اندلع شجار عنيف في المستشفى.
أشهر أحد أقارب المريض سكيناً ولوح بها بشكل عشوائي، فاندفعت تلقائياً لأبعد زوجي زياد الهاشمي.
لكنه أمسك يدي بشدة، ووضعني كدرع أمام زميلته الأصغر في الدراسة.
فانغرزت تلك السكينة في بطني.
وقضت على طفلي الذي بدأ يتشكل للتو.
عندما نقلني زملائي في المستشفى باكين إلى وحدة العناية المركزة، سحبني زوجي بعنف من السرير.
قال بصوت حاد: "أنقذوا زميلتي الأصغر أولاً، لو حدث لها مكروه، سأطردكم جميعاً!"
صدم الأطباء الزملاء وغضبوا، وقالوا: "زياد الهاشمي، هل جننت؟! زميلتك الأصغر مجرد خدش بسيط، حالة زوجتك هي الأخطر بكثير الآن!"
أمسكت بطني الذي ينزف بلا توقف، وأومأت برأسي ببطء: "ليكن ذلك إذاً."
زياد الهاشمي، بعد هذه المرة، لن أدين لك بشيء.
قيود الظل وشرارة التمردفي قلب مدينة تعج بالحياة، حيث تتراقص أضواء النيون على واجهات المباني الزجاجية العالية، وتتداخل أصوات السيارات مع همهمات المارة، كانت إيلي تعيش في ظلٍّ قاسٍ، ظلٍّ ألقت به زوجة أبيها، فيكتوريا، على كل زاوية من زوايا حياتها. لم تكن إيلي تتجاوز الثامنة عشرة من عمرها، لكن عينيها الخضراوين، اللتين كانتا تلمعان ذات يوم ببريق البراءة والأحلام الوردية، أصبحتتا تحملان ثقل سنوات من الحزن العميق والخوف المستمر. منذ وفاة والدتها الحنونة، التي كانت بالنسبة لإيلي كل شيء، تحولت حياتها الهادئة إلى سلسلة لا تنتهي من الأوامر القاسية والكلمات الجارحة التي كانت تنهال عليها كالسياط.كان منزل والدها، الذي كان يضج بالدفء والحب الأبوي، قد تحول إلى سجن ذهبي فاخر. الجدران المزخرفة بالنقوش البارزة، والتحف الفنية الثمينة التي تملأ الأركان، والأثاث الفاخر الذي يعكس ثراء العائلة، كل ذلك لم يستطع أن يخفي برودة المعاملة وقسوة القلب التي كانت فيكتوريا تبثها في كل ركن من أركان هذا المنزل الكبير. فيكتوريا، امرأة ذات جمال صارخ يخفي وراءه روحًا خاوية، كانت ترى في إيلي مجرد عائق أمام سيطرتها الكاملة على ثروة زوجها الراحل. كانت تتقن فن التلاعب ببراعة، وتجيد إظهار وجه الملاك البريء أمام والد إيلي، الذي كان غارقًا في أعماله التجارية ومخدوعًا بابتسامات زوجته المصطنعة وكلماتها المعسولة.لم تكن حياة إيلي مجرد معاناة نفسية فحسب، بل كانت تتجاوز ذلك إلى الحرمان من أبسط حقوقها. كانت تُجبر على القيام بأعمال المنزل الشاقة، بينما كانت فيكتوريا وابنتها المدللة، ليلي، تستمتعان بحياة الرفاهية والترف. كانت إيلي تحلم بالالتحاق بالجامعة ودراسة الفنون، فقد كانت موهوبة في الرسم، لكن فيكتوريا كانت تسخر من أحلامها وتصفها بالخيال الواسع الذي لا طائل منه. "الفن لا يطعم خبزًا يا إيلي!" كانت تقول لها بتهكم، "عليكِ أن تتعلمي كيف تكونين سيدة منزل صالحة، فهذا هو مصيركِ
في مدينةٍ تحكمها العادات قبل القلوب، يلتقي قلبان لم يختارا مصيرهما.
هي ممرضة كرّست حياتها لشفاء الآخرين، وهو مهندس يبني الجسور والطرق… لكن كليهما يقف عاجزًا أمام جسرٍ واحدٍ لا يستطيع عبوره.
جمعهما القدر في بيتٍ واحد كأخوين غير شقيقين، لكن مع مرور السنوات بدأ الشعور بينهما يتجاوز حدود الأخوّة. حبٌ صادق ينمو في صمت، يخشاه القلب ويخفيه العقل، لأن المجتمع لا يرى فيه سوى خطأ لا يُغتفر.
بين واجبها الإنساني في إنقاذ الأرواح، وسعيه لبناء المستقبل، يجدان نفسيهما أمام سؤالٍ واحد:
هل يمكن للحب أن ينجو عندما يصبح وجوده نفسه جريمة في أعين الجميع؟
هذه قصة قلبين عالقين بين ما يشعران به… وما يُسمح لهما أن يعيشاه
قبل زفافي بشهر، قرر خطيبي أن يُنجب طفلًا من امرأةٍ أخرى.
رفضتُ، فظلّ يُلح عليّ يومًا بعد يوم.
وقبل الزفاف بأسبوعين، وصلتني صورة لنتيجةِ اختبارِ حملٍ إيجابية.
عندها فقط أدركت أن حبيبته القديمة كانت بالفعل حاملًا منذ قرابةِ شهرٍ.
أي أنه لم يكن ينتظر موافقتي من البداية.
في تلك اللحظة، تبدد كل الحب الذي دام سنواتٍ، فتلاشى كالدخان.
لذا ألغيت الزفاف، وتخلصت من كل ذكرياتنا، وفي يوم الزفاف نفسه، التحقتُ بمختبرٍ بحثيّ مغلقٍ.
ومنذ ذلك اليوم، انقطعت كل صلتي به تمامًا.
كنت أظن أن عدوي هو من دمر حياتي…
حتى وقعت في حبه."
ليان لم تبحث عن الحب يومًا…
كانت تبحث عن الحقيقة.
وكمال لم يكن مجرد رجل غامض…
كان السر الذي قد يدمّرها… أو ينقذها.
بين الانتقام والانجذاب،
وبين الماضي الذي لا يُدفن…
تبدأ لعبة أخطر مما تخيلت.
لكن السؤال الحقيقي:
هل يمكن أن تحب من كان السبب في كل ألمك؟
بسبب أن ابنة زوجة أبي حُبست في السيارة وأُصيبت بضربة شمس، غضب أبي وربطني وألقاني في صندوق السيارة.
نظر إليّ باشمئزاز قائلاً: "ليس لدي ابنة شريرة مثلك، ابقي هنا وتأملي أخطائك."
توسلت إليه بصوت عالٍ، واعترفت بخطئي، فقط لكي يطلق سراحي، لكن ما تلقيته كان مجرد أوامر قاسية.
"ما لم تمت، فلا أحد يجرؤ على إخراجها."
توقفت السيارة في المرآب، وصرخت مرارا طلبًا للمساعدة، لكن لم يكن هناك أحد ليسمعني.
بعد سبعة أيام، تذكر أخيرًا أن لديه ابنة وقرر إخراجي.
لكن ما لم يكن يعرفه هو أنني قد مت منذ وقت طويل داخل ذلك الصندوق، ولن أستيقظ أبدًا.
أحب مراقبة كيف يتحول مفهوم مجرد إلى صورة حية في النص؛ عندما يرمز الكاتب لمصطلح 'شوء' في روايات السحر، أراه يتقاطر عبر حواس القارئ بدلًا من أن يُعرَّف مباشرة. أرى الكتاب يمدون 'الشوء' كلطخة تُفسد الأشياء البسيطة: لون يد يتغير، رائحة تشبه الحديد أو الأوراق المتعفنة، طنين خافت في الهواء، أو حتى شذوذ في ظلّ الشجرة. هذا التمثيل الحسي يجعل من الشوء كيانًا يلمسه القارئ قبل أن يفهمه، وهو يضفي شعورًا بالتهديد القابل للقياس.
في كثير من الروايات يتدرّج الظهور: بداية إشارات صغيرة — أملاح سوداء على حواف الأواني، طيور تبتعد، مزارع تُصاب بالذبول — ثم تتسع الحلقة بعد أحداث محورّية. أحب كيف يستغل الكاتب هذا النُهُج ليجعل الشوء مرتبطًا بأخطاء تاريخية، خطايا قديمة أو استعمال سحري محرم، فتتحول إلى علامة اجتماعية؛ بعض الشخصيات تُنعت بخوف، والبعض الآخر يحاول إخفاء أثره رغم أن الدلالة تبقى حاضرة في الكلام والنبرة.
كما أن الشوء غالبًا ما يحمل تناقضًا سرديًا: هو مدمّر وملوّث، لكنه أيضًا مادّة سردية خصبة تُتيح للازمات التحول والنمو؛ من خلال مقاومة الشوء تنبثق الشجاعة والعلاقات الحقيقية. أجد هذا التوظيف مفيدًا لأنّه يعطي السحر بعدًا أخلاقيًا وماديًا في آن واحد، ويجعل العالم الخيالي أكثر واقعية من خلال تفاصيل صغيرة تبدو عابرة لكنها تغيّر كل شيء في النهاية.
قصة هذا المشهد لا تفارق ذهني. المشهد الذي أثار أكبر قدر من الجدل عن مشاهد الشهوة في تاريخ السينما أخرجه برناردو بيرتولوچى (Bernardo Bertolucci)، ويتعلق بفيلم 'Last Tango in Paris'. المشهد الذي شارك فيه مارلون براندو وماريا شنايدر أصبح مرجعية للنقاش حول حدود الفن والاعتداء والاحترام أثناء التصوير.
أحيانًا عندما أعود للتفكير فيه أتصور كيف أن قرار المخرج حينها بتضخيم عنصر الصدمة على حساب موافقة الممثلة غيّر مسار النقاش الأخلاقي في صناعة الأفلام. بيرتولوچى اعترف بعد سنوات بأنه لم يخبر شنايدر بتفصيل معين في المشهد لكي تكون ردة فعلها «طبيعية»، ونشأت بعد ذلك موجة انتقادات حول استغلال الممثلين وغياب الرقابة الأخلاقية. أنا أتذكر الحوارات الطويلة بين أصدقاء السينما حول ما إذا كان الفن يبرر وسائل كهذه، وما إذا كان المشهد سيمتلك نفس قوته لو تمت الموافقة المسبقة والصريحة.
بصراحة، أجد الفيلم متميزًا من ناحية إخراجية وتقنية، لكن ذلك المشهد ظل يطغى عليه لأنه طرح سؤالًا قاسيًا: هل يمكن أن يبرر الإخراج الخداع الجسدي أو العاطفي؟ بالنسبة لي، الاسم مرتبط دائمًا بالتمرد الفني وفي نفس الوقت بالندم الأخلاقي الذي تبعه.
توقفتُ أمام كلمة 'شوء' وكأنها مفتاح مختبئ في عالم السرد، وبدأتُ أفكّر أين وضعها المؤلف لأول مرة داخل السلسلة. في كثير من الأعمال، كلمات جديدة أو مصطلحات خاصة تُلقى في وجه القارئ مبكّرًا — عادة في البادئة أو في الفصل الأول — لتثبيت العالم اللغوي من البداية. لذا أول مكان أبحث عنه هو النصّ الافتتاحي: البادئة، الفصل الأول أو حتى ملاحظات المؤلف في نهاية الفصل الأول.
إذا كانت 'شوء' اسمًا لشخصية أو لقبًا، فاحتمال أن تظهر عند تقديم تلك الشخصية أولًا. أما إن كانت مصطلحًا عالمياً (مثل اسم مكان أو مفهوم سحري)، فالمؤلف غالبًا ما يدخلها في مشهد يشرح العالم أو أثناء حوار توضيحي بين شخصيتين رئيسيتين، وهذا يميل لأن يكون ضمن الحلقة الأولى من القصة أو الفصل الذي يعرّف بالقواعد الأساسية للعالم.
بالنسبة لي، طريقة التأكد العملية التي أتبعتها دائمًا هي: البحث داخل النص الرقمي عن كلمة 'شوء'، مراجعة الفصول القريبة من الظهور، والاطّلاع على تعليقات الهوامش أو ملاحظات المترجم/الناشر. إن لم يتوفّر النص الرقمي، فالفان ويكي والمجتمعات المتخصصة تكون مفيدة جدًا. شخصيًا أميل إلى الاعتقاد بأنها وُضِعت في بداية السرد — إما البادئة أو الفصل الأول — لأن إدخال مصطلح جديد هناك يُسهِم في إحكام البناء السردي وإحساس القارئ بالألفة مع المصطلح.
ظلّ واحدٍ ممتد عبر الحائط يمكن أن يكون أكثر سوداوية من أي كلام؛ هكذا رأيته مرة في سلسلة صور جعلت قلبي يتهيأ لشيء سيئ. المصورون الذين يريدون تمثيل 'الشؤم' يعتمدون على لغة بصرية واضحة لكنها متعددة الطبقات. أولاً الإضاءة: الإضاءة المنخفضة مع مصادر ضوء جانبية أو خلفية تخلق ظلالاً حادة وتفصل الشكل عن الخلفية، الظلال الطويلة خصوصاً تشير إلى تهديد غير مرئي. ثم الألوان، الفلاتة على الأزرق البارد أو الأخضر المائل إلى الصفرة تجعل المشهد يشعر بالتعفن والمرض، بينما القليل من الأحمر المتوحش يعمل كإشارة تحذير.
التركيب مهم جداً؛ زوايا الكاميرا المائلة (Dutch tilt) والتمركز غير المتماثل يجعل المشهد ينهار بصرياً ويشعر المشاهد بعدم الاستقرار. العناصر المتكررة المكسورة — مرآة مشروخة، ساعة متوقفة، أرجوحه مهجورة — تؤكد فكرة الزمن المتوقف والمصير المحتوم. إضافة الضباب أو الدخان، أو تصوير مشاهد في ضباب كثيف، يخلق إحساساً بالغموض وأن شيئاً سيء يختبئ خلفه.
أيضاً التفاصيل الدقيقة تعمل كاختصارات نفسية: عينان باهتتان في الظلام، ظل غُراب على النافذة، أو باب موارب تُضربه رياح خافتة. حتى الخدوش على الفيلم، الحبيبات وزيادة التباين تضيف خامة تخريبية. باختصار، الشؤم يُبنى من تجمع عناصر صغيرة: ضوء خاطئ، لون خاطئ، زاوية خاطئة، وشيء مكسور في المشهد — وكل ذلك يترك طعماً بغيضاً لا يزول بسهولة.