أحب قراءة بعض قصائده بصوت مرتفع لأتفهم لماذا كانت تُثير الرعب لدى البعض؛ الأمر لا يتعلق بالقصائد كفن فقط، بل بقدرتها على كشف الحقائق ببساطة.
أرى أن المنع كان يأتي من خوف المؤسسات من تحرّك الشارع وتأثير التجارب الشعرية في تشكيل وعي عام، خصوصًا عندما تُترجم السخرية والاستنكار إلى دعوات ضمنية للتغيير. في كثير من الحالات تُستخدم تهم مثل 'الإخلال بالأمن' أو 'الإساءة للرموز' لتبرير الحظر، مع تجاهل أن الحرية الأدبية جزء من التعبير الحضاري.
في نهاية المطاف، ما يخيف السلطة غالبًا ليس أقل من تأثير القصيدة نفسها؛ ومن تجربتي، الحظر يزيد من فضول الناس ويمنح القصيدة صفة الخلود في الذاكرة العامة.
كمحب للكلام الصريح والمجازات الحادة، أعتقد أن حجب أشعار أحمد مطر يعبر عن خوف من فقدان السيطرة على السرد العام. 'أشعار أحمد مطر' غالبًا ما تستخدم رموزًا بسيطة ومشاهد يومية لتفكيك بنى السلطة، ما يجعلها سهلة الفهم وسريعة التداول.
من وجهة نظري الأدبية، هناك أسباب فنية وسياسية متداخلة: فنيًا، لغته القريبة من الناس تُعطي للقصيدة القدرة على التأثير المباشر؛ سياسيًا، الحكومات التي تعتمد على شرعية قوية أو توازن هش تخشى أي خطاب قد يستنفر طبقات المجتمع أو يفتح نوافذ نقدية لا تُحمد عقباها. لذلك تُفرض رقابة محتملة عبر منع الطباعة أو النشر الإذاعي أو حتى تشويه سمعة الكاتب وإقحامه في قضايا أمنية.
كما أن التاريخ علّمنا أن الطرد أو المنع للأصوات الناقدة ليس مراهنة ذكية على المدى الطويل؛ الشعر يتجاوز الحدود، والإنترنت جعل محاولات الحجب أقل فعالية، ما يحوّل القصائد إلى مواد تُستعمل للذاكرة المعارضة أكثر مما تُقمعها.
أذكر جيدًا الصدمة الأولى عندما علمت أن 'أشعار أحمد مطر' محظورة في دول عربية كثيرة؛ لم يكن السبب جمال الكلمات أو قِصرها بل جرأتها في المواجهة.
أنا أرى أن السبب الأساسي يكمن في أن قصائده لا تتسول الإذن لتوجيه النقد؛ هي تصف السلطة مباشرة، تسخر من النفاق وتكشف فساد منظومات كاملة. حكومات كثيرة تُطبق رقابة صارمة على أي خطاب قد يحشد الناس أو يُشجع على التساؤل عن شرعية الحاكم، فالشعر هنا لم يعد ترفًا بل أداة تأثير. بالإضافة لذلك، أسلوبه البسيط والواضح يجعل الرسالة تصل سريعًا إلى الشباب والشارع، وهذا ما يخيف من يعتاش على السيطرة على السرد الرسمي.
تجربتي مع هذه القصائد علمتني أن المنع غالبًا يعكس ضعف الثقة بالخطر الحقيقي: الكلمة المؤثرة أحيانًا تكون أخطر من أي قرار سياسي، فبدل مواجهة النقد تُطبق الرقابة، مما يُكسب الشاعر مزيدًا من النفوذ الرمزي بين الناس.
كنت أتساءل دومًا عن المعايير التي تستخدمها الأنظمة لحظر نصوص مثل تلك التي كتبها أحمد مطر؛ لاحقًا فهمت أنها مزيج من خشية السلطة وخطاب الأمن الوطني.
أشعر أن طبعَ القصيدة عنده مباشر وصريح لدرجة أنها تبدو اتهامًا صريحًا للسلطة أو للنخب الحاكمة. في بلدان كثيرة، هناك قوانين غامضة تُجرم 'إهانة السلطات' أو 'التحريض على الفتنة'، وتُستخدم هذه المواد القانونية لحظر الكتب، إيقاف البث، ومنع الأدب الذي يعتبرونه محفزًا للاحتجاج. كذلك، هناك اعتبارات اجتماعية: بعض الحكومات تستغل التوترات الطائفية أو العشائرية لتبرير المنع بدعوى الحفاظ على الاستقرار.
كقارئ شبابي، ألاحظ أن المنع أحيانًا يُحوّل الشاعر إلى رمز مقاومة، فيتسع تأثيره بدل أن يزول، وهذا جزء من المأزق الذي تواجهه الرقابة التقليدية.
2026-03-23 17:59:15
1
View All Answers
Scan code to download App
Related Books
همسات محرمة
Samra
10
29.4K
ماسة... طفلة بكماء، لا تملك صوتًا، لكن نظراتها قادرة على اختراق القلوب.
بعد فقدان أسرة ثرية لطفلتها في حادث مأساوي، تم تبني ماسة لتعيش داخل قصر مترف، محاطة بالحب والرعاية، إلا من قلبٍ واحدٍ قاسٍ... قاسم، الشقيق الأكبر الذي رفض الاعتراف بوجودها، وتعامل معها كأنها مجرد ضيفة عابرة في حياته.
أمام الجميع، بدوا كأخوين جمعتهما الظروف، لكن خلف الأبواب المغلقة كان قاسم يحمل سرًا محرّمًا... حبًا ممنوعًا لفتاة يُفترض أنها شقيقته المتبناة. حب ممزوج بالذنب، بالغيرة، وبصراعٍ مرير بين الواجب والرغبة، بين الحماية والتملك.
حين خيّرت العائلة قاسم بين الرحيل لمتابعة حياته أو تزويج ماسة، وبينما كان يستعد للزواج من أخرى إرضاءً لوالديه، ضرب القدر مجددًا. حادث سير مروّع أودى بحياة والديه، تاركًا ماسة وحيدة... بين يديه.
عاد قاسم ليصبح كل شيء في حياتها: وصيّها، حاميها، وسجنها العاطفي. تخلى عن خطيبته، وأغلق عالمه عليها، غارقًا في غيرةٍ مدمّرة وتملّكٍ يخفيه خلف قناع الحماية.
كل نظرة منه وعد، وكل خطوة تهديد، وكل من يقترب من ماسة... عدو.
رواية رومانسية درامية عن الحب المحرّم، الغيرة الشديدة، التملك، والصراع النفسي بين الأخلاق والعاطفة، في عالمٍ تحكمه الأسرار والصمت.
رسالة خاطئة واحدة قلبت حياة الطالبة الجامعية "حلا" رأساً على عقب، وربطتها بصلة غير متوقعة مع أستاذها الصارم والغامض "البروفيسور يوسف".
بدأ كل شيء بكوب قهوة وشرط واحد جعله يبقيها قريبة منه. هي تردّ بدلع واستفزاز، تشعل في أعماقه رغبات كان يكافحها طويلاً. في كل مرة يخلو بها المكتب بينهما، تتحول المساحة إلى ساحة مواجهة متسارعة النبضات – هو يخطو بحذر محسوب، وهي تتلاعب بين القبول والرفض، بينما تتهاوى حدود المحرمات تحت وطأة قبلات ملتهبة.
لكن الأمور تأخذ منحى أكثر خطورة عندما يتسلل "طالب مؤثر" من حياة حلا الإلكترونية إلى واقعهما، محاولاً تهديد هذه العلاقة السرية. هنا، يشتعل الغيور في قلب البروفيسور، ويمزق قناع الهدوء البارد الذي كان يرتديه.
قصة حب تبدأ بسوء فهم، وتتغذى على التجارب، وتنتهي بانهيار كامل أمام العاطفة. علاقة محرمة بين أستاذ وطالبته – عندما يحترق العقل والأخلاق بنار الرغبة، من الذي سينجو بقلبه سالم؟
كنتُ أظن أن حياتي كُتبت منذ طفولتي... وأن الرجل الذي خُطبتُ له سيكون قدري. لكن بعد وفاة أمي، وانتقالي للعيش في الريف، بدأت الحقيقة تنكشف، وبدأ قلبي يكتب قصة لم تكن في الحسبان. بين وعدٍ قديم، وأسرارٍ مدفونة، ومشاعرٍ ممنوعة، وجدتُ نفسي أقع في الحُبِّ المحظور... فهل ينتصر القلب، أم ينتصر الوعد؟" ❤️
قبلة في الضباب... حين أغوته خفق قلب الرجل المتحفّظ بجنون
عابر الفصول الثلاثة
9.5
52.6K
في العاشرة من عمرها، وبعد عامين من التشرّد والتنقّل، أُخذت مرام العدلي، اليتيمة من آل العدلي، إلى بيت آل السويفي، إحدى أعرق العائلات النافذة في مدينة الزهراء، وتغيّر وليّ أمرها ليصبح رائد السويفي، الابن الثاني للعائلة.
كان آنذاك قد أتمّ عامه الثامن عشر لتوّه، شابًا وسيماً دقيقَ الملامح، يفيض برودًا وتعاليًا يكاد يلامس الغرور.
تأمّل تلك المسكينة الصغيرة من علٍ، بعينين باردتين تنضحان بالازدراء.
كانت مرام تحاول بكل ما أوتيت من قوة أن تتمسّك بذلك الاستقرار الذي لم يأتِ بسهولة. بدت مطيعة مهذّبة منصاعة، ودموعها تلمع في عينيها، وهمست بصوتٍ خافت مرتجف: "… أخي؟"
سخر ضاحكًا، ويده الموضوعة على رأسها تربّت عليها كما يُربّت على جرو، "أتُنقِصين منزلتي؟"
لاحقًا،
في ليلة بلوغها الثامنة عشرة، كان المطر يهطل بغزارة خارج النافذة. تسلّقت مرام إلى سرير رائد، وأحاطت خصره القوي بذراعيها، ثم رفعت رأسها بعناد وعضّت شفتيه الرقيقتين، وتشابكت معه في قبلة.
شدّ الرجل خصرها بقوة، وأنفاسه ملتهبة، تتغلغل إلى أعماقها.
تتداول الأوساط أن رائد السويفي، ابن إحدى أرقى الأسر النافذة، رجلٌ بعيد المنال، متحفظ متعفف، لا يقترب من النساء.
وحدها مرام تعلم أنه عديم الوفاء وغد، ويلهو بلا حساب.
تعلّقت مرام به بعنادٍ لعامين، ومع ذلك لم تحرّك في قلبه ساكنًا، فقطعت علاقتها به قطعًا تامًا.
...
ولاحقًا، ظهرت مرام أمام رائد تمسك بذراع حبيبها بحميمية، وارتسمت ابتسامة في عينيها وهي تناديه: "عمي."
في تلك الليلة، داخل غرفة ضيّقة، كانت الغيرة تشتعل في عمق عينيه الداكنتين، فقبض بقوةٍ على خصرها النحيل ودفعها إلى زاوية الجدار: "عمي؟ ألستُ خطيبكِ؟"
...
"علاقة عمّ مزيفة، وصاية، ندم ومطاردة بعد الفراق، فارق عمر ثماني سنوات"
غيرة وهوس، تعلّق عنيد، محرَّم، انغماس حتى السقوط.
لا أخشى أعراف الناس، وسأحبك إلى الأبد.
كيف يمكن لشخصين ان يقعا لسطوة المشاعر وهما لا يملكان الارادة حتى للعيش؟! مستسلمان للموت وينتظرونه بشدة كي يعانقوه ببتسامة للخلاص
عن الكاتبة:
لن أبيعكم وعودًا وردية، ولا أعدكم بفراشات في السماء… هذه رواية ميؤوس منها. أبطالها سيجعلونكم تبكون أكثر مما تضحكون، وستشعرون باليأس معهم حتى النخاع. هنا، لن يكون هناك سوى صراعٍ مستمر بين الألم والدمار، حيث لا ينجو أحد من قسوة القدر أو من قلبه المكسور."
لا أحد يعرف من سينجو، ومن سيُكسر أولًا.
هذه ليست قصة حب عادية… هذه بداية الحُطام.
لم يسبق لها أن واجهت شيئًا كهذا… رجل لا حياة فيه، لكنه يحرك شيئًا في أعماقها.
《حتى لو رفضت الحياة.. لن أسمح لك بالرحيل》
الكاتبة علية مصطفى خضر موجه عام الصحافة والاعلام التربوي
10
378
"عاش في غيبوبة الحب، فاستباحوا بيته وحياته!
حذروه من "جوع أعينهم" وبخل نفوسهم رغم ثرائهم، لكنه أغمض عينيه وسار خلف قلبه. لم يكن يعلم أن زواجه سيكون تذكرة مجانية لأهل زوجته ليعيشوا على قهر أمه واستنزاف ماله حتى أفلَس.
وعندما بلغت الوقاحة ذروتها، وطُردت الأم من بيتها المملوك لها.. قررت ألا تبكي في زاوية صامتة. أعلنت الحرب بـ (قضية طرد) وصدمة لم يتوقعها أحد!
فهل يستفيق الابن قبل أن يخسر آخر ما تبقى من كرامته وأمه؟ أم أن جشعهم سينتصر؟"
لم تكن ترجمة أشعار أحمد مطر مسألة تقنية فحسب؛ بالنسبة لي كانت رحلة اكتشاف للكثير من الطبقات السياسية واللغوية التي تختبئ خلف كل عبارة ساخرة.
عندما ترجمت بعض الأبيات أو قرأت ترجمات متعددة، واجهت مباشرة مسألتين: الأولى هي البُعد السياسي والتهكم الذي يعتمد غالبًا على تلميحات ثقافية محلية، والثانية هي الإيقاع الصوتي واللعب اللفظي. بعض المترجمين اتبعوا منهج «النقل الحرفي المنقح»—يحاولون نقل المعنى المباشر مع إضافة حواشي تشرح الخلفية. آخرون فضّلوا منهج «التحرّر الإبداعي» ليعيدوا صياغة الصورة الشعرية بلغة إنجليزية طبيعية تحافظ على وقع السخرية.
كنت أميلُ إلى مزيج من الطريقتين: الحفاظ على حدة السخرية والمرارة، وأن أشرح مآخِذ السياق في حاشية قصيرة بدل أن أطيل في داخل النص. أحيانًا أستخدم تراكيب إنجليزية أقوى أو كلمات عامية لإيصال نبرة التحقير، لأن الترجمة الحرفية تخبّط عندما يكون السخرية مبنية على لعبة لفظية أو تلاعب دلالي لا يقابله مقابل مباشر بالإنجليزية. في النهاية، كل ترجمة تعطي قراءًا مختلفًا لأحمد مطر، وهذا ما أحبه في العملية—التنوع الذي يكشف صورًا متعددة للشاعر أكثر مما يقترب من «الحقيقة الوحيدة».
منذ زمن طويل وأنا أغوص في كتب ممنوعة وأحب أن أحكي كيف وصلت كتابات هنري ميلر إلى هذه الزاوية المحظورة في الكثير من البلدان. كانت المشكلة الأساسية عند الرقابات والقضاة هي تصويره الصريح للصِلات الجنسية واللغة الخام التي لم تتوافق مع معايير «الأدب المقبول» في تلك الحقبات. نصوص مثل 'Tropic of Cancer' و'Tropic of Capricorn' لم تُقَرأ فقط كأدبٍ تجريبي، بل وُصمت بأنها تحرّض على الفحش وتُخالف الأخلاق العامة، فكانت تُمنع الاستيراد وتُحجز في الجمارك وتُمنع من التداول في المكتبات الرسمية.
ما يجب أن أفصله هو السياق القانوني والاجتماعي: قوانين قديمة عنت بتحديد ما إذا كان العمل «مُخلًّا بالأدب العام»، مثل قاعدة هيكلن التي اعتُمدت سابقًا لتقييم المواد المسمومة تأثيرًا على الأخلاق، ثم ظهرت مع الوقت معايير أحدث في القرن العشرين لكن الرؤية المحافظة استمرت لسنوات. إلى جانب ذلك، كانت هناك حساسية دينية وثقافية في مجتمعات عديدة تجاه تصوير الجسد والهوية الجنسية وصراحة الكلام عن الرغبات، فالحكومات أو مجموعات الضغوط اعتبرت مثل هذه النصوص خطرة على النظام الأخلاقي أو على «الأسرة» أو على تماسك المجتمع.
ولأنني أحب الغوص في أثر الحظر، أقولها بصراحة: الحظر أعطى ميلر شهرة انتقائية—منع الكتب جعلها موضع رغبة لدى قراء شباب ومثقفين يسعون لاكتشاف «الممنوع». في الغرب تغيّرت الأمور خلال الستينات، مع موجات التحرر، ومع تحول المحاكم نحو الاعتراف بالقيمة الأدبية وحرية التعبير؛ أما في دول أخرى فالقيود استمرت بسبب قوانين أكثر صرامة أو أنظمة سياسية محافظة. بالنهاية أعتقد أن منع كتب هنري ميلر لم يكن مجرد رفض لمحتوى جنسي، بل صراع أوسع بين مفهومين: رقابة تحمي ما تُسمّيه قِيمًا اجتماعية، ورفض ثقافي يسعى لفتح مجالات جديدة للتعبير الإنساني، وكل تجربة قراءة لميلر تُظهر أي جانبٍ تهيمن عليه تلك المجتمعات في ذلك الزمن.
أتذكر أول مرة صادفت فيها قصيدة له كانت كأنها صفعة على وجه الصمت؛ ذلك التأثير الخام هو ما يميز أحمد مطر حقًا.
أحمد مطر شاعر عراقي معاصر اشتهر بشعره السياسي الساخر واللاذع. طريقة كتابته بسيطة في السطح لكنها عميقة في الباطن: يستخدم صورًا يومية ولغة قريبة من الناس ليفضح الاستبداد والفساد والنفاق السياسي والاجتماعي. لا يحاول التجميل ولا يلجأ إلى المزخرفات الكلامية، بل يوجه كلامه كرمح مباشر نحو من يحملون السلطة أو يستغلون الدين لأهدافهم.
قصائد مطر لم تقتصر على القراءة فقط؛ فقد ترددت في المظاهرات والوسائط والإذاعات، وأصبحت صوتًا معارضًا يتردد بين المتظاهرين والناشطين. كثيرون حفظوا أبيات منه ونقلوها شفهيًا، وهذا ما جعل منه ظاهرة: شاعر لا يكتب للنخبة الأدبية بقدر ما يكتب للشارع والضمير.
إذا أردت وصفًا موجزًا لجوهر قصائده السياسية فسأقول إنها تتسم بالسخرية القاسية، والجرأة في مواجهة الطغيان، والاهتمام بالإنسان المقهور. تأثيره واضح في عقل أي قارئ يبحث عن شعر لا يتهرب من الحقيقة، وإنهاء كلامه عادة يتركني مشدودًا للتفكير ولا يسكن قلبي بسهولة.
أعتقد أن حظر أغنية 'أبجد هوز' في البلد له جذور أعمق من كلماتها الظاهرة.
أول شيء يتبادر إلى ذهني هو طبيعة الأنظمة الرقابية نفسها: كثيرًا ما تُصنَّف المواد الفنية بحسب معايير أوسع من مجرد الفحوى المباشر. قد تُعتبر الأغنية مصدر قلق إن ارتبطت بشعارات احتجاجية، أو احتوت على رموز يمكن تفسيرها كمحفّزة للاقتراحات السياسية أو الاجتماعية. في بعض الحالات تُمنَع الأعمال لأنها تُستخدم كصوت بديل للمطالب العامة، حتى لو بدا النص للأطفال أو بسيطًا في الظاهر.
جانب آخر لا يقل أهمية هو الحساسية الثقافية والدينية. مصطلح 'أبجد هوز' يحمل وجها تاريخيًا وأحيانًا طابعًا خرافيًا مرتبطًا بالأبجديات والأسرار القديمة؛ هذا قد يجعل بعض الجهات تراه غير لائق أو مسيئًا للمعتقدات المحلية، فتتدخل لمنع ما يعتبرونه نشرًا للقِيَم المتعارضة. كما أن الرقابة قد تتعامل بحذر مع أي محتوى يشتبه في احتوائه على إشارات غامضة أو رسائل مشفرة.
أختم بأنني أعتقد أن الحظر غالبًا ما يكون إجراءً مبنيًا على الخوف من التأثير لا على نصّ الأغنية فقط. مثل هذه القرارات تنجح في إخماد ظاهري لكنها أيضًا تمنح العمل صفة الأسطورة لدى الجمهور؛ أحيانًا تصبح الأغنية أكثر تداولًا لأن القيد أثار فضول الناس. في النهاية، الرقابة تختبر الحدود بين حماية المجتمع والحكم على الفن، والنتيجة تقود دائمًا إلى نقاش أوسع حول حرية التعبير والثقافة.
صوت الشاعر كان دائمًا مصدر إزعاج للسلطات، وهذا يفسر كثيرًا لماذا جرى حجب قصائد محمود درويش في مناسبات مختلفة.
أقول هذا بعد قراءة نصوصه ومتابعة سياقها التاريخي: درويش لم يكن يكتب ليمتزج بل لإثارة الذاكرة القومية والهوية، وأغراض مثل هذه تصطدم مباشرة مع أجهزة الدولة حين ترى أن الخطاب قد يعيد تشكيل وعي الجمهور أو يحرض على مقاومة أو احتجاج. في كثير من الحالات تُستخدم تهم فضفاضة مثل 'تهديد الأمن العام' أو 'التحريض' لتبرير الحجب، خصوصًا في فترات التوتر أو الحرب، حيث تصبح أي كلمة تُحتمل قراءتها كنداء تحشيدي مبررًا للإجراءات القمعية.
الآليات كانت متنوعة: من منع النشر أو منع عروض شعرية، إلى سحب الكتب من المناهج أو مصادرة نسخ من الدوريات. حتى الإعلام والهامش الثقافي يخضعان للضغط فتنتشر الرقابة الذاتية بين دور النشر والمجلات. بالنسبة لي، لا أرى الحجب غريبًا من حيث المبدأ — فقد حدث مع كتاب وشعراء آخرين — لكن ما يزعجني دائمًا هو أنه يضفي على النص طابعًا محظورًا يزداد جاذبية لدى القراء، وكأن الكلمة المحجوبة تصبح أقوى بغيابها.
أتصور أن المشهد أشبه بمسرحية تُديرها أيدي كثيرة خلف الستار، بعضها واضح وبعضها يختفي في الظلال.
أنا أرى أن الجهات الرسمية هي أكثر من يتدخل: وزارات الإعلام والثقافة تملك صلاحيات منح تراخيص النشر أو سحبها، وأحياناً المحاكم تصدر أحكاماً تمنع توزيع عناوين اعتبرتها «مخالفة». بالإضافة إلى ذلك، تأثير رجال الدين والهيئات الدينية واضح عندما يصدر فتوى أو بيان يطالب بمنع كتاب أو رواية؛ هذه الضغوط تضغط على الناشر وتُبقي الكتاب خارج الرفوف.
لكن لا تنسَ دور السوق والمؤسسات الخاصة: دور النشر نفسها قد تُمارس الرقابة الذاتية خوفاً من المشاكل القانونية أو خسارة الموزعين، وأحياناً المطبوعات تتعطل عند الجمارك أو ممنوع دخولها إلى منصات التوزيع. كمحب للقراءة، أجد أن المنع ليس نتيجة جهة واحدة بل تلاقي مصالح متعددة تخشى من التأثيرات السياسية والدينية والاجتماعية على السواء.
كلما مررت بجنازة أو مظاهرة في القاهرة أجد لِحني الصغير مع بيت من شعره يرن في رأسي: هذا هو سبب بقاء شعر 'أحمد فؤاد نجم' حاضراً دوماً. أسترجع كيف كان الناس، في الأزقة والميادين، يرددون أبياتاً بسيطة لكنها محملة بصراحة تقطع الصمت. لغته العامية لا تكسر الحاجز بين الشاعر والجمهور فقط، بل تجعلك تشعر أن القصيدة مكتوبة لك وحدك، في الموقف نفسه، وبصوتك. هذا التواصل المباشر مع الواقع اليومي، مع الفلاح والموظف والبائع المتجول، هو ما منح قصائده حياة طويلة.
أرى أيضاً أن جزءاً كبيراً من شعبية شعره يعود إلى جرأته السياسية وقربه من الناس في أوقات الأزمات. لم يختفِ خلف كلمات مزخرفة؛ بل واجه السلطة والسلوك الاجتماعي بالنقد الساخر والحزن الصادق، مما جعله صوتاً للمطالبة والاحتجاج. وتضاف إلى ذلك شراكته الموسيقية مع منشدين صنعوا من أبياته أناشيد سهلة الطرب تُحفظ وتُردد — وهنا يكمن سر الخلود: كلمات تتحوّل لأغنيات تُنقل شفهياً وتنتقل بين الجيل والآخر. لا أنسى أيضاً نبرة الدعابة التي يمتلكها؛ ضيف خفيف على نص ثقيل، وشجاعة تجعلك تبتسم وتسأل في نفس الوقت، وهذا مزيج نادر يخلق ارتباطاً إنسانياً لا يزول.