من يوم دخلت عالم التراجم والتفاسير وأنا أعود كثيرًا إلى نصوص مختارة، و'تفسير القمي' كان واحدًا من المصادر التي تستوقفني عند كل آية مهمة مثل 'آية الكرسي'. نعم، الكتاب يفسر 'آية الكرسي' لكنه يفعل ذلك بطريقته: يعتمد بصورة أساسية على الروايات عن الأئمة والناقلة عنهم من المعاني والأحكام والفضائل. ستجد عند قراءة قسم الآية مجموعة نقلية تُبرز صفات الله، وعلاقة الخلق بربهم، وبعض الروايات التي تفسر مفردات مثل "الكرسي" و"العرش" وتفرق بينهما وفق المرويات الشيعية.
أسلوبي الشخصي مع هذا التفسير كان تقاطع المشاعر: أحببت الجانب الروحي والروائي في كثير من الأقوال، خاصة تلك التي تذكر فضائل القراءة والحماية، لكنها في الآن نفسه لا توفر تحليلًا لغويًا ممتدًا أو نقاشًا فلسفيًا معمقًا مقارنة بتفاسير أخرى. بمعنى آخر، إذا كنت تبحث عن تراجم لفظية، أو شروحات صرفية ونحوية، أو مقارنة سياقية مع سور أخرى، فستحتاج إلى تكملة القراءة من مصادر أوسع. أما إن كنت تفضل أن تتعرف على كيف فهمت المدرسة الإمامية هذه الآية عبر الأجيال وما ورد من أحاديث حولها، فستجد في 'تفسير القمي' مادة ثمينة ومباشرة.
أخيرًا، أرى أن قيمة 'تفسير القمي' تكمن في كونه مرآة للنقل والرواية؛ يعطيك إحساسًا مباشرًا بتقليد التفسير عند أهل البيت. أحب فتحه أحيانًا وكأنني أستمع لسردٍ متوارث عن معنى الآية وكيف تعامل معها الناس على امتداد العصور، ومع ذلك أحافظ دائمًا على عادة الموازنة والاطلاع على تفاسير لغوية وتاريخية للآية لإكمال الصورة، لأن كل تفسير يضيف بعدًا مختلفًا للتجربة القرآنية.
أذكر جيدًا موقفًا في فصلٍ مبكّر جعلني أعيد التفكير في معنى الإيمان.
في تلك الرواية التاريخية كان القس يواجه الفساد بأسلوبين متوازيين: خطاب أخلاقي قوي في المأتم والكنيسة، وعمليات صغيرة خلف الستار لجمع الأدلة وحماية الضحايا. كنت متأثرًا بالطريقة التي لم تجعل منه بطلاً خارقًا؛ بل رجلًا عاديًا يملك كرامة وحسًّا قانونيًا بسيطًا. رأيت كيف يستغل حديثه عن النصوص المقدسة ليفضح التبريرات التي يستعملها الفاسدون، وفي الوقت نفسه يبني شبكة من المؤمنين العاديين الذين يثقون به.
ما أحبه في السلسلة هو أنها لا تروّج للعنف كحل فوري؛ القس يستدعي الحوارات ويحوّل الفضائح إلى محاكمات مدنية أو عقوبات داخل المجتمعات الدينية. يضحّي بعلاقاته أحيانًا ويقبل المهانة علنًا ليحصل على منصة أوسع. هذا المزيج من التضحية الأخلاقية والعمل الممنهج جعل مجابهته للفساد أكثر إنسانية وقربًا للواقع، وترك لدي شعورًا بالاحترام والتعاطف مع من يغامرون باسم الحق.
أستطيع أن أقول إن معيّنات الذاكرة الصوتية تقرأ هذه اللحظة كعلامة بارزة: الشيخ عبدالعزيز السديس تولى إمامة المسجد الحرام في عام 1984.
أتذكر كيف انتشرت تسجيلاته في أواخر الثمانينات والتسعينات، وكانت صوته وقراءته يمثلان نافذة للعالم على المسجد الحرام. الأمر لم يكن مجرد لقب وظيفي بالنسبة لي وللكثيرين؛ كانت الإمامة في الحرم تجربة عامة تُتابَع على الهواء وعلى أشرطة الكاسيت ثم الأقراص المدمجة والإذاعات الفضائية. توليته في 1984 جعلت منه واحدًا من أبرز الشيوخ المعروفين دوليًا، وبدأت شهرته تتسارع مع تكرار تلاوته في مواسم الحج والعمرة.
لاحقًا لم تكن هذه بداية النهاية بل مدخلاً لمسؤوليات أكبر؛ فقد تقلّد مناصب إدارية ودينية لاحقة، مما عزّز دوره في إدارة شؤون الحرمين والمشاركة في الفعاليات الرسمية. عند التفكير في مسيرة إيمانية تمتد لعقود، يبدو عام 1984 نقطة الانطلاق التي منها يمكن تتبع أثره في النفوس والأماكن.