Masuk
جال ببصره على تلك الجثة الهامدة الممدّدة على الأرض الغارقة بدمائها، بدا له من اللحظة الأولى أنّها نزفت كثيراً حتى امتدّت بقعة الدماء تحتها بشكل ظاهر، أشار للعسكري.
هتف العسكري بسرعة وكأنه يحفظ نصّاً ويلقيه على الحضور: حسّان عبد المتعال عبد المتجلّي؛ عنده تمنية وستين سنة، وعنده ولدين وبنت، ومراته ربنا افتكرها من خمس سنين، ملوش إخوات، والدكتور من المعاينة الأولى قالنا إنها ممكن تكون انتحار! علقت الكلمة داخل عقل الضابط وفكّر باستغراب ما الذي يدفع كهلاً كبيراً في السن كهذا إلى الانتحار؟ حدث نفسه قائلاً بأنّه لابد من وجود حلقة كبيرة مفقودة في الأمر. تفقّد الضابط المكان بدقّة وحِرفية كبيرة تنمّ عن خبرة سابقة مميّزة، راح يطالع أدقّ التفاصيل في المكان، نظر إلى الجثة نظرات متفحّصة لا تخلو من التساؤلات فتلك واقعة غريبة بالنسبة لقرية صغيرة تتعرى تماماً من تلك الأفكار كالانتحار وغيرها! عاد إلى مكتبه ليبدأ في التحقيق والتفكير جيداً فما هي دوافع ذلك المُسِنّ يا ترى.. كي يفرط بآخر سنوات حياته بتلك الطريقة الغريبة! رن هاتف مكتبه الأرضي فرد عليه بانهماك وهو يطالع الأوراق الخاصة بالقضية ومعلومات المنتحر الشخصية انقلبت ملامحه من الانشغال إلى العصبية عندما سمع رئيسه على الطرف الآخر من المكالمة بلهجة آمرة: إزيك يا حضرة الضابط؟ وصلي قريب معلومات عن القضية اللي شغال عليها دلوقتي، عارف إنها جديدة من نوعها عندك في البلد الصغيرة دي، وأكيد معنديش أدنى شك في كفاءتك، بس شايف إنه لازم نمدلك إيد المساعدة، ورغم إنك مش محتاج بس خلينا نقول إنك هتعملي خدمة في طلب صغير هطلبه منك. عقد قصي حاجبيه باستغراب قبل أن يقول بحيرة: تحت أمر سيادتك طبعاً، بس أنا مش فاهم حاجة! هتف رئيسه بجدية: بنت أخويا اتخرجت قريب وهي دلوقتي تحت التمرين، ومش هلاقي أحسن منك عشان أطمن عليها معاه، وكمان عايزها تتعلم على قد ما تقدر من كفاءتك وأمانتك في الشغل. لوى قصي شفتيه بتهكم، شعر بالضيق يغلّف صدره، لكنه صاح باصطناع: متشكر جداً يا فندم على ثقتك، وأتمنى بنت أخو سيادتك تقضي وقت مفيد وممتع معانا. أغلق معه الخط بعد أن أخبره انها ستصل اليه غداً في الصباح الباكر وعليه أن يرسل أحداً لاستقبالها. تعهّد بداخله أن يعمل جاهداً على أن يجعلها تملً من المهمات الموكلة إليها وأن تعود من حيث أتت فهو لا يكره شيئاً في حياته مثل دلال النساء وعرقلتهم لكل سفينة سائرة، لديه اعتقاد كبير بأن النساء كائن بطيء خُلِق لكي يغيظ الرجل ويستفزه بكثرة الدلع والتفاهات! يؤمن كثيراً بمقولة الشاعر نزار قباني: " مكياج المرأة يجب أن يكون مكياجاً ثقافياً لأحبها.. لا أستطيع أن أحتمل امرأة جميلة وغبية". جلس "قصي" يفترش الأوراق أمامه يدرس أقوال المحيطين بالرجل المنتحر، تميّز قصي عن زملائه بسرعة حركته ونشاطه وكرهه لإضاعة الوقت، أرسل في طلب المحيطين بالمنتحر على الفور ليأخذ أقوالهم فقالت ابنته فاطمة بحرقة قلب ونبرة صارخة: أبويا دا راجل عظيم في نظري، وعمري في حياتي ما شفته أذى أي حد، وكل اللي حواليه بيحبوه ومحدش اشتكى منه أبداً! وقال نجله الأكبر بثبات: أبويا كان راجل طيب جداً، ومش مصدق إن فكرة الانتحار دي خطرت على باله أصلاً، ف إزاي أصدق دلوقتي إنه يموّت نفسه ويموت كافر والعياذ بالله! صدقني يا سيادة الضابط، أبويا مقتول.. وأنا أحلفلك على كدا. وكانت أقوال نجله الأصغر خالية من القوة حيث انهار قائلًا بصوتٍ باكٍ: مش قادر أتكلم دلوقتي، سيبوني في حالي.. نار حزني عليه لسه مبردتش ودموعي منشفتش، سيبوني.. هو إنتوا معندكوش رحمة! وادلى جاره في البيت المقابل له بما عنده حيث قال: أقسم لحضرتك يا فندم إني هقول الحق، حسان الله يرحمه مسمعناش منه ولا عنه إلا كل خير، بس من سنتين تقريباً بقى يقفل باب بيته على نفسه وخروجه قلّ خالص، لدرجة إني بقيت أشوفه بالصدفة كل فين وفين، وهو كمان من الناس اللي متمسكة بالدنيا وعايز يعيشها لآخر لحظة، أنا مش مصدق الكلام اللي الناس بتقوله عن موضوع انتحاره دا! قرأ أقوالهم بدقة مراراً وتكراراً حتى لمع بعقله شيء صاح على إثره بالعسكري كي يأتي إليه بسرعة، دخل الأخير عليه غرفة المكتب، أدّى التحية وانتظر أن يطلب قصي مراده منه، حكّ قصي ذقنه ثم قال وهو يرفع حاجبه الأيسر: حسان عنده كمبيوتر في بيته، عيني جت عليه الصبح.. الكمبيوتر ده عايزه يكون قدامي كمان كام دقيقة، مش بس كده.. أنا عايز كمان خبير الشبكات والاتصالات يكون هنا في الأوضة دي قبل ما الجهاز يوصل، مفهوم؟ أدى العسكري التحية مرة اخرى وهتف موافقاً بأدب، مرت نصف ساعة قبل حضور خبير الشبكات الذي بدا من النظرة الأولى شابّاً في العقد الثالث من عمره لكن قميصه التقليدي، بنطاله قديم الطراز، نظّارته الطبية المقعرة وحركته المعتادة في رفع النظارة على أنفه كثيراً يعطيان تلك النظرة المبدئية فيشعر من يراه أنه أكبر من سنه الحقيقي مما يجعله يبدو محترفاً في عمله. تنحنح الشاب بتوتر قبل أن يدلف لمكتب قصي، نظر إليه الأخير نظرة جانبية ولم يعره اهتمام، أشار بيده إليه بالجلوس، ثم انهمك بالأوراق الموجودة أمامه حتى أتى العسكري بالحاسوب الخاص بـ حسان فأمر قصي الشاب بفك شيفرته وفحص كل البيانات المحملة عليه حتى أدق التفاصيل! بعد مرور بعض الوقت نهض قصيّ ليعد لنفسه كوباً من الشاي، اقترب من الشاب، هتف بجمود وهو يرتشف أول رشفة من الكوب: قولي.. وصلت لحاجة؟ رفع الشاب نظّارته على أنفه بقلق، سعل ليزيل توتره، صاح بهدوء: تقريباً! صاح قصي بعصبية: يعني إيه الكلمة الزفت دي؟ هو محدش قالك إن الشغل هنا ميعرفش كلمة "تقريباً"؟ خلص شغلك في أسرع وقت، ومش مسموح لك تضيع وقت خالص. فزع الشاب من صوته العالي فردّد بخوف واضح: حاضر.. حاضر يا فندم، فهمتك. هتف قصي وهو يجلس واضعاً ساقيه فوق الطاولة أمامه لكي يريح ظهره من تعب اليوم: خليك خفيف ومجتهد كدا يا شاطر، وإلا غضبي مش هيعجبك أبداً. زفر الشاب بضيق عندما فاض به الكيل، وقال بثقة: حسان عبد المتعال؛ ده اسم الصفحة الأساسية على الفيسبوك، أما التانية بقى والأهم وهي دي مربط الفرس يا فندم، وأعتقد إننا هنيستفيد منها كتير في القضية. ضيّق قصي حدقتي عينه، وصاح باهتمام: انطق.. اخلص وقول اللي عرفته فوراً. أجابه الشاب بسرعة: "زهرة الصبار".. ده الاسم المستعار اللي كان بيستخدمه في حساب شخصي مزيف وعامل نفسه ست عشان يأخد راحته في الكلام مع الستات في أي موضوع، ويعمل معاهم صداقات بسهولة، وكان بيبعتلهم صورة ست على أساس إنها هي اللي بتتكلم، فطبيعي اللي بتكلمه بعد ما تطمن إنها ست زيها تبعت صورها الشخصية، وبعد كدا بقا يكشر عن أنيابه ويبدأ يهددهم عشان يبعتوا صور تانية خاصة أكتر، ويجرهم لكلام مش تمام.. الصفحة دي لوحدها تعتبر شبهة جنائية يا فندم! شرد قصي، بدت على وجهه إمارات الحيرة بعد أن غرق بالتفكير، ثم صاح فجأة بتساؤل: طب وليه انتحر؟ هل يعقل إن واحدة فيهم تكون هددته، أو ممكن حد يخصها هو اللي عمل كدا؟ تفتكر تقارير الطب الشرعي تختلف بعد كدا وتطلع القضية قتل على إيد جوز أو أخ واحدة منهم؟ رد الشاب نافياً: معتقدش.. مفيش قدامي أي رسايل تدل على كدا، الأمور طبيعية جداً، بس من أسبوع تقريباً نشاطه المشبوه ده وقف، وبطل يهدد الستات، بس في محاولة أخيرة هعملها جايز تفيدنا بحاجة! بدأ قصي يُعجب بقدرات الشاب لكنه كان يُظهر عكس ذلك لكي يجعله يبذل مجهوداً أكبر، هتف بسخرية: وهو إحنا في "فوازير رمضان"؟ اتكلم يا بني بسرعة.. هتعمل إيه؟ تنحنح الشاب بحرج، رفع نظارته بتوتر، قال بنبرة مهزوزة: هحاول أرجع كل البيانات اللي اتمسحت من الجهاز، وحتى الرسايل المحذوفة على الفيسبوك؛ يعني بالبلدي كده، أي حاجة الضحية مسحها من جهازه كله هرجعهاله تاني! أشار قصي بإصبعه باتجاه الشاب بحماس، صاح قائلًا: عظيم، اعمل كده فوراً. بعد قليل من الزمن صاح أحمد بتعب وقد ارتفعت ثقته بنفسه بعض الشيء: قدامي بتاع ساعتين عشان البيانات كلها تنزل على الجهاز، تسمحلي أرتاح شوية يا فندم؟ نظر إليه قصي نظرات تخلو من المشاعر، أشار إليه بيده أن يذهب حيثما يشاء، حوّل نظره إلى النافذة فوجد شمس النهار تظهر بخفة وبدأت العصافير بالدندنة، شعر هو أيضا بالتعب فنهض وجلس على كرسيه ووضع رأسه على المكتب أمامه, تملك منه الإرهاق وغلبه النعاس دون أن يشعر. استيقظ قصي على صوت هاتفه يعلن عن وصول رسالة نصية، نهض ببطء، نظر في الساعة فوجدها الثامنة، رفع رأسه بسرعة فوجد أحمد يجلس على الحاسوب ويعمل باهتمام ونشاط كبير فتنحنح قائلا بتعب: واضح إني كنت تعبان جداً، مصحتنيش ليه؟ رفع أحمد نظارته على أنفه وقال بإحراج: يا فندم أنا اللي شغال هنا، فملقتش أي داعي إني أصحيك، وفضلت أسيبك ترتاح شوية، وكنت هصحيك فعلاً أول ما أخلص. حرّك قصي رقبته يساراً ويميناً قبل أن يتساءل: وصلت لحاجة؟ أجابه أحمد بشجاعة: طبعاً يا فندم. فتح فمه ليسترسل في حديثه متفاخراً بنجاحه وحرفيته بما يفعل، لكنه توقف عندما وجد قصي ينظر في هاتفه باهتمام ويبدو على وجهه الانزعاج، فصاح بتساؤل: في حاجة حصلت يا فندم؟ حضرتك كويس؟ ضرب قصي رأسه بيده، ثم قال بملل: لازم أمشي دلوقتي، كمل شغلك لحد ما أرجع، مش هتعوق.. ممكن ساعة أو أقل. تلك الرسالة التي سببت لقصي الانزعاج كانت موجهة إليه من رئيسه في العمل وكانت تحتوي على: "قصي! متنساش تقابل بنت أخويا في محطة القطر، ومش عايز أسمع أي شكوى منها ضدك، بس برضه مش هنسالك الجميل ده.. وممتن ليك مقدماً!" توجّه إلى محطة القطار متذمراً، لاعناً حظّه الذي أوقعه في تلك الظروف السيئة، لأنه لن يتحمل تلك الفتاة المدلّلة التي تنتمي الى عائلة تُسَهّل لها كل الطرق بينما هو وأمثاله وصلوا لأماكنهم المميّزة بمجهودهم الشخصي وبعد أن دهستهم الأيام وأذاقتهم الويلات! هبطت من القطار فتاة في أوائل العشرينيات تتميّز بجسد رياضي، وجهها خالٍ تماما من أية مساحيق تجميلية برغم هذا بدت جميلة جداً، ترتدي بنطالاً من الجينز الأزرق وقميصاً قطنياً عاري الأكتاف أبيض اللون، قبعة رياضية، ترفع شعرها على هيئة " ذيل الحصان " تغطي عينيها العسلية بنظارات شمسية لاءمت وجهها المستدير كثيراً، تجر وراءها حقيبة كبيرة تحمل أمتعتها وعلى خصرها حقيبة صغيرة. رأته يجلس على مقعد الانتظار فتوجّهت إليه بثقة هائلة، وقالت بصوت شديد العذوبة يخالف طلّتها القوية: يا حضرة الضابط.. يلا بينا! نظر إليها من أعلى إلى أسفل نظرة متفحصة، رفع حاجبه الأيسر بغرور ثم قال بلهجة قاسية نوعاً ما: على فين؟ وإنتي مين أصلاً؟ هزت رأسها باستهزاء، بعد أن ابتسمت بكبرياء، ثم قالت: أصلاً! امممم.. هو إنت مش عارف إنت جاي هنا ليه؟ شكل كده عتابي لعمي هيكون كبير على إختياراته الغلط للضباط اللي بيديهم ثقته! فهم قصي من حديثها أنها تلك الفتاة التي أتى ليأخذها، لكنها استفزته جداً فقرّر التعامل معها ببرود ومماطلة، وقف أمامها فبدت ضآلة جسدها بجواره واضحة وضوح الشمس، انحنى بجوار أذنها، وقال بنبرة لم يخفَ فيها التهديد: شكلك كدا هتتأقلمي معانا جداً، والأيام الجاية اللي هتجمعنا سوا هتكون لطيفة أوي! تحرّك من أمامها بثقة شديدة، ثم طلب منها أن تتبعه، لكنها صرخت به أن يتنظر ليحمل حقيبتها فعاد إليها وأمسك بالحقيبة بعصبية فرفعت رأسها بتعالي وسبقت خطوته بخطوتين. صرخ بغيظ: بس إنتي عرفتي منين إني أنا اللي مستنيكي؟ التفتت إليه ببطء، خلعت نظارتها، نظرت إليه نظرة ساحرة، وقالت بثقة: ديما الشرقاوي.. مفيش حاجه مبتعرفهاش ياحضرة الظابط!آخر مرة رأيتها كانت كئيبة وكل حديثها عن الموت والفراق، لم تتحمل أعصابي كل تلك الجرعة الوافرة من السواد المحيط بها، غادرتها مهددًا إياها بعدم العودة لها مرة أخرى إذا ظلت على تلك الحالة.استأذن حسين كي يروي حلقه الذي جف من التوتر، أعطته ديما كوب الماء، شرب بنهم كأنما جفت كل أجزاء جسده، شرع في مواصلة حديثه فقال بحزن وقد اغرورقت مقلتيه بالعبرات:لما سمعت خبر موتها افتكرت إن جوزها عرف اللي بينا وقتلها! حاولت أدور ورا الموضوع بحجة إنها كانت جارتي وميهمنيش غير مجرد فضول الجيرة، عرفت من شوية جيران إنها انتحرت وإن جوزها لسه ما يعرفش حاجة!هنا صاح أحمد بتساؤل:طب كنتوا بتتواصلوا مع بعض إزاي؟ مكالمات ولا رسايل ولا كنتوا بتكلموا بعض على السوشيال ميديا؟أجابه حسين بتوتر وهو يمسح العرق المتصبب على جبهته:كانت بتحذرني كتير من إني أبعت رسايل أو أتواصل معاها بأي شكل، جبتلها موبايل صغير قديم عشان نكلم بعض عليه كل فين وفين من غير ما جوزها يعرف حاجة.دنا منه أحمد أكثر حتى بات القرب بينهما يوحي بالتحدي والغرابة، هتف أحمد بنبرة ذات مغذى:وإيه اللي خلاها تحذرك من إنك تكلمها على تليفونها التاني؟نظ
تقدما نحوه وأنصتا إليه بلهفة حين قال: مريم كانت بتخون جوزها يا باشا! شهقت ديما واضعة كفها فوق فمها، صاح قصي بعصبية: كمل، وقفت ليه؟ تنهد أحمد بعمق ثم قال بخجل: والجنين اللي في بطنها مش ابنه هو كمان! زادت تعابير وجه ديما التي تعبر عن عدم التصديق، هتفت بتعجب: أنت متأكد من الكلام ده؟ أجابها أحمد وهو يرفع نظارته فوق أنفه باضطراب: للأسف متأكد.. حساب مجهول بس باسم مختلف عن المرة اللي فاتت بعتلها رسالة: "أنا عارف عنك كل حاجة؛ تقدري تقولي إني قدرك اللي مش هتعرفي تهربي منه، وكمان بفضل إنك تسميني جلادك اللي هيحاسبك على أفعالك القذرة، ست متجوزة حديثاً ولسه فيه اللي بيبارك لها ومستني مولودها بفرحة، ولو حد عرف حقيقتك كان هيحب يقتلك ميت مرة في الدقيقة! قدامك أسبوع واحد بس عشان تقتلي نفسك قبل ما الفضيحة تقتلك ويلاحقك العار أنتِ والطفل اللي في بطنك؛ طفل الخطيئة في فراش الخيانة! لو جوزك ما قتلكيش أهلك هيقتلوكي، ولو هما ما قتلوكيش ذنبك هيقتلك، ذنبك اللي هيقرب من حياتك زي ما الأجل بيقرب من مريض الأطباء عجزوا عن إنقاذه!" عقب قصي على حديثه قائلاً بتساؤل: وقدرت توصل للشخص التالت في
طلبت ديما منه فتح باب السيارة لها، انصاع لطلبها بهدوء!لم يعرف سبب هدوئه هذا وصبره عليها والذي لم يكن من عادته؛ أهو صلابة شخصيتها أم حضورها الطاغي هو من يجعله يرضخ لها هكذا، في النهاية هو الآن بصدد متاعب حتمية لأنه سيلاقيها في أيامه المقبلة مع ذلك التكوين المتجسد أمامه على هيئة فتاة قوية الشخصية!توقف بسيارته أمام مبنى قسم الشرطة الذي يعمل به، طلب منها الهبوط من السيارة واللحاق به، راحت عيناها تجوب المكان بتفحص وعناية، صاحت بتعجب وهي تدخل مكتبه الخاص:"مش هستريح شوية من تعب السفر؟ هو ده شغل الـ "جنتل مان"؟ جايبني على الشغل على طول!"فتح فمه ليكيل لها بعض الكلمات اللاذعة، تحدثت بسرعة مستكملة ما بدأته من حديث:خلاص اوك مفيش مشكلة، خلينا نبدأ، أنا بحب النشاط والهمة في الشغل وبكره تضييع الوقت!"قالت جملتها الأخيرة وهي تخلع قبعتها من فوق رأسها لينساب شعرها البني الطويل على ظهرها بنعومة جعلته يتجمد فاتحاً فمه بإعجاب واضح ألجمه عن الرد، أخرجته من تلك الحالة عندما صاحت بجدية:"سمعت كام حاجة عن القضية الجديدة، وعايزة أشوف الأوراق الخاصة بيها."استغرب من سرعة اندماجها بالعمل وجديتها فيه
جال ببصره على تلك الجثة الهامدة الممدّدة على الأرض الغارقة بدمائها، بدا له من اللحظة الأولى أنّها نزفت كثيراً حتى امتدّت بقعة الدماء تحتها بشكل ظاهر، أشار للعسكري.هتف العسكري بسرعة وكأنه يحفظ نصّاً ويلقيه على الحضور:حسّان عبد المتعال عبد المتجلّي؛ عنده تمنية وستين سنة، وعنده ولدين وبنت، ومراته ربنا افتكرها من خمس سنين، ملوش إخوات، والدكتور من المعاينة الأولى قالنا إنها ممكن تكون انتحار!علقت الكلمة داخل عقل الضابط وفكّر باستغراب ما الذي يدفع كهلاً كبيراً في السن كهذا إلى الانتحار؟ حدث نفسه قائلاً بأنّه لابد من وجود حلقة كبيرة مفقودة في الأمر.تفقّد الضابط المكان بدقّة وحِرفية كبيرة تنمّ عن خبرة سابقة مميّزة، راح يطالع أدقّ التفاصيل في المكان، نظر إلى الجثة نظرات متفحّصة لا تخلو من التساؤلات فتلك واقعة غريبة بالنسبة لقرية صغيرة تتعرى تماماً من تلك الأفكار كالانتحار وغيرها!عاد إلى مكتبه ليبدأ في التحقيق والتفكير جيداً فما هي دوافع ذلك المُسِنّ يا ترى.. كي يفرط بآخر سنوات حياته بتلك الطريقة الغريبة!رن هاتف مكتبه الأرضي فرد عليه بانهماك وهو يطالع الأوراق الخاصة بالقضية ومعلومات