로그인بسبب ملل قاتل، تُرسل "ليلى" (22 عاماً) رسالة صوتية طائشة لرقم عشوائي على الواتساب قائلة: "تعال اخطفني يا زوجي المستقبلي!" المصيبة أن الرقم يخص "مراد السيوفي"؛ زعيم المافيا الأخطر والأكثر نفوذاً. خلال دقائق، تجد ليلى شقتها محاصرة بالسيارات السوداء، ويقف مراد أمامها بهالته الطاغية ليقول لها ببرود: "أنا قبلت دعوتكِ.. أنتِ ملكي الآن". تتحول المزحة إلى كابوس حقيقي، وتُجبر ليلى على دخول عالمه المظلم المليء بالصراعات والمخاطر. لكن الخطر الأكبر لن يكون الأعداء، بل الجاذبية الشرسة والرومانسية المظلمة التي ستنشأ بين عنادها وجبروته. هل ستنجح في الهروب منه، أم أن الفريسة ستقع في عشق الصياد؟
더 보기كان الصمت في الغرفة ثقيلاً، لدرجة أنني كنت أسمع صوت أنفاسي المتسارعة وهي تصطدم بجدران الغرفة الضيقة. الساعة المعلقة على الحائط تدق برتابة مستفزة.. تك.. تك.. تك.. وكأنها عد تنازلي لكارثة لا أعلم طبيعتها. اسمي "ليلى"، وعمري اثنان وعشرون عاماً، لكنني في تلك اللحظة شعرت أنني أعيش حياة شخص عجوز متقاعد في السبعين من عمره، ينتظر الموت ببطء. تخرجت من الجامعة بمرتبة الشرف، وبدلاً من أن أفتح أبواب العالم، وجدت نفسي حبيسة الجدران الأربعة، أنتظر شيئاً مجهولاً. لا أعرف ماذا أنتظر بالضبط، لكنه بالتأكيد ليس هذا الملل القاتل الذي ينهش روحي يوماً بعد يوم.
تنهدت بصوت عالٍ أشبه بالصرخة المكتومة، ورميت الرواية التي كنت أحاول قراءتها للمرة العاشرة دون جدوى؛ فالكلمات كانت تسبح أمام عيني دون معنى. أمسكت بهاتفي، الملاذ الوحيد والأخير لجيلنا البائس. فتحت تطبيقات التواصل الاجتماعي.. لا جديد. نفس الوجوه الزائفة، نفس الأخبار المكررة، نفس الحياة الوردية المصطنعة التي يستعرضها الآخرون ليخفوا وراءها بؤسهم.
"لقد سئمت كل هذا! حياتي تتلاشى وأنا مكاني!" صرخت في الفراغ، ولم يرد عليّ سوى صدى صوتي المخنوق.
في تلك اللحظة من اليأس المطلق، خطرت لي فكرة مجنونة. فكرة طائشة، غير مسؤولة، ولا تليق أبداً بفتاة عاقلة تلقت تعليماً راقياً. لكن الملل هو الشيطان الأكبر؛ إنه يجعلنا نفعل أشياء غبية وغريبة فقط لنشعر بلسعة الحياة في عروقنا. فتحت تطبيق "الواتساب"، وتحركت أصابعي بدافع من الأدرينالين النقي. بدأت في كتابة أرقام عشوائية في خانة البحث، باحثة عن أي غريب، عن أي حكاية تكسر هذا الركود.
جربت الرقم الأول.. ظهرت صورة شخصية لقطة لطيفة. ممل.
الرقم الثاني.. رجل كبير في السن، بملامح حادة يبدو كعمي الصارم. لا شكراً، لا أريد مزيداً من المواعظ.
ثم، ركضت أصابعي لتستقر على رقم معين. لم تكن له صورة شخصية، مجرد مساحة رمادية مبهمة وفارغة تعكس الفراغ الذي في رأسي. والحالة النصية الخاصة به لم تكن حكمة أو بيتاً من الشعر، بل كانت مجرد نقطة واحدة فقط: "."
لا أعرف لماذا توقفت عند هذا الرقم بالذات. كان غامضاً بشكل مستفز، والغموض كان هو الترياق الوحيد الذي ينقص حياتي الباردة الآن. شعرت بنبضة تمرد عنيفة تسري في عروقي، تدفعني نحو الهاوية. ماذا سيحدث يعني؟ هل سيقوم بحظري؟ ليكن، على الأقل سأكون قد حاولت إثارة الشغب.
ضغطت على زر الميكروفون دون تفكير. قررت أن ألقي بكل إحباطي، ومللي، وأحلامي الطفولية في هذه الرسالة الصوتية. تخيلت، في سخرية سوداء من قدري، أنني أكلم ذلك الفارس الأسطوري الذي تأخر كثيراً عن المجيء، ذلك الرجل الذي سيقلب حياتي رأساً على عقب. قربت الهاتف من شفتي المرتجفتين، وبنبرة جمعت بين الدلال المصطنع واليأس الحقيقي، نبرة تخرج من أعماق أنثى تبحث عن مغامرة، قلت:
"إلى زوجي المستقبلي.. لقد تأخرت كثيراً على فكرة. تعال واختطفني الآن لأنني أشتاق إليك، وأريدك.. إنني أشعر بملل سيميتني، أنقذني!"
أرسلت الرسالة. وفور ظهور علامتي "القراءة" الرمادية، شعرت بموجة حارقة من الندم تجتاح جسدي. ما الذي فعلته للتو؟ هل جننت تماماً؟ أنا فتاة محترمة، كيف أرسل كلاماً كهذا لغريب؟ ماذا لو كان الرقم لتاجر مخدرات؟ أو لزوجة غيورة ستقلب الدنيا فوق رأسي؟ أو الأسوأ.. مراهق أحمق سيأخذ التسجيل وينشره ليجعلني أضحوكة بين صديقاتي؟
مرت دقيقة كاملة كأنها دهر. ثم دقيقتان. وفجأة.. تحولت العلامات الرمادية إلى زرقاء.
لقد استمع إليها.
تجمدت الدماء في عروقي. قلبي بدأ يدق بسرعة غير مبررة، ضربات عنيفة تكاد تخترق قفصي الصدري. وضعت الهاتف مقلوباً على السرير بسرعة وكأنني تلمست جمراً مشتعلاً، وقررت تجاهله تماماً. سأقنع نفسي بأن شيئاً لم يكن، بالتأكيد سيظنها دعابة تافهة من فتاة مراهقة وسيتجاهلها.
لكن الهاتف اهتز بين الأغطية. اهتزازة واحدة قوية جعلت جسدي ينتفض.
رسالة صوتية؟ هو أيضاً أرسل رسالة صوتية؟
أمسكت الهاتف بأيادٍ ترتجف بوضوح، العرق البارد يغطي كفي. نظرت إلى الشاشة؛ مدة الرسالة كانت خمس عشرة ثانية فقط. ترددت كثيراً، ووساوس الخوف تنهش عقلي.. هل أستمع إليها أم أحذف المحادثة برمتها؟ لكن الفضول الأنثوي، والرغبة في معرفة هوية هذا الغامض، كانا أقوى بكثير من غريزة البقاء.
ضغطت على زر التشغيل، ورفعت الهاتف ببطء إلى أذني، وأنا أحبس أنفاسي.
في اللحظة التي انطلق فيها صوته، شعرت وكأن الغرفة قد بردت فجأة عشر درجات مئوية. انقبضت معدتي بقوة غريبة. لم يكن صوتاً عادياً إطلاقاً؛ كان صوتاً جهورياً، قادماً من أعماق الأرض، ذكورياً بشكل طاغٍ ومرعب. فيه بحة خفيفة، دافئة وآسرة، وفي نفس الوقت تحمل نبرة سلطة مطلقة لا تقبل النقاش. إنه نوع من الأصوات التي تجبرك على الوقوف انتباهاً رغماً عنك، وفي ذات الوقت.. تجعل ركبتيك تذوبان ضعفاً وجاذبية.
قال بهدوء مرعب، متمهلاً في نطق الحروف وكأنه يتذوق كل كلمة ويستمتع بأثرها:
"أمر غريب.. أليس من المعيب أن ترسلي رسالة كهذه إلى رجل مافيا؟"
توقف قلبي عن النبض للحظة. مافيا؟ هل يمزح؟ هل يمثل دوراً في لعبة إلكترونية؟ لكن نبرته.. آه من نبرته، لم تكن توحي بالمزاح أو الهزل إطلاقاً. كانت نبرة شخص اعتاد أن يُطاع بمجرد إيماءة من إصبعه، شخص كلمته هي القانون، وموته هو النهاية.
وقبل أن يستوعب عقلي الصدمة، تتابع صوته ليكمل جملته الأخيرة، تلك الجملة التي جعلت قشعريرة عنيفة تضرب عمودي الفقري، ويسقط الهاتف من يدي فوق السرير:
"على أي حال.. أنا قادم إليكِ يا قطتي الصغيرة. جهزي نفسكِ."
انتهت الرسالة، وعاد الصمت المستفز يلف المكان، لكنه هذه المرة كان صمتاً مشحوناً بالخطر. جلست على طرف السرير، فمي مفتوح، وعقلي يدور في حلقة مفرغة محاولاً استيعاب حجم الكارثة التي أوقعت نفسي فيها. رجل مافيا؟ قادم إلي؟ قطتي الصغيرة؟ كيف؟ ومن يكون؟
نظرت إلى النافذة الكبيرة المطلة على الشارع. كان الشارع هادئاً بالأسفل، يغرق في أضواء المصابيح الصفراء الباهتة. ضحكت بتوتر، ضحكة هزلية نابعة من صدمتي. مستحيل.. هذا مستحيل تماماً! كيف يمكنه معرفة عنواني من مجرد رقم هاتف على الواتساب؟ هل هو ساحر؟ بالتأكيد هو شخص مريض، متعقب إنترنت محترف، أو ربما شاب ثري يمزح معي ليخيفني ويلقنني درساً قاسياً. نعم، هذا هو التفسير العقلاني الوحيد. تباً لي ولغبائي.
حاولت إقناع نفسي بهذا التفسير المطمئن، وقمت لأغسل وجهي بالماء البارد لعلي أستفيق من هذا الكابوس. لكن صوته.. تلك النبرة التي تقشعر لها الأبدان، وتلك الجاذبية الغامضة التي اخترقت مسام جلدي.. كانت حقيقية جداً. لم تكن نبرة شخص يمزح؛ كانت نبرة صياد وجد للتو طريدته المفضلة.
مرت عشر دقائق وأنا واقفة في وسط الغرفة، أحدق في الحائط وكأنني أصبت بالشلل. وفجأة، تمزق سكون الليل.
سمعت صوتاً هادراً بالخارج. صوت محركات ضخمة تزأر في الحي الهادئ، تلاها صوت فرامل عنيفة وسيارات كثيرة تتوقف دفعة واحدة أمام البناية التي أسكن فيها. أصوات أبواب سيارات ثقيلة تُفتح وتُغلق بقوة عسكرية منظمة.
تسارعت دقات قلبي حتى شعرت بألم في صدري. زحفت بهدوء نحو النافذة، وأنا أرتجف كالعصفور في ليلة مطيرة. رفعت طرف الستارة المخملية ببطء شديد، ونظرت للأسفل.
شهقت برعب، ووضعت يدي فوق فمي لأكتم أي صوت قد يفلت مني.
ثلاث سيارات دفع رباعي سوداء ضخمة من طراز (كاديلاك إسكاليد)، مظللة بالكامل، تقف في عرض الشارع، وقد أغلقته تماماً وقطعت حركة المرور. ترجل منها فوراً رجال ضخام الجثة، يرتدون بدلات سوداء متطابقة، يحملون ملامح قاسية ونظارات مظلمة رغم الليل. انتشروا حول مدخل العمارة بسرعة ودقة كجنود في ساحة معركة.
ثم، فُتح باب السيارة الوسطى ببطء شديد.. ونزل منه هو.
رغم أنني كنت أنظر من الأعلى، إلا أن هالته كانت طاغية لدرجة تجعل الأنفاس تتوقف. كان فارع الطول، عريض المنكبين بشكل مثير، يرتدي معطفاً أسود طويلاً يصل إلى ركبتيه، ويتحرك بثقة مطلقة، ثقة شخص يملك العالم ومن فيه تحت قدميه. خصلات شعره السوداء كانت مرتبة بعناية، وعضلات جسده تظهر بوضوح تحت ملابسه الفاخرة رغم الشتاء.
وفجأة، وكأنه شعر بعيني اللتين تراقبانه، رفع رأسه إلى الأعلى ببطء، ونظر مباشرة نحو نافذتي المظلمة. كانت عيناه في الظلام تشعان ببريق حاد، كعيني نمر يرى فريسته خلف الزجاج. عرف بالضبط أين أقف!
في تلك اللحظة بالذات، اهتز الهاتف في يدي مرة أخرى. كان نفس الرقم الغامض.
أسرعت بفتحه وعيني لا تفارق طيفه في الأسفل. لم تكن رسالة صوتية هذه المرة، بل كانت رسالة نصية قصيرة، كلمات كُتبت بحروف من نار صدمت عقلي:
"افتحي الباب يا قطتي.. لقد وصل زوجكِ المستقبلي."
سقطت الستارة من يدي، وتراجعت إلى الخلف حتى اصطدم ظهري بالخزانة الخشبية. أنفاسي تلاحقت، وشعرت برعب حقيقي يجتاحني، لكن في نفس الوقت، كان هناك شعور خفي غريب، شعور بالجاذبية والإثارة لم أختبره من قبل. رجل المافيا الغامض، ذو الصوت الذي يذيب الصخر، يقف الآن على بعد خطوات من باب شقتي.
سمعت صوت المصعد الكهربائي وهو يصعد.. ثم توقف في طابقي.
تلتها خطوات ثقيلة، واثقة، تتقدم نحو بابي. تك.. تك.. تك.. تماماً كصوت الساعة، لكنها هذه المرة كانت خطى قدري الجديد.
كان سريان المادة الفضية الكيميائية داخل عروق عنقي أشبه بانسكاب جزيئات من الجليد السائل الذي يبتر صلة الروح بالجسد بنعومة متناهية الشراسة. امتدت تلك القشعريرة السامة لتتسلق نخاعي الشوكي، ومحا الطنين الالكتروني المنبعث من حقنة المارشال خالد الجارحي صدى عاصفة المطر الشتوية المحلقة بالخارج. كانت الكابينة الخلفية لطائرة الشحن العسكرية المصفحة تسبح في غلاف قرمزي خانق؛ أضواء الطوارئ الدائرية المثبتة في السقف المعدني المقوس تلقي بظلالها الحمراء الموحشة فوق وجه المارشال الصارم، الذي وقف بقامته الفارهة وضخامة منكبيه كملك للموت، يرتدي بزته العسكرية الداكنة الموشحة بالرموز السيادية، وعينه اليسرى الحادة تحدق من خلف الرداء الجلدي الأسود بنشوة انتصار بارد صاغته أجهزة المخابرات المشتركة وراء البحار.حاولتُ التشنج، وعصرتُ خلايا عقلي المستهلك لأطلق صرخة باسم "مراد"، لكن الأحزمة الفولاذية والأربطة الطبية الصارمة المثبتة حول معصميّ وجسدي المنهك كانت تضغط فوق فستاني القطيفة الأسود الممزق، لتخرس كل نبضة تمرد بدني فيّ. بدأت خلايا وجداني تتهاوى كالحصون الرملية أمام المد الفضي؛ تلاشت ملامح قبو التشريح المحترق
لم يكن هدير الانفجار الكوني الذي ضرب حوافظ المختبر الهيدروليكية مجرد دمار مادي أطاح بقبو التشريح السفلي، بل كان أشبه بزلزال كيميائي صهر جدران الخرسانة العارية وحول الزنزانة المحصنة تحت الأرض إلى محرقة من صخر سائل ونيران لافحة برتقالية شقت طريقها بجنون عبر الشقوق العلوية نحو أسوار العاصمة. قذفت موجة الضغط العاتية بالأجساد كشظايا زجاجية مكسورة تذروها رياح البارود، ليتصاعد غبار رمادي داكن وخانق حجب أضواء الطوارئ الحمراء تماماً، مطبقاً عتمة المقابر فوق ساحة الفناء الشامل التي تلاحمت فيها شريعة الكبار، وتملّك النمر، وقانون الدولة.سقطتُ وسط الحطام المشتعل، وجسدي المنهك بفستانه القطيفة ورداء المخمل يرتجف بعنف يكاد يقتلع ما تبقى من ذرات روحي الملوثة بدمي الدافئ. كانت جروح ذراعيّ النازفتين إثر الرصاصات الأخيرة وطعنات الغدر تنبض بحرارة مسمومة سرت كالنيران في عروقي، ممتزجة برطوبة القبو القارسة وأبخرة المواد الكيميائية النفاثة التي كتمت أنفاسي وشلت قدرتي على الحراك. كدتُ أستسلم لتلك الظلمة السحيقة وأغلق عينيّ للأبد مستسلمة لبرزخ الموت المطبق، لولا تلك الذراع الضخمة، القوية والدافئة كالجمر، التي
كانت أضواء الطوارئ الحمراء الخافتة تتدفق في فضاء الزنزانة الخرسانية المحصنة كشلالات من دماء قانية، تلعق الجدران العارية الرطبة وترسم ظلالاً متوحشة تليق بمقبرة دُفنت فيها الإنسانية ونبتت مكانها شريعة الوحوش. تفشت رائحة البارود النفاثة والممزوجة برائحة المواد الكيميائية وأبخرة الانفجارات العلوية لتخنق الأنفاس، صانعة غلافاً خانقاً من التوتر الذي يكاد يُرى بالعين المجردة. وقف مراد السيوفي بجسده الطاغي الفخم وعرض منكبيه الشامخين، كأنه صخرة صمّاء من رخام أسود انبعثت من جحيم مستعر، يده الكبيرة الدافئة تقبض على خصري بعنف تملكٍ شرس لم تفرضه خطوط نيران أو دوي متفجرات، بينما كان مسدسه الفضي اللامع يمتد في خط مستقيم وثابت لا يعرف الارتجاف، موجهاً بدقة متناهية نحو العين السوداء للمستشار أدهم الجارحي.وفي المقابل، كان أدهم يقف بقامته الفارهة وضخامة منكبيه النحيت عند البوابة الفولاذية المحطمة للزنزانة، معطفه الكحلي الطويل ممزق وملطخ بسواد الرماد ودماء معاركه السابقة، لكن عينيه الباردتين كأعين الصقور كانتا تقطران بكبرياء صارم وعناد قانوني يرفض الانحناء لغطرسة المافيا. ماداً سبطانة مدفعه الرشاش الرسمي
كان ملمس النصل المعدني المدبب لإبرة البروفيسور سليم الدمنهوري فوق بشرة عنقي المكشوفة بارداً كبرودة المقابر الحجرية، برودة اخترقت مسامي لتصل مباشرة إلى النخاع وتجمد ما تبقى من دم في عروقي المنهكة. تراقص الضوء الأبيض المتذبذب لمصباح الفلورسنت الشاحب فوق الجدران الخرسانية العارية للزنزانة، ليعكس ظلالاً متوحشة للرجل الواقف فوق رأسي بكامل حلته الكحلية الأنيقة، التي لم تتلوث برذاذ بارود أو قطرة دم واحدة من المجزرة التي دارت بالأعلى.حاولتُ التشنج، وحاولتُ دفع جسدي المرتجف بفستانه القطيفة الممزق ورداء المخمل الأسود الذي ما زال يلتف حول خصرِي كأثر باهت من عرين مراد، لكن الأحزمة الجلدية الصارمة المثبتة حول معصميّ وجسدي كانت تنهش لحمي وتزيد من إحكام السيطرة عليّ. كانت جروح ذراعيّ تنبض بألم مستعر، يتصاعد مع ضربات قلبي الجنونية التي كانت تدق في صدري كطبول إعدام وشيك."أرجوك.. سليم.. لا تفعل هذا،" همستُ بصوت متهدج مخنوق بالدموع، واللعاب جاف في حلقي المستهلك من أبخرة الانفجارات، "أنا لا أملك الشفرات.. طارق وكارما ماتا ولم يتركا لي شيئاً.. أنت تضحي بحياتك في مواجهة وحوش لن ترحمك إذا علموا بوجودي."ت





