Masuk
كان أول ما ظنته مرام أنها أخطأت في الرؤية.لا بد أن ما حدث قبل قليل أربكها، لذلك ما إن رأت تلك العينين، حتى خطر ببالها اسم رائد.رمشت مرام عدة مرات، فتساقطت قطرات المطر من رموشها الطويلة.وفي مجال رؤيتها، ظلت عينا الرجل باردتين وعميقتين كما هما.وكانتا أشد برودةً من مطر ليلة الشتاء.هبط قلبها فجأة، فدفعت يحيى بعيدًا عنها على الفور."يحيى، دعني أولًا."شحبت شفتاها، وارتجف صوتها.وكأن يحيى لم يدرك ما يحدث، فظل يضمها دون أن يرخي قبضته. وقال: "مرام، لا بد أنكِ كنتِ خائفة جدًا قبل قليل. لا بأس، لقد انتهى الأمر.""دعني أولًا!" قالت مرام بقلق، وهي تتحرر من قبضته بقوة.ومن خلف ستار المطر، ظلت مرام تحدق في تلك العينين داخل السيارة، وارتجف جسدها لا إراديًا.وأسرعت نحو السيارة على عجل، وما إن خطت نصف خطوة، وقبل أن تتمكن من مناداته باسمه، حتى أُغلق الزجاج الأسود للنافذة.وحجب عنها رؤيته.وظلت مرام تنظر إلى السيارة الفاخرة السوداء وهي تنطلق مبتعدة دون أدنى تردد.رحل من دون أن يقول كلمة واحدة.وتركها في تلك الليلة المظلمة الممطرة.وكأنه لم يرها أصلًا."رائـ..."تحركت شفتاها الشاحبتان بصعوبة، بينما ك
"طاخ!"دوّى في الليل الممطر صوت ارتطامٍ مكتوم وثقيل....ظل المطر البارد يهطل بلا انقطاع، متناثرًا على الأرض ومثيرًا رذاذًا متلألئًا.وتدلت الطوبة الحمراء الملطخة بالدم ببطء، بينما سالت منها دماء حمراء داكنة، وتقاطرت في المياه المتجمعة على الأرض، وانتشرت فيها."مرام!"ومن خلال الرؤية التي غشاها المطر، رأى يحيى الفتاة تمسك بطوبة ثقيلة، بينما كان جسدها يرتجف وكأنها فقدت وعيها بما حولها.وكان الدم يتدفق بغزارة من رأس الرجل الذي كان فوقه.دفع يحيى الرجل بقوة حتى سقط أرضًا، ثم نهض وانتزع الطوبة الحمراء من يد مرام، وألقاها بعيدًا."لا بأس... لا بأس."كانت مرام ترتجف من شدة الخوف، وكانت يدها التي أمسكت بالطوبة ترتعش بشدة.كان يحيى يلتقط أنفاسه بصعوبة، ونظر إلى وجه مرام الشاحب، وقال: "لقد كنتِ شجاعة يا مرام."ففي اللحظة الحاسمة، ركضت نحوه، والتقطت الطوبة الحمراء من الأرض، ثم هوت بها على رأس ذلك الرجل من دون أي تردد.وتناثر الدم في كل اتجاه، فأصابها الذهول من شدة الخوف.وظلت تحدق في الرجل الملقى على الأرض بذهول، بينما كانت ترتجف بشدة."هـ... هل مات؟"ارتجف صوتها حتى كاد لا يُسمع."لن يموت، إنه
هل يعقل أن العقل المدبر وراء قضية والدها علم بقدومها إلى مدينة الضياء، فأرسل هؤلاء للقبض عليها؟!وقبل أن تنطق بكلمة، دوّى إلى جوارها صوتٌ منخفض."اختبئي داخل السيارة، ولا تخرجي."سحبها يحيى إلى المساحة الواقعة بينه وبين السيارة، ثم فتح باب السيارة بيده الأخرى.وحجبها بجسده الطويل، بينما ثبت نظره على الرجال الذين كانوا يرمقونهما بنظراتٍ متربصة."وأنت؟" سألت مرام على عجل."سأشغلهم."لم يلتفت يحيى إليها، بل قبض على يديه بإحكام، وقال: "اختبئي داخل السيارة، واتصلي بالشرطة."وما إن همّت مرام بالصعود إلى السيارة، حتى اندفع ثلاثة أو خمسة رجال يحملون العصي، وأحاطوا بهما على الفور.صاحت مرام: "انتبه!"وفي اللحظة التالية، رأت يحيى يندفع نحوهم ويشتبك معهم.شاهدت مرام ذلك المشهد، وكادت أنفاسها تتوقف من شدة الخوف.ولحسن الحظ، فعلى الرغم من مظهر يحيى الهادئ، فإنه لم يكن ضعيف البنية.وفي اللحظة التي هوى فيها أحدهم بعصاه نحوه، كان أسرع منه، فانتزع العصا من يده في لمح البصر.ثم هوى عليه بالعصا وضربه بقوة على ذراعه، في حركة سريعة وحاسمة.وبدا أنهم لم يتوقعوا أن يحيى يجيد القتال، فاندفعوا جميعًا نحوه بكل
ثم قال مبتسمًا: "إذا أردتِ حقًا أن تشكريني، فاعزميني على العشاء.""أنتِ تعرفين مدينة الضياء جيدًا، فاصطحبيني إلى مكان يقدم طعامًا لذيذًا.""بكل سرور." ارتسمت ابتسامة على شفتي مرام، وقالت: "سأعزمك على العشاء الليلة."...كان منزل سعد يقع في ضواحي المدينة، ويستغرق الوصول إليه من المقبرة نحو ساعة بالسيارة.وفي منتصف الطريق، أخذت السماء تزداد قتامة شيئًا فشيئًا.ولم تكن الساعة قد بلغت الخامسة مساءً بعد، حتى اختفى ضوء النهار خلف الغيوم الداكنة.وما هي إلا لحظات حتى انهال مطرٌ غزير على السيارة، مصحوبًا بارتطام حبيبات الثلج بها، فتعالت طقطقتها."إنها تمطر ثلجًا!"نظرت مرام إلى خارج النافذة، وقالت: "إنه مطر ممزوج بالثلج... إنها حبيبات ثلج."فالمطر الممزوج بالثلج نادر في مدينة الزهراء، إذ إن مناخها جاف، وعندما يتساقط الثلج فيها، يكون عادةً على شكل رقاقات كثيفة."هل يكون الشتاء في مدينة الضياء هكذا دائمًا؟"شغّل يحيى أضواء السيارة، وتحت الضوء الأبيض اختلطت قطرات المطر بحبيبات الثلج."في مدينة الضياء، يتساقط الثلج غالبًا على هيئة حبيبات."رفعت مرام بصرها إلى السماء، وقالت: "لذلك يجب توخي الحذر عن
"لقد كان ظهوره أشبه بشعاع نور أضاء حياتي.""لقد أرشدني، حتى أصبحت مرام التي أنا عليها اليوم."وانهمرت دموع مرام، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة."هو من انتشلني من الوحل، وأرشدني إلى الطريق الصحيح، وجعلني أدرك أن الحياة تحمل خيارات أكثر بكثير مما كنت أتصور.""يا أبي، حبي له كان صدفة، لكنه كان أيضًا أمرًا محتومًا.""لقد دللني وحماني، وكان بعدك الرجل الأكثر كمالًا في هذا العالم."وعند هذه النقطة، ابتسمت ابتسامة خفيفة، ومسحت دموعها."ومنذ أن التقيت به، خرجت حياتي من الظلام إلى النور.""لم أعد أخشى باب الحمام الذي لم يكن يُغلق بإحكام أبدًا، ولم أعد أخاف تلك النظرات الخبيثة، ولم أعد أنام وأنا أعيش في خوف وقلق...""يا أبي، لم أعد أستطيع الاستغناء عنه، ولذلك أطمع بأن تتطور علاقتنا لنبقى معًا إلى الأبد.""نحن الآن حبيبان، وإذا سارت الأمور على ما يرام، فسنتزوج في المستقبل.""سنذهب معًا لنستمتع بنسيم البحر، ونشاهد الثلوج، والألعاب النارية، والسماء المرصعة بالنجوم.""وسنجوب العالم معًا، ونستمتع بكل ألوانه، ونقضي ما تبقى من حياتنا في سعادة."رفعت مرام عينيها، ونظرت بعينين محمرتين إلى ابتسامة والده
بدا أنها وُضعت اليوم.ولم تكن تعرف من الذي أحضرها.جلست مرام في وضع القرفصاء أمام القبر، ومررت أصابعها الباردة برفق فوق الصورة بالأبيض والأسود المنقوشة على شاهدة القبر.كان الرجل في الصورة شابًا وسيمًا، في أوائل الثلاثينيات من عمره، تعلو وجهه ابتسامة دافئة وجميلة.لكن ذلك الأب الوسيم، حين فارق الحياة، كان وجهه قد تشوه تمامًا، وغدا مغطى بالدماء والجراح.ولم تستطع مرام، وهي في الثامنة من عمرها، أن ترى ملامح والدها الأخيرة بوضوح.ظلت تحدق في ابتسامة الرجل في الصورة، وما لبثت أن احمرّت عيناها."أبي..."همست بها بصوتٍ مختنق بالعبرة."جئت لزيارتك يا أبي."وقف يحيى إلى جانبها، ونظر إلى رموشها المبللة بالدموع، ثم انحنى احترامًا أمام شاهدة القبر، ووضع باقة الزهور التي كانت في يده.وربت برفق على كتف مرام، وقال: "سأنتظرك هناك."قالت مرام بصوتٍ خافت: "شكرًا."ومع ابتعاد وقع خطواته، نظرت إلى الصورة على شاهدة القبر، وقالت: "أبي، هذا صديقي، اسمه يحيى.""إنه محامٍ بارع، وهو يساعدني في التحقيق في الحادث الذي تعرضتَ له آنذاك."وعند هذه النقطة، ارتسمت على شفتيها ابتسامة خافتة."أعرف أنك ستقول: 'مرام، لا
رفعت عينيها فجأة، ولم يكن خارج الجناح سوى سكون الليل، ولا أحد في المكان.لكن تلك الرائحة الخشبية الباردة الخفيفة ظلّت تتسلّل في الهواء من حولها، وتتغلغل في كلّ خليةٍ من جسدها، وكلّ عصبٍ فيه.أخذت تتنفّس بخفّة، وشعرت بغصّةٍ غامضةٍ تتصاعد في صدرها.رمشت مرام؛ أهيَ شربت أكثر من اللازم؟ كيف لها أن تشمّ
اشتعلت سهام غضبًا، لكنها حين رأت الاتصال على شاشة الهاتف لم تجرؤ على مدّ يدها، وحدّقت في مرام بعينين يغلي فيهما الحقد."كفى!"صاح ياسر بحدّة: "مرام، سنقيم مأدبة الليلة في قاعة الغيوم، ولم أترك كلمة مجاملة إلا وقلتُها حتى تمكّنتُ من دعوة عائلة الشربيني للحضور."عبس وجهه ونظر إلى مرام: "من الأفضل لكِ
"همم..."تقلبت مرام على السرير، فانكشفت بشرتها البيضاء الناصعة، تتلألأ بلمعانٍ خزفيّ تحت خيوط ضوء الصباح المتسرّبة.فتحت عيناها اللوزيتان المغمضتان قليلًا، وبعد لحظةٍ من الضبابية عاد إليهما الصفاء.جلست مرام على السرير دفعةً واحدة، وقد أفاقت تمامًا.كانت تحلم!وفي الحلم كان رائد...فضربت جبينها بكفّ
ما تزال مرام تتذكّر تلك الليلة الصيفية من ذلك العام، وكانت أيضًا في نادي اللؤلؤ الملكي، داخل الغرفة الخاصة في الطابق العلوي.لم يكن في الغرفة الهادئة شخصٌ ثالث، وكان الهواء يعبق بعطرٍ باردٍ نفّاذ وعبير نبيذ الفاكهة.في تلك الليلة، وبدافعٍ من تأثير الكحول، اعتلت مرام حضن رائد.تحت ضوء الثريّا الكريست







