LOGINفي الحادية عشرة من ليلة زفافها، تقف سارة المنصور في قاعةٍ تتلألأ بالثريات، تنتظر عريسًا خرج ليجيب عن مكالمة عاجلة ولم يعد. لا رسالة، ولا اعتذار، ولا تفسير؛ فقط خاتمٌ بارد في كفّها، وأسئلةٌ تتناسل حتى الفجر. وبينما يتهامس الناس ويُسرع أقرباؤها إلى دفن الحكاية، ترفض سارة أن تُدفن معها. تغادر بيت العائلة، وتبدأ من الصفر: غرفة على سطح بناية قديمة، ومشاريع تُسرق منها، وعمٌّ يرى أن المرأة المهجورة لا تحتاج إلى حلم بل إلى وصيّ. تتعثر وتنهض، وتتعلم أن الاستقلال لا يُمنَح بل يُنتزَع، خطًّا بعد خط، وعقدًا بعد عقد. وبعد خمس سنوات، حين تفوز أخيرًا بترميم «فندق الفنار» العتيق، أكبر مشروع في حياتها، يشترط الممول الدولي مهندسًا استشاريًا يشرف على سلامة المبنى. ويدخل قاعة الاجتماعات رجلٌ لا تحتاج إلى النظر إليه مرتين لتعرفه: يوسف الهاشم، الذي اختفى ذات ليلة وترك خلفه فستانًا أبيض وأسئلة بلا أجوبة. العقد مُلزِم، والمبنى يتشقق، وخلف جدرانه القديمة ما يتجاوز الحجر والإسمنت: وثائق، وتواقيع، وسرٌّ قديم يربط عائلتين، ورجلٌ يعرف الحقيقة ويخشى أن يكلّفه النطق بها كل ما تبقّى بينهما.
View Moreمات هاشم الهاشم فجر الخميس، قبل أن يعرف أن القراءات المزوّرة انكشفت وأن ما قاله على السرير أصبح سندًا.جاءها الخبر من كريم، بصوت مبحوح لا يشبه أي صوت سمعته منه من قبل: أبي انتهى. ماتت ضربات قلبه نصف الليل. لم أستطع أن أتصل بيوسف. ظلّ جالسًا جنبه في الغرفة ولا يرفع رأسه.ذهبت إلى المستشفى في السادسة، ورأته حيث قال كريم: جالسًا على الكرسي المعدني، ويده ممدودة تلمس يد الجسد الممدّد، وعيناه مفتوحتان على الجدار. لم تتكلم. وقفت خلفه لحظة، ثم وضعت كفّها على كتفه برفق، فلم يتحرك.ظلّا هكذا دقائق طويلة. ثم همس بصوت ملؤه الرمل:كنتُ أريده أن يموت وأنا غاضب منه. وها هو يموت، ولا أعرف أين أضع هذا الغضب.ضعه بجانب الحزن، قالت. هما يتعايشان.جاءت الممرضة بملف الوفاة وسألت عن اسم الأقرب لتوقيع الاستلام. نهض يوسف كمن يُستدعى من قاع بئر ووقّع بخط ثابت، ثم التفت إلى سارة:أبي طلب مني أن أسألك شيئًا قبل أن يموت. لم أجرؤ حتى الآن.اسأل.طلب ألّا تغفري له بسرعة. قال إن المغفرة السريعة تشبه الإهمال، وإنه يريدك أن تنتظري الحقيقة كلها.جرت الجنازة بعد ظهر ذلك اليوم في مسجد صغير بالمنتزه. امتلأ الصحن برجال في
وصلت لوسي كارتر إلى الإسكندرية في صباح عاصف، بحقيبة سوداء وسترة رمادية ونظرة لا تعرف المجاملة. كانت مدقّقة من لندن، في الخمسين من عمرها، تتحدث العربية بلكنة ثقيلة لكنها دقيقة، وقد قالت لريم الجندي في المطار إنها لا تريد فنجان قهوة، بل تريد الأرقام.استقبلتها سارة عند بوابة الفنار بخوذة بيضاء وابتسامة منضبطة.أهلًا بك في الموقع.دعينا نبدأ من الأساسات، قالت لوسي.لكن قبل أن تنزل إلى الحفر طلبت أن ترى سجلّ الرواتب. جلست في الكرفان تقلّب الكشوف، ثم نادت العم حسن وسألته بعربية متعثرة عن أجره اليومي ومتى يقبضه وهل تتأخر الدفعات. أجاب العجوز بصراحة أن الرواتب تُدفع في موعدها منذ أن جاءت الآنسة سارة، وأن هذا لم يحدث في مشاريع أكبر. دوّنت لوسي الجواب بلا تعليق، ثم رفعت رأسها وقالت: والآن، الأساسات.مشوا في البهو الطويل، وعرض يوسف قراءات الحسّاسات الخاصة بالتحرك الأرضي، متتبعًا بمؤشر الليزر خطوطًا على الشاشة. هزّت لوسي رأسها بتفحّص.الهبوط في الركن الشمالي سبعة ملّيمترات شهريًا. فما الذي حدث هنا؟بعد بدء التدعيم ثبت عند مليمتر واحد.أرني السجل.أخرج يوسف الجهاز اللوحي، ثم تجمّد. كانت القراءات
عاد الأسبوع بما يمليه عادل المنصور على الدنيا: رسالة من البنك مختومة بالأحمر.وصلتْ إلى المرسم صباح الاثنين، وتسلّمها تامر وهو يقلّبها بيدين مرتجفتين. فتحتها سارة بهدوء، وقرأت الفقرة الأولى مرتين قبل أن تتأكد أنها لم تخطئ.«استنادًا إلى البند الثاني عشر من عقد التمويل العقاري، والمتعلق بتغيّر ظروف الضمان، يُطلب سداد كامل الرصيد المستحق خلال عشرة أيام».ثمانمئة وخمسون ألف جنيه، قالت لمريم. في عشرة أيام.لماذا الآن؟ كنتِ تسدّدين الأقساط بانتظام.لأنهم أرادوا أن يخنقوني. ولأن أحدًا من هناك يعرف أنني لن أستطيع.نظرت مريم إلى الحسابات بعين محاسبة تعلم أن الأرقام لا تكذب.لدينا مئتان وثلاثون ألفًا في حساب المرسم، والباقي مجمّد في مواد الفنار. وإن سحبنا ما بيدنا فسنتوقف عن دفع الرواتب.قال تامر من الباب: أستطيع أن أبيع سيارتي. هي قديمة، لكنها تدرّ خمسين ألفًا.التفتت إليه سارة بعينين فيهما امتنان وحنق في آن واحد: لن تبيع شيئًا يا تامر. ولو لمحتُ إعلانًا عن سيارتك لخصمتُ ثمنها من راتبك مضاعفًا.وماذا أفعل؟لا أعرف.مرّ اليوم الأول في صمت. في الثاني جاء يوسف إلى المكتب في المساء، وكان قد علم ب
لم يكن للأوراق وحدها قوة كافية، فقد تعلّمت سارة هذا الدرس في المحاكم الصغيرة التي دخلتها بسبب مشاريعها. قال لها محامي المرسم، الأستاذ حمدي، صراحةً: الوثائق تثبت أن الشهادة مزوّرة، لكنها لا تثبت من زوّرها. نحتاج إلى شاهد حيّ.أجابها يوسف حين عرضت عليه الأمر: هناك رجل. المقاول الصغير الذي كان يشرف على صبّ الأعمدة في الشاطبي. اسمه إبراهيم عطية، لكن الجميع يسمّونه أبو إبراهيم. وجدتُ عنوانه في ملف أبي.سافرا معًا صباح الجمعة في سيارة يوسف المستأجرة إلى قرية صغيرة قرب دمنهور. سارت العجلات فوق طريق ترابي بين حقول القمح الشاحبة، وجلست سارة بجانب النافذة تعضّ على إصبعها، بينما قاد يوسف بصمت. بعد نصف ساعة سأل:هل أنتِ خائفة؟من ماذا؟من أن يرفض الكلام.بل من أن يتكلّم.كان بيت أبو إبراهيم من الطين والطوب الأحمر، له حوش صغير تنقر فيه دجاجات، وعلى عتبته كرسي بلا مسند. فتحت لهما امرأة ضئيلة بوشاح أسود، وقالت إن زوجها في الغرفة الداخلية. دخلا فوجدا رجلًا في السبعين، له ساق خشبية بيضاء مستندة إلى الجدار، يجلس أمام مذياع صغير.نظر إليهما بعينين ضبابيتين، ثم إلى سارة تحديدًا.أنتِ بنت المهندس محمود. ل