بعد أن انطفأت الأنوار

بعد أن انطفأت الأنوار

last updateLast Updated : 2026-10-23
By:  HaniUpdated just now
Language: Arab
goodnovel12goodnovel
Not enough ratings
27Chapters
15views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

في الحادية عشرة من ليلة زفافها، تقف سارة المنصور في قاعةٍ تتلألأ بالثريات، تنتظر عريسًا خرج ليجيب عن مكالمة عاجلة ولم يعد. لا رسالة، ولا اعتذار، ولا تفسير؛ فقط خاتمٌ بارد في كفّها، وأسئلةٌ تتناسل حتى الفجر. وبينما يتهامس الناس ويُسرع أقرباؤها إلى دفن الحكاية، ترفض سارة أن تُدفن معها. تغادر بيت العائلة، وتبدأ من الصفر: غرفة على سطح بناية قديمة، ومشاريع تُسرق منها، وعمٌّ يرى أن المرأة المهجورة لا تحتاج إلى حلم بل إلى وصيّ. تتعثر وتنهض، وتتعلم أن الاستقلال لا يُمنَح بل يُنتزَع، خطًّا بعد خط، وعقدًا بعد عقد. وبعد خمس سنوات، حين تفوز أخيرًا بترميم «فندق الفنار» العتيق، أكبر مشروع في حياتها، يشترط الممول الدولي مهندسًا استشاريًا يشرف على سلامة المبنى. ويدخل قاعة الاجتماعات رجلٌ لا تحتاج إلى النظر إليه مرتين لتعرفه: يوسف الهاشم، الذي اختفى ذات ليلة وترك خلفه فستانًا أبيض وأسئلة بلا أجوبة. العقد مُلزِم، والمبنى يتشقق، وخلف جدرانه القديمة ما يتجاوز الحجر والإسمنت: وثائق، وتواقيع، وسرٌّ قديم يربط عائلتين، ورجلٌ يعرف الحقيقة ويخشى أن يكلّفه النطق بها كل ما تبقّى بينهما.

View More

Chapter 1

الفصل الأول: الباب الذي لم يُغلَق

كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة حين رنّ هاتف يوسف للمرة الثالثة.

جلست سارة إلى جواره على المنصّة المزدانة بالورد الأبيض، تُطبق أصابعها على كفّه كما يُطبق المرء على شيء ثمين يخشى أن يفلت. كان فستانها ثقيلًا بالتطريز، والثريّات تسكب فوق القاعة ضوءًا ذهبيًا على وجوه المدعوّين، وفرقة العود تعزف لحنًا يحفظه الجميع. غير أنها لم تكن تسمع إلا ذلك الاهتزاز المكتوم في جيب سترته.

أجِبْ عنه، همست أخيرًا. ما دام يُلِحّ هكذا فلا بدّ أنه مهم.

رمقها يوسف بنظرة غريبة لم تفهمها حينئذٍ. كان وجهه شاحبًا تحت الأضواء، وعضلة صغيرة تنتفض قرب فكّه.

دقيقتان فقط يا سارة. لن أتأخر.

نهض وهو يعدّل سترته، ثم توقّف وانحنى فقبّل جبينها قبلة طويلة ظنّتها أثرًا من توتر العرس. وحين ابتعد، لاحظت أن أصابعه ترتجف وهو يُخرج الهاتف.

تتبّعته بعينيها وهو يعبر القاعة بين الموائد، يتفادى الأيدي الممدودة للتهنئة، حتى ابتلعه الباب الزجاجي المفضي إلى الحديقة. ابتسمت لأمها التي لوّحت لها من بعيد، وأجابت ابنة عمها التي سألتها إن كانت متعبة، وانتظرت.

كان مقعد هاشم الهاشم عند المائدة الأولى خاليًا، وفنجان قهوته ما يزال نصف ممتلئ وقد برد فوق الطبق. لم تنتبه لغياب والد يوسف إلا الآن. خطر لها أنه خرج ليدخّن، ثم طردت الخاطر كما تُطرد ذبابة عن طبق حلوى.

مضت الدقيقتان، ثم عشر دقائق.

جاء المصوّر يطلب لقطة الرقصة الأولى، فاعتذرت: «العريس في الخارج، أمهلني قليلًا». ثم أقبلت ليلى، شقيقتها، بفستانها الزمرّدي وعينيها الواسعتين، وجلست إلى جوارها.

أين يوسف؟

يردّ على مكالمة.

منذ ثلث ساعة؟

لم تجب سارة. قامت، وجمعت أطراف فستانها في قبضتيها، وسارت نحو الباب الزجاجي وسط همس يلاحقها كالنمل.

كانت الحديقة خاوية. مصابيح الزينة تتأرجح بين الأشجار، ونافورة صغيرة تُردّد خريرها وحدها، وعلى حافة الحوض المرمري رقدت ربطة عنق يوسف الفضّية مطويّة بعناية، كأن صاحبها تركها هناك ليقول شيئًا لم يجرؤ على قوله.

انحنت والتقطتها. كان القماش لا يزال دافئًا.

ضمّتها إلى صدرها بيدين مرتجفتين، وشمّت فيها عطره الخشبي الذي اختارته له من بين ست زجاجات في ذلك المتجر الصغير. كان العطر أول ما أدركت أنها ستفتقده.

يوسف!

ردّ الجدار الخارجي صدى اسمه. ركضت إلى البوابة الحديدية فوجدت الحارس يتثاءب فوق كرسيّه.

هل رأيتَ العريس؟

خرج منذ نصف ساعة يا آنسة... يا سيدتي. ركب سيارة سوداء كانت تنتظره عند الناصية، وقال إنه سيعود حالًا.

سيارة مَن؟

هزّ الحارس كتفيه.

عادت إلى القاعة بخطوات لا تشبهها. كان وجه أمها أمينة أول ما وقعت عليه عيناها: متجهّمًا، شاحبًا، وقد أدركت أمها من مشيتها أن شيئًا ما انكسر.

ماذا حدث يا ابنتي؟

لا أعرف.

اتصلت بهاتفه عشرين مرة. في المحاولات الأولى امتدّ الرنين طويلًا، ثم صار صوت آلي بارد يعلن أن الهاتف مغلق. حاول عمّها عادل أن يبدو حازمًا، فجمع الرجال في الركن البعيد وراح يوزّع التعليمات بصوت خافت: «إلى شقته، إلى بيت أبيه، إلى المستشفيات القريبة». وانطلقت السيارات واحدة تلو أخرى، كموكب جنازة بلا ميت.

أما القاعة فأخذت تفرغ ببطء. المدعوّون يتناولون حقائبهم ويودّعون العائلة بوجوه مشدودة، وتتسرّب العبارات المنمّقة: «خيرًا إن شاء الله»، «لعلّه ظرف طارئ». وبين الحين والحين تلتقط أذنا سارة همسة أخرى: «مسكينة... تُرى ما الذي كان يخفيه؟»

وفي صدر القاعة ظلّ قالب الحلوى ذو الطبقات الأربع على طاولته لم يُقطع منه شيء، وعلى قمّته تمثالان صغيران من السكّر لعروس وعريس يقفان متجاورين. مدّت سارة إصبعها وأسقطت تمثال العريس عن القالب. لم تعرف أفعلت ذلك غضبًا، أم لأنها لم تحتمل أن تراه واقفًا في مكانه بينما غاب صاحبه.

جلست على درج المنصّة الجانبي ونزعت حذاءها ووضعت ربطة العنق في حجرها. حاولت أن تستحضر شيئًا، أي شيء: كلمة قالها، نظرة، اسمًا عابرًا ذُكر على مائدة الخطوبة. لكن الأسابيع الأخيرة كانت زحامًا من البروفات والبطاقات والتفصيلات، ولم يظهر يوسف فيها إلا رجلًا مبتهجًا يعدّ الساعات.

عند الثالثة فجرًا عاد عمّها عادل، وقد غارت عيناه من الإرهاق، وقال دون أن ينظر إليها:

شقته مغلقة، وأبوه لا يردّ، وأخوه يقول إنه لم يره منذ العصر.

والسيارة السوداء؟

ربما صديق قديم.

عمّي، العريس لا يترك عروسه في قاعة زفافها من أجل صديق قديم.

رفع إليها عينين لم تفهم ما فيهما، ثم قال بنبرة أقرب إلى الأمر:

اذهبي إلى البيت ونامي. غدًا تتضح الصورة.

لم تنم.

قعدت في غرفتها القديمة حتى انبثق الفجر رماديًا من وراء الستائر، وفستان الزفاف مبسوط على السرير كجسد فارغ. ثم لمحت في كفّها اليسرى ما كانت قد نسيته: الخاتم الذي ألبسها إياه يوسف بيديه قبل ساعات، وقد ترك على إصبعها أثرًا أحمر ضاغطًا.

خلعته ببطء وأدارته تحت ضوء المصباح. كان النقش الدقيق ما زال هناك: «سارة، وطني الذي اخترت».

أمسكته بين إبهامها وسبّابتها ثم أودعته الدرج وأحكمت إغلاقه بالمفتاح، وهي لا تدري أتحمي الخاتم من الضياع... أم تحمي نفسها منه.

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
27 Chapters
الفصل الأول: الباب الذي لم يُغلَق
كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة حين رنّ هاتف يوسف للمرة الثالثة.جلست سارة إلى جواره على المنصّة المزدانة بالورد الأبيض، تُطبق أصابعها على كفّه كما يُطبق المرء على شيء ثمين يخشى أن يفلت. كان فستانها ثقيلًا بالتطريز، والثريّات تسكب فوق القاعة ضوءًا ذهبيًا على وجوه المدعوّين، وفرقة العود تعزف لحنًا يحفظه الجميع. غير أنها لم تكن تسمع إلا ذلك الاهتزاز المكتوم في جيب سترته.أجِبْ عنه، همست أخيرًا. ما دام يُلِحّ هكذا فلا بدّ أنه مهم.رمقها يوسف بنظرة غريبة لم تفهمها حينئذٍ. كان وجهه شاحبًا تحت الأضواء، وعضلة صغيرة تنتفض قرب فكّه.دقيقتان فقط يا سارة. لن أتأخر.نهض وهو يعدّل سترته، ثم توقّف وانحنى فقبّل جبينها قبلة طويلة ظنّتها أثرًا من توتر العرس. وحين ابتعد، لاحظت أن أصابعه ترتجف وهو يُخرج الهاتف.تتبّعته بعينيها وهو يعبر القاعة بين الموائد، يتفادى الأيدي الممدودة للتهنئة، حتى ابتلعه الباب الزجاجي المفضي إلى الحديقة. ابتسمت لأمها التي لوّحت لها من بعيد، وأجابت ابنة عمها التي سألتها إن كانت متعبة، وانتظرت.كان مقعد هاشم الهاشم عند المائدة الأولى خاليًا، وفنجان قهوته ما يزال نصف ممتلئ وقد
last updateLast Updated : 2026-10-04
Read more
الفصل الثاني: صباح بلا عريس
في التاسعة صباحًا كانت سارة واقفة أمام عمارة يوسف في حيّ سموحة، ما تزال تحتفظ بتسريحة الأمس، وقد ارتدت فوق ثيابها معطفًا رماديًا استعارته من خزانة أبيها الراحل. إلى جانبها وقفت ليلى تقضم أظافرها.اقترب منهما بوّاب العمارة، عجوز يلفّ رأسه بشال صوفي، وراح ينقل بصره بين الفتاتين كمن يزن شيئًا ثقيلًا.يا ست سارة، ما كنتُ أريد أن أتكلم، لكن يوم الثلاثاء الماضي صعد إلى الأستاذ يوسف رجل في الستين، طويل القامة، ووقف على بابه ساعة كاملة. سمعتُ صوت الأستاذ يرتفع مرة، ثم لم أسمع شيئًا.وهل عرفتَ اسمه؟لم يترك اسمًا. لكنه حين نزل كان وجهه وجه رجل انتصر... وهو حزين.البوّاب يقول إنه لم يعد منذ أمس العصر، قالت ليلى. دعينا نذهب يا سارة، عمّي أوصى...عمّي أوصى بكثير من الأشياء.صعدت الدرج راكضة، ولم تنتظر المصعد. كان معها مفتاح الشقة الذي أعطاه لها يوسف قبل شهر ليبدآ تأثيثها معًا. أدارته في القفل فانفتح الباب بلا مقاومة.كانت الشقة مرتّبة على نحوٍ مريب. الأريكة التي اختاراها بعد جدال طويل، والستائر الكتانية التي أصرّ عليها، وصورة صغيرة لهما على الشاطئ ما زالت في إطارها فوق المكتبة. أما مكتبه فكان فار
last updateLast Updated : 2026-10-04
Read more
الفصل الثالث: ثمن الصمت
بعد عشرة أيام عادت سارة إلى مكتب المهندس فؤاد حسيب للاستشارات الهندسية، حيث تعمل منذ تخرّجها. لم تعتذر عن غيابها، ولم تلتمس أحدًا لتبرير ما جرى.لكن الممرّ الطويل المؤدي إلى مكتبها بدا لها أطول من العادة. كل باب يُنفتح مواربًا، وكل رأس يلتفت ثم ينشغل فجأة بشاشة أو ملف. وعند آلة القهوة توقّفت زميلتان عن الحديث لحظة دخلت، ثم سألتا بابتسامة مصطنعة:كيف حالك يا سارة؟ نحن... كنا قلقتين عليك.بخير. ماذا في جدول اليوم؟وضعت هالة، المهندسة المساعدة التي تجلس في المكتب المجاور، فنجان شاي على حافة مكتبها دون أن تُصدر صوتًا.إن احتجتِ أن تبكي، فباب الحمّام آخر الممرّ ويُقفَل من الداخل.شكرًا، ولكن عندي مخطّط يجب تسليمه قبل الخامسة.ابتعدت هالة على أطراف قدميها. نظرت سارة إلى الكوب الذي ما تزال تعلوه الأبخرة، ثم إلى قبضتها: كانت قد كسرت ثلاثة أقلام رصاص خلال الصباح دون أن تنتبه، ورصّتها في الكأس الفارغ بجوار الحاسوب كجنود صغار قُتلوا في معركة لا تعرفها.وصل المشروع إلى مكتبها قبل أن تستقرّ في مقعدها: عمارة سكنية في العجمي، تصاميم الواجهة وتقرير المواد. وضعت سمّاعاتها وغاصت في الخطوط، حتى طرق فؤاد
last updateLast Updated : 2026-10-04
Read more
الفصل الرابع: غرفة على السطح
كانت الغرفة تقع في الطابق الخامس من بناية قديمة في حيّ كامب شيزار، بلا مصعد، وتُفضي إليها سلّم حديدي ضيّق ينتهي بعتبة مكسورة. فتحت لها أم سعد الباب بعد أن أعلنت أن الإيجار مقدّم لشهرين.وهل أنتِ وحدك يا ابنتي؟وحدي.مطلّقة؟نظرت سارة إلى المرأة العجوز بنظرة ثابتة.لا. تركني إنسان... لا أكثر.حكّت أم سعد خدّها بإصبع معقوفة وقالت:هذه أصعب.كانت الغرفة تتّسع بالكاد لسرير وطاولة ورفّ، لكنّ نافذتها الوحيدة تُطلّ على البحر من بين أسطح البيوت، وتُدخل ضوءًا شديد الزرقة في الصباح. وضعت سارة حقيبتها على الأرض، ثم جلست على طرف السرير وأحصت ما في جيبها: ألفان وثلاثمئة جنيه.في الليلة الأولى انقطع التيار الكهربائي عند التاسعة. أشعلت شمعة وجدتها في الدرج، وجلست إلى الطاولة ترسم على ظهر فاتورة قديمة أضلاعًا لا معنى لها. ومن الطابق الأسفل ارتفعت موسيقى عرس: زغاريد ودفوف وأغنية يعرفها الجميع. أغلقت النافذة بقوة فاهتزّ الزجاج. ثم، بعد دقيقة، فتحتها من جديد وأطفأت الشمعة بأصابعها، وبقيت في العتمة تستمع حتى انتهت الأغنية.وحين صمت الدفّ طرقت أم سعد الباب ومعها مصباح غازي.لعلّك لا تحبين الظلام يا ابنتي.
last updateLast Updated : 2026-10-04
Read more
الفصل الخامس: واجهة من خشب مستعمل
كان مخبز الحاج منصور يفوح برائحة الخميرة الدافئة منذ الفجر، وطابور الزبائن يمتدّ إلى منتصف الشارع. وقفت سارة على الرصيف المقابل تدرس الواجهة المتآكلة: خشب نخره الرطوبة، ولافتة ذابت حروفها، وباب حديدي ثقيل يصدر صريرًا كلما انفتح.هل ترين شيئًا يا ابنتي؟ سأل الحاج، وهو يمسح يديه المبيَّضتين بالدقيق.أرى قصة. الخبز عندك عمره أربعون سنة، والواجهة تروي نصف ذلك فقط. لا نحتاج إلى هدم بل إلى إنقاذ.بالمبلغ الضئيل لم يكن في وسعها شراء مواد جديدة، فجابت الأحياء القديمة ثلاثة أيام بحثًا عن أخشاب مفكّكة من بيوت مهدومة. وجدت أبوابًا عتيقة من خشب الجوز، وألواحًا من أرضيات قديمة، وعوارض من سفينة صيد متهالكة اشترتها بسعر الحطب. وبمساعدة نجّار عجوز أسمر الوجه، أعادت تقطيعها ودهنها بزيت اللّيمون حتى لمع حبيبات الخشب كأنه ثوب جديد.وقف العم زكريا، النجّار الأسمر، يمرّر إصبعه على لوح من الجوز ويقول:الخشب يتذكّر يا ابنتي. إن وضعتِه عكس اتجاه عروقه انتقم منكِ بعد سنة وتقوّس.وكيف أعرف الاتجاه؟بالإصغاء.ضغطت سارة أذنها على اللوح كما فعل، وأحسّت بشيء كثيف يتحرك تحت أصابعها. ضحك العجوز وقال إنها ستصبح نجّار
last updateLast Updated : 2026-10-04
Read more
الفصل السادس: مرسم سارة
بعد ثلاث سنوات من ليلة الزفاف، لم يبقَ من الغرفة على السطح سوى طاولتها القديمة التي رفضت سارة التخلّي عنها. انتقل المكتب إلى بيت مستقلّ من طابقين في الأزاريطة، وعلى بابه لوحة نحاسية نحيلة: «مرسم».كانت مريم تدير الحسابات بصرامة جنرال، وتامر النجّار، المهندس الشاب الذي وظّفته سارة بعد أن لمحت في نظراته شغفًا بالخرائط، ينتقل بين الغرف حاملًا لفائف الورق كحامل أعلام. وفي الغرفة الخلفية، كان ثلاثة متدرّبين يتبارون في رسم مخطّط للمتحف الجديد.دوّى في تلك اللحظة صوت أوراق تتناثر. كان تامر قد أسقط لفافة كبيرة، وبدت عليها بقعة قهوة تتّسع فوق مقطع الواجهة الغربية. تسمّر في مكانه وقد احمرّت أذناه.سأعيد رسمه الليلة، قال بسرعة. سأبقى حتى الفجر.فحصت سارة اللوحة بصمت، ثم أمسكت قلمًا وحوّلت البقعة إلى ظلّ سحابة صغيرة.لا حاجة. أحيانًا يصنع الخطأ أجمل ما في الرسم. لكن إن سكبتَ القهوة على ملف عميل مرة أخرى، فستشربها كلها.الجمعة اجتماع الشركاء، ذكّرتها مريم صباحًا وهي تضع كوب القهوة على مكتبها. وبالمناسبة، عمّك على الهاتف.عمّي عادل؟يقول إنه أرسل سائقه.لم أطلب سائقًا.إذن ليس هو من يتحدّث. أقصد: ه
last updateLast Updated : 2026-10-04
Read more
الفصل السابع: فندق الفنار
في أواخر الخريف الرابع، وصل إلى مكتب «مرسم» مظروف أبيض بشعار مؤسسة الأفق للتراث: مسابقة دولية لترميم «فندق الفنار»، تحفة الكورنيش الحجرية التي بُنيت عام 1932 وأُغلقت منذ ثلاثين عامًا.هذا المشروع أكبر منّا بعشر مرات، قالت مريم بعد أن قرأت البنود. شركات القاهرة ستتقاتل عليه.وفؤاد حسيب أيضًا، أضاف تامر. أرسل مكتبه إشعارًا بالمشاركة.فؤاد رجل شريف. أما من أخافه فهو وائل عزام.سكتت مريم. كان وائل عزام يملك أضخم شركة معمارية في الدلتا، ولم يعرف عنه قط تردّده في شراء ما يحتاجه، ولا في كسر من يعترضه.لماذا نخاطر؟ سألت مريم أخيرًا.وقفت سارة عند النافذة تنظر إلى الشارع.لأنني مررت أمام الفنار كل يوم ستّ سنوات في الجامعة، وكنت أقول لنفسي إن الجدران تتنفّس. إن لم نحاول، فمن؟في صباح اليوم التالي دخل وائل عزام المرسم بلا موعد، يتقدّمه عطر باهظ ومساعدان يحملان حقيبتين. جال بعينيه على المكتب الصغير وعلى اللوحات المعلّقة بدبابيس، ثم ابتسم.مكان لطيف. يليق بشابة تحلم.تفضّل بالجلوس، سيد وائل.لن أطيل. أعرض عليكِ شراكة: تسحبين اسمك من المسابقة، وأعيّنك رئيسة قسم الترميم عندي بضعف دخلك الحالي.وإن رف
last updateLast Updated : 2026-10-04
Read more
الفصل الثامن: الرجل في آخر الطاولة
دخلت سارة قاعة الاجتماعات في الدور الثاني عشر من برج المؤسسة قبل الموعد بعشر دقائق، مرتدية بدلة رمادية فاتحة وحذاءً ثابتًا بلا كعب عالٍ، وفي يدها حقيبة جلدية مليئة بالمخطّطات. جلس إلى جوارها تامر ومريم، وفي الجهة المقابلة اصطفّ أعضاء مجلس الإدارة: وجوه رسمية، وأوراق، وأكواب ماء.فتحت مريم الملف أمامها وهمست:ريّحي وجهك، فقد عقدتِ حاجبيك منذ المصعد.لم أعقد شيئًا.وأنتِ تنقرين بقدمك على الأرض مثل آلة خياطة.توقفت سارة عن النقر وضمّت قدميها تحت الكرسي. قالت إنها تفكّر في عرض القناة المائية فقط، لكن مريم رفعت حاجبًا مشكّكًا. كانت أصابع سارة، في الحقيقة، تعيد ترتيب الأقلام على الطاولة للمرة الرابعة، قلمًا فوق قلم كأنها تبني سورًا.أطلّت ريم الجندي من الباب بخطوات سريعة، ومعها ملفّ سميك.صباح الخير. فلنبدأ. قبل أن نوقّع العقود، أودّ تقديم الاستشاري الإنشائي الذي رشّحه مجلس لندن لهذا المشروع. وقد وصل بالأمس من أوسلو.التفتت سارة إلى الباب الجانبي دون اهتمام كبير. كانت تدوّن ملاحظة على هامش الورقة حين سمعت الاسم:المهندس يوسف الهاشم.توقّف القلم في يدها.لم يكن من اللازم أن ترفع رأسها. ظلّ ا
last updateLast Updated : 2026-10-14
Read more
الفصل التاسع: شروط العقد
في مساء اليوم نفسه، وقفت سارة أمام مكتب ريم الجندي في الطابق العلوي، وفي يدها نسخة العقد.هذه البنود لا يمكن تعديلها يا آنسة سارة، قالت ريم دون أن ترفع بصرها عن أوراقها. الشرط رقم أربعة عشر: لا يبدأ العمل في الأساسات إلا بتوقيع الاستشاري الدولي. والشرط رقم أربعة وعشرين: أيّ إخلال من الجهة المنفّذة يترتب عليه غرامة مليونا جنيه.ولو طلبتُ استبداله؟تتحمّلين الغرامة.لا أملك مليوني جنيه.إذن أنت ملزمة.وضعت ريم القلم، وأمعنت النظر في عينيها:لا أعرف ما بينك وبينه، ولا أريد أن أعرف. لكنني أعرف أن هذا المبنى يتصدّع. وأنني لن أتحمّل أن يُهدم نصفه لأن أحدكما لم يستطع العمل مع الآخر.نزلت سارة إلى الموقف حيث كانت مريم تنتظرها، وأغلقت باب السيارة بقوة جعلتها تهتز.كنتِ تعرفين أنه سيأتي؟ سألت مريم دون مقدمات.لو عرفتُ لما تقدّمتُ للمسابقة.إذن هذا القدر يمازحك.لا يوجد قدر. يوجد رجل قرّر أن يعود ليتحقق من أنني ما زلتُ حيّة.ضحكت مريم رغمًا عنها، ثم أمسكت المقود بقوة وسألت بصوت خفيض:وهل ما زلتِ؟لم تجب سارة. فتحت النافذة واستنشقت هواء العوادم الثقيل.عادت سارة إلى المرسم والليل قد هبط. كانت الأ
last updateLast Updated : 2026-10-16
Read more
الفصل العاشر: ما خلف الجدار
في السابعة من صباح الأحد، كان الضباب ما زال يلفّ الكورنيش حين وصلت سارة إلى فندق الفنار. وقف أمامه فريق من العمّال بخوذات صفراء، وتامر يوزّع الخرائط، ومريم تتفقد قائمة الأدوات. وعلى الدرجة الحجرية الأولى وقف يوسف مرتديًا خوذة بيضاء، ومعطفًا واقيًا، وفي يده جهاز قياس صغير.قبل أن يبدؤوا، توقفت شاحنة ضخمة عند البوابة وهبط منها سائق يلوّح بأوراق. حملت الشاحنة أحجارًا مصقولة مرصوصة على منصّات، وعلى جانبها شعار أخضر معروف.بضاعة المورّد، قال السائق. «عادل للمقاولات».تجمّدت سارة.من أمر بهذه الأحجار؟عقد التوريد مع المؤسسة يا آنسة. مورّد رسمي.التفتت إلى تامر الذي تلعثم:لم... لم أرَ هذا في القائمة.اتصل بريم الجندي. أخبرها أن الأحجار تعود من حيث جاءت حتى نراجع الجودة.شدّت فكّها، ونظر يوسف إليها دون أن يتكلم، وفي عينيه فهمٌ لا يدلّ على دهشة.صباح الخير يا آنسة المنصور، قال بلهجة رسمية.صباح الخير. ابدأ الفحص.دخلوا من البوابة الخشبية المنخورة. رائحة الرطوبة والملح والخشب المتعفّن ملأت أنوفهم، وعلى جدران البهو الطويل تدلّت خيوط عنكبوت كالستائر. سار يوسف أمامهم بتأنٍّ، يضع كفّه على الأعمدة
last updateLast Updated : 2026-10-16
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status