أنا أتابع سلسلة 'المدن الملعونة' من فترة، ولاحظت فعلاً أن الكاتب أضاف تغييرات جوهرية في الجزء الجديد مقارنة بالأصل. مثلاً، تطور شخصية 'مارك' أصبح أكثر تعقيداً، حيث لم يعد مجرد بطل خارق بل صار يعاني من صراعات داخلية مرتبطة بماضيه الأسود.
في الروايات الأولى، كانت المدن مجرد خلفية للأحداث، لكن الآن الكاتب وصف كل مدينة ككيان حي له تاريخه وأساطيره الخاصة. مثلاً، مدينة 'أوراكل' الجديدة التي ظهرت في الجزء الرابع، ليست مجرد مكان، بل نظام اجتماعي كامل له قوانينه الصارمة وطقوسه الغامضة. حتى الشخصيات الثانوية حصلت على خلفيات أعمق، مثل الحارس 'جاك' الذي اكتشفت أنه كان راهباً قبل أن يتحول إلى قاتل مأجور.
ما أعجبني أكثر هو الطريقة التي مزج بها الكاتب عناصر الخيال العلمي مع الفلسفة، حيث أصبحت كل مدينة مرآة لقضايا إنسانية معاصرة. مثلاً، مدينة 'نوفا' ترمز للانعزالية الرقمية التي نعيشها اليوم بفضل التكنولوجيا. هذا التغيير جعلني أقرأ الرواية مرتين لألتقط كل التفاصيل الصغيرة التي زرعها في النسيج السردي.
في إحدى ليالي الشتاء، بدأت قراءة 'العاصمة الملعونة' لكاتبها تشانغ يي، ولم أتوقع أنني سأمضي الأسبوع التالي في حالة من القلق والتشويق. الرواية تحكي عن مدينة تعاني من لعنة قديمة، والأحداث تتكشف ببطء لترسم صورة مروعة عن الطبيعة البشرية. الكاتب بارع في بناء الأجواء، حيث يصف التفاصيل اليومية بشكل يجعلك تنسى أنك تقرأ، ثم فجأة يقحمك في مشاهد مرعبة.
أعجبتني كثيراً شخصية المحقق الذي يحاول كشف سر اللعنة، حيث يمثل العقلانية في مواجهة الخرافات. لكن مع تقدم القصة، تبدأ الحدود بين الواقع والخيال في التلاشي، وهذا ما جعلني أتساءل: هل اللعنة حقيقية أم مجرد وهم جماعي؟ الرواية تطرح أسئلة فلسفية دون أن تكون مباشرة. بعض الفصول كانت بطيئة بعض الشيء، لكن ذلك كان ضرورياً لبناء التوتر.
بعد أن أنهيت الرواية، بحثت عن أعمال أخرى لتشانغ يي، واكتشفت أن له أسلوباً فريداً في التعامل مع الرعب النفسي. إنها تجربة قراءة لا تنسى، خاصة مع تلك النهاية التي بقيت عالقة في ذهني لأيام.
أوه، يا له من سؤال شيق! في الحقيقة، الأمر ليس بسيطًا مثل وجود بطل واحد يرتدي عباءة ويأتي لإنقاذ الموقف. عندما أتحدث عن 'الآثار الملعونة'، ذهني يطير فورًا إلى عالم 'Jujutsu Kaisen' الرائع، حيث اللعنات تنبع من المشاعر السلبية للبشر. لكن القصة تقدم فكرة أعمق من مجرد 'منقذ واحد'. غوجو ساتورو، على سبيل المثال، قد يكون الأقوى، لكنه ليس المنقذ الوحيد. يوجي إيتادوري، ذلك الفتى الذي ابتلع إصبع سوكونا، يتحمل عبءًا ثقيلًا على كتفيه، ومع ذلك لا يمكنه فعل كل شيء بمفرده.
ما يجذبني حقًا في هذا السياق هو كيف أن القوة الحقيقية تكمن في التعاون. في 'Jujutsu Kaisen'، نرى كيف أن كل شخصية تساهم بطريقتها الخاصة. ميجومي فوشيغورو بقدراته على استدعاء الظلال، ونوبارا كوغيساكي بمساميرها الطاقية، وحتى الشخصيات الداعمة مثل كيوتاكا إيتادوري، كلهم يلعبون دورًا في حماية المدينة. هذا يذكرني بأعمال أخرى مثل 'Fullmetal Alchemist: Brotherhood'، حيث الإخوة إلريك لم يستطيعوا هزيمة الكاهن الأعظم دون مساعدة أصدقائهم وحلفائهم.
لكن دعني أشاركك شيئًا من تجربتي الشخصية مع هذا النوع من القصص. أتذكر عندما شاهدت 'Attack on Titan' لأول مرة، ظننت أن إرين ييغر هو المنقذ الوحيد، لكن مع تطور الأحداث، أدركت أن المفهوم برمته أكثر تعقيدًا. في النهاية، المنقذ ليس شخصًا واحدًا، بل مجموعة من الأفراد الذين يواجهون اللعنات معًا، سواء كانت تلك اللعنات حقيقية أو مجازية. في عالمنا الواقعي، أرى تشابهًا مع كيف نتعامل مع التحديات اليومية - نحتاج إلى بعضنا البعض لمواجهة 'اللعنات' التي تظهر في حياتنا.
وما يثير حماسي أكثر هو كيف أن بعض الأعمال تقدم مفاهيم غير تقليدية للإنقاذ. مثلاً، في لعبة 'Persona 5'، حيث الأبطال يتسللون إلى قلوب الأشرار ليسرقوا كنوزهم، لكنهم في جوهرهم ينقذون المدينة من الفساد الأخلاقي. أو في رواية 'The Night Circus'، حيث الخيمة السحرية نفسها تصبح نوعًا من المنقذ، تجذب الناس إلى عالم يتجاوز اللعنات. أعتقد أن الجمال يكمن في تنوع الطرق التي يمكن بها 'إنقاذ المدينة' - ليس دائمًا بالقتال، بل أحيانًا بالفهم والتضحية والحب.
قبل أن أتحدث عن الخصم الرئيسي، دعني أقول إن 'العاصمة الملعونة' مسلسل مليء بالمفاجآت. شخصياً، أكثر شيء أذهلني هو كيف تطور دور 'تسوي تشي' من مجرد شخصية غامضة في الخلفية إلى شرير رئيسي لا يُنسى. في البداية، ظهر كصديق مخلص للبطل، لكن مع تقدم الأحداث، بدأت تظهر علامات خيانته.
أذكر جيداً تلك الحلقة التي كشف فيها عن أهدافه الحقيقية - كانت لحظة صادمة جعلتني أعيد مشاهدة الحلقات السابقة لألتقط كل الإشارات التي فاتتني. ما يجعل 'تسوي تشي' خصماً مميزاً ليس قوته الخارقة فقط، بل طريقة تفكيره الباردة وحسابه الدقيق لكل خطوة. حتى بعد أن أصبح الشرير الأكبر، ظلت دوافعه غامضة جزئياً، مما جعلني أشعر بالفضول بدلاً من الكراهية الخالصة تجاهه.
أحب كيف أن القصة لم تجعله شريراً أُحادي البعد. هناك ومضات من إنسانيته تظهر بين الحين والآخر، تغذيها ذكريات مؤلمة من ماضيه. هذا التناقض بين ما فعله وما كان يمكن أن يكون عليه هو ما جعل صراعه مع البطل أكثر عمقاً. بالنسبة لي، هذا النوع من الخصوم هو الأكثر إثارة - ذلك الذي تفهم سبب تحوله إلى الظلام، حتى لو كنت تختلف مع أفعاله.
من أكثر الأشياء اللي شدتني في فيلم الرعب هذا هو اختيار المخرج لمواقع التصوير، خاصة مشاهد المدن الملعونة. أتذكر أني قضيت ساعات أبحث عن الخلفيات الحقيقية بعد مشاهدة الفيلم، وطلعت المفاجأة! المخرج صور أغلب مشاهد المدينة الملعونة في موقعين حقيقيين. الأول هو 'بئر القديس باتريك' في إيطاليا، وهو بئر قديم من القرن السادس عشر له تاريخ غريب ومظلم. المكان فعلاً يعطيك شعور بالرهبة لأن الجدران الحجرية القديمة والظلام اللي فيه يخلق جو موحش بشكل طبيعي. المصور السينمائي استغل الإضاءة الطبيعية اللي تدخل من فتحة البئر الضيقة، وكانت النتيجة مذهلة.
أما الموقع الثاني فكان 'مدينة كراكوف' في بولندا، وبالتحديد الحي اليهودي القديم 'كازيميرز'. المخرج اختار شوارع ضيقة ومباني قديمة مهجورة هناك عشان يعطي إحساس المدينة الملعونة. الأجواء الباردة والضباب اللي صوروه في الصباح الباكر أضاف طبقة من الغموض. أنا شخصياً زرت كراكوف بعد ما شفت الفيلم، وحسيت أن المكان فعلاً ينقل نفس الطاقة السلبية اللي ظهرت في المشاهد.
أكثر شيء عجبني هو أن المخرج ما استخدم مؤثرات رقمية كثيرة، اعتمد على جماليات المكان الطبيعي والظروف الجوية الحقيقية. حتى الأصوات اللي سمعناها في الخلفية - زي صفير الرياح في الأزقة الضيقة - كانت مسجلة هناك بالموقع. هذا النوع من الالتزام بالواقعية هو اللي يخلي الفيلم يعلق في ذاكرتك.
ما زلت أتذكر تلك اللحظة بوضوح – كنت أتصفح تويتر في الثالثة فجرًا بعد marathon مشاهدة لأنمي قديم، وفجأة أجد تغريدة من دار 'الكرمة' للنشر تعلن أنهم حصلوا على حقوق ترجمة سلسلة 'المدن الملعونة' للعربية! كان ذلك في أوائل مارس 2023، تحديدًا في الثامن من الشهر.
المشكلة أني وقتها كنت متحمس لدرجة أني كدت أصحى جيراني بالصراخ، لأن السلسلة دي بالنسبة لي هي واحدة من أفضل ما كتب في الخيال العلمي البائس، خاصة الجزء الأول 'مدرسة الخير والشر' اللي خلاني أدمن أسلوب سومان تشايناني الساخر المظلم.
بعدها بأسبوع، نزلوا بوست تفصيلي عن موعد الإصدار وقالوا إن المترجم هو محمد عبدالفتاح، اللي أتوقع إنه راح يضيف لمسة حلوة للترجمة لأنه معروف بشغفه بالخيال العلمي. وصراحة، أنا شخصيًا انتظرت بفارغ الصبر لأن الترجمة العربية لروايات الشباب الكبار نادرًا ما تكون بهذا المستوى من الاهتمام.
الحين، أنا فعلاً أخطط لعمل حفلة قراءة مع أصدقائي في مجتمع الأنمي لما تنزل النسخة الورقية، لأن السلسلة تستحق أكثر من مجرد قراءة فردية!
أذكر تمامًا اللحظة التي وصلني فيها خبر حجب الطبعة بعنوان 'المدينة الملعونة'. بصراحة كان أول ما خطر ببالي هو الخطر القانوني: العنوان يوحي بوصم مكان أو مجموعة، وقد يخشى الناشر دعاوى تشهير أو اتهامات بتحقير جهة معينة، خصوصًا لو تضمن النص إشارات لأماكن أو أشخاص حقيقيين. الناشر غالبًا قرأ استشارة قانونية وقرر التقليل من المخاطر قبل الطباعة لتجنّب تكاليف دعوى أو سحب للنسخ من المكتبات.
ثم فكرت في الحساسيات الثقافية والدينية. كلمة مثل 'ملعونة' قد تسبب ردود فعل قوية في بيئات محافظة أو لدى جماعات لها مآثر تاريخية مع ذلك المكان، والناشر لا يريد أن يتحول كتاب إلى أزمة إعلامية. أرى أن القرار ربما جاء مدفوعًا بمزيج من الحيطة القانونية وخوف من الإضرار بسمعة الدار، حتى لو بدا للبعض خطوة مفرطة في الحذر. في النهاية شعرت بأن الحجب كان قرارًا عمليًا أكثر منه نقدًا للمحتوى ذاته، وهو ما يترك شعورًا مختلطًا: أريد أن يُنشر الفن، لكني أفهم أيضًا حسابات المخاطرة التي يواجهها الناشر.