All Chapters of بعد أن انطفأت الأنوار: Chapter 11 - Chapter 20

35 Chapters

الفصل الحادي عشر: شهادة بتوقيع أبي

وقفت سارة وسط الغرفة المعدنية، والورقة المبلّلة ترتجف بين أصابعها كجناح طائر مصاب. كانت قطرة الماء قد محت نصف سطر من ملاحظة أبيها، وبقي النصف الآخر يحدّق فيها بحبره الرصاصي: «لن أسامح نفسي».أطلّ تامر من الفتحة بوجه ملطّخ بالغبار.آنسة سارة، العمّال يسألون ماذا يفعلون بالطوب المنزوع.لم تلتفت إليه، فأجاب يوسف بصوت خفيض: أوقفوا العمل في القبو ساعة، وأبعدوا الجميع عن الرواق.وهل صرتَ تصدر الأوامر؟ ردّت سارة دون أن ترفع عينيها عن الورقة.هذا إجراء سلامة لا أمر. فوقنا ثلاثة طوابق، وقد نزعنا للتوّ جدارًا كان يسندها.عندئذ فقط استدارت، فوجدته أقرب مما ظنّ كلاهما. قالت لتامر: افعل ما قاله. ثم أضافت بحدّة: وسدّ الفتحة بلوح خشبي. لا ينزل إلى هنا أحد غيرنا نحن الثلاثة.انسحب تامر على عجل، وبقيا بين الخزائن الصدئة. كانت رائحة الورق العتيق تثقل الهواء حتى بدا الصدر يتنفس غبارًا.ماذا تعرف عن حادث الشاطبي؟ سألت.ما نُشر في الصحف. عمارة من ستة طوابق انهارت عام ستّ وتسعين، وماتت فيها إحدى عشرة نفسًا. حُمّل المقاول التعويضات، وأُغلق الملف.أيّ مقاول؟حدّق فيها طويلًا قبل أن يجيب: أبوكِ يا سارة. اسمه
last updateLast Updated : 2026-10-18
Read more

الفصل الثاني عشر: اتفاق بارد

جاء يوسف إلى المرسم في الحادية عشرة تمامًا، بقميص رمادي مطويّ الكمّين وحقيبته الجلدية، ووقف عند الباب كطالب يستأذن مديرة المدرسة. كانت سارة تجلس إلى طاولتها العريضة، وأمامها كشف بالأحجار وجدول زمني تتخلله أسهم حمراء.اجلس، قالت دون أن تنظر إليه.جلس.كل ما يخصّ القبو والملفات. ماذا تعرف عن عمّي، ولماذا طلبتَ إخفاءها عنه؟لا أملك دليلًا قاطعًا. أملك ثلاث ملاحظات وصفحتين مفقودتين. وأخشى أن يقتلع عمّكِ الوثائق قبل أن تفهمي ما فيها.ثلاث ملاحظات وصفحتان مفقودتان. أهذا ما تسمّيه جوابًا؟أسمّيه الحدّ الذي أستطيع الوقوف عنده بشرف.ضحكت بمرارة. الشرف كلمة غريبة على فمك.تقبّل الضربة بأن شدّ كتفيه قليلًا، ثم فتح حقيبته وأخرج خريطة مطوية.دعينا نتكلم عن الفنار. هذه قراءات الأساسات التي أخذتها صباح أمس. هناك هبوط في الركن الشمالي الغربي بمقدار سبعة ملليمترات في الشهر. إن لم نُدعّم القاعدة بركائز عميقة خلال ثلاثة أشهر، فسيتشقق جدار البهو كله.وكم يستغرق التدعيم؟ستة أسابيع من التوقف الكامل لكل الأعمال الأخرى.ستة أسابيع؟ ارتفع صوتها. المؤسسة منحتنا ثمانية عشر شهرًا لا غير. وإن توقفنا شهرًا ونصفًا
last updateLast Updated : 2026-10-18
Read more

الفصل الثالث عشر: حجارة عادل

في الأسبوع الرابع هبط من سيارة فاخرة أمام بوابة الفنار رجل بدين، ثقيل الخطى، وفي يده عصا لا يحتاج إليها. عرفته سارة من بعيد قبل أن تلمح وجهه، فقد كانت مشيته تسبق اسمه دائمًا.عمّي.أهلًا يا سارة. لم تزوريني منذ حادثة الشيك. هل تغضبين من عمّك؟لا أغضب. أحصي.ابتسم بجفاف ومرّر عينيه على السقالات والعمّال وأكوام الحجارة المرصوصة عند المدخل.أرى أن المشروع يتقدّم. وأرى أن الأحجار وصلت. ستجدين أنها أفضل ما في المدينة.من طلبها من شركتك؟لم أطلب شيئًا. مناقصة المؤسسة رست على وائل عزام، وهو أسند التوريد إليّ. يقولون إن العمل لا يعرف القرابة.سارة، قال بنبرة أخفض وأقرب إلى الحنان المصطنع، أمك مريضة وتحتاج إلى من يخفّف عنها. لماذا لا نتصالح؟ أُعيد إليك الوكالة، وتعودين إلى البيت، وأنسى أنا حكاية الشيك.أنت من ألغيتَ الوكالة يا عمّي، لا أنا. أمام المحامي.كنتُ غاضبًا.وأنا أيضًا. لكنني حين أغضب أراجع الأرقام، لا أرتّب الأحجار.اقترب منهما تامر وهمس في أذنها: الآنسة ريم على الهاتف، تقول إن عمّكِ أرسل إليها طلب استلام عاجلًا.رفعت سارة بصرها إلى عمّها بنظرة مشحونة.قل للأستاذة ريم إن الاستلام مؤج
last updateLast Updated : 2026-10-18
Read more

الفصل الرابع عشر: ليلة العاصفة

بدأت العاصفة قبل منتصف الليل بساعة. كانت سارة في غرفتها تراجع جدول الأسبوع حين ارتجّت النافذة بصفعة ريح، ثم تبعها دويّ رعد فجّر السماء كأنما شقّها نصفين. أمسكت هاتفها فرنّ في يدها قبل أن تضغط على أيّ رقم.آنسة سارة، البحر يغمر القبو! صاح تامر في الهاتف.أين أنت؟عند المبنى. الأستاذ يوسف وصل قبلي ويحاول تشغيل المضخّات، لكن الكهرباء انقطعت.عشر دقائق.ركضت إلى الباب، فلفّت حول رقبتها وشاحًا صوفيًا ودسّت قدميها في حذاء مطاطي قديم يحرس مدخل غرفتها. وعلى الدرج الحديدي تعثّرت بدلو أم سعد فتدحرج وتناثر ماؤه، ولم تتوقف. كانت تعدّ كل خطوة كما تُعدّ دقات القلب: مبنى يتهاوى بين الأمواج، وفي أحشائه غرفة فيها اسم أبيها.وصلت في اثنتين وعشرين، بعد أن أنهكتها شوارع غارقة وسيارات أجرة تُصارع الأمواج. كان المبنى يلمع بلون فضي تحت أضواء البرق، وماء البحر يندفع من الرصيف المنخفض ويتسلل تحت البوابة. في البهو وقف عشرة من العمّال بالأحذية المطاطية، يمسكون بالدلاء والخراطيم، ووسطهم يوسف بملابس مبتلّة بالكامل، يصرخ بالتعليمات وسط الضجيج.أين المولّد الاحتياطي؟معطّل يا بشمهندس! قال العمّ حسن.وضع يوسف يده عل
last updateLast Updated : 2026-10-18
Read more

الفصل الخامس عشر: ما تحت القميص

انتظرت سارة حتى ارتفعت الشمس فوق الكورنيش وجفّت الأرضية. ظلّت صامتة طوال الصباح، تتنقل بين العمّال، وتعدّ الخسائر: ثلاثة محركات مضخّات، وعشرون كيس رمل، وجزء من الجصّ في الرواق الشرقي. كل ذلك بالأرقام، بصوت هادئ يخلو من أي أثر لليلة الماضية.كان يوسف يعمل في الطرف الآخر من القاعة، يقيس المسافات بين الأعمدة بخيط ممدود. كلما التفتت وجدته منكبًّا على ما بين يديه، لكن قميصه ظلّ منتفخًا عند الخاصرة، كأن الملف الأزرق التصق بجلده. وفي كل مرة مرّ فيها عامل بقربه ضمّ ذراعه إلى جسده بحركة لا إرادية.وفي الظهيرة، حين انفرد يوسف بالقراءة عند حافة القاعة، قالت من خلفه: ما في الملف الأزرق؟توقّف القلم في يده، وبقي لحظة ظهره إليها.أي ملف؟لا تكذب. لا يليق بك هذا أيضًا.استدار ببطء. كان وجهه رماديًا من قلّة النوم، وتحت عينيه ظلّان داكنان. قال: كنتِ مستيقظة.كنتُ أراقب. كما تعلّمتُ أن أفعل.وضع القلم على الكرسي وأطرق.هو ملفي أنا، سارة. لا يخصّ الغرفة ولا أباك. رسائل... وثائق شخصية.ثم لماذا أخفيتها في قميصك كأنك تهرّب مخدّرات؟لأنني خفتُ أن تقرئيها قبل أن أكون مستعدًا.مستعدًا لماذا؟لأن تعرفي أن ما
last updateLast Updated : 2026-10-18
Read more

الفصل السادس عشر: مائدة الشاطبي

زارت سارة بيت العائلة في الشاطبي يوم الجمعة، وكانت أمينة قد أعدّت المائدة كأنها تستقبل وفدًا: حمام محشي، ورقّ عنب، وأرز مبهّر بالزبيب. جلست ليلى في آخر المائدة تُقلّب الطعام بشوكتها دون أن تأكل، وفي كفّها خاتم خطوبة جديد من فيروز صغير.ما هذا؟ سألت سارة وهي تمسك يدها.مازن. طبيب أسنان، من الإسكندرية، لطيف جدًا. كنتُ سأخبرك.متى؟حين تتقبّلين الفكرة.ضحكت سارة وقبّلت أختها على خدّها. مبروك. وإن آذاكِ أحرق لك المركز كله.وعمّي يريد أن يتولّى تفاصيل الحفل، قالت ليلى بصوت خافت.قولي له شكرًا ولا.هو لم يسألني. أعلن فقط.أعرف طباعه. اسمعي، ليلى: أي شيء يقدّمه لكِ عمّي، سواء مبلغًا أو هدية أو قاعة، تخبرينني قبل أن تقبليه. اتفقنا؟أومأت الأخت الصغرى وفي عينيها حيرة، ثم قالت: أنت تغيّرتِ يا سارة.تغيّرتُ إلى الأفضل أو إلى الأسوأ؟إلى من لا ينتظر أحدًا ليدافع عنه.ضحكت سارة ضحكة قصيرة، ثم أخذت من الصحن حبّة حمام محشي ووضعتها في طبق أختها بحزم أخت كبرى.كلي. لن تجدي طاقة لتتشاجري مع القاعة والمصوّر والخيّاطة إن بقيتِ بلا طعام.أكلت ليلى مطيعة، وبقيت عيناها معلّقتين بأختها كأنها تحاول أن تتذكر ا
last updateLast Updated : 2026-10-21
Read more

الفصل السابع عشر: ما قاله هاشم

لم تنتظر سارة إلى الصباح. اتصلت بتامر في العاشرة ليلًا وسألته عن عنوان يوسف في الإسكندرية، ثم وقفت بعد ساعة أمام عمارة قديمة في كليوباترا تحمل مظلة لا تحميها من المطر الخفيف. صعدت إلى الطابق الثالث وطرقت الباب بقبضتها.فتح يوسف وعلى وجهه ما يشبه الدهشة التي تأتي بعد انتظار طويل. كان بقميص منزلي قديم، وفي يده كتاب هندسي مفتوح.كانت الشقة شبه خالية: كنبة واحدة، وطاولة، وخزانة كتب لا تحمل غير مراجع الإنشاءات. أما الجدار المقابل فقد غطّته مئات الرسومات المثبّتة بدبابيس، كلها للفنار: واجهاته، وأقواسه، وقبّته، وقناته البحرية الغامضة. وفي أسفل الركن، على رفّ صغير، وقفت صورة في إطار مقلوب على وجهه كأن أحدًا يحاول ألّا يراها وألّا يُلقي بها.سارة؟ما الذي أخذته من بيت أمي؟تراجع خطوة وفتح لها الباب. لم تدخل.علبة خشبية صغيرة، قالت. وضعتَها في حقيبتك. هل هي في هذه الشقة؟دخل إلى الصالة وعاد بعلبة من خشب الجوز، وضعها على الطاولة الواطئة أمامها. فتحها بنفسه ومدّها نحوها دون كلام.لم يكن فيها سوى رسائل. مجموعة رسائل بالحبر، بخط أبيها، وموجهة إلى «هاشم» ومؤرّخة بين مارس وأغسطس ستّ وتسعين. كانت سارة
last updateLast Updated : 2026-10-21
Read more

الفصل الثامن عشر: عنوان في الصحيفة

ظهر العنوان في جريدة الصباح بعد أربعة أيام، في صفحة الاقتصاد، بخطّ أسود عريض: «مشروع الفنار على حافة الخطر: مهندسة شابة، واستشاري مثير للجدل، وماضٍ شخصي يهدّد التراث».وضعت مريم الجريدة على مكتب سارة وجلست مقابلها، وقد ازرقّت أطراف أصابعها من شدّة الضغط على فنجان القهوة.اقرئي.قرأت سارة الفقرة الثالثة بصوت مرتفع: «تفيد مصادر مطّلعة أن الصلة بين مديرة المشروع والمستشار الدولي تتجاوز علاقات العمل، وأن قرارات إنشائية حاسمة قد تُتّخذ بدافع عاطفي لا هندسي».أغلقت الجريدة بهدوء مخيف.من المصدر؟لا أعرف، لكن وائل عزام لا ينشر خبرًا في الأسبوع الذي لا يُضيف فيه إلى ثروته.وصلت رسالة من مكتب ريم الجندي بعد ساعة تطلب اجتماعًا عاجلًا لمجلس الإدارة في الرابعة. لبست سارة بدلتها السوداء، وتركت الفريق في الموقع، ومضت إلى البرج وحدها.عند باب البرج استوقفها شاب بكاميرا وصحفية تحمل مسجّلًا صغيرًا.آنسة سارة! هل صحيح أنك والمستشار كنتما مخطوبين؟ وأن هذا سبب وجوده في المشروع؟توقفت. لو نظرت إلى الكاميرا لارتجفت، فنظرت إلى عيني الصحفية مباشرة.الفنار يُرمَّم بقياسات الأساسات لا بقصص القلوب. إن أردتِ أن
last updateLast Updated : 2026-10-21
Read more

الفصل التاسع عشر: العين التي تنقل

لم يستغرق الأمر طويلًا لمعرفة من سرّب الخبر. جاء تامر إلى سارة بعد يومين وملامحه متقلّصة، ووضع على مكتبها ثلاث أوراق مطبوعة.هذه رسائل بريد أُرسلت من حاسوب المكتب في الواحدة بعد منتصف الليل إلى عنوان لا نعرفه. وفيها صور من خطتنا الزمنية، وملاحظات ريم، وحتى القراءات الإنشائية التي كانت مع الأستاذ يوسف.من صاحب الحاسوب؟سامح.سامح؟ المتدرّب الذي وظّفناه قبل شهرين؟نعم. أخذتُ بصمة الدخول من سجلّ الحاسوب. إنه هو.شدّت سارة كتفيها. كانت قد أحبّت الفتى وطموحه الصامت، وكتبت له خطاب توصية في الأسبوع الماضي. استدعته إلى مكتبها في الحال.دخل سامح بقميص مكوي ووجه متورّد، وجلس بتهذيب على حافة الكرسي. وضعت الأوراق أمامه دون كلمة.لم يحتج إلى قراءتها. تحوّل لونه من الوردي إلى الأخضر، وانفلتت من فمه أنفاس مرتجفة.آنسة سارة، أنا...كم دفعوا لك؟خمسون ألف جنيه، همس. لأخي، يا آنسة. أخي مريض ويحتاج إلى عملية عاجلة. وقالوا إنهم لن يؤذوكِ، فقط يريدون أن يعرفوا موعد التدعيم.من هم؟رجل اسمه فهمي. يعمل عند السيد وائل.جلست سارة إلى الخلف وأطالت التحديق فيه. كان بوسعها أن تدعو الشرطة، أن تفضحه أمام النقابة.
last updateLast Updated : 2026-10-21
Read more

الفصل العشرون: غرفة المستشفى

جاء الاتصال في الخامسة فجرًا. رقم لا تعرفه، وصوت رجل مهذّب:آنسة سارة المنصور؟ أنا الدكتور رشاد، من مستشفى الأندلس. السيد هاشم الهاشم يطلب رؤيتك. حالته حرجة، ويقول إن الأمر لا يحتمل التأجيل.ظلّت تحدق في الهاتف حتى انطفأت شاشته. ثم ارتدت ثيابها، ونزلت إلى الشارع الذي كان يتلمّس الضوء، وأوقفت سيارة أجرة. وحين فتح بابها أمام المستشفى، كان في صدرها شيء يتراجع وآخر يندفع.عند مكتب الاستقبال استقبلتها ممرّضة شابة وسارعت إلى مرافقتها نحو المصعد. وفي الطريق تمتم الطبيب رشاد وهو يمشي بجوارها: حاولتُ أن أقنعه بالراحة، لكنه يقول إنه يريد أن يتكلم قبل أن تتعطّل الأجهزة. أنصحك ألّا تُتعبيه. قلبه لا يحتمل مفاجآت.وأنا؟ سألت سارة. هل تحتمل قلوب الآخرين المفاجآت؟نظر إليها الطبيب نظرة مرتبكة، ولم يجد جوابًا.في المصعد حاولت أن تتنفس بانتظام. رأت انعكاسها على المعدن: امرأة ترتدي معطفًا فوق ثياب النوم، وشعرها مضموم بدبوس قديم. لم تهتم. بدا لها أن كل ما مرّ بها منذ ليلة الزفاف كان سلّمًا طويلًا يؤدي إلى هذا الطابق الرابع.في الطابق الرابع، عند باب غرفة منعزلة، وجدت يوسف يقف متكئًا على الجدار، بقميص مجع
last updateLast Updated : 2026-10-21
Read more
PREV
1234
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status