حين وقعتُ في حب عدوي

حين وقعتُ في حب عدوي

last updateLast Updated : 2026-05-02
By:  H.E.DUpdated just now
Language: Arab
goodnovel12goodnovel
10
4 ratings. 4 reviews
88Chapters
3.5Kviews
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

كنت أظن أن عدوي هو من دمر حياتي… حتى وقعت في حبه." ليان لم تبحث عن الحب يومًا… كانت تبحث عن الحقيقة. وكمال لم يكن مجرد رجل غامض… كان السر الذي قد يدمّرها… أو ينقذها. بين الانتقام والانجذاب، وبين الماضي الذي لا يُدفن… تبدأ لعبة أخطر مما تخيلت. لكن السؤال الحقيقي: هل يمكن أن تحب من كان السبب في كل ألمك؟

View More

Chapter 1

الفصل الأول

ارتطم الكوب الزجاجي بالأرض قبل أن تتمكن ليان من التقاط أنفاسها، وتناثرت شظاياه عند قدميها مثل شيء تعرفه جيدًا، شيء يشبه قلبًا لم يُمنح فرصة ليتماسك أصلًا. لم تلتفت إلى الصوت، لم تنحنِ لتجمع الفوضى، ولم تهتم بالنادلة التي شهقت معتذرة وهي تتراجع خطوة إلى الخلف. كل ما رأته كان الرجل الخارج من المصعد الزجاجي في الطابق العلوي من الفندق، الرجل الذي تحرك بين الحراس ورجال الأعمال وكأن المكان خُلق ليُفتح له وحده، وكأن الهواء نفسه يعرف اسمه ويفسح له الطريق.

كمال.

حتى من هذه المسافة، وحتى بعد سبع سنوات كاملة، عرفته كما يُعرف الجرح موضع السكين. لم يتغير وجهه بقدر ما ازدادت ملامحه صرامة، ذلك الهدوء المستفز الذي يجعل من ينظر إليه يعجز عن قراءة ما خلفه، والبرودة اللامعة في عينيه التي كانت كافية، في تلك الليلة القديمة، لتجعل رجلاً يحتضر يهمس باسم لا يليق إلا بالخيانة.

ضغطت ليان أصابعها على حافة الطاولة حتى ابيضّت مفاصلها. كانت تعرف أنه سيحضر الحفل. لهذا السبب جاءت أصلًا. لهذا قضت شهورًا في نسج الطريق الذي أوصلها إلى هنا، بهذه الدعوة الذهبية التي تحمل اسمها الجديد، بهذه الهيئة الهادئة، بهذا الفستان الأسود الذي يخفي أكثر مما يُظهر، وبهذه الابتسامة التي تدربت عليها أمام المرآة حتى صارت مقنعة بما يكفي لتجلس على وجهها من دون أن تفضح النار المشتعلة تحتها.

لكن المعرفة شيء، ورؤيته شيء آخر.

رفع كمال يده مصافحًا أحد المستثمرين، وانحنى الرجل له بانتباه زائد، بتلك الطريقة التي ينحني بها الناس للسلطة حتى عندما يحاولون الظهور بمظهر الند. لم يكن أطول رجل في القاعة، ولا الأعلى صوتًا، لكنه كان أكثرهم حضورًا. وجوده وحده أعاد ترتيب المكان حوله. وهذا بالضبط ما كرهته ليان فيه منذ اللحظة الأولى التي سمعت فيها اسمه. رجال مثله لا يكتفون بالدخول إلى الغرفة، بل ينتزعون مركزها، ثم ينظرون إلى من بقي على الأطراف وكأنهم تفاصيل لا تستحق التوقف عندها.

بلعت مرارتها ببطء، ثم نهضت.

لم تأتِ لتراقبه من بعيد. لم تأتِ لتضعف عند أول مواجهة. الليلة ليست للذكريات، بل للبداية. بداية السداد.

خطت بين الطاولات بخفة محسوبة، والضوء المنكسر من الثريات ينساب على كتفيها مثل ستار من ذهب بارد. كانت تسمع نبضها بوضوح مزعج، لكن خطواتها بقيت ثابتة. كل شيء فيها كان مدروسًا، حتى اللحظة التي ستقف فيها أمامه، وحتى الارتباك الذي لن تسمح لنفسها به. حين اقتربت أكثر، التقت عيناها بعينيه فجأة، كأن شيئًا حادًا انغرس في صدرها ثم استقر هناك.

توقف الحديث حوله لجزء من الثانية، أو ربما توقف العالم كله في رأسها هي فقط.

نظر إليها كمال مباشرة. لا دهشة واضحة، لا ارتباك، لا حتى ذلك التردد القصير الذي يكشف للآخر أنه تعرف عليك من ماضٍ بعيد. كانت نظرته مستقيمة، ساكنة، باردة بقدر ما كانت دقيقة، وكأنه يقرأ صفحة لم يقرر بعد إن كانت تهمه أم لا.

وهذا أزعجها أكثر مما لو بدا مصدومًا.

وقفت أمامه وقالت بصوت خرج أهدأ مما توقعت: "يبدو أن الحفل يليق بك."

لم يبتسم، لكنه أمال رأسه قليلًا، كما لو أنه يمنح عبارتها وزنًا أكبر من اللازم. "وأنتِ؟ هل يليق بكِ هذا المكان؟"

كانت جملة بسيطة، عابرة لمن يسمعها من الخارج، لكنها أصابتها كضربة موجهة. هل يعرف؟ هل تذكرها؟ أم أنه مجرد رجل اعتاد أن يتكلم كما لو أنه يرى ما تحت الجلد؟

شدّت كتفيها وقالت: "المناسبات الكبرى تحتاج وجوهًا جديدة."

عندها فقط تحرك شيء صغير في ملامحه، ليس ابتسامة كاملة، بل الظل الذي يسبقها. "الوجوه الجديدة غالبًا تحمل نيات قديمة."

لو لم تكن مستعدة، لاختنقت. لكنها ثبتت نظرها فيه، وسمحت لنفسها بأن تقترب خطوة إضافية. كانت رائحته نظيفة وحادة، شيء خشبي بارد لا يناسب دفء القاعة ولا الموسيقى الناعمة في الخلفية. رجل مثل هذا لا بد أن يصنع تفاصيله بعناية. حتى الصمت عنده يبدو متعمدًا.

قالت: "وهل تخاف النيات القديمة يا أستاذ كمال؟"

لأول مرة، تراجع الحاضرون من حوله بهدوء غير معلن. شخص ما تلقى إشارة من أحد مساعديه، وشخص آخر انسحب حاملاً كأسه. خلال لحظات قليلة، صار الفراغ حولهما أوسع، وكأن الناس تعلموا من التجربة ألا يقفوا قريبًا حين يصبح مزاج كمال غير قابل للتوقع.

أجابها بصوت منخفض: "أنا لا أخاف. أنا فقط لا أحب المفاجآت."

كانت تريد أن تقول له إن أسوأ مفاجأة في حياته لم تصل بعد. أرادت أن تذكره باسم أبيها، أن ترى ولو شرخًا واحدًا في تلك الواجهة المصقولة، أن تجرّه إلى اللحظة التي سقط فيها كل شيء. لكن الانتقام الحقيقي لا يبدأ بالصراخ. يبدأ حين يطمئن عدوك إلى أنك مجرد امرأة أخرى وصلت متأخرة إلى الحفل.

لهذا ابتسمت. ابتسامة صغيرة، بطيئة، لا تكشف شيئًا. "إذن سأحاول ألا أكون مفاجئة."

وقبل أن يرد، تقدم رجل خمسيني سمين الوجه، واسع النفوذ من ملامحه قبل اسمه، ومد يده إلى ليان بحماسة مفرطة. "أخيرًا عرفتك على رئيس مجلس الإدارة بنفسه؟ قلت لكِ إن مشروعك سيجذب انتباه الجميع الليلة."

تحولت الأنظار بينهما من جديد. عرفت ليان هذه اللحظة، خططت لها، انتظرتها. المشروع الذي أعدته ليس سوى الباب. التطبيق الذكي الذي قدمته باسم شركتها الناشئة كان مجرد طُعم راقٍ بما يكفي ليدخلها إلى دائرة كمال التجارية. لم يكن مهمًا أن يقتنع الجميع، المهم أن يقتنع هو.

لكن ما لم تتوقعه هو أن ينظر كمال إلى الرجل ثم يقول ببرود واضح: "أنا اطلعت على الملف."

رمشت ليان مرة واحدة. لم يكن هذا في حساباتها. الملف أُرسل قبل ساعات فقط إلى الإدارة، وكان من المفترض أن يمر عبر فريق كامل قبل أن يصل إليه.

أردف كمال وهو لا يزال ينظر إليها: "التنفيذ طموح. لكنه لا يشبه مشروع مبتدئة."

تدخل الرجل السمين ضاحكًا ليكسر حدّة الجملة: "قلت لك، الآنسة ليان ليست عادية."

الاسم خرج من فم الرجل عاديًا، عابرًا، لكنه صنع في صدرها صوتًا أشبه بارتطام باب قديم. اسمها الحقيقي. الاسم الذي دفنته تحت طبقات من الصمت والتعب والسنوات. لم تكن تنوي تقديم نفسها به. اختارت بطاقة الدعوة باسم مختصر لا يلفت شيئًا، لكن الرجل كشفه بسهولة وهو يظن أنه يمدحها.

وعندها رأت التغيير.

شيء صغير جدًا مر في عيني كمال، شيء خاطف لكنه موجود. معرفة؟ صدمة؟ ألم؟ لم يدم إلا لحظة، لكنه كان كافيًا ليلتهم ما بقي من اتزانها.

عرفها.

عرفها منذ البداية، أو على الأقل منذ هذه اللحظة.

ثبتت نفسها بصعوبة، فيما تابع الرجل حديثه عن الصفقات والتعاون والمستقبل. الكلمات صارت بعيدة، مطاطية، لا تصلها كاملة. كل تركيزها انحشر في وجه كمال، في ذلك الهدوء الذي عاد بسرعة مخيفة، وكأن الشرخ الذي لمحته لم يكن إلا وهمًا ولد من رغبتها في رؤيته يتألم.

ثم قال كمال جملته التالية وهو يوجهها للرجل، لكن عينيه عليها: "أريدها أن تزور الشركة غدًا."

التفت الرجل السمين إليه مسرورًا. "رائع. هذا أفضل مما توقعت."

أما ليان، فشعرت بشيء بارد ينساب في عمودها الفقري. غدًا؟ بهذه السرعة؟ هل هي فرصة فتحتها بيديها، أم باب دخله منها قبل أن تدرك أنها صارت داخل اللعبة لا خارجها؟

قالت بهدوء محسوب: "أنا من يقرر جدول زياراتي."

كان الرد ضروريًا، ليس رفضًا بل توازنًا. لا يجب أن يراها مندافعة. لا الآن.

ومرة أخرى، ظهر ذلك الظل القريب من الابتسامة على فمه. "إذن قرري بحكمة."

ابتعد بعدها كأن الأمر انتهى، كأن الجملة الأخيرة تكفي وحدها لتركها في مكانها مشدودة الأعصاب، تراقب ظهره المستقيم وهو يغادر محاطًا برجاله. لم يلتفت. لم يحتج إلى ذلك. كان واثقًا أنها ستشعر بما أراد زرعه فيها من دون نظرة إضافية.

بقيت واقفة لثوانٍ، ثم جلست ببطء قبل أن تخونها ركبتاها. أحست بحرارة القاعة تختنق حولها. رفعت كأس الماء بيد ثابتة ظاهريًا، لكن السائل ارتج قليلاً عند الحافة. لم تتوقع أن يكون اللقاء الأول بهذا الشكل، لم تتوقع أن يمنحها مساحة ضيقة إلى هذا الحد، ولم تتوقع أبدًا أن يبدُو كأنه كان ينتظرها منذ زمن.

جاءها صوت ناعم من الخلف: "أنصحك ألا تثقي في أي شيء يقوله."

استدارت فورًا.

كانت امرأة في أواخر الثلاثينات، أنيقة إلى درجة لا تصرخ بالثروة بل تهمس بها، بعينين تعرفان أكثر مما تفصحان. جلست من دون استئذان، ووضعت حقيبة صغيرة على الطاولة كما لو أن المكان حُجز لها سلفًا.

سألتها ليان بحذر: "هل أعرفك؟"

قالت المرأة: "ليس بعد."

ثم دفعت نحوها بطاقة صغيرة سوداء بلا اسم، عليها عنوان فقط، ووقت مكتوب بخط فضي: الحادية عشرة صباحًا.

"إن كنتِ تريدين الحقيقة عن موت والدك، لا تذهبي إلى شركة كمال غدًا قبل أن تقابليني."

تجمدت يد ليان فوق الكأس. لم تشعر بالموسيقى، ولا بالضوء، ولا بحركة الحاضرين من حولها. فقط تلك الجملة، الباردة والحادة، استقرت في داخلها كرصاصة مؤجلة الانفجار.

رفعت رأسها بسرعة، لكن المرأة كانت قد نهضت بالفعل.

قالت ليان بصوت خرج أخفض مما أرادت: "من أنتِ؟"

توقفت المرأة لحظة، منحتها نظرة مشفقة على نحو أزعجها أكثر من أي تهديد، ثم قالت: "شخص تأخر كثيرًا."

وغادرت.

حدقت ليان في البطاقة بين أصابعها، ثم رفعت بصرها تلقائيًا نحو الشرفة الزجاجية في الطابق العلوي. كان كمال يقف هناك وحده الآن، مستندًا إلى الحاجز، ينظر إلى القاعة من الأعلى كأنها رقعة شطرنج يراجع مواقع قطعها. وللحظة قصيرة، شعرت بأنه لا ينظر إلى الجميع.

بل إليها هي وحدها.

ثم رفع يده ببطء إلى أذنه، كأنه يتلقى اتصالًا عبر السماعة الخفية، واستقرت عيناه عليها دون أن ترمشا. بعد ثانية واحدة فقط، انطفأت كل الأضواء في القاعة. تصاعدت همهمات مفاجئة، وتوقفت الموسيقى دفعة واحدة، وانعكس الصراخ الأول في الزجاج قبل أن يصلها من بعيد. وبين الظلام الذي هبط فجأة، تشنجت أصابع ليان حول البطاقة السوداء حين سمعت صوتًا قريبًا جدًا يهمس عند أذنها من الخلف، بصوت رجل تعرفه أكثر مما ينبغي.

"لو كنتِ ذكية فعلًا، لهربتِ الآن."

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters

reviews

H.E.D
H.E.D
اتمنى ان تنال إعجابكم ...
2026-04-10 04:58:41
0
3
Reem
Reem
القصة مختلفة
2026-04-01 01:05:03
1
0
Heba Aldibes
Heba Aldibes
القصة مختلفة عن باقي القصص ..جميلة
2026-04-01 00:55:49
1
0
Heba Aldibes
Heba Aldibes
القصة مختلفة
2026-04-01 00:55:18
2
0
88 Chapters
الفصل الأول
ارتطم الكوب الزجاجي بالأرض قبل أن تتمكن ليان من التقاط أنفاسها، وتناثرت شظاياه عند قدميها مثل شيء تعرفه جيدًا، شيء يشبه قلبًا لم يُمنح فرصة ليتماسك أصلًا. لم تلتفت إلى الصوت، لم تنحنِ لتجمع الفوضى، ولم تهتم بالنادلة التي شهقت معتذرة وهي تتراجع خطوة إلى الخلف. كل ما رأته كان الرجل الخارج من المصعد الزجاجي في الطابق العلوي من الفندق، الرجل الذي تحرك بين الحراس ورجال الأعمال وكأن المكان خُلق ليُفتح له وحده، وكأن الهواء نفسه يعرف اسمه ويفسح له الطريق.كمال.حتى من هذه المسافة، وحتى بعد سبع سنوات كاملة، عرفته كما يُعرف الجرح موضع السكين. لم يتغير وجهه بقدر ما ازدادت ملامحه صرامة، ذلك الهدوء المستفز الذي يجعل من ينظر إليه يعجز عن قراءة ما خلفه، والبرودة اللامعة في عينيه التي كانت كافية، في تلك الليلة القديمة، لتجعل رجلاً يحتضر يهمس باسم لا يليق إلا بالخيانة.ضغطت ليان أصابعها على حافة الطاولة حتى ابيضّت مفاصلها. كانت تعرف أنه سيحضر الحفل. لهذا السبب جاءت أصلًا. لهذا قضت شهورًا في نسج الطريق الذي أوصلها إلى هنا، بهذه الدعوة الذهبية التي تحمل اسمها الجديد، بهذه الهيئة الهادئة، بهذا الفستان ال
last updateLast Updated : 2026-03-25
Read more
الفصل الثاني
انغرست أظافر ليان في البطاقة السوداء حتى كادت حوافها تقطع جلدها، وفي اللحظة نفسها انطلقت صفارة الإنذار من مكان مجهول في سقف القاعة، طويلة وحادة إلى درجة شقت الظلام شقًا. تعالت أصوات متداخلة، صراخ مكبوت، ارتطام كؤوس، خطوات متعثرة، ووسط الفوضى لم تستدر فورًا نحو الصوت الذي همس خلفها، لأن جسدها سبق عقلها وفهم قبلها أن الخطر الحقيقي ليس في العتمة، بل في الشخص الذي يعرف كيف يصل إلى أذنها دون أن تشعر به.استدارت أخيرًا، بسرعة مشدودة، فلم تجد أحدًا.لم ترَ إلا أجسادًا تتحرك بعشوائية تحت الضوء الأحمر الخافت الذي اشتعل بعد ثوانٍ قليلة، يحوّل الوجوه إلى أقنعة قلقة ويجعل العيون أوسع مما ينبغي. اختفى بريق الحفل تمامًا، وظهر شيء آخر تحت السطح الأنيق للمكان، شيء يخص الرعب أكثر مما يخص الارتباك. شعرت ليان بأن الهواء صار أثقل، كأن القاعة أغلقت فمها على من بداخلها دفعة واحدة.رفعت نظرها نحو الشرفة الزجاجية في الأعلى. لم يكن كمال هناك.ذلك الفراغ وحده كان كافيًا ليشد أعصابها أكثر. قبل لحظة فقط كان يقف في مكان واضح، يراقب كل شيء كعادته من علٍ، والآن تبخر، لا كضيف مذهول من انقطاع الكهرباء، بل كرجل يعرف م
last updateLast Updated : 2026-03-25
Read more
الفصل الثالث
اندفعت ليان قبل أن تفكر، جسدها سبق عقلها كما لو أن الأمر لم يكن خيارًا أصلًا، وكأن الكلمة التي قالها بعينيه لم تكن مجرد أمر بل نجاة معلقة بخيط رفيع. الصوت المكتوم للرصاصة الثانية انطلق خلفها، ارتد في الممر الضيق كصفعة مضاعفة، وشعرت به يهز الهواء عند ظهرها دون أن يصيبها، لكنها لم تلتفت، لم تمنح نفسها رفاهية التأكد، لأن التوقف هنا يعني أن تتحول إلى هدف واضح، وهذا شيء تعلمت منذ زمن ألا تكونه.ركضت عبر الباب الجانبي الذي دفعها نحوه، فوجدت نفسها في درج الخدمة، ضيق، حلزوني، مضاء بمصابيح خافتة تنبض بضوء أصفر متقطع. ارتدت خطواتها صدى داخل الجدران الإسمنتية، وكل صوت بدا أعلى مما ينبغي، أنفاسها، احتكاك حذائها بالأرض، حتى خفقان قلبها صار ضجيجًا يخونها. وضعت يدها على الدرابزين المعدني وانطلقت نزولًا، درجة تلو الأخرى، دون أن تعرف إلى أين يقودها هذا الهروب، فقط تعرف أنها لا تستطيع البقاء في الأعلى.لكن عقلها لم يكن فارغًا، كان ممتلئًا أكثر مما يحتمل. صورة كمال وهو ينظر إليها قبل ثوانٍ، تلك الجملة التي خرجت منه وكأنها ليست مجرد تحذير بل اعتراف ناقص، هذه آخر مرة أسمح لكِ فيها بالاقتراب من موت أبيك وح
last updateLast Updated : 2026-03-25
Read more
الفصل الرابع
شقّت الرصاصة الظلام على نحوٍ بدا كأنه مزّق الهواء نفسه، وفي اللحظة ذاتها انخفض كمال فجأة وهو يشد ليان معه إلى الجانب، فاصطدم ظهرها بجسم معدني بارد، غالبًا باب السيارة نفسها التي كان يستند إليها قبل ثوانٍ. لم تفهم إن كانت الرصاصة قد مرّت فوقهما أم بجوارهما، لكنها سمعت ارتطامًا حادًا في عمودٍ قريب، ثم تناثر شيء صغير على الأرض، معدن أم إسمنت، لا تعرف، لأن كل ما كان داخلها في تلك الثانية اختزل في يدٍ تمسك معصمها بقوة لا تسمح لها بالارتجاف.بقيت ساكنة رغماً عنها، وأنفاسها عالقة في حلقها، بينما صار الظلام كثيفًا إلى حدٍ مخيف، لا يمنح شكلًا واضحًا لشيء، فقط يضخّم الأصوات حتى تبدو أقرب مما هي عليه. كانت تسمع تنفس كمال قريبًا منها، منخفضًا لكنه أثقل من قبل، ممزوجًا بذلك الانقباض الصامت الذي يرافق الألم حين يرفض صاحبه الاعتراف به. وكان هناك صوت آخر أيضًا، أبعد قليلًا، حذر، يقترب ثم يتوقف، كأن شخصًا ما يحاول أن يصطاد حركة واحدة تكشف له مكانهما.اقترب فم كمال من أذنها دون أن يلامسها، وقال بصوتٍ واطئ لا يكاد يُسمع: "حين أتركك، اتجهي يسارًا، لا تركضي مستقيمة."لم ترد. لم يكن في داخلها متسع للكلمات،
last updateLast Updated : 2026-03-25
Read more
الفصل الخامس
تجمد الهواء في صدر ليان قبل أن تتجمد قدماها، ولم يكن السبب هو المسدس الموجه نحوها بقدر ما كان الاسم الذي خرج من فم الرجل كأنه انتزع غطاءً صدئًا عن قبر قديم. ابنة نادر. لم ينطق أحد اسم والدها بهذه الحميمية الباردة منذ موته، لا كحكاية، ولا كملف، ولا كجريمة أغلقت أبوابها بصمت. خرج الاسم من الرجل كما لو أنه يعرفه جيدًا، كما لو أنه لم يكن مجرد اسم في تقرير، بل مفتاحًا ظل يُحفظ لسنوات حتى هذه اللحظة.لم تستدر نحو كمال، لكنها شعرت به خلفها، بثقله، بصمته، بالنزيف الذي لم يعد قادرًا على إخفائه، وبذلك التوتر الذي تمدد فجأة في المكان كوتر مشدود قبل الانقطاع. الرجل عند الباب لم يكن مستعجلًا. هذه أكثر الأشياء رعبًا فيه. لم يدخل وهو يطلق النار، ولم يصرخ، ولم يهدد. فقط وقف حيث الضوء البارد يقسم وجهه إلى نصفين، وكأن العثور عليها أنهى جزءًا من عمل طويل ودقيق.خفضت ليان يدها التي كانت تقبض على الشارة المعدنية، ثم رفعتها قليلًا من جديد دون أن تشعر. كانت القطعة الصغيرة صارت فجأة أثقل من معصمها كله. عين الرجل انزلقت إليها، وتلك الابتسامة الصغيرة التي لا تكاد تُرى اتسعت بمقدار كافٍ لتُشعرها بالغثيان.قال ب
last updateLast Updated : 2026-03-25
Read more
الفصل السادس
ارتفعت فوهة السلاح إلى مستوى عينيها تمامًا، ولم يكن في يد الرجل أي ارتعاش، فقط ذلك الثبات البارد الذي يجعل الموت يبدو قرارًا إداريًا أكثر منه فعلًا عنيفًا. في اللحظة نفسها، شعرت ليان بوجود كمال أمامها، ليس كجسد فقط، بل كحاجز صلب يفصلها عن الرصاصة، وكأن المسافة القصيرة بينهما تحولت إلى شيء أثقل من مجرد فراغ.لم يقل "لا تتحركي" هذه المرة. لم يحتج. جسده قالها.صوت الرجل جاء منخفضًا، محسوبًا: "أعيدي البطاقة."لم تنظر إليه. بقيت عيناها على السلاح، وعلى الإصبع المستقر على الزناد، وعلى المسافة التي يمكن أن تختفي فيها حياتها بين نبضتين. ثم، دون أن تدرك أنها تفعل، رفعت يدها قليلًا، بطاقة الذاكرة بين أصابعها، ليس لتسلمها، بل لتقيس وزنها مرة أخيرة، كأنها تريد أن تتأكد أن كل هذا الدم والخوف والانهيار مربوط بهذا الشيء الصغير.قالت بهدوء غير متوقع: "ومن يضمن أنني سأبقى حية بعد ذلك؟"لم يبتسم الرجل. "أنتِ بالفعل حية بسببها."الجملة دخلت مباشرة، بلا زينة، بلا تهديد صريح، لكنها حملت الحقيقة الثقيلة التي لم تكن تحتاج إلى شرح. حياتها الآن ليست حقًا لها، بل مؤجلة، مربوطة بشيء لا تفهمه بعد.قبل أن ترد، تح
last updateLast Updated : 2026-03-27
Read more
الفصل السابع
انطفأت الشاشة في يدها لكن الصورة بقيت، لا على الهاتف بل خلف عينيها، وجه والدها وهو ينطق اسمها أمام رجل كان يفترض أن يكون قاتله، لا حاميه، لا شريكه، لا آخر شخص يوصيه عليها. تجمدت أصابعها حول الجهاز وكأنها تخشى أن تعود اللقطة فتتأكد أنها لم تتخيلها، وفي الخلف كانت أصوات المحركات تقترب، متعددة، ثقيلة، لا تشبه سيارات مدنية عابرة بل وصولًا محسوبًا لقوة تعرف المكان وتعرف ما تريد.رفعت رأسها ببطء، نظرت إلى كمال كما لو أنها تراه للمرة الأولى فعلًا، ليس كرجل غامض دخل حياتها مصادفة، بل كجزء أصيل منها كان مخفيًا بعناية. لم تقل شيئًا، لم تحتج، لأن السؤال لم يعد بسيطًا كما كان. لم يعد "هل قتل أبي؟" بل "من كان أبي أصلًا؟ ولماذا كان يجلس معه؟"كمال لم يتكلم أيضًا. كان ينظر إليها بنفس الثبات الذي كرهته، لكنه لم يكن استفزازًا هذه المرة، بل انتظار. انتظار أن تختار هي كيف ترى ما حدث. الدم لا يزال ينزل من جانبه، ببطء أخطر، وجسده بدأ يفقد بعض صلابته رغم محاولته الوقوف مستقيمًا، لكنه لم يطلب منها شيئًا، لم يمد يده، لم يقترب.قال فقط، بصوت منخفض كأنه يخاطب الوقت لا هي: "لدينا ثلاثون ثانية."الصوت القادم من
last updateLast Updated : 2026-03-27
Read more
الفصل الثامن
انقطع الهواء في صدرها قبل أن تتحرك، لم يكن بسبب الظلام بل بسبب ذلك الضوء الأحمر الصغير الذي ظل ثابتًا في عمق الموقف كعين لا ترمش، تراقب، تنتظر، وتعرف. لم يكن انعكاسًا عشوائيًا، لم يكن جهازًا مهملًا، بل حضورًا متعمدًا، شيء كان هنا قبل أن يصلوا، قبل أن يختاروا هذا المكان ظنًا منهم أنه مخبأ.يد ليان شدّت على المقود حتى تألمت مفاصلها، ولم تلتفت فورًا إلى كمال، لكنها شعرت به إلى جانبها، صامتًا أكثر من اللازم، ساكنًا بطريقة لا تشبهه إلا عندما يكون في أخطر حالاته. لم يمد يده، لم يطلب منها الحركة، فقط كان ينظر إلى النقطة نفسها في الظلام، كأنهما يشتركان في إدراك واحد دون اتفاق.ثم جاء الصوت."تأخرتما."الصوت لم يكن مرتفعًا، لكنه ملأ المكان بسهولة، ناعمًا على نحو مزعج، كما لو أن صاحبه لا يحتاج إلى الصراخ ليُسمع. لم تتحرك ليان، لكن جسدها شدّ نفسه بالكامل، مستعدًا لأي انفجار. كمال تنفس ببطء، ثم قال بصوت منخفض جدًا: "ابقِ مكانك."لم تجبه.لم تعد تقبل الأوامر بسهولة.لكنها لم تتحرك أيضًا.في الظل، تحرك الضوء الأحمر قليلًا، ثم انطفأ، وكأن العين أغمضت نفسها لتفتح شيئًا آخر. بعد لحظة، انبثق ضوء خافت م
last updateLast Updated : 2026-03-27
Read more
الفصل التاسع
توقفت عند العتبة كأن الأرض سحبت نفسها من تحتها، والهواء البارد الذي اندفع في وجهها لم يكن كافيًا ليعيدها إلى الواقع، لأن الواقع نفسه كان قد انكسر منذ لحظة اختفاءه. لم يكن غياب كمال مجرد فراغ في المكان، بل خلل في التوازن الذي كانت تعتمد عليه دون أن تعترف. قبل ثوانٍ فقط كان خلفها، صوته قريب، يده على معصمها، حضوره ثقيل بما يكفي ليغطي الخوف، والآن… لا شيء. لا صوت اشتباك. لا سقوط. لا حتى أنفاس. فقط تلك الضحكة. ظلت عالقة في رأسها كصدى لا ينتهي. أجبرت نفسها على التنفس، ببطء، مرة، مرتين، ثم استدارت. خطوة واحدة فقط داخل الظلام. ثم أخرى. لم تعد تفكر في الهروب. لم يعد خيارًا حقيقيًا. ليس بعد ما رأته، وليس بعد ما سمعته. شيء ما تغير، ليس في المكان، بل فيها. الخوف لم يختفِ، لكنه لم يعد يقودها. كان هناك شيء آخر الآن، شيء أكثر برودة… وأخطر. دخلت الموقف مجددًا. الظلام لم يكن كاملًا، ضوء خافت من السقف البعيد، انعكاس باهت على هياكل السيارات، وظلال تتشكل ثم تختفي مع كل حركة. تحركت ببطء، عيناها تمسحان المكان، تبحثان عن أي أثر… أي دليل أن ما حدث قبل لحظات كان حقيقيًا. "كمال." الاس
last updateLast Updated : 2026-03-27
Read more
الفصل العاشر
انغلق الباب الحديدي خلفها بصوتٍ أجوف ارتدّ في الممر الضيق كأنه ختمٌ على حياة تركتها للتوّ وراءها، ومع ذلك لم تشعر ليان أنها تهرب، بل كأنها تُسحب من طبقة إلى أخرى داخل الكذبة نفسها. كان الشاب يتحرك أمامها بسرعة من يعرف الطريق ويحفظ عدد درجات السلالم وانحناءات الجدران، لا يلتفت إلا ليتأكد أنها ما زالت خلفه، ثم يمضي من جديد، بينما كانت هي تركض وهي تشعر بثقلٍ غريب في راحة يدها حيث تقبض على القطعة المعدنية الصغيرة، كأنها لا تحمل مفتاحًا بل جزءًا حادًا من مصيرها. الهواء في الممرات الخلفية كان رطبًا ومشبعًا برائحة الأسمنت القديم وأسلاك الكهرباء المحترقة، والمدينة فوقهم تبدو بعيدة على نحوٍ غير منطقي، كأن الضجيج والأضواء والحياة كلها تحدث في كوكب آخر. لم تسأله إلى أين يأخذها، ليس لأنها تثق به، بل لأن الوقت لم يعد يسمح بالأسئلة المفتوحة. كان هناك شيء واحد يجرّها الآن، شيء أقوى من الخوف والغضب وحتى من الكراهية التي عاشت عليها طويلًا. كمال اختفى، ووالدها ظهر في تسجيلين مختلفين، والناس الذين يطاردونها لا يريدون قتلها بل استعادتها. هذه لم تعد قصة انتقام نظيفة. هذه متاهة. انعطف الشاب عند آخر الممر
last updateLast Updated : 2026-03-27
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status