هناك طريقة ممتعة ومرتبة أستخدمها عندما أريد اختيار رواية تناسب ذوقي: أولاً أرسم خريطة ذوقية بسيطة في رأسي — أضع إلى جانب بعضها ما أحب من أنماط: الواقعي، التاريخي، الفلسفي، البوليسي، الرومانسي، الخيالي... ثم أضع علامتين: لغوياً (لغة اللغة والأسلوب) وعاطفياً (هل أريد وصفًا شاعريًا أم سردًا مباشرًا).
بعد ذلك أبدأ بالقراءة التجريبية: صفحة البداية أو الفصل الأول يكفيان ليحكم على الصوت الروائي. أقرأ مراجعات مختصرة من قراء أعلم أنهم قريبون من ذوقي، وأتفقد مقتطفات صوتية إن وُجدت لأتأكد من إيقاع السرد. أحب أيضاً أن أعود إلى مؤلفين أعرفهم إن أعجبني أسلوب واحد سابقًا.
كمثال عملي، إذا أردت عمقاً تاريخياً وأدبياً أبحث عن 'موسم الهجرة إلى الشمال' أو أعمال نجيب محفوظ. لو رغبت في نبرة معاصرة ومباشرة أجرّب 'عمارة يعقوبيان' أو 'ذاكرة الجسد'. المجتمعات الإلكترونية وقوائم الجوائز تساعد أيضاً، لكن في النهاية أصغِ إلى شعور الصفحة الأولى؛ هي أقوى مؤشر عندي.
تخيّل مشهدًا سينمائيًا يعكس عمق الرواية العربية—هذا بالضبط ما فعلته أعمال كثيرة حين تحولت من صفحات إلى شاشة. من الروايات التي أحب أن أشاهدها مرارًا بعد قراءتها: 'دعاء الكروان' لتوفيق الحكيم/طه حسين والتي قدمت كفيلم جعل المشاعر تتجسّد بطرق لا تُنسى، و'اللص والكلاب' لنجيب محفوظ التي نُقلت إلى فيلم قوي ويابسة بنفس الوقت، و'قاهرة 30' لما لها من لقطات اجتماعية حادة تحقق الانسجام بين النص والسينما.
لا يمكن أن أنسى أيضًا كيف نجحت 'الثلاثية' لنجيب محفوظ عندما امتدت إلى شاشات التليفزيون؛ إحساسها بالتفاصيل والزمان جعلني أعيد التفكير في القاهرة كما لو كانت شخصية مستقلة. ومن روايات أخرى التي أحببت تحوّلها: 'باب الشمس' لإلياس خوري الذي صار فيلمًا مؤثرًا يعالج مناضلين وذاكرة وطنية، و'زقاق المدق' التي تجسّد حكايات الحارة على نحو سينمائي ساحر.
السبب في أنني أعتبر هذه التحويلات جميلة هو أن المخرجين والممثلين أدركوا أن قوة النص ليست في الأحداث فقط، بل في الإيقاع واللغة والحنين. كل مرة أعاود المشاهدة أشعر أنني أكتشف طبقة جديدة في الرواية، وهذا أكثر ما يسعدني كمشاهد وقاريء.
أحب مشاركة قائمة من الروايات التي أثّرت بي بشدة في السنوات الأخيرة، كل واحدة منها تركت لي أحاسيس مختلفة لا أتعب من التفكير فيها.
أبدأ بـ'ذاكرة الجسد' التي قرأتها في فترة كانت مشاعري متقلبة؛ لغة أحلام مستغانمي سائلة ومليئة بصور المدينة والحنين، تجعل القارئ ينجرف مع السرد كما لو كان يسير في شارع ضيق مكتظ بالنوستالجيا. بعدها جاء 'عزازيل' الذي هزني بأسلوبه الفلسفي والتاريخي؛ الرواية تشعرني بأنني أمام مرآة تسأل عن الإيمان والشك واللغة، وكنت أعود إليها لأستخرج جملًا تبقى في الرأس.
لا أنسى 'موسم الهجرة إلى الشمال' الذي يمنحني إحساسًا بالغرابة والصدمة الثقافية، ورأيت فيه مزيجًا أخّاذًا من السرد والرمزية. و'عمارة يعقوبيان' قدمت لي صورًا حية لمدينة ومجتمع متقلب، بطابع اجتماعي نقدي يمزج بين الطرافة والمرارة. أختم بـ'باب الشمس' لغرابته الفنية وسرده المتداخل الذي يجذبني كلما فكرت في الرواية كمتاهة تستحق العودة إليها. كل رواية من هذه تمنح تجربة مختلفة للقراءة، وأحب أن أعيد بعضها كل بضع سنوات لأكتشف طبقات جديدة فيها.
هناك شيء كهربائي يحدث في داخلي عندما أغوص في رواية رومانسية جريئة. أحب طريقة صنع تلك اللحظات التي تكاد تُسمع فيها أنفاس الشخصيات بين السطور، وكيف يتحول التوتر إلى اتصال حقيقي لا يمكن تجاهله. بالنسبة لي، الجاذبية تكمن في الصراحة: عندما يتعامل النص مع الرغبة والمخاوف بلا تورية، يصبح القارئ شاهداً مشاركاً وليس مجرد مراقب.
أحياناً أعود لأقرأ مقاطع بعين مختلفة، لأن الرواية الجريئة لا تمنحك فقط مشاهد، بل تبني شخصيات معقدة تظهر هشاشتها وقوتها في آنٍ واحد. هذا التوازن بين القوة والضعف يخلق تعاطفاً عميقاً — وأشعر بأنني أفهم تأثير القرارات الصغيرة على مصائرهم. كما أن اللغة المستخدمة، سواء كانت شعرية أم خامَّة ومباشرة، تضيف طبقة من الحميمية تجعل التجربة مثيرة ومستفزة في الوقت نفسه.
أخيراً، أحترم عندما تعطي الرواية الحدود والاحترام بين الشخصيات بدل أن تكون استعراضاً فقط. حين تُروى العلاقة بذكاء، تصبح كل لحظة حميمة ذات معنى، ويترك ذلك أثرًا يدوم طويلًا بعد إقفال الصفحات. هذا الشعور بالاهتمام بالتفاصيل هو ما يجعلني أعود مراراً لأنواعٍ جريئة من الروايات الرومانسية.