Share

قبلة في الضباب... حين أغوته خفق قلب الرجل المتحفّظ بجنون
قبلة في الضباب... حين أغوته خفق قلب الرجل المتحفّظ بجنون
Author: عابر الفصول الثلاثة

الفصل 1

Author: عابر الفصول الثلاثة
في أول يوم بعد عودتها إلى البلاد، اكتشفت مرام أنها تعرّضت للخيانة.

ما إن نزلت من الطائرة حتى تلقت اتصالًا من ليان، كان صوتها على الطرف الآخر يكاد ينفجر من شدة الغضب.

"اليوم، عندما كنتُ أتحدث مع رئيس شركة الأفق للإعلام بشأن تعاون، سمعتُ خبرًا؛ خطيبكِ آسر الشربيني كان يطوّق نجمة شركتهم الصاعدة نادين صفوان بذراعه، وذهبا إلى نادي اللؤلؤ الملكي. هذا الرجل الوغد عديم الحياء! وهو على وشك أن يخطبكِ رسميًا، ومع ذلك يتودد إلى ممثلة أخرى!"

اشتعلت ليان غضبًا، وأضافت سابّةً: "عديم الحياء، وقح بلا خجل!"

كان آسر الشربيني ابن مالك إحدى شركات العقارات في مدينة الزهراء. عُرف عنه ولعه بالنساء حتى صار ذلك طبعًا فيه، وكان في الأوساط الاجتماعية معروفًا بكونه زير نساء.

كانت عائلة الشربيني في مدينة الزهراء تُصنَّف ضمن فئة حديثي الثراء، ومع ذلك فهي من أوساط الطبقة الثرية. وعلى الرغم من أن آسر كان مستهترًا لا يُعوَّل عليه، فإن النجمات والمؤثرات الراغبات في الزواج من عائلة الشربيني لا يُحصين عددًا.

حتى وإن علِمن أن وريث عائلة الشربيني مرتبط رسميًا، فإن كثيرًا من الشابات كنّ يتهافتن عليه تباعًا.

أما آسر، فلم يكن يرفض إحداهن، وكانت أخباره الغرامية تتوالى بلا انقطاع.

أما نادي اللؤلؤ الملكي فكان في مدينة الزهراء من أرقى الأندية فخامةً، والوجهة المفضلة لاجتماعات أصحاب النفوذ والثروة، كما يُعدُّ وكرًا لإنفاق المال بالنسبة لأبناء العائلات الثرية.

واصطحاب آسر امرأة إلى مثل هذا المكان المفعم باللهو والترف كافٍ لمعرفة ما الذي ذهب ليفعله.

فاستئجار غرفة، بطبيعة الحال، يتطلب مكانًا يتمتع بخصوصية بالغة.

"أبناء العائلات الثرية، يعشقون اللهو."

كانت مرام تسحب حقيبتها بيد وتمسك هاتفها بالأخرى، تشق طريقها وسط الحشود الصاخبة، وقالت بابتسامة هادئة: "دعيه يستمتع ببضعة أيام أخرى."

أما نزوات آسر، فكانت مرام دائمًا تتجاهلها تمامًا. وقد عرفتها ليان منذ عامين، لكنها لم تفهم قط لماذا تبدو متساهلة إلى هذا الحد تجاه خيانة خطيبها.

وهي أيضًا لم تفهم كيف لمرام، بكل جمالها وتميّزها، ومع كثرة من كانوا يلاحقونها في جامعة مرموقة بالخارج، أن تختار تحديدًا الارتباط بشخص مثل آسر، فتمنح ذلك الذي لا يستحقها هذه الفرصة.

ولما رأت ليان أن مرام لا تبدي اكتراثًا، غيّرت الموضوع قائلةً: "بالمناسبة، سمعتُ أن طارق الجوهري، مالك شركة الأضواء للإنتاج التي اشترت سيناريو عملنا مؤخرًا، موجود أيضًا اليوم في نادي اللؤلؤ الملكي."

"حقًا؟" سألت مرام بلهجة عابرة، "أن يذهب إلى مكان كهذا، لا بد أنه أنفق مبلغًا ضخمًا؟"

"طبعًا، فهو الليلة يسعى للحصول على تمويل، وقد دعا رئيس مجموعة القمة للاستثمار."

عند سماع ذلك، شدّت مرام قبضتها على الهاتف، وتوقفت خطواتها وسط الحشود لحظةً، وتوقف تنفسها لثانيتين.

كان لاسم "مجموعة القمة للاستثمار" وقعٌ ثقيل؛ فهي شركة استثمار مالي ذائعة الصيت في البلاد، وتتصدر هرم عالم المال.

أما رئيس مجموعة القمة للاستثمار، فهو... رائد السويفي، الابن الثاني لعائلة السويفي، إحدى أرقى العائلات النافذة في مدينة الزهراء.

مجرد أن يمرّ هذا الاسم على طرف قلب مرام، كفيل بأن يجعلها ترتجف.

ظلّ الصوت عبر الهاتف يتابع: "يقول أهل الوسط إنه ظلّ يتودد ويتقرّب لمدة ثلاثة أشهر كاملة، حتى تمكّن أخيرًا من دعوة تلك الشخصية النافذة في عالم الاستثمار، ذات النفوذ الواسع. وإذا نجح في الحصول على التمويل بسلاسة، فسيرتفع شأننا معه... ألن يزدهر استوديو عملنا أيضًا؟"

قبل عام، حين كانت مرام لا تزال تدرس في الخارج ولم تتخرج بعد، دعتها ليان الراشد، زميلتها الأكبر في الجامعة، إلى الشراكة في تأسيس استوديو إيكو المتخصص في كتابة السيناريوهات.

وخلال أكثر من عام منذ ذلك الحين، كانت مرام في الخارج تتولى بشكل أساسي كتابة السيناريوهات، بينما كانت ليان تتكفّل بكل شؤون الشركة، كبيرةً كانت أم صغيرة.

وخلال الأشهر القليلة الماضية، لم تكن أرباح الاستوديو مرتفعة، وكان وضعه المالي متعثرًا، وكانت مرام تدرك حجم الضغط الذي تتحمله ليان.

استعادت مرام تركيزها وتابعت السير بكعبيها العاليين، وقالت: "آمل أن ينجح."

فتلك الشخصية النافذة في عالم الاستثمار دقيقةٌ مفرطة، صارمة، وصعبة المراس، وقد خبرت ذلك بنفسها.

"آه، لقد نزلتِ من الطائرة؟" أدركت ليان عندها فقط بعدما سمعت الضجيج في الطرف الآخر من الهاتف. "آتي لأستقبالك؟"

"لا داعي يا ليان." أوقفت مرام تاكسي. "لقد وجدت سيارة بالفعل."

وعبر الهاتف، سمعت ليان مرام وهي تُخبر السائق بالعنوان، فسألت بدهشة: "أنتِ ذاهبة إلى نادي اللؤلؤ الملكي؟"

جلست مرام في المقعد الخلفي، وعدّلت خصلات شعرها عند أذنها، ناظرةً إلى المشهد خارج النافذة؛ مألوف إلى حدٍّ بعيد، لكنه يبدو غريبًا قليلًا. وانحنت شفاهها الحمراء بابتسامة خفيفة: "لأضبطه متلبسًا."

...

نادي اللؤلؤ الملكي من الأندية فائقة الفخامة التي تعمل بنظام العضوية، وتبدأ رسوم الانضمام فيه من خمسمائة ألف دولار.

وفي مكان كهذا، قد يبلغ إنفاق ليلة واحدة عشرات الآلاف بل وحتى ملايين الدولارات، وليس مكانًا يطؤه عامة الناس.

دخلت مرام بسلاسة، وذكرت رقم بطاقة عضويتها، غير آبهة بنظرات الدهشة في عيني النادل، ومضت بكعبيها العاليين بخطوات واسعة إلى الداخل.

ألقت نظرة على رقم الغرفة الذي ظهر في رسالة هاتفها، وانحنت شفاهها الحمراء انحناءة خفيفة، ثم مضت دون عائق حتى وصلت إلى الغرفة الخاصة في الطابق العاشر.

أما الطوابق العليا فكانت ساحة ورثة النخبة من الصف الأول، وهي مكانة لا يبلغها آسر.

ما إن وصلت مرام إلى باب الغرفة الخاصة، حتى تسللت أصوات الضحك والمزاح الصاخب من الداخل عبر شقّ الباب شبه المغلق.

لم يكن الحضور قليلًا.

كانت مرام على وشك دفع الباب والدخول، لكنها حين سمعت أن الحديث في الداخل يبدو متعلقًا بها، توقفت يدها الممدودة في الهواء.

"يا آسر، أليست خطيبتك عائدة اليوم؟ لماذا لم تذهب لاستقبالها؟"

"بل دعك من أن يذهب بنفسه، لم يُرسل حتى سائقًا لاستقبالها."

"وما مكانتها حتى أذهب لاستقبالها؟" قال آسر بصوت مستهين. "لولا أن خالها يتفانى في خدمة والدي بتذلل، لما كانت تستحق حتى أن تعبر عتبة بيت عائلة الشربيني."

"بالضبط. سمعتُ أنها بلا أبٍ ولا أم، وأن عائلة الجبالي لم تعترف بها إلا قبل عامين، والآن يسارعون إلى تزويجها لعائلة الشربيني، أليس واضحًا أنهم يسعون للتقرّب من أصحاب النفوذ طمعًا في الارتقاء؟"

وسارع أحدهم إلى تأييده قائلًا: "امرأة كهذه، بلا سند من أهلها، يسهل التحكم بها؛ تأمرها بشيء فتفعله، ولا تملك أدنى قدر من الشخصية."

"ومن قال غير ذلك، آسر خانها مرات لا تُحصى، ولو كانت فتاة من عائلة راقية أخرى، لكانت عادت من الخارج منذ زمن. لكنها تقبع هناك بلا حراك، ولم تنبس بكلمة واحدة."

"مهلًا مهلًا..." انطلق صوت ناعم متدلّل، "أقول لكم، أليس من غير اللائق أن تتحدثوا عن فتاة بهذا الشكل؟"

"وما غير اللائق في ذلك؟ إنها لا تضاهي حتى شعرةً منكِ." انحنى آسر وقبّل نادين قبلةً خاطفة، ثم أمسك خصرها وجذبها لتجلس على ساقيه، وسألها ضاحكًا بصوت خافت: "ألا ترغبين في الزواج مني لتصبحي سيدة عائلة الشربيني؟"

"أنا لا أريد ذلك إطلاقًا." قالت نادين بصوت ناعم متدلّل، وربّتت بخفة على صدر آسر بإيماءةٍ مغازِلة. "الزواج مملّ جدًا."

أشعلت كلماتها رغبة السيطرة في داخله، فضمّها إليه وقبّلها.

دوّى تصفيقٌ متتالٍ...

فُتح باب الغرفة الخاصة، وارتفع صوت التصفيق صافياً رنّانًا، متزامنًا مع وقع كعبيها العاليين وهي تخطو إلى الداخل ببطء.

ما إن رأى الحاضرون مرام حتى تجمّدوا لوهلة.

المرأة التي دخلت كان جمال وجهها يفوق الحد.

انفصل الاثنان اللذان كانا يتبادلان قبلةً مشتعلة بسرعة، كأنهما كانا جسدًا واحدًا.

ولما رآها آسر، بدا عليه شيء من الدهشة.

"مرام؟"

كانت ملامح المرأة أمامه مطابقةً للصورة التي رآها من قبل، لكنها كانت أجمل من الصورة بأضعافٍ مضاعفة.

خطيبته التي لم يرَها من قبل إلا في الصور، وها هي الآن تقف أمامه... بشرةٌ بيضاء كالثلج، ساقان طويلتان نحيلتان مستقيمتان، ووجهٌ بيضاوي جميل الملامح تزيّنه لمسات مكياج خفيفة؛ كانت أكثر إدهاشًا من الصورة نفسها، حتى إن نادين صفوان الواقفة إلى جوارها بدت باهتة بالمقارنة.

"واو، يا لها من إثارة!" كانت عينا مرام بلونٍ فاتح هادئ، وابتسمت ابتسامةً تليق باسمها، فظهرت غمازتان صغيرتان عند زاويتي شفتيها. "خطيبي يخونني الآن."

ساد صمتٌ مفاجئ في الغرفة الخاصة.

فمجرد انتشار كلمة خيانة كفيلٌ بأن يلطّخ سمعة عائلة الشربيني.

سارع آسر إلى النهوض من الأريكة، وارتسمت على وجهه ملامح باردة، "متى أتيتِ؟"

"يا لسوء الحظ، كنت هنا قبل أن تبدأوا الحديث عني." ابتسمت مرام، وانحنت عيناها اللوزيتان اللامعتان بخفة، ولوّحت بالهاتف في يدها. "ويا للمصادفة، صوّرت كل شيء."

اسودّ وجه آسر فورًا.

ابتسمت مرام ابتسامةً هادئة وقالت: "آسر، فسخ الخطوبة أم الفضيحة العلنية؟ أيهما تختار؟"

جزّ آسر على أسنانه، كأنه غير مصدّق، "تريدين فسخ الخطوبة؟"

كان ياسر الجبالي يتذلل بلهفة لإتمام الخطوبة مع عائلة الشربيني، ومع ذلك أتريد مرام فسخها؟

"تتظاهرين بالانسحاب لتجذبيني؟" سخر بازدراء، "تريدين تهديدي لأكتفي بك وحدك؟"

راحت عيناه تتفحّصان وجه مرام الجميل، ثم انحدرتا إلى صدرها المتماوج، وصولًا إلى خصرها النحيل الذي يمكن تطويقه بكفٍّ واحدة.

هذا القوام، لا بد أنه سيكون مثيرًا في الفراش.

"ليس مستحيلًا." قال بثقة متعجرفة، "إن كنتِ مطيعة وخاضعة وأحسنتِ إرضائي، فقد أفكّر في الأمر..."

لم يكد يتمّ كلامه حتى انسكبت في وجهه كأسٌ من مشروبٍ كحوليّ بنيّ اللون، فأغرقت وجهه بالكامل.

"مرام!" بعد لحظة ذهول قصيرة، زمجر آسر بغضبٍ عارم.

وارتطم الكأس مقلوبًا على الطاولة، مُصدرًا صوتًا رنّانًا واضحًا.

ابتسمت مرام ابتسامةً هادئة وقالت: "خطيبي زير نساء، وهذا يحطّ من قدري."

رفعت مرام حاجبها بخفة، ولوّحت بالهاتف في يدها، وكان التهديد في حركتها واضحًا.

وفي اللحظة التي استدارت فيها، سمعت خلفها صوت كأسٍ يرتطم بالأرض ويتحطّم.

خرجت من الغرفة الخاصة، وسارت بكعبيها العاليين وهي ترسل رسالة.

"تم إنجاز المهمة، وسأحوّل لك الأتعاب، وسأساعدك في الحصول على دور البطولة في السيناريو القادم."

وفورًا، وصلت رسالة نصية.

نادين صفوان: "شكرًا يا مرام! آسر اشتعل غضبًا، سأختلق عذرًا وأغادر."

خفضت مرام رأسها تنظر إلى الرسالة، وارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها.

إن كانت عائلة الشربيني ما تزال تطمح إلى مزيد من الصعود، فلن تسمح بانتشار خبر كهذا، ومن الطبيعي أن يشتعل آسر غضبًا.

لا تستطيع فسخ هذه الخطوبة بنفسها، وعليها أن تدفع آسر ليكون هو من يبادر بفسخها.

وما إن همّت بإعادة الهاتف حتى اقتحمت مجال رؤيتها ساقان طويلتان مستقيمتان.

لم تسعفها الفرصة لتتوقف، فاندفعت مباشرة إلى صدره وارتطمت به.

وسرعان ما ابتعدت، لتغمر أنفها رائحة خشبية باردة مألوفة، أيقظت كل حواسها.

تجمّدت مرام فجأة، وكأن قلبها توقّف لثانية، وتجمد الدم في عروقها.

اختفت جرأتها التي كانت قبل لحظة تمامًا، ولم تجرؤ على رفع رأسها.

كان الإحساس الساخن الذي لامس جبينها قبل قليل كأن وخزًا خفيًا ينهش قلبها.

عضلات صدر صلبة، بخطوط انسيابية واضحة، كانت قد اصطدمت بها.

كان ذلك الإحساس لا يزال عالقًا في ذاكرتها.

وفي مجال رؤيتها برزت الساقان الطويلتان بشكلٍ مذهل، الملفوفتان ببنطالٍ أسود رسمي، وكانت قد جلست عليهما من قبل.

كانت يومًا تتشبّث به كمن يخشى الغرق، تستنشق رائحته التي لا تشبه سواه، وكأنها تريد أن تمتلكه حتى النخاع، كانت تتعلّق به حدّ الجنون.

توقّف لثانيتين فقط، ثم مرّ من جوارها ببرود تام، ومضى بخطواتٍ واسعة إلى الأمام.

"السيد رائد، هل تعرفها؟"

سأل صوتٌ رجولي غريب.

ثم انسابت إلى أذن مرام نبرة باردة جذّابة يكسوها استرخاء واثق.

"لا أعرفها."

Continue to read this book for free
Scan code to download App
Comments (2)
goodnovel comment avatar
بشار محمد البحري
من معي قات من معي قات لا أحب ر
goodnovel comment avatar
zaisy
ارجو منكم الاطلاع على روايتي الجديدة احتراق العنقاء
VIEW ALL COMMENTS

Latest chapter

  • قبلة في الضباب... حين أغوته خفق قلب الرجل المتحفّظ بجنون   الفصل 492

    كان أول ما ظنته مرام أنها أخطأت في الرؤية.لا بد أن ما حدث قبل قليل أربكها، لذلك ما إن رأت تلك العينين، حتى خطر ببالها اسم رائد.رمشت مرام عدة مرات، فتساقطت قطرات المطر من رموشها الطويلة.وفي مجال رؤيتها، ظلت عينا الرجل باردتين وعميقتين كما هما.وكانتا أشد برودةً من مطر ليلة الشتاء.هبط قلبها فجأة، فدفعت يحيى بعيدًا عنها على الفور."يحيى، دعني أولًا."شحبت شفتاها، وارتجف صوتها.وكأن يحيى لم يدرك ما يحدث، فظل يضمها دون أن يرخي قبضته. وقال: "مرام، لا بد أنكِ كنتِ خائفة جدًا قبل قليل. لا بأس، لقد انتهى الأمر.""دعني أولًا!" قالت مرام بقلق، وهي تتحرر من قبضته بقوة.ومن خلف ستار المطر، ظلت مرام تحدق في تلك العينين داخل السيارة، وارتجف جسدها لا إراديًا.وأسرعت نحو السيارة على عجل، وما إن خطت نصف خطوة، وقبل أن تتمكن من مناداته باسمه، حتى أُغلق الزجاج الأسود للنافذة.وحجب عنها رؤيته.وظلت مرام تنظر إلى السيارة الفاخرة السوداء وهي تنطلق مبتعدة دون أدنى تردد.رحل من دون أن يقول كلمة واحدة.وتركها في تلك الليلة المظلمة الممطرة.وكأنه لم يرها أصلًا."رائـ..."تحركت شفتاها الشاحبتان بصعوبة، بينما ك

  • قبلة في الضباب... حين أغوته خفق قلب الرجل المتحفّظ بجنون   الفصل 491

    "طاخ!"دوّى في الليل الممطر صوت ارتطامٍ مكتوم وثقيل....ظل المطر البارد يهطل بلا انقطاع، متناثرًا على الأرض ومثيرًا رذاذًا متلألئًا.وتدلت الطوبة الحمراء الملطخة بالدم ببطء، بينما سالت منها دماء حمراء داكنة، وتقاطرت في المياه المتجمعة على الأرض، وانتشرت فيها."مرام!"ومن خلال الرؤية التي غشاها المطر، رأى يحيى الفتاة تمسك بطوبة ثقيلة، بينما كان جسدها يرتجف وكأنها فقدت وعيها بما حولها.وكان الدم يتدفق بغزارة من رأس الرجل الذي كان فوقه.دفع يحيى الرجل بقوة حتى سقط أرضًا، ثم نهض وانتزع الطوبة الحمراء من يد مرام، وألقاها بعيدًا."لا بأس... لا بأس."كانت مرام ترتجف من شدة الخوف، وكانت يدها التي أمسكت بالطوبة ترتعش بشدة.كان يحيى يلتقط أنفاسه بصعوبة، ونظر إلى وجه مرام الشاحب، وقال: "لقد كنتِ شجاعة يا مرام."ففي اللحظة الحاسمة، ركضت نحوه، والتقطت الطوبة الحمراء من الأرض، ثم هوت بها على رأس ذلك الرجل من دون أي تردد.وتناثر الدم في كل اتجاه، فأصابها الذهول من شدة الخوف.وظلت تحدق في الرجل الملقى على الأرض بذهول، بينما كانت ترتجف بشدة."هـ... هل مات؟"ارتجف صوتها حتى كاد لا يُسمع."لن يموت، إنه

  • قبلة في الضباب... حين أغوته خفق قلب الرجل المتحفّظ بجنون   الفصل 490

    هل يعقل أن العقل المدبر وراء قضية والدها علم بقدومها إلى مدينة الضياء، فأرسل هؤلاء للقبض عليها؟!وقبل أن تنطق بكلمة، دوّى إلى جوارها صوتٌ منخفض."اختبئي داخل السيارة، ولا تخرجي."سحبها يحيى إلى المساحة الواقعة بينه وبين السيارة، ثم فتح باب السيارة بيده الأخرى.وحجبها بجسده الطويل، بينما ثبت نظره على الرجال الذين كانوا يرمقونهما بنظراتٍ متربصة."وأنت؟" سألت مرام على عجل."سأشغلهم."لم يلتفت يحيى إليها، بل قبض على يديه بإحكام، وقال: "اختبئي داخل السيارة، واتصلي بالشرطة."وما إن همّت مرام بالصعود إلى السيارة، حتى اندفع ثلاثة أو خمسة رجال يحملون العصي، وأحاطوا بهما على الفور.صاحت مرام: "انتبه!"وفي اللحظة التالية، رأت يحيى يندفع نحوهم ويشتبك معهم.شاهدت مرام ذلك المشهد، وكادت أنفاسها تتوقف من شدة الخوف.ولحسن الحظ، فعلى الرغم من مظهر يحيى الهادئ، فإنه لم يكن ضعيف البنية.وفي اللحظة التي هوى فيها أحدهم بعصاه نحوه، كان أسرع منه، فانتزع العصا من يده في لمح البصر.ثم هوى عليه بالعصا وضربه بقوة على ذراعه، في حركة سريعة وحاسمة.وبدا أنهم لم يتوقعوا أن يحيى يجيد القتال، فاندفعوا جميعًا نحوه بكل

  • قبلة في الضباب... حين أغوته خفق قلب الرجل المتحفّظ بجنون   الفصل 489

    ثم قال مبتسمًا: "إذا أردتِ حقًا أن تشكريني، فاعزميني على العشاء.""أنتِ تعرفين مدينة الضياء جيدًا، فاصطحبيني إلى مكان يقدم طعامًا لذيذًا.""بكل سرور." ارتسمت ابتسامة على شفتي مرام، وقالت: "سأعزمك على العشاء الليلة."...كان منزل سعد يقع في ضواحي المدينة، ويستغرق الوصول إليه من المقبرة نحو ساعة بالسيارة.وفي منتصف الطريق، أخذت السماء تزداد قتامة شيئًا فشيئًا.ولم تكن الساعة قد بلغت الخامسة مساءً بعد، حتى اختفى ضوء النهار خلف الغيوم الداكنة.وما هي إلا لحظات حتى انهال مطرٌ غزير على السيارة، مصحوبًا بارتطام حبيبات الثلج بها، فتعالت طقطقتها."إنها تمطر ثلجًا!"نظرت مرام إلى خارج النافذة، وقالت: "إنه مطر ممزوج بالثلج... إنها حبيبات ثلج."فالمطر الممزوج بالثلج نادر في مدينة الزهراء، إذ إن مناخها جاف، وعندما يتساقط الثلج فيها، يكون عادةً على شكل رقاقات كثيفة."هل يكون الشتاء في مدينة الضياء هكذا دائمًا؟"شغّل يحيى أضواء السيارة، وتحت الضوء الأبيض اختلطت قطرات المطر بحبيبات الثلج."في مدينة الضياء، يتساقط الثلج غالبًا على هيئة حبيبات."رفعت مرام بصرها إلى السماء، وقالت: "لذلك يجب توخي الحذر عن

  • قبلة في الضباب... حين أغوته خفق قلب الرجل المتحفّظ بجنون   الفصل 488

    "لقد كان ظهوره أشبه بشعاع نور أضاء حياتي.""لقد أرشدني، حتى أصبحت مرام التي أنا عليها اليوم."وانهمرت دموع مرام، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة."هو من انتشلني من الوحل، وأرشدني إلى الطريق الصحيح، وجعلني أدرك أن الحياة تحمل خيارات أكثر بكثير مما كنت أتصور.""يا أبي، حبي له كان صدفة، لكنه كان أيضًا أمرًا محتومًا.""لقد دللني وحماني، وكان بعدك الرجل الأكثر كمالًا في هذا العالم."وعند هذه النقطة، ابتسمت ابتسامة خفيفة، ومسحت دموعها."ومنذ أن التقيت به، خرجت حياتي من الظلام إلى النور.""لم أعد أخشى باب الحمام الذي لم يكن يُغلق بإحكام أبدًا، ولم أعد أخاف تلك النظرات الخبيثة، ولم أعد أنام وأنا أعيش في خوف وقلق...""يا أبي، لم أعد أستطيع الاستغناء عنه، ولذلك أطمع بأن تتطور علاقتنا لنبقى معًا إلى الأبد.""نحن الآن حبيبان، وإذا سارت الأمور على ما يرام، فسنتزوج في المستقبل.""سنذهب معًا لنستمتع بنسيم البحر، ونشاهد الثلوج، والألعاب النارية، والسماء المرصعة بالنجوم.""وسنجوب العالم معًا، ونستمتع بكل ألوانه، ونقضي ما تبقى من حياتنا في سعادة."رفعت مرام عينيها، ونظرت بعينين محمرتين إلى ابتسامة والده

  • قبلة في الضباب... حين أغوته خفق قلب الرجل المتحفّظ بجنون   الفصل 487

    بدا أنها وُضعت اليوم.ولم تكن تعرف من الذي أحضرها.جلست مرام في وضع القرفصاء أمام القبر، ومررت أصابعها الباردة برفق فوق الصورة بالأبيض والأسود المنقوشة على شاهدة القبر.كان الرجل في الصورة شابًا وسيمًا، في أوائل الثلاثينيات من عمره، تعلو وجهه ابتسامة دافئة وجميلة.لكن ذلك الأب الوسيم، حين فارق الحياة، كان وجهه قد تشوه تمامًا، وغدا مغطى بالدماء والجراح.ولم تستطع مرام، وهي في الثامنة من عمرها، أن ترى ملامح والدها الأخيرة بوضوح.ظلت تحدق في ابتسامة الرجل في الصورة، وما لبثت أن احمرّت عيناها."أبي..."همست بها بصوتٍ مختنق بالعبرة."جئت لزيارتك يا أبي."وقف يحيى إلى جانبها، ونظر إلى رموشها المبللة بالدموع، ثم انحنى احترامًا أمام شاهدة القبر، ووضع باقة الزهور التي كانت في يده.وربت برفق على كتف مرام، وقال: "سأنتظرك هناك."قالت مرام بصوتٍ خافت: "شكرًا."ومع ابتعاد وقع خطواته، نظرت إلى الصورة على شاهدة القبر، وقالت: "أبي، هذا صديقي، اسمه يحيى.""إنه محامٍ بارع، وهو يساعدني في التحقيق في الحادث الذي تعرضتَ له آنذاك."وعند هذه النقطة، ارتسمت على شفتيها ابتسامة خافتة."أعرف أنك ستقول: 'مرام، لا

  • قبلة في الضباب... حين أغوته خفق قلب الرجل المتحفّظ بجنون   الفصل 7

    رفعت عينيها فجأة، ولم يكن خارج الجناح سوى سكون الليل، ولا أحد في المكان.لكن تلك الرائحة الخشبية الباردة الخفيفة ظلّت تتسلّل في الهواء من حولها، وتتغلغل في كلّ خليةٍ من جسدها، وكلّ عصبٍ فيه.أخذت تتنفّس بخفّة، وشعرت بغصّةٍ غامضةٍ تتصاعد في صدرها.رمشت مرام؛ أهيَ شربت أكثر من اللازم؟ كيف لها أن تشمّ

  • قبلة في الضباب... حين أغوته خفق قلب الرجل المتحفّظ بجنون   الفصل 6

    اشتعلت سهام غضبًا، لكنها حين رأت الاتصال على شاشة الهاتف لم تجرؤ على مدّ يدها، وحدّقت في مرام بعينين يغلي فيهما الحقد."كفى!"صاح ياسر بحدّة: "مرام، سنقيم مأدبة الليلة في قاعة الغيوم، ولم أترك كلمة مجاملة إلا وقلتُها حتى تمكّنتُ من دعوة عائلة الشربيني للحضور."عبس وجهه ونظر إلى مرام: "من الأفضل لكِ

  • قبلة في الضباب... حين أغوته خفق قلب الرجل المتحفّظ بجنون   الفصل 5

    "همم..."تقلبت مرام على السرير، فانكشفت بشرتها البيضاء الناصعة، تتلألأ بلمعانٍ خزفيّ تحت خيوط ضوء الصباح المتسرّبة.فتحت عيناها اللوزيتان المغمضتان قليلًا، وبعد لحظةٍ من الضبابية عاد إليهما الصفاء.جلست مرام على السرير دفعةً واحدة، وقد أفاقت تمامًا.كانت تحلم!وفي الحلم كان رائد...فضربت جبينها بكفّ

  • قبلة في الضباب... حين أغوته خفق قلب الرجل المتحفّظ بجنون   الفصل 4

    لم تكن مرام مطيعة إلى حدّ أن تُنهي المكالمة وتذهب فورًا لتتودّد إلى آسر.لكنها كانت تعلم أنه ما دامت هذه الخطوبة لم تُفسخ، فستظل مضطرة إلى التعامل مع عائلة الشربيني.ذلك لأن الشيء الذي تريده في يد ياسر الجبالي، ولا يملكه سواه.لم يكن لها حقّ فسخ الخطوبة، ولو أن ابن عائلة الشربيني هو من بادر بفسخها،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status