أجد أن تشومسكي يظهر في مفاصل الثقافة العربية بشكلٍ مختلف عما يتخيله كثيرون. في طيف الكتب العربية، اسمه موجود لكنه ليس نجمًا في روايات البوب/الترفيه؛ بل هو نجم في الزوايا الفكرية والسياسية. قرأت وتابعت ترجمات كثيرة لكتبه ونقاشات حول أفكاره في صفحات الصحافة الثقافية والمداخلات الأكاديمية، وفي كثير من الأحيان يُستشهد به كمرجع لصياغة نقد الإعلام والسياسة الأمريكية. لذلك إذا كنت تتوقع صُورًا له في روايات الحب أو روايات الجريمة الخفيفة، فالأمر نادر؛ لكن اسمه حاضر بقوة عندما يتطرق المؤلفون إلى المسرح السياسي أو الإعلامي.
أستمتع بملاحظة كيف يتسلل ذكره بصور مختلفة: أحيانًا اقتباسًا مباشرًا، وأحيانًا إشارة سريعة لشخصية مثقفة تذكر أفكارًا عن الإعلام أو الحرب والسلام دون أن تسميه صراحة. في بعض الروايات العربية المعاصرة التي تتعامل مع موضوعات السلطة والتضليل الإعلامي، تلمح الشخصيات إلى رؤى قريبة من فكر تشومسكي؛ هنا الكاتب يستخدم أفكاره كأداة درامية أكثر منها كمرجع علمي بحت. كما أن الرسوم الكاريكاتيرية السياسية والمقالات الساخرة في الصحف والقواميس الاجتماعية على الإنترنت كثيرًا ما تستلهم مقولات أو مفاهيم مرتبطة به — خاصة مصطلحات تتعلق بـ 'التلاعب بالرأي العام' و'الهيمنة الإعلامية'.
أود القول إن وجوده في الثقافة الشعبية العربية ليس متماثلًا: حاضر ومؤثر داخل الحقول الفكرية والجامعية والوسائط البديلة (قنوات اليوتيوب السياسية، البودكاستات، المناقشات على فيسبوك وتويتر)، لكنه أقل ظهورًا في الثقافة الجماهيرية الخفيفة. هذا الاختلاف يعكس أيضًا طبيعة الجمهور: من يبحثون عن تفسيرات معقدة للسياسة والإعلام يلتقون بتشومسكي في كتب ومقالات وترجمات، أما جمهور الرواية الخفيفة أو الدراما التلفزيونية فهم غالبًا لا يصطدمون باسمه مباشرة. في النهاية، أحسّ أنه موجود كمرجع فكري في الخلفية؛ حاضِر حيثما تُطرح أسئلة كبيرة عن القوة واللغة والإعلام، وغالبًا كصوت يُستشهد به لا كشخصية سردية محورية.
Theo
2026-02-02 04:05:30
أرى الأمر من منظور مختلف وأميل إلى مقاربة أكثر شبابية وعملية: بالنسبة لي، ذكر تشومسكي في كتب الثقافة الشعبية العربية ليس شائعًا بنفس وتيرة وجوده في الكتب السياسية أو الدراسات الأكاديمية، لكن وجوده يتوسع عبر الإنترنت. شاب مثلّي سيصطدم بتشومسكي أولًا عبر فيديوهات يوتيوب تشرح نظرياته بشكل مبسط، أو عبر ملصقات اقتباسات على إنستغرام، أو حتى في نقاشات على منتديات قراءة روايات سياسية. ألاحظ أيضًا أن بعض الروايات والقصص المصوّرة ذات الطابع السياسي أو الساخر تلمّح إليه بذكاء بدل ذكر اسمه مباشرة، ما يجعل القارئ يكتشف، إن أحب، عمق الفكرة وراء الإحالة.
من تجربتي، هذه الإشارات أقل عرضة للظهور في ثقافة البوب المجردة (مثل الرمانسيات أو الأفلام الكوميدية التجارية)، لكنها موجودة وبشكل متزايد في مساحات الثقافة البديلة: الزوايا الأدبية بالمقاهي، مجموعات القراءة على فيسبوك، وبودكاستات تتناول الفكر والسياسة. أُحب أن أتابع هذه المسارات لأنني أجد فيها طريقة ممتعة لالتقاء الفكر الجاد بالثقافة الشعبية، دون أن تتحول إلى باقةٍ جامدة في رف الكتب الأكاديمية.
في ذكرى زواجنا، نشرت أول حب لزوجي صورة بالموجات فوق الصوتية للجنين على حسابها على وسائل التواصل الاجتماعي.
وأرفقت الصورة بتعليق تقول فيه:
"شكرا للرجال الذي رافقني طوال عشرة أعوام، وشكرا له على هديته، الطفل الذي تحقق بفضله."
أصبح كل شيء مظلما أمامي، وعلقت قائلة "ألم تعرفين أنه متزوج ومع ذلك كنتِ تقيمين علاقة معه؟"
زوجي اتصل على الفور ووبخني.
"لا تفكري بطريقة قذرة! أنا فقط قدمت لها الحيوانات المنوية لعمل التلقيح الصناعي، لأساعدها في تحقيق رغبتها في أن تكون أما عزباء."
"وأيضا، لقد حملت في المرة الأولى بينما حاولت ثلاث مرات ولم تحققي أي تقدم، بطنك ليس له فائدة!"
قبل ثلاثة أيام، أخبرني أنه سيذهب إلى الخارج لأمور العمل، ولم يرد على مكالماتي أو أي رسائل مني.
ظننت أنه مشغول، ولكن لم أكن أعلم أنه كان يرافق شخصا آخر لإجراء فحص الحمل.
بعد نصف ساعة، نشرت مريم مرة أخرى صورة للطعام الفاخر.
"مللت من الطعام الغربي في الخارج، ولكن بلال طهى لي بنفسي كل الأطباق التي أحبها!"
نظرت إلى شهادة الحمل التي حصلت عليها للتو، وامتلأ قلبي بالفرح الذي تجمد ليصبح مثل الجليد.
أحببت لمدة ثماني سنوات، وبعد الزواج تحملت الكثير من المعاناة لمدة ست سنوات.
هذه المرة، قررت أن أتركه تماما.
بعد قَتلِ والده ودخول أخيه للسجن يعيش البطل في معاناة في مدينة غامضة محاطة بالاسرار، ولكن غمامة الاسرار هذه تبدأ بالتَّكشف عندما يظهر "المرشد الغامض" ليقود البطل في رحلته المجهولة والتي قد تنتهي بالهلاك.
في عالمٍ تتقاطع فيه القوّة مع الصمت، والواجب مع الرغبة، تدور أحداث هذه الرواية حول حور، طبيبةٍ استثنائية لا تؤمن بالحب، ولا تمنح قلبها لأحد. تعيش حياتها وفق مبدأٍ واحد: إنقاذ الأرواح دون أن تسمح لأيّ شعور أن يتسلّل إليها. تبدو باردة، بعيدة، لكن خلف هذا الثبات تختبئ شخصية معقّدة، صلبة، تعرف كيف تحمي نفسها… وكيف تضع حدودًا لا يُسمح بتجاوزها.
و على الجانب الآخر، يظهر سيف، رجل يعمل في الأمن الوطني، معتاد على السيطرة، لا يقبل الرفض، ويؤمن أن كل شيء يمكن إخضاعه لإرادته. شخصيته القوية والمغرورة لم تعرف يومًا التحدي الحقيقي حتى يلتقي بها.
لقاءٌ عابر، يبدأ بموقفٍ مشحون، يتحوّل تدريجيًا إلى صراعٍ مفتوح بين شخصيتين لا تشبه إحداهما الأخرى.
هي ترفضه بوضوح، وهو ينجذب أكثر كلما ابتعدت. وبين الرفض والإصرار، يتصاعد التوتر، ويتحوّل الحوار بينهما إلى مواجهة فكرية وعاطفية لا تخلو من الحدة والاشتباك.
لكن ما يبدو مجرد صراع شخصي، سرعان ما يتداخل مع خيوطٍ أعمق، حين تدخل حور دون أن تدري في مسار قضية معقدة، تجعل وجودها مرتبطًا بعالم سيف، وتجبرهما على التواجد في مساحة واحدة، رغم رفضها لذلك.
وهنا، لا يعود الصراع بينهما مجرد خلاف، بل يتحول إلى اختبارٍ حقيقي للقوة، للثقة، وللحدود التي ظنّا أنها ثابتة.
الرواية لا تطرح قصة حب تقليدية، بل تغوص في معنى السيطرة، والاختيار، والخوف من التعلّق، وتطرح سؤالًا جوهريًا: هل يمكن لشخصٍ اعتاد أن يكون وحده أن يسمح لآخر بأن يقترب؟
محبوبتي… أحبّيني ليست مجرد حكاية انجذاب، بل رحلة صراع بين قلبٍ يرفض، وآخر لا يعرف كيف يتراجع.
كان "عصام" يمثل النموذج المثالي للرجل العازب الذي فقد الأمل تماماً في ترتيب حياته أو حتى العثور على فردتي جورب متطابقتين في يوم واحد. كان مهندس برمجيات نابغاً خلف شاشة الحاسوب، لكنه "كارثة متنقلة" في الواقع؛ يعيش على مخلفات الوجبات السريعة، وتعد غرفته ساحة معركة انتصرت فيها الفوضى على النظام منذ عام 2022. بعد سنوات من التنقل بين شقق تشبه علب السردين المتهالكة، وجد عصام ضالته في شقة قديمة بوسط المدينة، معروضة بسعر رخيص جداً لدرجة تثير الريبة في نفوس الجن قبل البشر. لكن عصام، الذي كان ميزانيته تقترب من الصفر، لم يهتم بتحذيرات الجيران ولا بكلمات صاحب العمارة المريبة عن "الأصوات التي تحب النظافة"، فكل ما كان يحتاجه هو جدار يسند إليه سريره المائل ومكان يضع فيه حاسوبه العملاق.
بين صقيع كوريا الجنوبية وحرارة رمال مصر، تولد أسطورة "الهجين الأقوى". هي لم تلد وفي فمها ملعقة ذهب، بل ولدت في نفقٍ مظلم تحت مطاردة قطيع من الذئاب، وقُطع حبلها السري بأسنان أمٍ وحيدة تحارب الموت لتهدي ابنتها الحياة.
بعد 23 عاماً، تعود الطفلة التي هُجّرت بعمر الدقائق، لا كضحية، بل كإمبراطورة لا ترحم. تُلقب في سيول بـ "سابي روي"، ملكة الموضة وصديقة المافيا، لكنها في الحقيقة هي سبرين رعد الأسيوطي، التي تحمل في عروقها دماءً لم تجتمع في غيرها: (ذئبة ألفا، ربع مصاصة دماء، وربع ساحرة). سليلة النار ورماد النفق
يقولون إنها خُلقت من جليد.. وما علموا أن الجليد ليس إلا قناعاً يحرسُ خلفه بركاناً لا ينام.
هي تلك التي لم ترضع الحليب في صغرها، بل رضعت الكبرياء من أفواه الذئاب. ولدت في عتمة النفق، حيث لا ضوء يواسي صرختها الأولى سوى نصل الألم، فكانت تلك اللحظة عهداً مع القدر: أن لا تنحني أبداً.
هي سبرين.. صاحبة الشعر الذي سرق لونه من غضب الشفق، والعيون التي إذا حدّقت في الصخر تفجر ماءً، وإذا غضبت.. استدعت صواعق السماء لتخرس الأرض. هي ليست مجرد امرأة، بل هي قصيدة انتقام كُتبت بحبرٍ من نار، وقافيةٍ من رعد.
في عروقها تجري دماءٌ محرّمة؛ ذئبةٌ لا تُروّض، وساحرةٌ تعزفُ على أوتار العناصر الأربعة، ومصاصةُ دماءٍ تقتاتُ على خوف أعدائها. تمشي في ردهات القصور فيسيطر الصمت، ليس احتراماً فحسب.. بل لأن الأنفاس تخشى أن تحترق في حضرة ملكة النار.
لم تأتِ لتستجدِي حقاً ضاع قبل عقدين، بل جاءت لتهدم الهيكل على رؤوس من خانوا، ولتُعلم "رعد الأسيوطي" أن الرياح التي طردت أمها يوماً، قد عادت الآن على هيئة إعصارٍ لا يُبقي ولا يذر.
هي سابي روي في عالمهم.. وهي الموت القادم في عالمنا."
من اللحظات التي أحبها عند الاستماع لمحاضرات أو مقابلات فكرية هي تلك التي تكشف لك زاوية جديدة لرؤية القصص والشخصيات — ومقابلات نعوم تشومسكي تقدم ذلك بوفرة، لكن ليس بالطريقة التي تتوقعها من مؤلف روايات. تشومسكي مشهور بلُغته التحليلية حول تركيب اللغة، السياسية والإعلامية، وله تسجيلات وصوتيات كثيرة تمتد من محاضرات في معاهد أكاديمية إلى لقاءات إعلامية طويلة على محطات مثل الـBBC وNPR وبرامج مستقلة مثل 'Democracy Now!'، بالإضافة إلى نسخ صوتية لندواته ومحاضراته على منصات مثل YouTube ومواقع جامعات مثل MIT. هذه المواد مفيدة لعشاق الرواية، لكن بطريقة غير مباشرة: تمنحك أدوات فكرية ولغوية لتعميق العمل القصصي أكثر مما تقدم وصفات جاهزة للكتابة الروائية.
الجانب الأكثر فائدة للروائيين هو فهمه للغة نفسها: أفكاره عن قواعد اللغة الفطرية وكيف تتشكل اللغة في ذهن الطفل، ونقاشاته حول العلاقة بين اللغة والفكر، كلها نقاط تستطيع استغلالها عند بناء حوارات واقعية، أو عند تصميم لغات داخلية لشخصيات ذات ثقافات أو خلفيات لغوية مختلفة. لن تجد في مقابلاته نصائح عن كيفية كتابة مشهد حب أو بناء حبكة، لكنك ستلتقط طريقة التفكير حول كيف يتكون الخطاب وكيف تؤثر البنية اللغوية على التعبير والوعي — وهذا ذهب لمن يريد أن يجعل حواراته أقرب للحقيقة أو أن يبتعد عن استسهال استخدام لهجات مبالغة أو كليشيهات لغوية.
من ناحية أخرى، دفاعه المستمر عن تحليل الإعلام، السلطة، والآيديولوجيا يقدم أدوات ثمينة لكتاب الرواية السياسية أو الديستوبيا. الاستماع لمقابلاته عن مفهوم 'صناعة التراضي' أو نقده لسياسات القوة يمنحك رؤى لصياغة أنظمة سلطوية داخل عوالمك الخيالية، لتصميم آليات تضليل متقنة، أو لصقل بناء الشخصيات التي تعمل داخل أو ضد منظومات القهر. كذلك حواراته مع شخصيات فكرية أخرى، أو نقاشه التاريخي والسياسي، تزودك بسياق يساعد في جعل الخلفيات التاريخية للشخصيات أكثر واقعية ومقنعة.
نصيحتي لأي عاشق رواية يريد الاستفادة من تشومسكي أن يستمع بانتقائية: اختَر لقاءات حول اللغة لو كنت تشتغل على حوارات أو تطوير لغات داخلية، واختر مقابلاته السياسية عند بناء عوالم اجتماعية أو نظم قوة. توقع أن تكون المقابلات طويلة ومليئة بالتفاصيل والتوثيق التاريخي، وقد تحتاج لتركيز لتفكيك المصطلحات الفلسفية أو الأكاديمية. بالمحصلة، صوت تشومسكي قد لا يعلمك كتابة مقطع روائي بديع مباشرة، لكنه يفتح أبواب فهم أعمق للغة والسلطة والسرد الاجتماعي، وهو ما يجعل الرواية أقوى وأكثر صدقًا عندما تُسندها هذه الأطر الفكرية.
كنت أغوص في رفوف الكتب القديمة والحديثة ولا يمكنني أن أبتعد عن دهشة تشنجية كلما فكرت في فكرة وجود قواعد لغوية متجذرة داخلنا منذ الولادة. نَوَم تشومسكي، عبر أعماله المبكرة مثل 'Syntactic Structures' ثم 'Aspects of the Theory of Syntax'، طرح رؤية جذرية: اللغة ليست فقط انعكاسًا للتعلم بالتكرار أو للمثيرات البيئية، بل هناك جهاز داخلي مجهز بقواعد أولية — ما سُمِّي لاحقًا القواعد الجامعة (Universal Grammar) — يمكّن الطفل من توليد جمل لم يسمعها من قبل وفهم بنى لغوية معقدة بسرعة هائلة.
الفكرة الأساسية لها عدة عناصر مترابطة: أولًا، وجود 'مخزون فطري' من المبادئ التنظيمية للغة يسمح باكتساب أي لغة بشرية. ثانيًا، مفهوم 'عوز التحفيز' (poverty of the stimulus) الذي يقول إن المدخلات اللغوية التي يتلقاها الطفل ضعيفة أو ناقصة لشرح اكتساب قواعد دقيقة، لذا لا بد أن هناك بنية داخلية تساعد على التعلم. ثالثًا، فصل تشومسكي بين 'الكفاءة' (المعرفة اللغوية الداخلية) و'الأداء' (استخدام اللغة فعليًا)، وهو تمييز سمح له أن يركز على البنية العقلية بدلاً من الأخطاء أو الحدود الأداءية.
تطورت النظرية عبر عقود: من قواعد تحويلية توضح العلاقة بين 'العمق' و'السطح' في الجملة، إلى نموذج 'المبادئ والمعايير' الذي يحاول تفسير اختلافات اللغات عبر خيارات بسيطة، ثم إلى 'البرنامج الحد الأدنى' الذي يسعى لتقليل الاصطلاحات وشرح اللغة كأبسط نظام ممكن. الأدلة المؤيدة تشمل سرعة اكتساب الأطفال، وجود قواسم مشتركة عبر لغات متباينة، ووجود اضطرابات لغوية خاصة تظهر تدهورًا محددًا في قدرات لغوية مما يوحي بتموضع خاص للغة في الدماغ. بالمقابل ظهرت انتقادات مهمة: باحثون في التعلم الإحصائي والسيكولغويات أظهروا أن أنماطًا من المدخلات يمكن أن تفسر الكثير مما اعتبره تشومسكي 'عوزًا في التحفيز'، وأن دور التفاعل الاجتماعي أكبر مما افترض، وأن بعض التفاصيل العصبية لم تتوافق بسهولة مع فرضية وحدة مزودة مسبقًا بقواعد.
أحب كيف أن هذه النظرية لم تكن نهاية الطريق، بل وقودًا لنقاشات واسعة بين لغويين، علماء أعصاب، ومختصي تعلم الآلة. بصيغة موجزة: تشومسكي فتح نافذة لرؤية اللغة كخاصية عقلية معقدة، وأعطانا أدوات لنسأل: ما الذي يجعل الإنسان متميزًا لغويًا؟ بالنسبة لي، القيمة ليست في الاتفاق الكامل مع كل تفصيل، بل في توسيعنا للخيال العلمي العلمي حول كيف تُبنى المعاني داخل رؤوسنا.
من الممتع التفكير فيما إذا كان تشومسكي أثر على صانعي الأنمي والمانغا أكثر مما نظن؛ الفكرة نفسها تفتح باب نقاش عن كيف تنتقل الأفكار الأكاديمية والسياسية عبر ثقافات وفنون مختلفة. تشومسكي معروف بنهجين رئيسيين: واحد لغوي نظري عن القواعد التوليدية كما في 'Syntactic Structures' وآخر نقدي سياسي عن الإعلام والسلطة كما في 'Manufacturing Consent'. هذان الفرعان لا يتشابهان مباشرة مع كتابة قصص مصورة أو صناعة أنمي، لكنهما يقدمان أدوات فكرية يمكن أن تُحدث صدى لدى مبدعين مهتمين باللغة، العقل، والسلطة. في اليابان، تُترجم أعمال تشومسكي وتناقش في الأوساط الأكاديمية والسياسية، ولذا من غير المستبعد أن بعض الكُتاب والفنانين مرروا بأفكاره أو على الأقل تأثروا بالمناخ الفكري الذي شرك فيه.
لو نبحث عن تأثير ملموس في الأعمال نفسها، نرى أن مواضيع مثل الرقابة الإعلامية، التلاعب بالرأي العام، ومخاوف الدولة والتكنولوجيا تتكرر كثيرًا في أعمال مثل 'Ghost in the Shell' و'Psycho-Pass' و'Akira'. هذه الأعمال تتقاطع مع ما يناقشه تشومسكي سياسياً حتى لو لم يذكره صانعوها صراحة. كذلك توجد مانغات مثل 'Monster' و'20th Century Boys' التي تستكشف كيف تُستخدم المعلومات والخرافات والدين والسياسة لتوجيه الجماهير؛ هذه المواضيع متقاربة مع نقد تشومسكي لوسائل الإعلام والمنظّمات. أما من جهة اللغة والوعي، فأنمي مثل 'Serial Experiments Lain' أو الأعمال التي تناقش الهوية والوعي اللغوي قد تستفيد ضمنياً من النقاشات المعاصرة في علم اللغة والفلسفة العقلية، وهي ساحة أثرت فيها أفكار تشومسكي على البحث الأكاديمي، وبالتالي على الثقافة الفكرية العامة.
لكن يجب أن أكون واضحًا: لا توجد دلائل قوية توحي بأن تشومسكي هو مصدر إلهام مباشر أو مركزي لغالبية مبدعي الأنمي والمانغا. الكثير من هؤلاء المبدعين استلهموا من الأدب الغربي (أورويل، هوكسلي)، أفكار فلسفية قارية (فوكون، بودريار أحيانًا)، وأحداث سياسية محلية وعالمية، بالإضافة إلى الثقافة الشعبية الأمريكية والخيال العلمي مثل أعمال ويليام جيبسون. بعض المانغاكا ذوو التوجه السياسي ربما قرأوا تشومسكي وأثروا من موقفه النقدي، لكن أكثر ما يحدث هو تلاقح أفكار: نقد السلطة والميديا والبحث في الذات واللغة كلها سمات شائعة يمكن أن تنبع من مصادر متعددة. بالنسبة لي، ما يهم هو كيف تُظهر هذه الأعمال قدرة السرد والرسوم على طرح أسئلة عن الحقيقة والسلطة والهوية، مهما كان مصدر الإلهام المباشر. مشاهدة أو قراءة عمل يجمع بين أفكار سياسية عميقة واستكشاف للوعي يظل تجربة مُرضية ومثيرة للتفكير، وهذا يكفي لإشباع فضولي كقاريء ومعجب.
أذكر بوضوح كيف تغيّر منظوري بعد قراءة أعمال تشومسكي عن الإعلام؛ كانت لحظة مزجت الغضب بالتحفيز للبحث أكثر. تشومسكي بالفعل كتب كثيرًا عن الإعلام والدعاية السياسية، وليس كمنظر بعيد عن الواقع بل كمحلل عملي يقع في قلب النقاش العام. أشهر ما كتبه مع إدوارد هيرمان هو 'Manufacturing Consent' الذي يعرض ما يسمى بـ'نموذج الدعاية'، وهو إطار يشرح كيف تؤثر الملكية، والإعلان، ومصادر الأخبار، والانتقادات المنظمة ('flak')، والأيديولوجيا على ما يظهر في وسائل الإعلام الكبرى.
أحب أن أشرح النموذج ببساطة كما فهمته: أولاً، وسائل الإعلام الكبيرة غالبًا ما تكون جزءًا من هياكل شركات ضخمة أو ملكيات ذات مصالح، وهذا يخلق تحيزًا مبدئيًا. ثانيًا، الإعلانات تمثل دخلًا مهمًا فتتحول إلى وسيلة ضغط غير مباشرة على المحتوى. ثالثًا، اعتماد الصحافة على مصادر رسمية (الحكومات، الشركات، الخبراء الممولين) يقيد قدرتها على التحقيق الجريء. رابعًا، وجود حملات 'flak' أو النقد المنظم يمكن أن يعاقب الصحافة المستقلة. خامسًا، وجود أيديولوجيا سائدة تُصنّف بعض القضايا كتهديدات أو 'أعداء' يجعل التغطية منحازة. تشومسكي وهيرمان قدّما أمثلة مقارنة لتغطية أحداث مختلفة لإظهار هذا الانحياز، مثل الاختلاف في معالجة انتهاكات حقوق الإنسان بحسب هوية الأطراف.
لا أتعامل مع هذا على أنه نظرية مطلقة؛ هناك نقد لها — البعض يقول إنها تبالغ في التعميم أو تغفل عن التنوع الداخلي في الصحافة. لكن ما يجذبني هو أن النموذج يمنح أدوات للتفكير النقدي: بدلاً من قبول الخبر كحقيقة محايدة، أتعلم أن أسأل من يملك القناة، من يمولها، ومن هم مصادرها ولماذا. في عصر الشبكات الاجتماعية والمعلومات المضللة، تظل مبادئ تشومسكي مفيدة، لكن يجب تحديثها لتشمل الخوارزميات وإشهار المحتوى المدفوع. الخلاصة؟ قراءته ليست نهاية، بل بداية لفحص أعمق لما نستهلكه يوميًا.
من الواضح أن نعوم تشومسكي لم يختفِ من المشهد الإعلامي؛ لقد ظهر في عشرات المقابلات والمحاضرات التي تتناول السياسة الخارجية الأمريكية على مدى عقود. أتابع آرائه منذ سنوات، وغالبًا ما تكون مقابلاته مزيجًا من العرض التاريخي والتحليل النقدي الحاد. في تلك الحوارات يشرح كيفية تشكّل القرارات الخارجية الأمريكية عبر شبكة مصالح اقتصادية وسياسية، وكيف تُستخدم القوة العسكرية والدبلوماسية ووسائل الإعلام لصنع إجماع داخلي حول سياسات التدخل. أذكر أن الكثير من نقاشاته تربط بين أفكار كتب مثل 'Manufacturing Consent' و' Hegemony or Survival' لتوضيح آليات القوة والتبرير الإعلامي.
خلال الاستماع إلى مقابلاته، لفت نظري سهولة تكرار أمثلة محددة عبر الزمن: دعم أنظمة معينة، التدخلات في أميركا اللاتينية والشرق الأوسط، وأهمية المصالح الاستراتيجية للشركات والحكومات. صوته غالبًا ما يكون هادئًا ومركزًا، لكنه حاد في نقده للمؤسسات والهيمنة. هذا الأسلوب يجعل مقابلاته مفيدة لمن يريد فهم تراكم السياسات وليس مجرد حدث عارض. في نفس الوقت، بعض النقّاد يرون أنه يبالغ أحيانًا في اختزال الدوافع إلى مصالح اقتصادية بحتة، لكن حتى مع هذا الانتقاد تظل مقابلاته مصدرًا قويًا لفهم منظور بديل عن الروايات الرسمية.
أخيرًا، لو كنت أريد توصية عملية للمسائل التاريخية والسياسية، فأقول استمع لمقابلاته المسجّلة وقراءة كتبه كمكمل؛ ستكوّن صورة أوسع عن أسباب وتحولات السياسة الخارجية الأمريكية، وستفهم كيف تُبنى الحجج وتُقوّى عبر الزمن. لا أتفق مع كل تفصيل لدى تشومسكي، لكني أقدّر قدرته على ربط نقاط تاريخية وسياسية بطريقة تجعل المستمع يعيد التفكير في القصص السائدة.
تأثير تشومسكي على صناع الأفلام الوثائقية في العالم العربي يظهر لي كشبكة من أفكار أكثر مما هو تأثير مباشر وحصري.
قرأت وسمعت الكثير عنه خلال سنوات الدراسة والنقاشات الثقافية، ووجدت أن كتبه مثل 'Manufacturing Consent' (تُرجمت للعربية عادة بـ'صناعة القبول' أو ما شابه) ومحاضراته حول الإعلام والسياسة ظلت مرجعًا لصحفيين ونشطاء ومخرجي وثائقيات مستقلين. كثير من الوثائقيين العرب الذين تناولوا تغطية الحروب، سياسات الهيمنة، أو تحليل دور الإعلام كمؤثر لمجتمعاتهم، استلهموا من مناهج التشكيك والتحليل التي طرحها—ليس دومًا باقتباس مباشر، بل عبر تبني أسئلة مماثلة حول من يكسب ومن يخسر في سرديات الأخبار.
أذكر كيف كان فيلم 'Manufacturing Consent' نفسه يُعرض في مهرجانات وثائقية ودوائر جامعية بالمنطقة، فضلاً عن وجود مخرجات مثل 'Control Room' التي رسمت ملامح نقدية لعمل وسائل الإعلام خلال الحروب؛ أعتقد أن هذه الأعمال أعطت زخمًا لمجموعة جديدة من السرديات الوثائقية العربية التي تجرؤ على مساءلة المؤسسات والسلطات. الفكرة الأساسية لِتشومسكي عن نماذج التحكّم في الإعلام خلاصة مفيدة لصانعي الأفلام الذين يريدون كشف آليات الخطاب الرسمي.
خلاصة صغيرة: لا أرى تشومسكي كمصدر وحيد للإلهام، لكن أفكاره شكّلت مرجعية فكرية مهمة ومشتركة لدى كثير من صانعي الوثائقيات العرب الذين سعوا لفك شفرة الخطاب الإعلامي وبناء سرديات مضادة للهيمنة.
المسألة ليست بسيطة، لكنها مثيرة للاهتمام بقدر ما تتقاطع السياسة والثقافة في مناطقنا.
نوام تشومسكي معروف في مجالي اللغويات والنقد السياسي أكثر من كونه مصدرًا مباشرًا للإلهام في صناعة الدراما التلفزيونية أو تحويل الروايات إلى مسلسلات. عمليًا، عمليات التكييف الدرامي للروايات العربية تُقاد بعوامل عملية: قابلية العمل للشاشة، القوة السردية للشخصيات، التمويل، والذوق الجماهيري. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل ما تركته أفكار تشومسكي من أثر على المناخ الفكري. نقده لوسائل الإعلام وسياسات القوة —خصوصًا في أعمال مثل 'Manufacturing Consent'— أوجد مصطلحات وإطارات تحليلية اعتمدها باحثون وصحفيون وكتاب في العالم العربي، ما جعل بعض المواضيع كالاستبداد، التلاعب الإعلامي، والتدخل الخارجي أكثر حضورًا في السرد العام.
لو نظرت إلى روايات عربية تحولت لاحقًا إلى أعمال درامية أو سينمائية مثل 'موسم الهجرة إلى الشمال' أو الأعمال التي تناقش الفساد والسلطة مثل 'عمارة يعقوبيان'، ستجد عناصر نقدية قريبة من مناهج تحليل تشومسكي: مناقشة الهيمنة، التعرف على أدوات الإقناع الجماهيري، والسعي لفهم الخطاب السياسي. لكن هذا قريب من القول إن تشومسكي ألهم التحويلات مباشرة —الأمر أقرب إلى أن أفكاره ساهمت في تشكيل وعي نقدي لدى كتّاب وصنّاع محتوى، وهم بدورهم قد اختاروا موضوعات وتصورات درامية متوافقة مع هذا الوعي.
في الخلاصة، لا أعتقد أن هناك سلسلة واضحة من الرواية إلى التلفزيون تقول إن تشومسكي كان السبب المباشر في تحويل رواية عربية لمسلسل. لكن كنقطة تأثير أيديولوجي ومنهجي، أفكاره ساعدت على بلورة لغة نقدية ومواضيع جذابة للمخرجين والمنتجين الذين يبحثون عن أعمال تحمل انتقادات مجتمعية وسياسية. بالنسبة لي، متابعة هذه الخيوط الفكرية بين المؤلفين والنقاد والمخرجين تضيف متعة خاصة عند مشاهدة أي عمل درامي؛ تشعر كأنك تكتشف شبكة من الأفكار تتقاطع عبر الزمان والمكان.
كنت أحاول فك شفرة كيف يتحول الخطاب السياسي إلى قصة مشوقة، ووجدت أن تشومسكي يلعب دوراً غير مباشر في هذا التحول.
لا تشومسكي كاتب روائي؛ كلامه أكاديمي ونقدي أكثر منه أدبي. لكن أفكاره — خصوصاً نموذج الدعاية الذي عرضه في 'Manufacturing Consent' مع إدوارد هيرمان — غيّرت الطريقة التي ينظر بها الكثيرون إلى المعلومات والميديا. هذا التحول المعرفي يظهر في الروايات السياسية الحديثة عبر اعتماد سردية تُظهر البنية بدل الشخصنة: بدلاً من التركيز على قاتل أو بطل وحسب، نرى روايات تفتح ملفات، وتستخدم وثائق، وتعرض تداعيات سياسات على جماعات بأكملها.
بالنسبة لي، هذا يعني أن السرد السياسي صار أكثر وثائقية وتحليليّة؛ الروائيون استعاروا من تشومسكي نهج الإثبات والتشكيك، لكنهم أيضاً دمجوا ذلك في أدوات أدبية — الراوي المشكك، الوثائق المرافقة، الانقطاعات التي تبدو كتعليقات تحليلية. في النهاية، تأثيره أقل على الفن الأسلوبي المباشر وأكثر على العقل الجمعي الذي يقرأ السياسة داخل الأدب.