Home / المدينة / نبضٌ لا يُرى / خلف الباب الابيض

Share

خلف الباب الابيض

last update publish date: 2026-08-27 03:37:22

الفصل الثالث: 

لم تكن ليان تعرف أن بابًا أبيض عاديًا يمكن أن يفصل بين عالمين كاملين. قبل أن تدخله كانت ما تزال طالبة جامعية تفكر في الامتحانات والدرجات، وفيما إذا كان آدم يتعمد استفزازها أم أن هذه طريقته مع الجميع. لكن بمجرد أن انفتح الباب أمامها، تغير كل شيء. رائحة المطهر القوية، صوت الأجهزة، خطوات الممرضين السريعة، نداءات الأطباء، وأصوات المرضى وعائلاتهم جعلتها تتوقف لثانية دون أن تشعر. لم يكن المستشفى يشبه الصور التي رأتها في كتب الكلية. في الكتب كانت كل الأشياء مرتبة وواضحة، وكل مرض له أعراض وتشخيص وعلاج. هنا لم يكن هناك شيء مرتب. كان هناك خوف، وألم، وانتظار، وأشخاص لا يعرفون ماذا سيحدث لهم بعد ساعة واحدة.

قالت مريم بصوت منخفض: "أنا حاسة إني مش قادرة أتنفس." ردت ليان وهي تحاول إخفاء ارتباكها: "وأنا كمان." قال يوسف من خلفهما: "طب كويس إننا كلنا كده." التفتوا إليه، كان يحاول أن يضحك، لكن وجهه كان شاحبًا بشكل واضح. قال آدم: "يوسف، لو خايف قول." "أنا؟ خايف؟" "آه." "لا طبعًا." "إيدك بتترعش." نظر يوسف إلى يده بسرعة ثم وضعها في جيبه. "برد." ابتسم آدم، لكن ابتسامته اختفت عندما ظهر الطبيب المسؤول عن تدريبهم.

كان دكتور سامر طبيبًا في أواخر الثلاثينات، هادئ الملامح، لكنه يمتلك تلك النظرة التي تجعل أي شخص أمامه ينتبه لكلامه. قال: "صباح الخير." رد الطلاب في وقت واحد: "صباح النور يا دكتور." نظر إليهم واحدًا واحدًا ثم بدأ يقول: "عارف إن أول مرة ليكم في المستشفى ممكن تكون غريبة. وعارف إن بعضكم متحمس وبعضكم خايف. الاتنين طبيعيين. بس من النهارده لازم تفهموا حاجة مهمة. أنتم مش جايين هنا تتفرجوا، ولا جايين تصوروا نفسكم بالبالطو." ضحك بعض الطلاب بخفة، فتابع بجدية: "أنتم جايين تتعلموا. والتعلم هنا معناه إنكم تسمعوا، تلاحظوا، وتسألوا. لكن قبل أي حاجة، تحترموا المريض. مهما كان تعبان، عصبي، مش متعاون، أو حتى رفض يتكلم معاكم." هز الجميع رؤوسهم. "المريض مش تجربة."

بدأ التدريب في قسم الباطنة. ساروا خلف الطبيب في الممر الطويل، وكانت ليان تحاول أن تستوعب كل شيء في وقت واحد. غرف كثيرة، أسرّة متجاورة، ممرضات يتحركن بسرعة، عائلات تجلس في الممرات، وأصوات أجهزة تأتي من الغرف. توقف الطبيب أمام أول غرفة وقال: "هندخل على حالة ونشوف طريقة أخذ التاريخ المرضي. مين يدخل معايا؟" تردد الجميع، ثم رفع آدم يده. وبعده رفعت ليان يدها. نظر إليها آدم وابتسم وقال: "طبعًا." ضيقت عينيها وقالت: "إيه؟" "ولا حاجة." دخل آدم أولًا، ثم ليان، ومعهما الطبيب.

كان هناك رجل في منتصف الخمسينات يجلس على السرير، ووجهه يحمل علامات التعب. بجانبه كانت ابنته تجلس وتمسك يده. ابتسم الطبيب للرجل وقال: "صباح الخير يا حاج." "صباح النور يا دكتور." "إحنا معانا طلبة طب، ينفع يقعدوا معانا؟" نظر الرجل إلى ليان وآدم ثم ابتسم. "طبعًا." جلست ليان على الكرسي وأخرجت دفترها. كان الرجل يعاني من ضيق في التنفس وألم في الصدر، والطبيب بدأ يسأله أسئلة بسيطة: متى بدأ الألم؟ أين يشعر به؟ هل يزداد مع الحركة؟ هل لديه أمراض مزمنة؟ هل يتناول أدوية؟ كانت ليان تكتب بسرعة، ثم قال الطبيب: "ليان، اسأليه أنتِ." تجمدت يدها للحظة. "أنا؟" "أيوه." نظرت إلى الرجل وقالت: "حضرتك... الألم بدأ إمتى؟" "من امبارح بالليل." "وكان شديد؟" "آه." تابعت الأسئلة كما تعلمت في المحاضرات. في البداية كان صوتها مترددًا، ثم بدأ يثبت تدريجيًا. بعد دقائق قال الطبيب: "كويس." خرجوا من الغرفة، وأخذت ليان نفسًا طويلًا.

قال آدم: "أول مرة مش وحشة." التفتت إليه: "كنت بتسمع؟" "آه." "طب قول رأيك." "مقبولة." "مقبولة؟" ضحك وقال: "يعني كويسة." "أنت مستفز." "عارف." كانا يضحكان عندما سمعا صوت الطبيب من الخلف: "الضحك مفيهوش مشكلة، بس خليكم فاكرين إن المريض اللي جوه مش جزء من يومكم الدراسي." اختفى الضحك فورًا. قال آدم: "آسفين يا دكتور." هز الطبيب رأسه وقال: "أنا مش بلومكم، بس لازم تتعلموا الفرق."

واصلوا الجولة. مرت الساعات الأولى بشكل هادئ، حتى دخلوا غرفة لم يكن فيها سوى سيدة مسنة وابنتها. كانت السيدة تبدو مرهقة جدًا، وتتكلم بصعوبة. طلب الطبيب من الطلاب أن يلاحظوا طريقة تنفسها. اقتربت ليان قليلًا وراقبت صدر المرأة وهو يرتفع وينخفض بسرعة. شعرت لأول مرة أن ما قرأته في الكتب أصبح أمام عينيها. قال الطبيب: "إيه اللي لاحظتيه؟" ترددت ثم قالت: "التنفس سريع." "وفيه حاجة تانية؟" نظرت إلى وجه المريضة وقالت: "هي... متوترة." ابتسم الطبيب: "ممكن. بس إحنا كأطباء لازم نفرق بين اللي بنلاحظه واللي بنستنتجه. خلي عينك تشوف الأول، وبعدها عقلك يفسر." هزت ليان رأسها. كانت الجملة ستظل معها طويلًا.

عند الظهيرة خرجوا إلى الكافيتيريا، وكان الجميع مرهقًا. جلست مريم بجوار ليان وقالت: "أنا محتاجة آكل أي حاجة." قال يوسف: "أنا محتاج أنام." رد آدم: "إحنا بقالنا أربع ساعات بس." "أربع ساعات في المستشفى تساوي يوم كامل." ضحكوا، لكن ليان ظلت صامتة. لاحظ آدم ذلك وسألها: "مالك؟" "مفيش." "من أول ما خرجنا من آخر غرفة وإنتِ ساكتة." "كنت بفكر." "في إيه؟" نظرت إليه وقالت: "حاسّة إن الموضوع أكبر من اللي تخيلته." لم يرد فورًا، ثم قال: "أنا كمان." كانت هذه أول مرة يعترف فيها آدم بأنه خائف. نظرت إليه ليان باستغراب: "إنت؟" "آه، أنا." "مش باين عليك." "هو لازم اللي خايف يعيط؟" ابتسمت وقالت: "مش قصدي." "أنا كنت فاكر إن الطب كله مذاكرة. أذاكر وأنجح وخلاص. بس لما شفت الراجل ده، حسيت إن اللي بندرسه له علاقة بحياة ناس فعلًا." قالت ليان: "أنا حسيت نفس الحاجة." كانت تلك اللحظة مختلفة. لأول مرة لم يكن بينهما تحدٍ أو منافسة أو محاولة لإثبات من الأفضل. كانا فقط طالبين صغيرين يجلسان في كافيتيريا مستشفى ويحاولان فهم الطريق الذي اختاراه.

بعد انتهاء اليوم خرجوا من المستشفى معًا. كانت الشمس قد بدأت تميل إلى الغروب، والهواء أصبح أكثر برودة. قالت مريم: "مين راجع معايا؟" أجابتها ليان ونور ويوسف، بينما قال آدم: "هفضل شوية." سأله يوسف: "ليه؟" "عندي حاجة." انصرف الجميع، وبقي آدم وحده للحظات. عاد إلى المستشفى. لم يكن لديه شيء ضروري، لكنه كان يريد أن يسأل الطبيب عن حالة الرجل الذي قابلوه صباحًا. لم يعرف لماذا شعر بالقلق عليه. دخل إلى القسم وسأل إحدى الممرضات: "الحالة في غرفة أربعة أخبارها إيه؟" نظرت إليه: "أي حالة؟" "الرجل اللي كان عنده ألم في الصدر وضيق تنفس." فهمت. "اتنقل للعناية." تغير وجه آدم. "ليه؟" "حالته ساءت." ظل واقفًا للحظات، ثم قال: "شكرًا." خرج من المستشفى وهو يشعر بثقل في صدره.

في تلك الليلة لم يستطع النوم. أما ليان فكانت في غرفتها تحاول مراجعة المحاضرات، لكنها وجدت نفسها تفكر في نفس الرجل. فتحت هاتفها وكتبت في مجموعة الأصدقاء: "حد عرف أخبار الحالة اللي شفناها الصبح؟" لم يرد أحد. بعد دقائق كتب آدم: "اتنقل العناية." شعرت ليان بقلق وكتبت: "إنت عرفت منين؟" جاء الرد: "رجعت المستشفى." "ليه؟" لم يرد. بعد لحظات كتبت: "آدم؟" ظهر أنه يكتب ثم توقف، وأخيرًا جاء الرد: "مش عارف." ظلت ليان تنظر إلى الرسالة. لم تكن تعرف ماذا تقول، فكتبت: "إن شاء الله يبقى كويس." أرسل: "إن شاء الله." لم تعرف لماذا شعرت أن الجملة تحمل أكثر مما كُتب فيها.

في اليوم التالي لم يكن هناك تدريب في نفس القسم. دخل الطلاب محاضراتهم كالمعتاد، لكن الجو بينهم كان مختلفًا. لأول مرة شعروا أن المستشفى لم يعد مجرد مكان يذهبون إليه ثم ينسونه عندما يعودون إلى السكن. بعد انتهاء المحاضرة اقترب دكتور سامر من آدم وقال: "عايزك في دقيقة." ذهب آدم معه إلى الممر. قال الطبيب: "أنت سألت امبارح عن الحالة." "أيوه." "ليه؟" تردد آدم ثم قال: "كنت قلقان." ابتسم الطبيب ابتسامة صغيرة: "وده شيء كويس، بس خليك حذر." "من إيه؟" "إن اهتمامك بالمريض ما يتحولش لتعلق. دي واحدة من أصعب الحاجات في المهنة. هتقابل ناس كتير. بعضهم هتقدر تساعده، وبعضهم لأ. وفي الحالتين لازم تعرف تكمل." ظل آدم صامتًا. كانت الكلمات أثقل مما توقع.

في نهاية اليوم اجتمعت المجموعة في الحديقة خلف الكلية. كانت مريم تتحدث عن شيء حدث لها في المحاضرة، ويوسف يضحك، ونور تحاول إنهاء واجبها. جلست ليان بجانب آدم وقالت بهدوء: "أخبار الحالة؟" نظر إليها وقال: "مستقرة." تنفست براحة: "الحمد لله." سكتا قليلًا، ثم قال آدم: "إنتِ ليه مهتمة؟" "عشان إنسان." ابتسم: "إجابة نموذجية." "وإنت؟" نظر أمامه وقال: "مش عارف." "إنت بتقولها كتير." "لأنها الحقيقة." ظلت تنظر إليه لحظة ثم قالت: "مش لازم تعرف كل حاجة من دلوقتي." التفت إليها: "مين قالك؟" "أنا." "والدكتورة ليان قالت كده؟" ضحكت: "لسه بدري." ضحك هو أيضًا. كان كل شيء طبيعيًا، لكن سارة كانت تقف على بعد أمتار منهما وتراقبهما بصمت. لم تكن تعرف لماذا بدأت تشعر بالضيق كلما رأت ليان وآدم معًا. ربما لأنها كانت تلاحظ أن آدم، الذي نادرًا ما يتحدث مع أحد، أصبح يتحدث معها كثيرًا. وربما لأنها بدأت ترى ليان كمنافسة، ليس فقط في الدرجات، بل في كل شيء.

بعد أسبوع أعلنت الكلية عن اختبار عملي مفاجئ. انقلبت أجواء المجموعة رأسًا على عقب. بدأ الطلاب يراجعون بجنون. كانت ليان تذاكر في المكتبة عندما جلست سارة أمامها وقالت: "إنتِ مذاكرة الجزء ده؟" "آه." "ممكن أشوف ملاحظاتك؟" ترددت ليان ثم أعطتها الدفتر. قلبت سارة الصفحات وقالت: "إنتِ كاتبة غلط هنا." نظرت ليان إلى الصفحة: "فين؟" أشارت سارة إلى سطر. فتحت ليان الكتاب، وكانت المعلومة صحيحة. رفعت عينيها وقالت: "هي صح." ابتسمت سارة: "آه، عندك حق." ثم أعادت الدفتر. لم تقل ليان شيئًا، لكن شيئًا في الموقف جعلها غير مرتاحة.

في اليوم التالي بدأ الاختبار العملي. دخل الطلاب واحدًا تلو الآخر، وعندما جاء دور ليان وجدت نفسها أمام سؤال لم تتوقعه. توقفت، نظرت إلى النموذج ثم إلى الدكتور. لم تعرف الإجابة. شعرت بيدها تبرد. قال الدكتور: "خدي وقتك." حاولت مرة أخرى، لكن ذاكرتها رفضت أن تمنحها الإجابة. قالت أخيرًا: "مش عارفة." قال الدكتور: "كملي." خرجت من المحطة وهي تشعر أنها فشلت. في الممر وجدت آدم ينتظر دوره. نظر إلى وجهها وقال: "إيه؟" هزت رأسها: "مش عارفة." "إيه اللي حصل؟" "نسيت." "عادي." "مش عادي." "ليان، ده اختبار." "أنا كنت عارفة الإجابة." "وممكن تنسي." "أنا مبحبش أنسى." نظر إليها للحظة وقال: "إنتِ مش آلة." رفعت عينيها إليه. "يعني؟" "يعني عادي تغلطي." ثم دخل إلى الاختبار.

بعد دقائق خرج ونظر إليها وقال: "طلعت الإجابة اللي كنتِ نسيتيها." "وبعدين؟" "ولا حاجة." "يعني إنت كويس؟" "آه." "مبروك." "مبروك على إيه؟" "إنك عرفت." ابتسم وقال: "وأنتِ هتعرفي المرة الجاية." ثم مشى. وقفت ليان مكانها. لم تكن تعرف لماذا جعلتها جملته تشعر بأنها أفضل.

في ذلك المساء جلست ليان أمام كتبها، لكنها لم تفتحها. فكرت في أول يوم دخلت فيه الجامعة، في مريم، ونور، ويوسف، وآدم، وفي الشخص الذي كانوا يكرهونه أو يحبونه أو يراقبونه دون أن يعترفوا. وفكرت في المستشفى. لأول مرة أدركت أن الجامعة لن تكون مجرد سنوات تمر وتنتهي. كل يوم فيها سيترك شيئًا، وكل شخص سيغير جزءًا منها، وكل قرار صغير يمكن أن يقود إلى شيء أكبر بكثير.

فتحت دفترها وبدأت تكتب، لكنها لم تصل إلى نهاية السطر الأول حتى وصلتها رسالة من رقم غريب: "لو سمحتي، أنا محتاجة أكلمك في حاجة مهمة بخصوص آدم." تجمدت أصابعها فوق الهاتف. قرأت الرسالة مرة أخرى، ثم نظرت إلى الرقم. لم يكن محفوظًا عندها. كتبت: "مين؟" جاء الرد بعد ثوانٍ: "هتعرفي لما نتقابل." ظلت ليان تحدق في الشاشة. ثم عادت وكتبت: "طب قولي الأول." جاء الرد سريعًا: "ومتقوليش لآدم إني كلمتك."

رفعت ليان رأسها ببطء. لم تعد تفكر في الامتحان، ولا في الطب، ولا حتى في المستشفى. كل ما كان يدور في رأسها سؤال واحد: من تكون صاحبة هذا الرقم؟ وقبل أن تضع الهاتف جانبًا، ظهرت رسالة أخرى: "ولو عايزة تعرفي الحقيقة، قابليني بكرة بعد المحاضرة عند البوابة الخلفية."

بقيت ليان تحدق في الكلمات طويلًا. كان من السهل أن تحذف الرسائل وتتجاهلها، وكان من السهل أن تخبر آدم وتنتهي المسألة، لكنها لم تفعل أيًا منهما. شيء بداخلها كان يخبرها أن الرسالة ليست عادية، وأن الشخص الذي يقف خلفها يعرف شيئًا لا تعرفه هي.

وفي مكان آخر، كان آدم يجلس وحده أمام مكتبه، يراجع محاضرات اليوم، بينما هاتفه يهتز برسالة جديدة. فتحها، ثم تغيرت ملامحه فجأة. لم تكن الرسالة من ليان، ولا من يوسف، ولا من أي شخص في المجموعة. كانت من رقم يعرفه جيدًا، رقم لم يظهر أمامه منذ أكثر من عام.

قرأ الرسالة مرة واحدة، ثم أغلق الهاتف بسرعة.

كان محتواها قصيرًا جدًا:

"فاكر إنك قدرت تنسى؟"

رفع آدم عينيه عن الهاتف، وشعر لأول مرة منذ دخوله الجامعة أن الماضي الذي تركه خلفه لم يبقَ في الماضي كما كان يعتقد.

أما ليان، فلم تكن تعرف أن سر الرسالة التي وصلتها لن يكون أخطر شيء سيواجهونه في الأيام القادمة، وأن الشخص الذي سيظهر عند البوابة الخلفية غدًا لن يحمل مجرد خبر عن آدم، بل سيحمل أول خيط في حكاية قد تقلب حياة المجموعة كلها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • نبضٌ لا يُرى   120

    في منتصف العرض، قاطعه أحد المشرفين بسؤال: «أنت ذكرت الاحتمال الأكثر ترجيحًا، لكن ما العلامة التي كانت ستجعلك تغيّر تقديرك؟»لم يندفع آدم إلى إجابة جاهزة. عاد إلى المعطيات التي عرضها، وحدد العلامات التي كانت ستستدعي إعادة التقييم، ثم أوضح أن القرار النهائي لا ينفصل عن الفحص المباشر ورأي الطبيب المسؤول.تابع المشرف بأسئلة أخرى، بعضها يتعلق بالتفاصيل الطبية، وبعضها يتعلق بترتيب الأولويات حين تتعدد المهام. شعر آدم بالضغط، لكنه لم يعد يحاول إخفاء كل تردد أو ملء كل صمت بكلمات إضافية. عندما لم يكن متأكدًا من نقطة، قال ذلك بوضوح، وشرح كيف سيتحقق منها.بعد انتهاء العرض، طلب منه أحد المشرفين البقاء لدقائق.قال له: «أداؤك اليوم أفضل من المحاولة السابقة. تنظيمك للمعلومات تحسن، وقدرتك على توضيح حدود ما تعرفه كانت نقطة إيجابية. لكن ما زال عندك مجال للتحسن في إدارة الوقت، خصوصًا عندما تواجه أكثر من مهمة في وقت واحد.»استمع آدم باهتمام، ثم سأله: «هل ده يؤثر على تقييمي النهائي؟»أجابه الطبيب: «التقييم النهائي يعتمد على أدائك خلال البرنامج كله، مش على عرض واحد. سنراجع تقدمك في الأسابيع القادمة، وبعدها

  • نبضٌ لا يُرى   119

    وصلت ليان إلى المستشفى قبل موعد اجتماعها بساعة كاملة، لا لأنها لم تستعد بما يكفي، بل لأنها أرادت أن تراجع المكان الذي ستعرض فيه خطتها، وتتأكد من أن كل تفصيلة ستحتاج إليها جاهزة. وضعت حاسوبها على الطاولة، وراجعت الملخص التنفيذي للمرة الأخيرة، ثم أغلقت الملف حين دخل الدكتور سامر.تأمل الأوراق أمامها وسألها: «جاهزة؟»أجابت: «جاهزة للعرض، لكن مش متأكدة إنهم هيوافقوا على كل التعديلات.»جلس قبالتها وقال: «مش مطلوب منك تدخلي الاجتماع وإنتِ ضامنة الموافقة. المطلوب تدخليه وإنتِ فاهمة إنتِ بتطلبي إيه، وليه، وإيه البديل لو الطلب اترفض.»هزت رأسها، ثم قالت: «أكتر حاجة شاغلاني إنهم يوافقوا على التوسع قبل ما تكون عندنا معلومات كفاية، لمجرد إن الفكرة شكلها ناجح على الورق.»«إذن لا تسمحي للحماس أن يتقدم على الدليل. وفي المقابل، لا تجعلي خوفك من المبالغة يمنعك من عرض ما أنجزتموه فعلًا.»كانت كلماته بسيطة، لكنها أعادت ترتيب أفكارها. لم يكن عليها أن تقلل من قيمة عمل الفريق كي تبدو حذرة، ولا أن تضخم النتائج كي تقنع الإدارة بأهمية المشروع.بدأ الاجتماع بحضور رؤساء الأقسام وممثل الإدارة العليا، الذي استمع

  • نبضٌ لا يُرى   118

    هدأت ملامحها. «عارفة يا آدم. وعلشان كده خلينا نرتب وقت نتكلم فيه بعد ما نخلص إحنا الاتنين، مهما كانت النتيجة. مش لازم نكون موجودين في كل لحظة عشان نفضل جزءًا من حياة بعض.»قال مبتسمًا: «إنتِ بتتكلمي كأنك بتكتبي توصيات لمشروع.»«لأنك لو سبت الموضوع من غير خطة هتفضل تبعت لي رسالة كل ساعتين تسألني إذا كنت زعلانة.»ضحك بصوت واضح هذه المرة. «مش كل ساعتين.»«كل ساعة ونص؟»«هنناقش النقطة دي بعد التقييم.»أنهيا المكالمة باتفاق بسيط: كل منهما يلتزم بموعده، ثم يتحدثان مساءً مهما تأخرت النتائج، من دون وعود بأن يكون اليوم سهلًا أو أن تسير الأمور كما يتمنيان.مرّت الأيام التالية بسرعة. راجعت ليان العرض مع الدكتور سامر، الذي أصر على أن تضع في بدايته جملة تحدد نطاق المشروع، لا في آخره حيث قد لا ينتبه إليها الحضور. كما طلب منها أن تجهز إجابة عن سؤال متوقع: هل يمكن تطبيق النموذج نفسه في الأقسام المختلفة من دون تعديل؟قال لها في مكتبه: «التوسع مش معناه إننا ننسخ نفس الخطوات في كل مكان. طبيعة المرضى، وعدد الزيارات، وقدرة الفريق، كلها عوامل ممكن تغيّر طريقة التنفيذ.»أجابته: «هعرض خطة أساسية مشتركة، لكن

  • نبضٌ لا يُرى   117

    لم تكن ليان تخشى الوقوف أمام مجموعة من الأطباء بقدر ما كانت تخشى أن تُفهم كلماتها على غير معناها، فالأرقام حين تُعرض في اجتماع رسمي قد تبدو أكثر حسمًا مما هي عليه في الواقع، والنتائج الأولية مهما بدت مشجعة لا تمنح أحدًا الحق في إعلان نجاح لم يكتمل بعد. لهذا بدأت إعداد عرضها قبل موعد الاجتماع بأسبوعين، وكتبت في أعلى الصفحة الأولى عبارة ظلت تعود إليها كلما شعرت برغبة في تزيين النتائج: «ما الذي نعرفه فعلًا، وما الذي ما زلنا بحاجة إلى معرفته؟»دخلت مريم غرفة الفريق تحمل كوبين من القهوة، ووضعت أحدهما أمامها وهي تتفحص الشاشة.«أنتِ لسه عند الشريحة الأولى؟»رفعت ليان عينيها إليها. «من ساعة تقريبًا.»«وإيه اللي محتاج ساعة في عنوان؟»أشارت ليان إلى الجملة المكتوبة. «لأن لو بدأنا العرض بنتائج مشجعة، الناس ممكن تخرج بانطباع إن النموذج أثبت فعاليته. إحنا أثبتنا إن تطبيقه ممكن في نطاق محدود، لكن لسه ما نقدرش نقول إنه حسّن الالتزام بالمواعيد أو غيّر نتائج المرضى.»جلست مريم إلى جوارها. «يبقى قولي ده بوضوح، بدل ما تفضلي تحاولي تحمي الناس من احتمال إنهم يفهموا غلط.»ابتسمت ليان ابتسامة صغيرة. «المشكل

  • نبضٌ لا يُرى   116

    لم تنتقده أمام زملائه، بل انتظرته حتى انتهى من مقابلة المريض، ثم تحدثت معه على انفراد.قالت: «أنا عارفة إن الضغط كبير، لكن محتاجين نتأكد إن المريض فهم الخطوات الأساسية، مش بس إننا شرحناها له.»أجابها الرجل بتعب: «أنا بحاول أخلص كل الحالات في الوقت المحدد، وأحيانًا بيكون فيه مرضى كتير مستنيين.»«فاهمة، وعشان كده لازم نشوف طريقة عملية تناسب وقتكم. ممكن نستخدم قائمة مختصرة بالنقاط الأساسية، ونراجعها مع المريض في نهاية المقابلة، بدل ما نعتمد على الشرح الشفهي وحده.»فكر قليلًا ثم قال: «لو النموذج واضح ومش طويل، هيساعدنا فعلًا.»«هنجربه مع الفريق، ونشوف إذا كان مناسبًا. مش هنضيف إجراء جديد قبل ما نتأكد إنه قابل للتطبيق.»عندما نقلت الفكرة إلى اجتماع الفريق، وافق الدكتور كريم على إعداد نموذج تجريبي ومراجعته مع العاملين في القسم. كانت ليان سعيدة لأن النقاش لم يعد يدور حول الأرقام وحدها، بل أصبح مرتبطًا بكيفية تحسين العمل اليومي دون تحميل العاملين أعباء غير واقعية.وفي نهاية الأسبوع، أرسل آدم إليها نسخة من عرضه التدريبي.كتب: «عايز رأيك بصراحة، مش مجاملة.»فتحت الملف وبدأت مراجعته. كان العرض م

  • نبضٌ لا يُرى   116

    لم تنتقده أمام زملائه، بل انتظرته حتى انتهى من مقابلة المريض، ثم تحدثت معه على انفراد.قالت: «أنا عارفة إن الضغط كبير، لكن محتاجين نتأكد إن المريض فهم الخطوات الأساسية، مش بس إننا شرحناها له.»أجابها الرجل بتعب: «أنا بحاول أخلص كل الحالات في الوقت المحدد، وأحيانًا بيكون فيه مرضى كتير مستنيين.»«فاهمة، وعشان كده لازم نشوف طريقة عملية تناسب وقتكم. ممكن نستخدم قائمة مختصرة بالنقاط الأساسية، ونراجعها مع المريض في نهاية المقابلة، بدل ما نعتمد على الشرح الشفهي وحده.»فكر قليلًا ثم قال: «لو النموذج واضح ومش طويل، هيساعدنا فعلًا.»«هنجربه مع الفريق، ونشوف إذا كان مناسبًا. مش هنضيف إجراء جديد قبل ما نتأكد إنه قابل للتطبيق.»عندما نقلت الفكرة إلى اجتماع الفريق، وافق الدكتور كريم على إعداد نموذج تجريبي ومراجعته مع العاملين في القسم. كانت ليان سعيدة لأن النقاش لم يعد يدور حول الأرقام وحدها، بل أصبح مرتبطًا بكيفية تحسين العمل اليومي دون تحميل العاملين أعباء غير واقعية.وفي نهاية الأسبوع، أرسل آدم إليها نسخة من عرضه التدريبي.كتب: «عايز رأيك بصراحة، مش مجاملة.»فتحت الملف وبدأت مراجعته. كان العرض م

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status