساعد غيره، ومن يحفظ التاريخ يساعد البقية... المهم ألا يخرج أحد منا من الامتحان وحده.ساد صمت قصير، قبل أن تبتسم شيراز قائلة:— أعجبتني الفكرة.وقال أحد التلاميذ:— المهم ألا يسبقنا قسم أبناء المدينة.أومأ رؤوف برأسه وقال بثقة:— لن يسبقونا.لم يكن ذلك مجرد تحدٍّ دراسي. فمنذ أن بدأ أبناء المدينة يطلقون عليهم لقب "قسم الفلاحين"،
last updateLast Updated : 2026-07-25
Read more
ماقبل العاصفة
انقضى العام الدراسي على الوتيرة نفسها. تعاقبت الدروس والاختبارات، وتوالت الأسابيع سريعًا، وكبرت صداقات، وأصبحت الحياة في الداخلية جزءًا من يوميات لم تعد تثير دهشة أحد. صار لكل شيء إيقاعه المألوف؛ أجراس الحصص، وساعات المراجعة، وضحكات المساء في المرقد، ورحلات نهاية الأسبوع إلى البيت ثم العودة من جديد مع صباح الأحد.وحين دوّى جرس آخر يوم دراسي، لم تشعر سمارة بأن عامًا دراسيًا آخر قد انتهى فحسب، بل أحست أنها ودّعت مرحلة كاملة من حياتها. كانت قد خرجت من عامها الثاني أكثر نضجًا، وأكثر جرأة، وأقل انطواءً مما كانت عليه يوم دخلت تلك المؤسسة لأول مرة. أما الطفلة الخجولة التي كانت تتردد قبل أن تنطق بكلمة أمام زميلاتها، فقد بدأت تفسح مكانها لفتاة واثقة تعرف نفسها أكثر، دون أن تفقد هدوءها أو بساطتها.ومع بداية السنة الثالثة، أصبحت سمارة أكثر حضورًا وثقة بنفسها. نضجت ملامحها، وازدادت ابتسامتها إشراقًا، حتى بدأت تلفت أنظار بعض التلاميذ. صارت بعض النظرات تتبعها في الساحة والممرات، ووصلتها أكثر من مرة محاولات خجولة للتقرب منها، سواء بكلمة عابرة أو برسالة تحملها إحدى الزميلات.كانت تمرّ ذات صباح في الم
last updateLast Updated : 2026-07-25
Read more
حضور هادئ
لم يمرّ العام الرابع على سمارة كما مرّت الأعوام السابقة.كانت قد أصبحت أكثر حضورًا وثقة بنفسها، ولم يعد ذلك الخجل الطفولي الذي لازمها في بداياتها واضحًا كما كان. اعتادت أن تلاحظ النظرات التي تتبعها أحيانًا، وأن تتعامل مع محاولات التقرب منها بالهدوء نفسه الذي اعتادته.لم تكن ترى في تلك الأمور ما يستحق أن يشغلها. فقد رسمت حدودها بوضوح، واعتادت أن تحافظ على المسافة التي تجعلها مرتاحة، مقتنعة بأن لا أحد يستطيع أن يغير قناعاتها بسهولة.لكنها لم تكن تعلم أن بعض التفاصيل الصغيرة قد تترك أثرًا أكبر مما نتوقع.كان صباح الأحد هادئًا على غير العادة. امتلأت الطرقات المؤدية إلى المؤسسة بالتلاميذ العائدين من عطلة نهاية الأسبوع، بخطوات بطيئة ووجوه لم تتخلص بعد من راحة البيت.كانت سمارة تمشي وسط صديقاتها كعادتها، تحمل حقيبتها على كتف واحد، وتشاركهن الحديث والضحك دون أن تلقي بالًا لما يدور حولها.وفي أثناء سيرها، وقع بصرها مصادفة على شاب يقف قرب مدخل الثانوية المجاورة. بدا وكأنه ينتظر أحدًا. لم تهتم في البداية، وأكملت طريقها بصورة طبيعية.لكنها، قبل أن تدخل بوابة المؤسسة، رفعت رأسها مرة أخرى دون قصد،
last updateLast Updated : 2026-07-25
Read more
الرصيف الفارغ
أما عاطف، فقد وصله الرد دون أن يحاول الجدال أو الإلحاح.كان واضحًا له أن سمارة لا تريد الحديث معه، ولا تريد أن تفتح بابًا لأي علاقة بينهما.ظل صامتًا لحظات، وهو يحاول استيعاب الأمر.لأسابيع طويلة، كان يظن أن تلك النظرات العابرة بينهما تعني شيئًا. كان يراها أحيانًا تلتقي بعينيه للحظات قبل أن تصرف نظرها سريعًا، وكان ذلك يكفي ليمنحه أملًا صغيرًا.لم يكن يملك دليلًا سوى تلك اللحظات القصيرة، لكنه كان يعتقد أنها بداية لشيء يمكن أن ينمو مع الوقت.لذلك لم يتوقع أن يكون ردها حاسمًا إلى هذا الحد.ابتسم ابتسامة خفيفة، فيها شيء من الخيبة.يبدو أن سمارة كانت أكثر عنادًا مما تخيل.لم تكن من النوع الذي يغير رأيه بسهولة، ولا من النوع الذي يسمح لأحد بالاقتراب منها لمجرد أنه حاول.ومع ذلك، لم يشعر بالرغبة في الاستسلام.كان يعرف أنه لا يستطيع إجبارها على شيء لا تريده، لكنه كان يؤمن أن فرصة واحدة قد تغير نظرتها إليه.ولهذا قرر ألا يضغط عليها... فقط ألا يختفي.فربما يأتي يوم تمنحه فيه تلك الفرصة التي كان ينتظرها.وبعد أيام قليلة، عاد إلى مكانه المعتاد عند الرصيف المقابل للمتوسطة.أما سمارة، فظنت أن الأمر
last updateLast Updated : 2026-07-25
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status