LOGINدخلت سمارة المدرسة الداخلية وهي تؤمن أن التفوق الدراسي هو أكبر تحدٍ في حياتها. لكنها لم تكن تعلم أن السنوات القادمة ستضعها أمام اختبارات لا تُقاس بالعلامات، بل بالخذلان، والصداقة، والحب الأول، والقرارات التي قد تغيّر مصير الإنسان. بين قاعات الدراسة والمبيت، تبدأ رحلة تكشف كيف يمكن لخطأ واحد أن يترك أثرًا يمتد لسنوات. "عواصف مراهقة" رواية نفسية اجتماعية عن النضج، والاختيارات، والثمن الذي ندفعه عندما نتعلم معنى الحياة.
View Moreكانت القاعة الكبرى في معهد علم النفس تضج بأصوات الطلبة. حقائب تستقر فوق المقاعد، وصفحات تُقلَّب على عجل، وأحاديث متداخلة عن المواد والأساتذة. في الصفوف الخلفية، ارتفعت ضحكة أعقبتها همسة مكتومة، بينما ظل بعض الطلبة يتلفتون نحو المنصة، مترقبين ظهور أستاذهم الأول.اختارت سمارة مقعدًا يتوسط القاعة، ووضعت حقيبتها إلى جوارها. أخرجت دفترها وقلمها، ومررت أصابعها على حافة الغلاف قبل أن تفتحه.كانت آثار الليلة الماضية لا تزال حاضرة في ذهنها؛ ضجيج الممرات الذي حرمها النوم، والأصوات التي لم تهدأ إلا بعد وقت طويل، والوجوه الجديدة التي لم تعرف بعد كيف تتعامل معها. ومع ذلك، خفّ عنها شيء من الضيق حين استقرت في مقعدها. هنا، لم تكن مضطرة إلى التكيف مع حياة اختارها الآخرون لها. لقد وصلت إلى المكان الذي أرادته بنفسها، وإلى التخصص الذي طالما رغبت في دراسته.لم يكن علم النفس بالنسبة إليها مجرد شهادة تسعى إلى نيلها. لطالما شغلتها تناقضات الإنسان، والفجوة التي قد تفصل بين ما يشعر به وما يفعله، وبين ما يقوله لنفسه وما يعجز عن الاعتراف به. وكانت تجربتها قد علمتها أن الإنسان قد يسيء فهم نفسه، حتى حين يظن أنه يع
كانت الشمس تجرّ ذيولها الأخيرة، مسلّمة السماء لغسق هادئ، حين غادرت سمارة مبنى المعهد متجهة إلى الإقامة الجامعية. أثقلتها ساعات المحاضرات والتنقل بين القاعات، وكانت حقيبتها تتأرجح على كتفها مع كل خطوة، بينما راحت تفكر في الغرفة التي ستقضي فيها ليلتها.وصلت إلى الطابق الثاني، وسارت في الممر حتى نهايته، ثم انعطفت يمينًا. توقفت أمام الباب الذي يحمل الرقم 42، وأخرجت المفتاح الذي تسلمته عند التسجيل.أدارت المفتاح، ودفعت الباب.استقبلتها ثلاثة أسرّة حديدية، وثلاث خزائن خشبية، وطاولة صغيرة تحت النافذة. أما الغبار، فقد استقر فوق الأسطح وفي الزوايا، وامتدت خيوط العنكبوت عند أطراف السقف، شاهدة على أن الغرفة لم تعرف يدًا تنظفها منذ مدة.تقدمت سمارة إلى الداخل، ووضعت حقيبتها فوق أحد الأسرّة، ثم ألقت نظرة شاملة على المكان.لم تكن تحمل معها الكثير؛ فقد علمتها سنوات الإقامة منذ المرحلة المتوسطة أن تميز بين ما تحتاج إليه فعلًا وما يمكنها الاستغناء عنه. لم تعد من الفتيات اللواتي يملأن الحقائب بأشياء لا يستعملن نصفها، ولا اللواتي يضطربن أمام مكان جديد لا يعرفن كيف يرتبنه. كانت تعرف كيف تدبر أمورها، وكيف
مرت الأيام التالية بهدوء.لم تفتح الكتاب.ومع انشغالها بالمرحلة القادمة، بدأت الأسئلة التي أثارتها حكايته تبتعد شيئًا فشيئًا، لا لأنها وجدت لها إجابات، بل لأن شيئًا آخر كان يطرق باب حياتها بإلحاح أكبر.الجامعة.كانت الكلمة وحدها كافية لتوقظ في داخلها شعورًا يصعب عليها تسميته.منذ أن عرفت أنها ستغادر الثانوية، راحت تتخيل اليوم الذي ستدخل فيه الحرم الجامعي للمرة الأولى. أحيانًا كانت تتساءل عن شكل المكان، وعن القاعات، والأساتذة، والطلبة الذين ستلتقيهم، وعن الحياة التي تنتظرها هناك.لكنها كلما حاولت أن ترسمها في خيالها، بقيت الصورة ناقصة.وفي مساء اليوم الذي سبق انطلاقها، كانت تقف أمام حقيبتها المفتوحة، تحاول أن تقرر للمرة الأخيرة ما الذي ستأخذه معها.وضعت دفاترها، ثم أخرجت بعضها.أضافت كتابًا، ثم ترددت وأعادته إلى مكانه.كانت تستعد لبداية لا تعرف عنها إلا القليل.وحين طرق والدها الباب ودخل، كان يحمل علبة صغيرة.وضعها أمامها على السرير.— هذه لك.رفعت سمارة عينيها إليه.— لي؟— افتحيها.فتحت العلبة، فتوقفت حين رأت الهاتف.— هاتف؟أومأ والدها.— نعم.حملته بين يديها، ثم نظرت إليه باستفهام.
ثم مرت بها لحظة إدراك... مهلًا... هل قال أبي «رماح الصغيرة»؟! اسمها رماح؟ حقًا؟ لا، لا بد أنك فقدت صوابك يا مطر! أين أمل؟ أريد أن أراها! علت وجه مطر ملامح الألم، ورسمت شفتاه ابتسامة مريرة منكسرة. — تمهلي يا رماح... اتركي لي مجالًا لأستوعب وجودك معنا، وسأشرح لك كل شيء رويدًا رويدًا، وسأنصت إلى تفاصيل غيابك أيضًا. أريد أن أعرف كل شيء، التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة. كانت رماح الصغيرة تبدو في نحو عامها الأول. مدّها مطر نحو رماح كي تحملها، فترددت ثم رفضت. خافت. خافت كثيرًا أن تحمل بين ذراعيها براءة الطفولة ونعومتها، بينما يداها ملطختان بالدماء، حتى وإن كانت دماء العدو. كانت تلك واحدة من الهواجس التي تضرب جدران كيانها كلما هدأت الضوضاء من حولها. هو لا يعلم. لا أحد يعلم. لكن يكفي أن تعلم هي أنها خطيرة. جلسا على مقعد في الحديقة، ووضع مطر طفلته في حجره، وأخذ يلاعبها، بينما راحت الصغيرة تمسك بذقنه وتضحك. كانت لحظة لم تظن رماح أنها ستعيشها يومًا، وهي تحاول النجاة من براثن الحرب؛ النجاة من الأرض التي احتوتها وعلّمتها معنى الحب والموت. وعفويًا، دون أن تشعر، وجدت نفسها
reviewsMore