كانت غرفة التحقيق في نيابة المنشية أصغر مما تخيّلت سارة، بجدران خضراء باهتة، ومروحة سقف تدور ببطء كأنها تحصي الأنفاس. جلس وكيل النيابة، الأستاذ مجدي رضوان، خلف مكتب عريض يغطيه الورق، وهو رجل في الأربعين بنظارة رفيعة وعينين لا تعرفان الاستعجال. وإلى جواره جلس كاتب الجلسة يرتّب أقلامه كجندي يتهيأ لمعركة.كانا قد جلسا قبل دقائق في الممر الطويل المكتظ بالمتقاضين، على مقعد خشبي واحد وبينهما فراغ ذراع. مرّت امرأة تجرّ طفلًا يبكي، ورجل يلوّح بأوراق مجعّدة، وحارس يصيح بأسماء لا تنتهي. قال يوسف بصوت خافت: هل تريدين شيئًا؟ ماء؟أريد أن أنسى أنني أعرف عمّي.لا أستطيع أن أعطيك ذلك.ثم مدّ إليها زجاجة ماء، فتناولتها وشربت نصفها.على الجانب الآخر كان عادل المنصور قد وصل قبلها بعشر دقائق، في بدلة داكنة أنيقة وإلى جواره محاميه ذو البدلة الرمادية، وعلى وجهه قناع رجل مظلوم أتقن تدريبه أمام المرآة. لم يرفع عينيه إليها حين دخلت. أخذت مقعدها بين يوسف والأستاذ حمدي، ووضعت كفّيها على ركبتيها كي لا يلاحظ أحد ارتجافهما.بدأ الوكيل بصوت منخفض: سنستمع أولًا إلى أقوال الآنسة سارة المنصور، ثم إلى السيد يوسف الهاش
Last Updated : 2026-10-24 Read more