لا تبك فوق قبري يا سيد عاصم

لا تبك فوق قبري يا سيد عاصم

last updateLast Updated : 2026-06-26
By:  بدر رمضانUpdated just now
Language: Arab
goodnovel16goodnovel
Not enough ratings
9Chapters
33views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

باعتبارها زوجته السرية واللوحة الحية التي تلبي هوسه المظلم، بقيت حور معه لسنوات. ظنت أن نقاءها وهدوءها المطلق سيذيبان جليد قلبه الأناني، لكنها لم تتوقع أن يلقي بها بدم بارد قبل نهاية عقدهما، فقط لأنه ظن أنه وجد "النسخة الأكمل" والأكثر أرستقراطية منها. كانت دائماً هادئة، لم تخلق أي مشاكل أو ضجة، ومضت من عالمه في صمت دون أن تأخذ منه فلساً واحداً. لكن— عندما اكتشف السيد عاصم أن البديلة المزيفة لم تملأ فراغ جسده وروحه، وعندما قاده جنونه وهوسه لملاحقتها ليعيدها إلى سجنه، انقشعت الأسرار لتقلُب حياته رأساً على عقب؛ حيث وجد نفسه يقف مذهولاً أمام حقيقة مرضها الصادم وشاهد قبر يحمل اسمها! فجأة، كالمجنون، انهار طاغية الأعمال باكياً فوق التراب، مستعداً لبيع أملاكه كلها مقابل نظرة رضا واحدة منها.. حور لم تعد تفهم، ما الذي يقصده السيد عاصم بندمه هذا بعد أن غادرت بالفعل؟

View More

Chapter 1

الفصل الأول: طقوس الحرير الأبيض

في قصر "الكيلاني" المترامي على أطراف العاصمة، لم تكن الساعات تُحسب بحركة العقارب، بل بخطوات سيِّد القصر.

كانت حور تقف أمام الشرفة الزجاجية الكبيرة في الجناح الشرقي المنعزل، تتأمل حديقة القصر الغارقة في ضباب المساء. جسدها يرتجف رغماً عنها تحت ملمس رداء الساتان القرمزي الداكن الذي اختاره هو؛ رداءٌ يلتصق بمنحنياتها كقيد ناعم، يبرز شحوب بشرتها ونقاءها الذي أضحى لعنتها الأبدية.

لم تكن حور مجرد امرأة في حياة عاصم الكيلاني، بل كانت "سرّه الأثمن" وضحية هوسه السيكولوجي الفريد. خمس سنوات مضت وهي تعيش خلف هذه الأسوار، تلتزم بقوانينه الصارمة التي صاغها عقله المريض بالسيطرة؛ أن تكون كالأثير، بلا صخب، بلا عطور تجارية تصدم حواسه، نقية كصفحة بيضاء لم يمسسها إنس قبلها. تحملت بروده وجفاءه، وتجرعت حرمانها من عاطفة حقيقية، لا لشيء إلا لأنها أحبته بصدقٍ جارف، أحبت ذلك الجانب المكسور والمظلم في روحه والذي لم يره أحد سواها.

انقطع حبل أفكارها مع صوت فتح الباب الإلكتروني للجناح. انقبض قلبها، وضخت الدماء في عروقها بقوة تترجم صراعها النفسي بين عشقه وهيبته.

دخل عاصم الكيلاني. كان طاغية في هيئة بشر؛ جسده ممشوق، حاد الملامح كأنه نُحت من صخر، وعيناه السوداوان كليلتين بلا قمر، تفترسان الفراغ ببرود يثير الرعب. لم ينظر إليها فوراً، بل سار نحو مكتبه الفخم، خلع سترته الإيطالية السوداء بإهمال، وبدأ يراجع بعض الأوراق على حاسوبه، وكأن وجودها في الغرفة مجرد تحفة أثاث مألوفة.

كان هذا الصمت بينهما جزءاً من اللعبة؛ صمتٌ يغلي بالتوتر والرغبة المكتومة. عاصم لا يرى النساء إلا صفقات، لكن حور كانت صفقته الأكثر تعقيداً.. كان مهووساً بامتلاك تفاصيلها، يرى خضوعها بلسمًا لنرجسيته المفرطة.

التفت إليها فجأة، التقت عيناه بعينيها الواسعتين اللتين تقاومان الضعف. أشار بيدها ذات الأصابع الطويلة بنبرة آمرة خالية من أي دفيء:

"اقتربي."

تحركت حور بخطوات وئيدة، يشع منها وقارٌ غريب رغم ضعف موقفها. وقبل أن تنطق بكلمة، امتدت يده القوية لتقبض على خصرها بعنفٍ مبطن، جاذباً إياها إلى صدره العريض. استنشق عنقها بعمق، يتأكد كعادته من امتثالها لشرطه؛ كانت تفوح برائحة النقاء الطبيعي، رائحة المطر على أوراق الشجر. في تلك اللحظة، التمعت عيناه ببريق الهوس، وانحنى يلتهم شفتيها بقبلة حارقة، عنيفة، حملت كل رغبته في تملكها وصهر كبريائها، قبلة انتزعت أنفاسها وتركتها معلقة بين جنة قربه وجحيم قسوته.

لم يكن عاصم يطيل الحديث في ليلاتهما السرية؛ ينال مراده بجمود الطغاة، ثم ينسحب إلى صقيعه المعهود، تاركاً إياها تلمم شتات روحها وحدها.

استيقظت حور في الهزيع الأخير من الليل على صوت رذاذ الماء المنساب في الحمام الملكي. كان خيال عاصم الطويل يرتسم عبر الزجاج المحبب، ضخماً ومهيباً. شعرت بريبية شديدة؛ فعاصم، طوال سنواتهما الخمس، لم يكن يبيت في هذا الجناح أبداً بعد انتهاء طقوسه، كان يغادر فوراً ليدير إمبراطوريته. بقاؤه الليلة يحمل في طياته أمراً غير عادي.

خرج عاصم بعد قليل، يلف منشفة داكنة حول خصره، وقطرات الماء تنساب على صدره وعضلات بطنه المحكمة. كان يفيض بجاذبية قاتلة، لكن ملامحه كانت متجهمة، كأنه اتخذ قراراً لا رجعة فيه.

جلس على المقعد المقابل للفراش، أخرج مغلفاً جلدياً أسود، ووضعه على الطاولة الزجاجية ببرود صاعق، ثم قال ونبرته تقطر جفاءً:

"انتهت اللعبة يا حور.. العقد السري بيننا يعتبر لاغياً منذ هذه اللحظة."

شعرت حور وكأن خنجراً مسموماً انغرس في أوعية قلبها. تجمدت الدماء في عروقها، وقالت بصوت متهدج تحاول ستر رعبها خلفه: "مذا تعني بلَاغٍ؟ ما زال هناك ستة أشهر كاملة في اتفاقنا."

وقف عاصم، بدأ يرتدي قميصه الأبيض الفاخر بتمهل مستفز، ولم ينظر إليها وهو يجيب: "لقد وجدتُ النسخة الأكمل التي تستحق أن تحمل اسم الكيلاني علناً.. امرأة من طبقتي، تملك ذات النقاء والهدوء الذي يرضي هوسي، لكنها تملك أيضاً النسب والثروة. لم أعد بحاجة إلى امرأة ظل."

لم تكن حور تهتم بماله أو نسبه، بل الصدمة تكمن في مكان آخر؛ كانت تخفي عنه سراً ينهش جسدها. فقبل أسابيع قليلة، شخّص الأطباء إصابتها بمرض صدري حاد ونادر، ناتج عن تضرر رئتها القديم—وهي الحادثة التي أنقذت فيها حياته دون أن يعلم—وأخبروها أن أيامها في الدنيا معدودة ولا تتجاوز الأشهر الثلاثة. كانت تأمل فقط أن تموت قربه، أن تقضي أيامها الأخيرة في ظله الذي استعذبته رغم قسوته.

لكن كبرياء عاصم الكيلاني وأنانية قلبه حطما أملها الأخير.

نظرت إلى المغلف الأسود الذي يحتوي على شيك بملايين الجنيهات كتعويض عن إنهاء العقد مبكراً. في تلك اللحظة، حدث تحول دمار شامل داخل روحه؛ ماتت حور المطيعة، وولدت امرأة أخرى من رحم الوجع.

رفعت رأسها ببطء، ونظرت إلى عاصم بنظرة صخرية، متماسكة، تفيض بقوة مرعبة أربكت حساباته. رسمت على شفتيها ابتسابة ساخرة، مفعمة بالكبرياء الجريح، وقالت بصوت نقي خالٍ من أي رجاء:

"لا ترهق نفسك بتبرير أنانيتك يا سيد عاصم.. في الواقع، أنا من كانت تعد الأيام للخلاص من هذا السجن. ظنك بأنك تملكني كان وهمك الأكبر."

توقفت أصابع عاصم وهو يغلق أزرار قميصه. التفت إليها بذهول مكتوم، وعيناه تشتعلان بغضب ونفور لم يعهدهما؛ كيف لهذه المرأة التي كانت تذوب بين يديه خضوعاً أن تتحدث ب هذه القوة؟

تابعت حور وهي تقف وتتحرك نحوه، متجاهلة تماماً وجود المغلف: "الآن وقد أعتقتني من هوسك المريض، سأستعيد حياتي.. سأبحث عن رجل حقيقي يعرف كيف يحب المرأة لروحتها، لا لمجرد شروط مجنونة في عقله."

اشتعلت غيرة عمياء في صدر عاصمي، وجسده تشنج من فكرة أن تلمس رجلًا غيره. تقدم نحوها بخطوات هادرة، وأمسك بذراعها بقوة، قائلاً بفحيح مرعب: "إياكِ وحرفاً آخر يا حور.. أنتِ صنيعتي، ولا يحق لكِ..."

قاطعته بنظرة حادة، نزعت يده عن ذراعها باحتقار وهدوء، وقالت: "لم أعد ملكك.. افعل ما تشاء مع نسختك الأكمل."

استدارت، وخلعت رداء الساتان القرمزي أمام عينيه المذهولتين، ورمته تحت قدميه كأنه رماد. ارتدت ثيابها السوداء البسيطة، ولفّت حول رأسها طرحة حمراء داكنة لتواري شحوب وجهها، وتحركت نحو الباب بخطوات علوية ثابتة.

خرجت حور من القصر تحت غطاء الليل والمطر، لم تأخذ جنيهاً واحداً، تاركة خلفها عاصم الكيلاني يقف في منتصف الجناح الفارغ، يشعر لأول مرة برعب دافئ يتسلل إلى عظامها.. رعب غيابها الذي سيتحول قريباً إلى لعنة تطارده حتى المقابر.

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
9 Chapters
الفصل الأول: طقوس الحرير الأبيض
في قصر "الكيلاني" المترامي على أطراف العاصمة، لم تكن الساعات تُحسب بحركة العقارب، بل بخطوات سيِّد القصر.كانت حور تقف أمام الشرفة الزجاجية الكبيرة في الجناح الشرقي المنعزل، تتأمل حديقة القصر الغارقة في ضباب المساء. جسدها يرتجف رغماً عنها تحت ملمس رداء الساتان القرمزي الداكن الذي اختاره هو؛ رداءٌ يلتصق بمنحنياتها كقيد ناعم، يبرز شحوب بشرتها ونقاءها الذي أضحى لعنتها الأبدية.لم تكن حور مجرد امرأة في حياة عاصم الكيلاني، بل كانت "سرّه الأثمن" وضحية هوسه السيكولوجي الفريد. خمس سنوات مضت وهي تعيش خلف هذه الأسوار، تلتزم بقوانينه الصارمة التي صاغها عقله المريض بالسيطرة؛ أن تكون كالأثير، بلا صخب، بلا عطور تجارية تصدم حواسه، نقية كصفحة بيضاء لم يمسسها إنس قبلها. تحملت بروده وجفاءه، وتجرعت حرمانها من عاطفة حقيقية، لا لشيء إلا لأنها أحبته بصدقٍ جارف، أحبت ذلك الجانب المكسور والمظلم في روحه والذي لم يره أحد سواها.انقطع حبل أفكارها مع صوت فتح الباب الإلكتروني للجناح. انقبض قلبها، وضخت الدماء في عروقها بقوة تترجم صراعها النفسي بين عشقه وهيبته.دخل عاصم الكيلاني. كان طاغية في هيئة بشر؛ جسده ممشوق، ح
last updateLast Updated : 2026-06-20
Read more
الفصل الثاني: لعنة المكان الشاغر
مضى أسبوعٌ كاملٌ على تلك الليلة الدموية التي انصهرت فيها آخر أوراق العقد السري، أسبوعٌ غاب فيه وجه "حور" عن أروقة قصر "الكيلاني" المترامية، لكن طيفها ظلّ عالقاً في زوايا المكان كعطرٍ خفيّ يرفض الزوال، أو كخطيئة عظمى تطارد ضميراً أقسم صاحبه يوماً أنه لا يملك واحداً.​في مقر الشركة العملاقة، خلف ذلك المكتب الأبنوسي الفخم الذي يشهد على صفقات هزت أسواق المال، كان عاصم الكيلاني يجلس بكبريائه المعهود وهالته الصارمة التي تجبر الجميع على خفض أبصارهم. كان غارقاً بين تلال من ملفات الميزانيات وعقود الاستحواذ الجديدة، يحاول بكل ما أوتي من غطرسة وجبروت نرجسي أن يثبت لنفسه—قبل الآخرين—أنه لم يتأثر برحيلها. كان يعيد على مسامع عقله الباطن ذات الأسطوانة الباردة: "شاهيناز هي الواجهة الأكمل، امرأة من طبقتي وتخدم إمبراطوريتي، أما حور فلم تكن سوى تحفة فنية مؤقتة، لوحة مقلدة حان وقت استبدالها".​ولكن، كلما حاول غرس عينيه السوداوين في الأرقام الحسابية، كانت تقفز إلى مخيلته—كصاعقة مباغتة—نظرتها الصخرية الأخيرة. يتذكر شموخها الأنثوي المباغت وهي تقف أمامه، والبرود المرعب الذي غلف صوتها وهي تخبره بأنها كانت تعد
last updateLast Updated : 2026-06-20
Read more
الفصل الثالث: واجهة من زجاج مكسور
لم تكن شوارع العاصمة في تلك الليلة سوى مسارات من الضباب الكثيف الذي يلتف حول قصر "الكيلاني" كحبل مشنقة غير مرئي. في الجناح الغربي الصاخر، حيث تشتعل أضواء الثريات الكريستالية وتصطخب الموسيقى الكلاسيكية، كان عاصم الكيلاني يقف كالملك المتوج في حفل خطوبته الرسمي العلني على "شاهيناز الهواري". كانت الأجواء تفيض بالفخامة الأرستقراطية؛ رجال أعمال، وزراء، وسيدات مجتمع يرتشفون النخب ويتبادلون الضحكات المصطنعة، يباركون لعاصم فوزه بـ "الصفقة الاجتماعية الأكمل".كان عاصم يرتدي حلة رسمية سوداء حيكت له في ميلانو، تبرز جسده المنحوت وهالته الطاغية التي تجعل الجميع يتهامسون هيبةً وإعجاباً. وبجانبه كانت تقف شاهيناز، ممتلئة بالثقة والكبرياء، ترتدي فستاناً من الحرير الأبيض العاجي المكشوف، يبرز ملامحها الحادة والمتناسقة. من ينظر إليهما من بعيد، يظن أنهما الثنائي الأكمل؛ فـ شاهيناز تملك نفس طول حور، ونفس لون شعرها الفاحم، ونفس جسدها الممشوق.. كانت النسخة التي طالما بحث عنها عاصم ليعرضها أمام العالم دون خوف من همسات المجتمع.ولكن، خلف هذا القناع الحديدي من البرود والغطرسة، كان صدر عاصم يغلي بجحيم من الصراع ا
last updateLast Updated : 2026-06-20
Read more
الفصل الرابع: مطاردة الأشباح
انطلقت السيارة الفارهة كقذيفة سوداء تشق جدار الضباب الذي لف طريق مصحة "الشفاء المعزولة" القابعة في أحضان المرتفعات الجبلية البعيدة عن صخب العاصمة. كان عاصم الكيلاني يقبض على مقود السيارة بقوة جعلت عظام يده تبيض، في حين كانت عيناه المدممتان بالدموع والجنون تحدقان في الطريق المظلم كأنه يسابق الموت نفسه.لم يكن الصراع النفسي في صدر عاصم مجرد أفكار وتخمينات، بل كان زلزالاً سيكولوجياً يفتت كبرياءه الطاغي حجرًا تلو الآخر. طيف حور وهي ترتمي بين ذراعي ذلك الطبيب الغريب في مقطع الفيديو كان ينهش عقله كوحش ضارٍ، يضرم في عروقه نيران غيرة عمياء ومهووسة لم يختبرها قط طوال حياته. كان يصرخ في جوف ليله بنبرة مجروحة: *"كيف تجرؤ؟ كيف تجرؤ على منح ذلك النقاء الروحي الساحر لرجل غيري؟"* لقد كان يعتقد أنها طوع بنانه، لوحة مقلدة اشتراها بماله وعقده السري، فإذ به يكتشف أنها كانت الروح التي تبقيه على قيد الحياة، والآن، ترحل تلك الروح لتتلاشى في صمت بعيداً عنه، وتتركه جثة هامدة تتحرك بين قصوره الخاوية.كلما تذكر الشروط المريضة التي فرضها عليها—الحرير الأبيض البارد، خلوها التام من أي عطر، صمتها الأثيري كأشباح مط
last updateLast Updated : 2026-06-20
Read more
الفصل الخامس: صخرة الكبرياء والوداع الأخير
سقطت سماعة الهاتف من يد عاصم الكيلاني كأنها قطعة من الجمر المشتعل، أحدثت صوتاً رتيباً وهي ترتطم بالأرضية الرخامية لقصر الكيلاني، في حين بقي هو متصلباً في مكانه، شاخصاً بعينين مظلمتين نحو الفراغ. كانت الكلمات التي تلقاها للتو من مدير المصحة المعزولة تدوي في أروقة عقله كصوت بوق القيامة: "المريضة حور قد لفظت أنفاسها الأخيرة منذ ساعتين.. وهناك وصية تمنعك من حضور جنازتها أو معرفة مكان قبرها".شعر عاصم في تلك اللحظة باختناق حاد، كأن جدران المكتب الفخم تتقارب لتطبق على صدره وتكتم ما تبقى من أنفاسه. لم يكن الصراع النفسي داخل صميمه مجرد حزن عابر، بل كان انهياراً كاملاً لإمبراطورية كبريائه ونرجسيته التي بناها طوال حياته. تحول ذلك الطاغية الحديدي، الذي كان يحرك مصائر الشركات ب إشارة من إصبعه، إلى حطام إنسان ممسوس، يواجه أبشع أنواع العقاب السيكولوجي: لعنة الغياب الأبدي لامرأة طردها ب ملء إرادته ليتحصن بزيف المظاهر.انفجرت من جوف صدره صرخة جنون وهيستيريا هزت أركان القصر الشاسع، صرخة حملت كل ندم العالم وحسرته. التفت حوله كالمجنون، وبدأ يطيح بكل ما تقع عليه يداه؛ قبض على فنجان الكريستال ورماه على ال
last updateLast Updated : 2026-06-20
Read more
الفصل السادس: رماد الخدعة
لم تكن الشوارع المحيطة بمقر شركات "مازن" سوى خطوط باهتة من الضباب تحت وطأة المطر الذي يغسل أرصفة العاصمة، لكن داخل صدر عاصم الكيلاني، كان العالم يحترق بكامله. كانت السيارة الفارهة تنطلق بسرعة جنونية، تقطع المسافات كأنها قذيفة طائشة يقودها رجل فقد صلته بالواقع منذ أن أبصر تلك الصورة الملعونة على شاشة هاتفه المحطّم. كانت يداه تقبضان على عجلة القيادة بقوة جعلت عظام مفاصله تبيضّ، وعضلات فكه تتشنج في إيقاع راتب ينم عن ذروة الهوس السيكولوجي. لم يكن يرى أمامه سوى وجه حور؛ وجهها النقي الذي ظن أن التراب قد غيّبه، وابتسامتها الباردة التي ألقت به في جحيم من الغيرة العمياء.اقتحم عاصم مبنى الشركة كالإعصار المكموم، لم يلتفت إلى تحيات الموظفين الواجفة أو نظرات الذهول التي ترمق هيئته المبعثرة؛ فقد غابت عنه أناقته المعهودة، وبدت عيناه الغائرتان كجمرتين اشتعلتا في عتمة الليل من كثرة السهر والوجع. دفع باب مكتب مازن بقدمه ليرتطم بالجدار محدثاً صوتاً دوى في أرجاء المكان، مما جعل مازن ينتفض من مقعده الجلدي ويسقط القلم من بين أصابعه وعلامات الرعب ترتسم على ملامحه."عاصم؟! ما الذي دهاك؟ كيف تأتي ب
last updateLast Updated : 2026-06-25
Read more
الفصل السابع: ليلة الحرير البارد
سقطت دموع حور الحارقة لتطبع أثراً فوق الأوراق البيضاء الباردة. كان الصراع النفسي داخل صدرها يبلغ ذروته؛ بين كرامتها الأنثوية التي داسها ب حذائه الأرستقراطي الفخم، وبين خوفها الطاغي على أسرتها البسيطة من جبروته وأمواله ونفوذه الذي لا يرحم. شعرت ب اختناق حاد، كأن هواء الغرفة قد تحول إلى سم زؤام ينهش رئتها الواهنة.تحركت يدها المرتجفة نحو القلم، وقبضت عليه ب أصابع خشبية واهنة، وجسدها يرتجف هستيرياً تحت نظراته المنتصرة المتسلطة. وقّعتْ على صك عبوديتها وانكسارها، وقّعتْ على التنازل الذي جردها من كل شيء سوى كرهها الشديد وعزمها الخفي على الانتقام الناعم الذي يزلزل كيانه مستقبلاً.عندما انتهت، سحب عاصم الأوراق من أمامها ب برود تام، ودون أن يرمقها ب نظرة حنان واحدة أو يربت على كتفها الجريح، التفت نحو الباب وقال وهو يغادر الغرفة ويتركها لمصيرها المظلم تحت المطر:"جهّزي حقائبكِ الصغيرة.. غداً ستنقلين إلى المصحة المعزولة، فالمرأة الضعيفة جسدياً والتي لا تتوقف عن البكاء، لم تعد تليق ب قصر الكيلاني."عادت حور من ذكرياتها الأليمة على لمسة دافئة ونبيلة من يد "أدهم الشافعي" الذي
last updateLast Updated : 2026-06-25
Read more
الفصل الثامن: المواجهة الأولى
(فلاش باك): في غرفتها الفاخرة، كانت حور تتكئ برأسها على مسند المقعد المخملي، وعيناها الواسعتان تراقبان قطرات المطر التي تنساب على زجاج النافذة كدموع صامتة. ومع شهيقها الضعيف الذي كان يصاحبه ألم حاد في أعماق صدرها، انفتح سرداب مأساة الماضي، ليعيدها الذاكرة السيكولوجية إلى تلك الليلة الشتوية المريرة قبل عام ونصف في قصر الكيلاني.كانت حور تعاني من نوبة حادة جداً من التليف الرئوي، جسدها النحيل يرتجف تحت الأغطية، ووجنتاها شاحبتان كالموت، وسعالها المكتوم يمزق سكون الجناح الشرقي الموحش، مخلّفاً قطرات صغيرة من الدم على منديلها الأبيض. كانت في أشد حالات وهنها الوجودي، ترجو فقط بضع ساعات من النوم لتسترد أنفاسها الهاربة.وفجأة، دلف عاصم إلى الغرفة بكامل هيبته الأرستقراطية الطاغية، يرتدي حُلة رسمية سوداء فاخرة، وشعره مصفف بعناية، وعطره النفاذ يملأ الأرجاء دون مراعاة لاختناق رئتها. نظر إليها ببرود تام، وألقى فوق الفراش صندوقاً مخملياً كبيراً يحتوي على ثوب من الحرير الأبيض المرصع بالماس النادر."نهوضاً يا حور.. أمامك ساعة واحدة فقط لتكوني جاهزة"، قال عاصم بنبرة رخامية جافة، خالية
last updateLast Updated : 2026-06-26
Read more
الفصل التاسع: صك النرجسية
دلف عاصم إلى المكتب بخطواته المتسلطة، يرتدي ثوبه الحريري الأبيض البارد، وعلامات البرود والجفاء ترتسم على وجهه الوسيم الحاد. تقدمت نحوه بحماس طفولي، وعيناها الواسعتان تلمعان ببريق الرجاء، وقدمت له الدفتر قائلة بصوت متهدج من رقة المشاعر:"عاصم.. انظر، هذه تصاميمي الأولى للمجوهرات.. لقد سميتها 'أنفاس الحرية'. جازفت بصحتي ورئتي لأصنع شيئاً يليق باسمك، لعلنا نعلن زواجنا قريباً وتفتخر بي كمصممة أمام العالم.."لم يمد عاصم يده ليأخذ الدفتر بحنان، بل سحبه من بين أصابعها بجفاء ووعيد، وقلّب الصفحات بـ نظرة سريعة ملؤها الاحتقار والتهكم النرجسي. أطلق ضحكة ساخرة، باردة، نزلت على روحها كالصاعقة، ثم ألقى بالدفتر فوق الطاولة الخشبية الفخمة وقال بنبرة رخامية قاسية:"ما هذا العبث يا حور؟ هل تظنين نفسكِ مصممة حقاً؟ هذه الرسومات الرخيصة لا تصلح إلا لتكون ألعاباً للأطفال، ولا تليق بـ ذوق مجموعة الكيلاني الفاخرة. المرأة التي آتي بها من أزقة الفقر لتسكن قصوري، لا يحق لها أن تحلم بـ أضواء الشهرة أو تزاحم اسمي في السوق."انهمرت دموع الانكسار والمهانة على وجنتي حور الشاحبتين، وتقدمت خطوة تتوسل
last updateLast Updated : 2026-06-26
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status