لو قصدك الرواية التي أثارت جدلًا عالميًا فإن أول مرجع يفرض نفسه هو 'آيات شيطانية' لسلمان رشدي، رغم أن عنوانها لا يقلد كلمة 'شيطان' حرفيًا لكنه أكثر الأعمال شهرة حول فكرة الشيطان في الأدب الحديث.
في هذه الرواية يتقاطع السرد الواقعي بالسحر الواقعي: بطلاها، الممثلان الهنود المغتربان جبريل فارسّا وصالح/سالادين چمچا، ينجوان من تحطم طائرة ويتحولان إلى رموز متضادة — أحدهما يتوهم أنه ملاك والانصهار بالأسطورة، والآخر يصبح مهاجماً على هويته وعنصريّة المجتمع البريطاني. تتخلل الرواية حكايات ضمن الحكاية، ومن أشهر مشاهدها ما عرف بموضع «الآيات الشيطانية» الذي استندت إليه موجة احتجاجات كبرى أدت إلى إصدار فتوى بحق الكاتب.
الرواية لا تروّج للهرطقة بقدر ما تستكشف الهوية والهجرة والدين والذاكرة بأسلوب خيالي مكثف، والنتيجة عمل مُحكَم لكنه أيضاً مثير للانقسام؛ قراءته قد تبدو مغامرة فكرية أو استفزازًا ثقافيًا حسب منظارك الشخصي.
جميل أنك طرحت هذا السؤال، لأن عنوان 'قصه علي اسم الشيطان' يبدو غامضًا ويحتاج تفسيرًا قبل أن نقرّ بوجود ترجمة رسمية.
بحسب بحثي في قواعد بيانات المكتبات والمتاجر العربية الكبرى مثل 'مكتبة جرير' و'نيل وفرات' و'مكتبة نور' وأيضًا في مواقع الكتب الأجنبية التي تُظهر إصدارات مترجمة، لا يبدو أن هناك كتابًا معروفًا على نطاق واسع يحمل هذا العنوان كترجمة رسمية. في كثير من الأحيان العناوين تتحور عند الترجمة أو تُختصر، فربما يكون العمل الأصلي له عنوان مختلف كليًا أو أن العنوان الذي سمعته هو تسمية شعبية لعمل أدبي آخر.
إذا كان لديك اسم المؤلف الأصلي أو لغة النشر الأولى، فإمكانية العثور على ترجمة تصبح أسرع. أما إن كان المقصود عملًا منشورًا إلكترونيًا أو رواية على منصات مثل 'Wattpad' أو منتديات الترجمة، فممكن أن توجد ترجمات غير رسمية أو مشاركات معاد صياغتها من القراء. شخصيًا أفضّل التأكد من المصدر الأصلي ثم البحث باسم المؤلف في مكتبات الجامعات أو في 'WorldCat' قبل الاستسلام للفكرة أنه لا توجد ترجمة؛ أحيانًا تُفاجأ بإصدار صغير من دار محلية لا يظهر في البحث السطحي.
اللقب نفسه، 'علي اسم الشيطان'، يوحي بغموض شديد وأسلوب سردي قاتم، وهذه هي أول ما جذبني عندما بدأت القراءة.
القصة تدور حول شاب يُدعى علي يعيش في بلدة صغيرة محاطة بالخرافات والهمسات. يُنسب إليه منذ الطفولة اسم مرعب يجعل الجيران ينظرون إليه بنوع من الخوف والاعراب، فتتحول حياته إلى عذابات يومية: تهميش، اتّهامات، ونظرات مشتبهة من الناس الذين كانوا يومًا جيرانه. مع ذلك، علي ليس شريرًا بطبعه؛ إنما يحمل جروحًا عائلية وذكريات مظلمة تُفسرها البلدة على أنها لعنة.
يتطور السرد عندما يلتقي علي بفتاة أو شخص مستمع يُنقذه مؤقتًا من العزلة، وتبدأ معها رحلة كشف أسرار العائلة القديمة، ومواجهة رجال الدين المحليين، ومشاهد من العنف الرمزي التي تكشف أن «الشيطان» في العنوان قد يكون لصيقًا بالسمعة أكثر من كونه كيانًا حقيقيًا. الذروة تأتي عندما يضطر علي للاختيار بين الهروب أو المواجهة، ويشهد القارئ تحولًا داخليًا يجعل منه رمزًا للهوية والمقاومة.
انتهت القصة بطريقة توازن بين واقعية قاسية ونهاية مفتوحة تميل إلى الأمل الخافت؛ بالنسبة لي كانت قراءة مؤلمة لكنها عميقة، تذكرنا كيف يمكن للجماعة أن تصنع وحوشها من خلال الخوف والخيبة.
أسلوب الكاتب في كشف دوافع 'الشيطان شهين' جذبني من الصفحة الأولى لدرجة أني لم أستطع التوقف عن التفكير فيه.
أرى أن الكاتب اعتمد مزيجًا من الكشف التدريجي والتلميحات الرمزية: في بعض المشاهد تُعرض دوافعه كأفعال مباشرة مبنية على ألم قديم أو رغبة في الانتقام، وفي مشاهد أخرى يتحول الدافع إلى صورة أدبية عن الفراغ والبحث عن معنى. هذا التلوين يجعل الشخصية تبدو حيّة ومتناقضة، وكأن البطل الشرير ليس مجرد شر مطلق بل كيان محاط بمبررات ومخاوف.
في النهاية أتصور أن الكشف كان متعمّدًا جزئيًا؛ الكاتب أراد أن يمنحنا مفاتيح لنفهم لكن دون أن يقدّم لنا قفلًا جاهزًا. النتيجة أنها شخصية أعادت لي التفكير في حدود الخير والشر أكثر من أي خصم آخر قرأته مؤخرًا.
مشهد الافتتاح في 'شیطان' يضعك فورًا أمام شعور غريب: الشر هنا ليس وحشًا يرتدي عباءة سوداء بل شخصية ترتدي وجوهًا عديدة.
أرى أن المسلسل ينجح في تحويل الشر إلى كيان سهل الاقتراب منه؛ شخصية الشر تظهر متحضرة، جذابة، وتستغل نقاط ضعف الناس الصغيرة. هذا يجعل المواجهة ليست مجرد قتال خارجي بل صراع داخلي في نفس كل شخصية، حيث تتغير القرارات رغم قناعة الشخص نفسه.
من ناحية بصرية، يعتمد العمل على لقطات قريبة وغامقة وأحيانًا على موسيقى خفيفة تقلب الشعور بالأمان إلى شك. وفي السرد، يتم توزيع أسباب الشر بين ماضٍ مجروح، طموح جامح، أو حتى لحظات بسيطة من الأنانية. بالنسبة لي، هذا الأسلوب يجعل كل مشهد محمّلًا بتوتر أخلاقي: لا نعرف إن كنا أمام شر فطري أم أمام نتاج ظروف وأخطاء بشرية. النهاية لا تصفع الجمهور بحكم أخلاقي واضح، بل تترك أثر تساؤلي يدوم بعد انتهاء الحلقة.
تذكرت حديثًا سمعته من شيخ الحي عن هذه القصة، ولأني مغرم بالتراث، بذلت جهدًا لأتتبّع أصلها. القصة بشكل عام تدور حول شخصية اسمها علي تواجه الشيطان أو تطلق عليه اسمًا بطريقة رمزية، وتختلف تفاصيلها بين المناطق. في كثير من الروايات الشعبية في العالم العربي وإيران وتركيا تلتقي عناصر واحدة: بطلاً شجاعًا أو ذكياً، لقاءً مع مخلوق غيبي، ودرس أخلاقي في النهاية.
الأصل الأرجح لهذه الحكاية ليس حدثًا تاريخيًا مُوثَّقًا، بل نتاج فولكلور شفهي امتدّ عبر قرون، وتحور بتغير الزمن والمكان. أحيانًا تُربط القصة بشخصيات دينية مثل الإمام علي في التراث الشيعي، لكن مثل هذه الروابط غالبًا ما تُبنى لاحقًا لتمنح الحكاية مصداقية أو صبغة روحية. توجد أيضًا روايات صوفية وهجائية تُظهر أولياء أو حكماء يضبطون الجن باسماء أو كلمات قوة، وهذا نمط أدبي معروف.
المحصلة أني أراه حكاية تحمل رمزية قوية أكثر مما تحمل وثائق تاريخية؛ تُستخدم للتسلية، للتربية، ولإظهار فكرة أن الشجاعة أو الذكاء قادران على مواجهة الشر، وليس كقصة حدثت حرفيًا في الماضي. هذه النظرة تريحني لأنني أقدّر قيمة الحكاية دون أن أخلط بين الأسطورة والتاريخ.