مشاركة

بين فكي الخطر

مؤلف: Doja
last update تاريخ النشر: 2026-08-31 08:17:06

انحبست الأنفاس وتسمرت الأقدام في القبو السفلي للقصر، حيث تسللت برودة الحجارة القديمة إلى أجسادهما لتزيد من قسوة اللحظة. كانت جود تشعر بإنهاك رقيق ينساب في أوصالها نتيجة التوتر المتواصل، لكن حرارة كف آسر التي تطوق يدها بثبات كانت الترياق الوحيد الذي يمنحها الشجاعة ويطرد الخوف من مخيلتها. كان المكان مظلماً إلا من خيوط ضوء ضئيلة تسللت عبر الشقوق الحجرية، وتفوح منه رائحة التراب الندي والرطوبة العتيقة التي تحكي أمجاد عائلة اندثرت أسرارها تحت طيات الزمان.

​ارتسمت على وجه آسر ملامح الجدية المطلقة والمراقبة الحذرة، وهو ينظر بعينين ثاقبتين نحو السلم الخشبي المتآكل الذي يؤدي إلى البهو العلوي للقصر. كانت أضواء الكشافات القوية تخترق الفجوات، وصوت الأقدام الثقيلة للملاحقين يزداد قرباً مع كل ثانية، رافقه صرير حديدي وحركات مريبة تشي بأن العصابة بدأت تطوق المدخل الرئيسي بالكامل. التفت آسر نحو جود، ودنا منها حتى لم تترك الظلال بينهما أي مسافة تذكر، ثم وضع إبهامه الدافئ على شفتيها بنعومة ليمنعها من الصدور بأي صوت أو همس قد يكشف موقعهما للمتربصين في الأعلى.

​تلاقت عيناهما في عتمة المكان القاسية. في تلك اللحظة الحرجة والمشحونة بالخوف، لم يكن الخطر الداهم هو الشاغل الوحيد في ذهنهما، بل كانت تلك الشرارة غير المرئية التي تزداد اشتعالاً وتجذبهما إلى بعضهما البعض بقوة لا تقاوم. كانت عيناه السوداوان تفيضان بحنان جارف يمتزج برغبة عارمة في حمايتها والتضحية من أجلها، وكأن العالم الخارجي بكل تهديداته ورصاصه قد تلاشى فجأة، ولم يعد يوجد في هذا الكون المترامية أطرافه سوى هذا المحراب الصغير الذي يجمعهما في قلب الظلمة.

​همس آسر في أذنها بصوت خفيض ينساب كالمخمل، وحرارة أنفاسه تداعب وجنتها:

"مهما حدث في الأعلى يا جود، ومهما سمعتِ من أصوات اشتباك، لا تتحركي من هذا المخبأ أبداً. سر براءة عائلتي واللوحة المفقودة مهم جداً بالنسبة لي، لكن سلامتكِ وحياتكِ أصبحت اليوم هي كل ما أملك في هذه الدنيا، ولن أسمح لأحد بأن يمسّكِ بسوء ما حييت."

​شعرت جود بقشعريرة ناعمة تلامس أطراف روحها، وتسري في دماءها كتيار كهربائي دافئ. لم تكن تعرف هذا الرجل العازف سوى منذ ساعات قليلة، لكن هذا الشعور الفطري بالأمان المطلق في حضرته كان أكبر وأقوى من أي منطق أو حسابات عقلانية. أومأت برأسها هادئة، وأمسكت بطرف معطفه الأسود برقة، وكأنها تتوسل إليه بأصابعها المرتجفة ألا يبتعد عنها كثيراً أو يتركها وحيدة في مواجهة هذه الظلمات.

​ابتسم آسر ابتسامة ساحرة أضاءت عتمة عينيه ومنحتهما بريقاً دافئاً، ثم انحنى ببطء وطبع قبلة خفيفة ومفعمة بالحنان على جبهتها، قبل أن ينسحب بثبات ونحو الدرج الخشبي، مسدسه بين يديه، مستعداً لمواجهة أشباح الماضي والعصابة التي تحاول طمس الحقيقة.

​في هذه الأثناء، بدأت جود تتأمل الجدران الحجرية المحيطة بها، لتلاحظ أن القبو ليس مجرد مخزن قديم، بل هو غرفة سرية صُممت بعناية لتخبئة المقتنيات الثمينة. في الزاوية المظلمة، كان يقف حامل خشبي ضخم مغطى بقماش مخملي مهترئ. اقتربت منه بخطوات خفيفة، ورفعت الغطاء بحذر، لتتساقط الأتربة كالغبار الذهبي تحت شعاع الضوء الضعيف.

​انكشفت أمامها اللوحة الزيتية الأصلية التي كانت تبحث عنها؛ لوحة لامرأة حسناء تعزف على الكمان في شرفة قصر يشبه هذا القصر تماماً، وفي عينيها نفس النظرة الساحرة التي رأتها في صورة والدة آسر. لكن إطار اللوحة الخشبي كان يحتوي على نقش دقيق لم يكن مجرد زخرفة فنية، بل كان يتضمن شفرات وحروفاً متداخلة تحتاج إلى مهارة فائقة لفك رموزها ومسح طبقات الشمع المتراكمة عليها دون إتلافها.

​سمعت جود صوت انكسار الباب العلوي للقصر، ووقع خطوات متسارعة ترافقت مع صيحات غاضبة. أدركت أن الوقت ينفد بسرعة، وأن آسر يخوض في الأعلى معركة غير متكافئة لإعطائها الفرصة الكافية. فتحت حقيبتها الصغيرة وأخرجت عدستها المكبرة ومحاليل الترميم الدقيقة، وبدأت أناملها تتحرك ببراعة واحترافية عالية على الإطار الخشبي، ملغية كل مشاعر الخوف، لتركز كل طاقتها في كشف الرمز الذي قد يكون المفتاح الوحيد لإعادة الحق لأصحابه وإنقاذ الرجل الذي ملك قلبها في ليلة عاصفة.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • ​سِرّ عـَزْفِ الْكِتـْمان   الفصل السابع عشر: أطياف الخلية الخفية

    لم يكن صدور الحكم القضائي الجسور بإنزال العقوبة بالسجن المؤبد على عمران وتفكيك تنظيم "رابطة الظلال" سوى الستار الظاهري الذي انزاح عن مشهدٍ أكثر تعقيداً وعمقاً. فعلى الرغم من إيداع رأس العصابة خلف القضبان وتطهير السجلات الرسمية لذمة المرحومين إبراهيم ويوسف، إلا أن الأيام الأولى التي أعقبت المحاكمة حملت معها إرهاصاتٍ توحي بأن شجرة الفساد التي نبتت في العتمة لعقود طوال كانت تمتلك جذوراً ممتدة خارج نطاق القلعة البحرية وعصابة المهربين المعروفين.في مساءِ يوم خريفي هادئ، جلس آسر في الورشة العتيقة للمرحوم إبراهيم—تلك الورشة التي بدأت تعود إليها الحياة تدريجياً، معبقة برائحة خشب الأرز والمواد المذيبة وزيوت الترميم الطبيعية. كانت جود تعكف عند الطاولة الخشبية العريضة على إعادة ترتيب أوراق والدها ومجلاته القديمة التي تسلمتها رسمياً من كتابة ضبط المحكمة بعد انتهاء التحقيقات الجنائية.بينما كانت جود تقلب المجلدات الجلدية ذات الحواف المتآكلة، استوقفها غلاف دفتري داكن، مخيط بسلك حريري أحمر. لم يكن هذا الدفتر مدرجاً ضمن قائمة المبرزات الجنائية الشائعة التي جرى تداولها في الجلسات العلنية، بل كان مدفوع

  • ​سِرّ عـَزْفِ الْكِتـْمان   الفصل السادس عشر: مطرقة العدالة وسقوط الأقنعة

    طوّقت قوات الحرس القضائي والشرطة الميدانية محيط قصر العدالة بالعاصمة منذ ساعات الصباح الأولى، واحتشد المئات من أهالي المدينة القديمة والباحثين والصحفيين أمام البوابة الجرانيتية الشاهقة. لم تكن جلسة اليوم مجرد استكمال لإجراءات محاكمة جنائية عابرة، بل كانت المحاكمة العلنية الكبرى لتفكيك شبكة "رابطة الظلال"، وإسقاط الهيكل الفاسد الذي امتدت أذرعه في الخفاء لأكثر من أربعة عقود.داخل قاعة الجلسات الكبرى رقم (1)—بجدرانها الخشبية البنية الفاخرة وسقفها المزين بالنقوش العتيقة—ساد صمتٌ مشدود التوتر. جلس القضاة الثلاثة على المنصة المرتفعة برئاسة مستشار رئيس المحكمة، وإلى جانبهم هيئة النيابة العامة والمحامون. وفي القفص الحديدي الواسع المخصص للمتهمين، جلس عمران مكسور الشوكة، وجهاً لوجه مع قسوة المصير. فقد ذلك البريق الناري في عينيه، واختفت نبرة التعالي التي كان يرهب بها خصومه، ليحل محلها شحوبٌ رمادي وملامح ذعر مستسلم أمام الحقيقة التي لا تُدحر.وعلى المقاعد الأمامية للمنصة الإنسانية، جلست جود بإطلالة تتضوع وقاراً ورزانة، وإلى جوارها آسر بثباته المعهود، يمسك بيده حقيبة الوثائق الجلدية المحفوظة رسميا

  • ​سِرّ عـَزْفِ الْكِتـْمان   الفصل الخامس عشر: بيعة النور وصوت البراءة

    توشحت العاصمة بمهابة استثنائية في صبيحة هذا اليوم المشهود؛ إذ لم تكن الشوارع المؤدية إلى الساحة الكبرى للمتحف الوطني للتراث مجرد طرقات عابرة، بل كانت شرايين تتدفق عبرها الجموع الغفيرة من أهالي المدينة، والباحثين في التاريخ، والمؤرخين، ورجال الصحافة والإعلام. استقرت الصحف الوطنية والمنابر الإعلامية على عنوان عريض واحد تصدّر كافة الصفحات الأولى: "انقشاع الظلال: الحقيقة تشرق بعد أربعة عقود من الكتمان".داخل القاعة الرئيسية للمتحف—حيث امتزجت السقوف الأندلسية المرفوعة بالأقواس الرخامية الشاهقة مع إضاءات العرض الحديثة—ساد صمتٌ مفعم بالرهبة والاحترام. في منتصف المنصة الرئيسية، وُضعت واجهة زجاجية مضادة للصدمات، استقرت داخلها المخطوطة الأثرية النادرة وسند الملكية الأصلي إلى جوار الصندوق الفضي العتيق الذي حفظ السر لعقود طويلة.وقفت جود على يسار المنصة مرتدية قفطاناً أسود طُرّز بأسلاك الفضة الدقيقة، يجسد الوقار والاعتزاز، بينما وقف آسر إلى جوارها بحلته الرسمية الداكنة، مستنداً بثبات، وجراب كمانه الأبنوسي يستريح بجانبه كشاهد وفاء لم يخذل صاحبه يوماً. تحررت ملامحهما كلياً من أطياف الحزن والتردد ال

  • ​سِرّ عـَزْفِ الْكِتـْمان   الفصل الرابع عشر: اقتحام القلعة وانقشاع الظلال

    تلبدت السماء فوق الساحل بقطع من الغيم الرمادي الداكن، وهبت رياح بحرية باردة تلاطمت معها الأمواج العاتية على الأسوار الحجرية الضخمة للقلعة البحرية العتيقة. كانت القلعة تقف كحصنٍ مجوف من القرون الوسطى، تبدو من الخارج أطلالاً مهجورة تستريح على حافة الجرف الصخري، بينما كانت في باطنها تخفي المقر الرئيسي والأخير لشبكة "رابطة الظلال".توقفت سيارات القوة الخاصة بمكافحة الجرائم المنظمة على بعد مسافة أمنية في أحد الأزقة الملتوية المطلة على السور الغربي. ترجل عناصر الشرطة في صمت مطبق وهم يرتدون عتادهم التكتيكي الكامل، بينما تنقلت زوارق خفر السواحل في المياه الإقليمية القريبة لقطع أي منفذ للفرار عبر المرفأ.ترجل آسر وجود بجانب العميد. كان آسر يرتدي سترة واقية ودثّر كمانه الأبنوسي في جرابه المحكم فوق ظهره، في حين كانت جود تمسك بكتيب الخرائط الميدانية وتحدد بنظراتها الثاقبة الفتحات السفلية لجدران القلعة.قالت جود بنبرة خفيضة ومستقرة وهي تشير نحو القبو السفلي: "هناك... أسفل البرج الدائري الغربي تقع بوابة 'الصدى'. إنها منفذ التهوية الرئيسي للمستودعات السفلية، ومنها نستطيع الدخول مباشرة إلى القاعة الك

  • ​سِرّ عـَزْفِ الْكِتـْمان   الفصل الثالث عشر: تحالف النور ومكر التخطيط

    انجلت عتمة الليل الشديدة متراجعة أمام خيوط الصباح الذهبية، ليغمر الضوء شوارع العاصمة الممتدة على طول الساحل. وفي قلب مبنى الإدارة العامة للشرطة القضائية، داخل مكتب فسيح تكسو جدرانه الخرائط الأثرية القديمة وتقارير التفتيش الدورية، كان الصمت المهيب يسيطر على الحاضرين، صمتٌ يتنفس العزيمة وينتظر لحظة الحسم النهائي.جلس العميد المكلّف بقضايا تهريب التراث الوطني خلف مكتبه الخشبي العريض، وهو يتصفح بحرصٍ شديد الأوراق الرسمية الموثقة، والسجلات المالية السرية، والمخطوطة النادرة التي استخرجها آسر وجود من سرداب برج الساعة القديم. كان للعميد تاريخٌ طويل في تفكيك شبكات الجريمة المنظمة، غير أن الدهشة لم تغادر عينيه وهو يرى مدى دقة الأدلة المتروكة وصمودها عبر أربعة عقود كاملة داخل الصندوق الفضي.إلى جواره، وقفت جود مرتدية معطفاً كحلياً بسيطاً، وقد غسلت بزوغ شمس هذا الصباح بقايا التعب والذعر من محياها، ليحل محلهما ثبات نابع من إدراكها الجسيم بأن روح والدها إبراهيم وروح الفنان يوسف باتتا على بعد خطوات قليلة من الراحة الأبدية. بينما وقف آسر بثبات غير مزعزع على مقربة من النافذة، يداعب بإبهامه حافة حزام ج

  • ​سِرّ عـَزْفِ الْكِتـْمان   الفصل الثاني عشر: الممر المائي وعاصفة النجاة

    تداخلت أصداء المفرقعات البدائية مع صرير انكسار الفولاذ عند مدخل السرداب السفلي، لتصنع دوياً أرعب شوائب العتمة القابعة في أركان البرج القديم. ارتفعت أعمدة الغبار الكثيف متصاعدة نحو السقف الحجري، بينما انبعثت رائحة البارود والحديد المحترق لتملأ الفضاء الممتد تحت الأرض. كان عمران يصرخ بأوامر حاقدة لرجاله كي يقتحموا المكان قبل أن تتلاشى آثار الهدف، بوعيدٍ أسود يقطر جشعاً ورغبةً في محو كل شواهد البراءة والإدانة.في الزاوية الخلفية القتمة، لم ينتظر آسر وجدانيات التردد. جذب الحقيبة الجلدية المتينة التي تضم المخطوطة النادرة وسندات العهد بصلابة، وثبتها فوق صدره بحزام جاف، بينما احتضن بيده الأخرى كمانه الأبنوسي الشامخ كأنه سلاحه الروحي الأخير. التفت نحو جود، ورأى في عينيها لمعاناً يفيض بالثبات والجسارة رغم الموقف العصيب؛ لم تعد تلك الفتاة الخائفة التي تلقت المظروف الأسود في ورشتها الهادئة، بل أضحت شريكة خطوة ومصير، تصنع معجزة نجاتهما بذكائها وحسها الهندسي المتقد.قال آسر بنبرة حازمة تخالطها حرارة الأنفاس المتسارعة: "الممر المائي خلف هذا السلم الحفري هو منفذنا الوحيد يا جود... استجمعي كل قوتكِ،

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status