لما اجتاحت الوحوش العالم، كان البقاء هو أولويتنا القصوى. في البداية، الناس تشتتوا وخافوا، لكن بسرعة تعلمنا أن القوة مش بالعضلات وحدها. أنا أتذكر أول مرة شفت فيها مجموعة صيادين يستخدمون فخاخ بسيطة ضد وحش عملاق. كانوا قد بنوا نظام إنذار مبكر من أجراس و حبال، و استغلوا تضاريس المنطقة لصالحهم. هكذا بدأنا نكتشف أن التكيف مش بس بالسلاح، لكن بالذكاء الجماعي.
مع الوقت، كونا مجتمعات صغيرة في ملاجئ تحت الأرض أو فوق الجبال. كل مجموعة طورت تقنياتها الخاصة: زراعة محاصيل مقاومة للظلام، تربية حيوانات صغيرة للطعام، و حتى تدريب بعض الوحوش الأضعف على الحراسة. أنا شخصياً اشتغلت على طريقة لتقطير مياه الأمطار بدون ما تجذب الوحوش. المشكلة الأكبر كانت التواصل بين المستوطنات، فاستخدمنا إشارات ضوئية و حمام زاجل. الأهم من كل هذا، تعلمنا قراءة سلوك الوحوش: متى تهاجم، متى تنشط، و كيف نخفي رائحتنا. الحياة صارت روتين معقد، لكننا اكتشفنا أننا أقوى مع بعض.
أعرف أن السيناريو يبدو وكأنه مأخوذ من لعبة فيديو أو رواية خيال علمي، لكنني تأملت كثيراً في هذا السؤال بعد مشاهدة سلسلة 'Attack on Titan' وإعادة لعب 'The Last of Us'.
بالنسبة لي، التغيير الأكبر لم يكن في الأسلحة أو الدروع، بل في طريقة تفكير البشر. تخيل أن كل تقدمنا التكنولوجي كان موجهاً للسيطرة على الطبيعة أو استغلالها، وفجأة أصبحنا في موقف دفاعي بحت. أتذكر أني قرأت ذات مرة عن 'مشروع مانهاتن' العكسي - بدلاً من صنع قنبلة، بدأ العلماء يدرسون كيفية تحويل أجزاء من أجساد الوحوش إلى أدوات دفاعية. بعض القصص القصيرة التي أحبها تتحدث عن 'التكافل التكنولوجي الحيوي'، حيث تزرع رقائق إلكترونية في كائنات حية معدلة وراثياً لترصد تحركات الوحوش.
ما أثار دهشتي حقاً هو كيف أن الأنظمة الاجتماعية تغيرت. في أحد البودكاستات التي أتابعها، ناقش المؤرخون كيف أن 'جدار الصد' لم يعد جداراً خرسانياً، بل شبكة من الطائرات بدون طيار المزودة بأجهزة استشعار حرارية. وفي المناطق الريفية، تحول المزارعون إلى 'حراس حدود'، يستخدمون طائرات زراعية مسلحة لأغراض دفاعية. أعتقد أن هذا يشبه كثيراً ما حدث في الثورة الصناعية عندما تحول الحرفيون إلى عمال مصانع - الفكرة أن الضرورة تفرض إعادة تعريف المهارات.
قضيت أمسية كاملة أتصفح المنتديات بعد أن خلصت من 'Attack on Titan'، وصراحةً نظرية 'العقاب الإلهي' هي اللي لفتتني أكثر من غيرها.
تخيل معي: كل هذي الوحوش ما ظهرت فجأة، لكنها كانت نتيجة تراكم أخطاء البشرية عبر قرون. مثلاً، في بعض الأعمال مثل 'Claymore'، الوحوش كانت كامنة في الظل تنتظر اللحظة المناسبة بسبب تجارب البشر اللي تجاوزوا فيها حدودهم الأخلاقية.
أنا شخصياً أميل لفكرة أن الكوارث هذه ما هي إلا رد فعل من الأرض نفسها، زي ما شفنا في 'Nausicaä of the Valley of the Wind'، حيث الغابة السامة كانت نتيجة لتلوث قديم. كلما فكرت في الموضوع، أحس أن القصص هذي تشبه واقعنا اللي نعيش فيه، حيث الحروب والتغير المناخي يخلقان 'وحوشاً' حقيقية.
مو غريب أن المشاهدين يحبون يربطون الأحداث الخيالية بقضايانا الحالية، لأنها تخلي القصة أقرب للقلب وتخلينا نتأمل لو أنه صار كذا في الحقيقة، شلون راح نتصرف؟
صراحة، أحد أكثر الجوانب اللي أثارت اهتمامي في هالنوع من القصص هو كيف المجتمعات تعيد اختراع نفسها بعد اجتياح الوحوش. مثلاً في لعبة 'The Last of Us'، شفت الناس شكّلوا مناطق عازلة زي 'المنطقة الآمنة' في بوسطن، يعتمدون على دوريات مسلحة وفحص صارم لأي شخص يدخل. صار عندهم نظام مقايضة بدل العملات، وكل واحد عنده مهارة معينة - زي الخياطة أو الزراعة - يصير جزء من المجتمع.
بس في روايات ثانية زي 'Attack on Titan'، الناس لجأوا لأسوار عملاقة لحماية نفسهم، وهنا صار البقاء معتمد على استراتيجيات عسكرية وتكنولوجيا مبتكرة زي أجهزة الحركة العمودية. كل جندي يتدرب من الصغر عشان يواجه الوحوش، وصار فيه تخصص دقيق زي الفرسان والمهندسين.
الأمر المثير كمان هو كيف المجتمعات طورت طقوس جديدة للبقاء، مثلاً في مسلسل 'The Walking Dead'، المجموعات الصغيرة كانت تعتمد على الصيد والبحث في المباني المهجورة، لكن الكبيرة زي 'ألكسندريا' بنت نظام زراعة متطور وجدران حصينة. كل هذي الأفكار تخليني أتساءل: لو صار هالشي في الواقع، هل الناس حتركز على البناء أو المقاومة؟
أعتقد أن السيناريو الأكثر إثارة للاهتمام هو عندما تبدأ المجتمعات المحلية في تولي زمام الأمور بنفسها.
تخيل معي: بعد انتهاء اجتياح الوحوش، تختفي الحكومات المركزية التقليدية تماماً، لأن الناس أدركوا أن هيكلها الهش لم يصمد أمام الكارثة. ما يحدث بعد ذلك هو ظهور شبكات محلية صغيرة، يديرها أولئك الذين نجوا بالفعل من المعارك - ربما جنود سابقون، أو علماء بيئة، أو حتى فنانين فقدوا كل شيء. هؤلاء الأشخاص ليسوا سياسيين بالمعنى التقليدي، بل هم قادة فعليون أثبتوا كفاءتهم في لحظات الخطر.
الجميل في هذا النموذج أنه يعيد تعريف مفهوم السلطة. لم يعد الأمر يتعلق بالسيطرة أو الثروة، بل بالثقة المتبادلة والقدرة على اتخاذ قرارات سريعة. في إحدى الروايات التي قرأتها مؤخراً، 'أرض الظل'، كان أحد الشخصيات الرئيسية طبيبة بيطرية سابقة أصبحت عمدة بلدة صغيرة لأنها عرفت كيف تحمي مخزون المياه من تلوث الوحوش. هذا النوع من القيادة العضوية يلهمني حقاً.
لكن في نفس الوقت، التحدي الأكبر هو كيف يمكن لهذه المجتمعات المبعثرة أن تتواصل وتتعاون. هل ستنشأ لغة سياسية جديدة؟ ربما شبكة اتصالات تعتمد على الإشارات الضوئية أو طرق قديمة. أنا متحمس لاستكشاف كيف ستبدو العولمة بعد انهيارها بالكامل.
قرأت الرواية قبل المسلسل، وصراحة زحمة الأحداث في الحلقات الأخيرة خلتني أرجع للكتاب عشان أفهم أكثر.
المؤلف كشف بطريقة تدريجية إن أصل الوحوش الملعونة مش مجرد لعنة عابرة، دي جذورها ممتدة لخطأ قديم ارتكبه البشر. في الفصل السابع، فيه مشهد للحكيم العجوز وهو يشرح إن الملعونين كانوا في الأصل بشر عاديين، لكن طمعهم في قوة محرمة جعلهم يتحولون.
أكثر نقطة عجبتني إن لعنة الجسد دي مش عقاب إلهي، دي نتيجة طبيعية لسلوكيات البشر نفسهم، زي ما نقول 'كل إنسان بيحصد اللي زرعه'.