LOGINالفصل الثالث:
لم تكن ليان تعرف أن بابًا أبيض عاديًا يمكن أن يفصل بين عالمين كاملين. قبل أن تدخله كانت ما تزال طالبة جامعية تفكر في الامتحانات والدرجات، وفيما إذا كان آدم يتعمد استفزازها أم أن هذه طريقته مع الجميع. لكن بمجرد أن انفتح الباب أمامها، تغير كل شيء. رائحة المطهر القوية، صوت الأجهزة، خطوات الممرضين السريعة، نداءات الأطباء، وأصوات المرضى وعائلاتهم جعلتها تتوقف لثانية دون أن تشعر. لم يكن المستشفى يشبه الصور التي رأتها في كتب الكلية. في الكتب كانت كل الأشياء مرتبة وواضحة، وكل مرض له أعراض وتشخيص وعلاج. هنا لم يكن هناك شيء مرتب. كان هناك خوف، وألم، وانتظار، وأشخاص لا يعرفون ماذا سيحدث لهم بعد ساعة واحدة.
قالت مريم بصوت منخفض: "أنا حاسة إني مش قادرة أتنفس." ردت ليان وهي تحاول إخفاء ارتباكها: "وأنا كمان." قال يوسف من خلفهما: "طب كويس إننا كلنا كده." التفتوا إليه، كان يحاول أن يضحك، لكن وجهه كان شاحبًا بشكل واضح. قال آدم: "يوسف، لو خايف قول." "أنا؟ خايف؟" "آه." "لا طبعًا." "إيدك بتترعش." نظر يوسف إلى يده بسرعة ثم وضعها في جيبه. "برد." ابتسم آدم، لكن ابتسامته اختفت عندما ظهر الطبيب المسؤول عن تدريبهم.
كان دكتور سامر طبيبًا في أواخر الثلاثينات، هادئ الملامح، لكنه يمتلك تلك النظرة التي تجعل أي شخص أمامه ينتبه لكلامه. قال: "صباح الخير." رد الطلاب في وقت واحد: "صباح النور يا دكتور." نظر إليهم واحدًا واحدًا ثم بدأ يقول: "عارف إن أول مرة ليكم في المستشفى ممكن تكون غريبة. وعارف إن بعضكم متحمس وبعضكم خايف. الاتنين طبيعيين. بس من النهارده لازم تفهموا حاجة مهمة. أنتم مش جايين هنا تتفرجوا، ولا جايين تصوروا نفسكم بالبالطو." ضحك بعض الطلاب بخفة، فتابع بجدية: "أنتم جايين تتعلموا. والتعلم هنا معناه إنكم تسمعوا، تلاحظوا، وتسألوا. لكن قبل أي حاجة، تحترموا المريض. مهما كان تعبان، عصبي، مش متعاون، أو حتى رفض يتكلم معاكم." هز الجميع رؤوسهم. "المريض مش تجربة."
بدأ التدريب في قسم الباطنة. ساروا خلف الطبيب في الممر الطويل، وكانت ليان تحاول أن تستوعب كل شيء في وقت واحد. غرف كثيرة، أسرّة متجاورة، ممرضات يتحركن بسرعة، عائلات تجلس في الممرات، وأصوات أجهزة تأتي من الغرف. توقف الطبيب أمام أول غرفة وقال: "هندخل على حالة ونشوف طريقة أخذ التاريخ المرضي. مين يدخل معايا؟" تردد الجميع، ثم رفع آدم يده. وبعده رفعت ليان يدها. نظر إليها آدم وابتسم وقال: "طبعًا." ضيقت عينيها وقالت: "إيه؟" "ولا حاجة." دخل آدم أولًا، ثم ليان، ومعهما الطبيب.
كان هناك رجل في منتصف الخمسينات يجلس على السرير، ووجهه يحمل علامات التعب. بجانبه كانت ابنته تجلس وتمسك يده. ابتسم الطبيب للرجل وقال: "صباح الخير يا حاج." "صباح النور يا دكتور." "إحنا معانا طلبة طب، ينفع يقعدوا معانا؟" نظر الرجل إلى ليان وآدم ثم ابتسم. "طبعًا." جلست ليان على الكرسي وأخرجت دفترها. كان الرجل يعاني من ضيق في التنفس وألم في الصدر، والطبيب بدأ يسأله أسئلة بسيطة: متى بدأ الألم؟ أين يشعر به؟ هل يزداد مع الحركة؟ هل لديه أمراض مزمنة؟ هل يتناول أدوية؟ كانت ليان تكتب بسرعة، ثم قال الطبيب: "ليان، اسأليه أنتِ." تجمدت يدها للحظة. "أنا؟" "أيوه." نظرت إلى الرجل وقالت: "حضرتك... الألم بدأ إمتى؟" "من امبارح بالليل." "وكان شديد؟" "آه." تابعت الأسئلة كما تعلمت في المحاضرات. في البداية كان صوتها مترددًا، ثم بدأ يثبت تدريجيًا. بعد دقائق قال الطبيب: "كويس." خرجوا من الغرفة، وأخذت ليان نفسًا طويلًا.
قال آدم: "أول مرة مش وحشة." التفتت إليه: "كنت بتسمع؟" "آه." "طب قول رأيك." "مقبولة." "مقبولة؟" ضحك وقال: "يعني كويسة." "أنت مستفز." "عارف." كانا يضحكان عندما سمعا صوت الطبيب من الخلف: "الضحك مفيهوش مشكلة، بس خليكم فاكرين إن المريض اللي جوه مش جزء من يومكم الدراسي." اختفى الضحك فورًا. قال آدم: "آسفين يا دكتور." هز الطبيب رأسه وقال: "أنا مش بلومكم، بس لازم تتعلموا الفرق."
واصلوا الجولة. مرت الساعات الأولى بشكل هادئ، حتى دخلوا غرفة لم يكن فيها سوى سيدة مسنة وابنتها. كانت السيدة تبدو مرهقة جدًا، وتتكلم بصعوبة. طلب الطبيب من الطلاب أن يلاحظوا طريقة تنفسها. اقتربت ليان قليلًا وراقبت صدر المرأة وهو يرتفع وينخفض بسرعة. شعرت لأول مرة أن ما قرأته في الكتب أصبح أمام عينيها. قال الطبيب: "إيه اللي لاحظتيه؟" ترددت ثم قالت: "التنفس سريع." "وفيه حاجة تانية؟" نظرت إلى وجه المريضة وقالت: "هي... متوترة." ابتسم الطبيب: "ممكن. بس إحنا كأطباء لازم نفرق بين اللي بنلاحظه واللي بنستنتجه. خلي عينك تشوف الأول، وبعدها عقلك يفسر." هزت ليان رأسها. كانت الجملة ستظل معها طويلًا.
عند الظهيرة خرجوا إلى الكافيتيريا، وكان الجميع مرهقًا. جلست مريم بجوار ليان وقالت: "أنا محتاجة آكل أي حاجة." قال يوسف: "أنا محتاج أنام." رد آدم: "إحنا بقالنا أربع ساعات بس." "أربع ساعات في المستشفى تساوي يوم كامل." ضحكوا، لكن ليان ظلت صامتة. لاحظ آدم ذلك وسألها: "مالك؟" "مفيش." "من أول ما خرجنا من آخر غرفة وإنتِ ساكتة." "كنت بفكر." "في إيه؟" نظرت إليه وقالت: "حاسّة إن الموضوع أكبر من اللي تخيلته." لم يرد فورًا، ثم قال: "أنا كمان." كانت هذه أول مرة يعترف فيها آدم بأنه خائف. نظرت إليه ليان باستغراب: "إنت؟" "آه، أنا." "مش باين عليك." "هو لازم اللي خايف يعيط؟" ابتسمت وقالت: "مش قصدي." "أنا كنت فاكر إن الطب كله مذاكرة. أذاكر وأنجح وخلاص. بس لما شفت الراجل ده، حسيت إن اللي بندرسه له علاقة بحياة ناس فعلًا." قالت ليان: "أنا حسيت نفس الحاجة." كانت تلك اللحظة مختلفة. لأول مرة لم يكن بينهما تحدٍ أو منافسة أو محاولة لإثبات من الأفضل. كانا فقط طالبين صغيرين يجلسان في كافيتيريا مستشفى ويحاولان فهم الطريق الذي اختاراه.
بعد انتهاء اليوم خرجوا من المستشفى معًا. كانت الشمس قد بدأت تميل إلى الغروب، والهواء أصبح أكثر برودة. قالت مريم: "مين راجع معايا؟" أجابتها ليان ونور ويوسف، بينما قال آدم: "هفضل شوية." سأله يوسف: "ليه؟" "عندي حاجة." انصرف الجميع، وبقي آدم وحده للحظات. عاد إلى المستشفى. لم يكن لديه شيء ضروري، لكنه كان يريد أن يسأل الطبيب عن حالة الرجل الذي قابلوه صباحًا. لم يعرف لماذا شعر بالقلق عليه. دخل إلى القسم وسأل إحدى الممرضات: "الحالة في غرفة أربعة أخبارها إيه؟" نظرت إليه: "أي حالة؟" "الرجل اللي كان عنده ألم في الصدر وضيق تنفس." فهمت. "اتنقل للعناية." تغير وجه آدم. "ليه؟" "حالته ساءت." ظل واقفًا للحظات، ثم قال: "شكرًا." خرج من المستشفى وهو يشعر بثقل في صدره.
في تلك الليلة لم يستطع النوم. أما ليان فكانت في غرفتها تحاول مراجعة المحاضرات، لكنها وجدت نفسها تفكر في نفس الرجل. فتحت هاتفها وكتبت في مجموعة الأصدقاء: "حد عرف أخبار الحالة اللي شفناها الصبح؟" لم يرد أحد. بعد دقائق كتب آدم: "اتنقل العناية." شعرت ليان بقلق وكتبت: "إنت عرفت منين؟" جاء الرد: "رجعت المستشفى." "ليه؟" لم يرد. بعد لحظات كتبت: "آدم؟" ظهر أنه يكتب ثم توقف، وأخيرًا جاء الرد: "مش عارف." ظلت ليان تنظر إلى الرسالة. لم تكن تعرف ماذا تقول، فكتبت: "إن شاء الله يبقى كويس." أرسل: "إن شاء الله." لم تعرف لماذا شعرت أن الجملة تحمل أكثر مما كُتب فيها.
في اليوم التالي لم يكن هناك تدريب في نفس القسم. دخل الطلاب محاضراتهم كالمعتاد، لكن الجو بينهم كان مختلفًا. لأول مرة شعروا أن المستشفى لم يعد مجرد مكان يذهبون إليه ثم ينسونه عندما يعودون إلى السكن. بعد انتهاء المحاضرة اقترب دكتور سامر من آدم وقال: "عايزك في دقيقة." ذهب آدم معه إلى الممر. قال الطبيب: "أنت سألت امبارح عن الحالة." "أيوه." "ليه؟" تردد آدم ثم قال: "كنت قلقان." ابتسم الطبيب ابتسامة صغيرة: "وده شيء كويس، بس خليك حذر." "من إيه؟" "إن اهتمامك بالمريض ما يتحولش لتعلق. دي واحدة من أصعب الحاجات في المهنة. هتقابل ناس كتير. بعضهم هتقدر تساعده، وبعضهم لأ. وفي الحالتين لازم تعرف تكمل." ظل آدم صامتًا. كانت الكلمات أثقل مما توقع.
في نهاية اليوم اجتمعت المجموعة في الحديقة خلف الكلية. كانت مريم تتحدث عن شيء حدث لها في المحاضرة، ويوسف يضحك، ونور تحاول إنهاء واجبها. جلست ليان بجانب آدم وقالت بهدوء: "أخبار الحالة؟" نظر إليها وقال: "مستقرة." تنفست براحة: "الحمد لله." سكتا قليلًا، ثم قال آدم: "إنتِ ليه مهتمة؟" "عشان إنسان." ابتسم: "إجابة نموذجية." "وإنت؟" نظر أمامه وقال: "مش عارف." "إنت بتقولها كتير." "لأنها الحقيقة." ظلت تنظر إليه لحظة ثم قالت: "مش لازم تعرف كل حاجة من دلوقتي." التفت إليها: "مين قالك؟" "أنا." "والدكتورة ليان قالت كده؟" ضحكت: "لسه بدري." ضحك هو أيضًا. كان كل شيء طبيعيًا، لكن سارة كانت تقف على بعد أمتار منهما وتراقبهما بصمت. لم تكن تعرف لماذا بدأت تشعر بالضيق كلما رأت ليان وآدم معًا. ربما لأنها كانت تلاحظ أن آدم، الذي نادرًا ما يتحدث مع أحد، أصبح يتحدث معها كثيرًا. وربما لأنها بدأت ترى ليان كمنافسة، ليس فقط في الدرجات، بل في كل شيء.
بعد أسبوع أعلنت الكلية عن اختبار عملي مفاجئ. انقلبت أجواء المجموعة رأسًا على عقب. بدأ الطلاب يراجعون بجنون. كانت ليان تذاكر في المكتبة عندما جلست سارة أمامها وقالت: "إنتِ مذاكرة الجزء ده؟" "آه." "ممكن أشوف ملاحظاتك؟" ترددت ليان ثم أعطتها الدفتر. قلبت سارة الصفحات وقالت: "إنتِ كاتبة غلط هنا." نظرت ليان إلى الصفحة: "فين؟" أشارت سارة إلى سطر. فتحت ليان الكتاب، وكانت المعلومة صحيحة. رفعت عينيها وقالت: "هي صح." ابتسمت سارة: "آه، عندك حق." ثم أعادت الدفتر. لم تقل ليان شيئًا، لكن شيئًا في الموقف جعلها غير مرتاحة.
في اليوم التالي بدأ الاختبار العملي. دخل الطلاب واحدًا تلو الآخر، وعندما جاء دور ليان وجدت نفسها أمام سؤال لم تتوقعه. توقفت، نظرت إلى النموذج ثم إلى الدكتور. لم تعرف الإجابة. شعرت بيدها تبرد. قال الدكتور: "خدي وقتك." حاولت مرة أخرى، لكن ذاكرتها رفضت أن تمنحها الإجابة. قالت أخيرًا: "مش عارفة." قال الدكتور: "كملي." خرجت من المحطة وهي تشعر أنها فشلت. في الممر وجدت آدم ينتظر دوره. نظر إلى وجهها وقال: "إيه؟" هزت رأسها: "مش عارفة." "إيه اللي حصل؟" "نسيت." "عادي." "مش عادي." "ليان، ده اختبار." "أنا كنت عارفة الإجابة." "وممكن تنسي." "أنا مبحبش أنسى." نظر إليها للحظة وقال: "إنتِ مش آلة." رفعت عينيها إليه. "يعني؟" "يعني عادي تغلطي." ثم دخل إلى الاختبار.
بعد دقائق خرج ونظر إليها وقال: "طلعت الإجابة اللي كنتِ نسيتيها." "وبعدين؟" "ولا حاجة." "يعني إنت كويس؟" "آه." "مبروك." "مبروك على إيه؟" "إنك عرفت." ابتسم وقال: "وأنتِ هتعرفي المرة الجاية." ثم مشى. وقفت ليان مكانها. لم تكن تعرف لماذا جعلتها جملته تشعر بأنها أفضل.
في ذلك المساء جلست ليان أمام كتبها، لكنها لم تفتحها. فكرت في أول يوم دخلت فيه الجامعة، في مريم، ونور، ويوسف، وآدم، وفي الشخص الذي كانوا يكرهونه أو يحبونه أو يراقبونه دون أن يعترفوا. وفكرت في المستشفى. لأول مرة أدركت أن الجامعة لن تكون مجرد سنوات تمر وتنتهي. كل يوم فيها سيترك شيئًا، وكل شخص سيغير جزءًا منها، وكل قرار صغير يمكن أن يقود إلى شيء أكبر بكثير.
فتحت دفترها وبدأت تكتب، لكنها لم تصل إلى نهاية السطر الأول حتى وصلتها رسالة من رقم غريب: "لو سمحتي، أنا محتاجة أكلمك في حاجة مهمة بخصوص آدم." تجمدت أصابعها فوق الهاتف. قرأت الرسالة مرة أخرى، ثم نظرت إلى الرقم. لم يكن محفوظًا عندها. كتبت: "مين؟" جاء الرد بعد ثوانٍ: "هتعرفي لما نتقابل." ظلت ليان تحدق في الشاشة. ثم عادت وكتبت: "طب قولي الأول." جاء الرد سريعًا: "ومتقوليش لآدم إني كلمتك."
رفعت ليان رأسها ببطء. لم تعد تفكر في الامتحان، ولا في الطب، ولا حتى في المستشفى. كل ما كان يدور في رأسها سؤال واحد: من تكون صاحبة هذا الرقم؟ وقبل أن تضع الهاتف جانبًا، ظهرت رسالة أخرى: "ولو عايزة تعرفي الحقيقة، قابليني بكرة بعد المحاضرة عند البوابة الخلفية."
بقيت ليان تحدق في الكلمات طويلًا. كان من السهل أن تحذف الرسائل وتتجاهلها، وكان من السهل أن تخبر آدم وتنتهي المسألة، لكنها لم تفعل أيًا منهما. شيء بداخلها كان يخبرها أن الرسالة ليست عادية، وأن الشخص الذي يقف خلفها يعرف شيئًا لا تعرفه هي.
وفي مكان آخر، كان آدم يجلس وحده أمام مكتبه، يراجع محاضرات اليوم، بينما هاتفه يهتز برسالة جديدة. فتحها، ثم تغيرت ملامحه فجأة. لم تكن الرسالة من ليان، ولا من يوسف، ولا من أي شخص في المجموعة. كانت من رقم يعرفه جيدًا، رقم لم يظهر أمامه منذ أكثر من عام.
قرأ الرسالة مرة واحدة، ثم أغلق الهاتف بسرعة.
كان محتواها قصيرًا جدًا:
"فاكر إنك قدرت تنسى؟"
رفع آدم عينيه عن الهاتف، وشعر لأول مرة منذ دخوله الجامعة أن الماضي الذي تركه خلفه لم يبقَ في الماضي كما كان يعتقد.
أما ليان، فلم تكن تعرف أن سر الرسالة التي وصلتها لن يكون أخطر شيء سيواجهونه في الأيام القادمة، وأن الشخص الذي سيظهر عند البوابة الخلفية غدًا لن يحمل مجرد خبر عن آدم، بل سيحمل أول خيط في حكاية قد تقلب حياة المجموعة كلها.
والامتحان هيخلص." ثم أضاف: "لكن صحتك لو أهملتيها ممكن تدفعك تمن أكبر." خرجت ليان وهي تفكر. كان الطب أحيانًا لا يتعلق بإنقاذ شخص من الموت. أحيانًا يتعلق بمنع شخص من الوصول إلى مرحلة خطيرة. في الجامعة، كان يوسف يواجه مشكلة مختلفة. كان لديه عرض مهم، لكن أحد أعضاء الفريق لم يكن يقوم بدوره. قال يوسف: "أنا مش هعمل شغله." قالت نور: "طب هتعمل إيه؟" "هسيبه." "والعرض؟" "يتصرف." قالت: "يبقى أنت هتعاقب نفسك معاه." سكت. "طب أعمل إيه؟" "كلمه." ذهب يوسف إلى زميله. قال: "إنت مش عامل الجزء بتاعك." "عارف." "طب ليه؟" "عندي مشكلة في البيت." سكت يوسف. لم يتوقع ذلك. "كان ممكن تقول." "مش بحب أقول." "طيب خلينا نحلها." جلسا معًا، وقسما المهمة. عاد يوسف إلى المجموعة. قالت نور: "إيه اللي حصل؟" "حليناها." "من غير خناقة؟" "من غير." ابتسمت. "كبرت." "مش قوي." ضحكت. أما مريم، فكانت تدرس موضوعًا جديدًا في البحث. بدأت تهتم بالصحة النفسية لطلاب الطب. كانت ترى كيف يتحدث الجميع عن المذاكرة والدرجات، بينما نادرًا ما يتحدث أحد عن الضغط النفسي. عرضت فكرتها على الدكتور عمر. استمع إليها. ثم قال: "مهمة." "بس؟" "مهمة وصعبة." "ل
قال بهدوء: "أنا كمان خايف." كانت أول مرة يعترف فيها بذلك. لم تقل شيئًا. لكن المكالمة استمرت طويلًا. في نهاية الشهر، بدأ آدم يستعد للعودة. كان قد تعلم الكثير. وأصبح أكثر ثقة في نفسه. لكن قبل عودته بيوم، حدث شيء لم يكن في حسابه. طلب منه الطبيب المسؤول أن يحضر اجتماعًا صغيرًا. جلس أمامه. قال الطبيب: "إنت عندك قدرة كويسة." "شكرًا." "وعايز أعرض عليك فرصة." رفع آدم عينيه. "إيه؟" "ممكن تكمل معنا فترة أطول." توقف. كان العرض مغريًا. تدريب إضافي. خبرة أكبر. وعلاقات مهنية قد تفيده في المستقبل. لكن ذلك يعني تأجيل عودته. قال: "قد إيه؟" "شهرين إضافيين." سكت. ثم قال: "محتاج أفكر." "فكر." خرج آدم من المكتب. أول شخص فكر فيه كان ليان. اتصل بها. "فاضية؟" "آه." "عندي حاجة." "خير؟" حكى لها. سكتت. قال: "قولي رأيك." "إنت عايز إيه؟" "مش عارف." "لأ. إنت عارف." تنهد. "نفسي أكمل." "يبقى كمل." "بس..." "مفيش بس." "إنتِ مش هتزعلي؟" "هزعل." صمت. ثم قالت: "بس مش هطلب منك تسيب فرصة عشان أنا." أغمض عينيه. "أنا بحبك." سكتت. كانت الجملة هذه المرة مختلفة. لم تكن تلميحًا. ولا مزحة. ولا اعترافًا نصف واضح. كانت مباشرة. قالت
عندما تبدلت الأدوار لم تستطع ليان أن تمنع نفسها من الضحك وهي تنظر إلى آدم. قالت: "يعني أنا رجعت عشان ألاقيك مسافر؟" ابتسم: "تقريبًا." "طب ماشي." "زعلانة؟" "لأ." "كدابة." "أنا؟ مستحيل." ضحك يوسف من خلفهما. "إحنا ممكن نمشي ونسيبكم تتخانقوا براحتكم." التفتت ليان إليه. "محدش طلب منك تتكلم." قال يوسف: "أنا مجرد شاهد." قالت نور: "شاهد على إيه؟" "على إن الاتنين دول محتاجين يتعلموا إن التوقيت مش دايمًا بيكون في صالحهم." ضحك الجميع، بينما اكتفت ليان بالنظر إلى آدم. كانت سعيدة من أجله، لكنها لم تستطع تجاهل ذلك الشعور الغريب الذي تسلل إليها. بعد أسابيع من البعد، كانت تتمنى أن تستعيد الأيام التي كانا يلتقيان فيها كل يوم، والآن سيبدأ هو رحلة جديدة في المكان الذي عاشت فيه هي أصعب وأهم أسابيع تدريبها. قالت: "إمتى مسافر؟" "بعد ثلاثة أيام." "هتفضل هناك قد إيه؟" "شهر." تنفست ببطء. "شهر واحد." "آه." "كويس." "مش باين." ضحكت. "أنا بس لسه راجعة." في تلك الليلة، عادت ليان إلى منزلها وهي تحمل حقيبتها الصغيرة. كانت والدتها تنتظرها في غرفة المعيشة. "تعالي هنا." احتضنتها طويلًا. "وحشتيني." "وإنتِ كمان." جلست ل
كتبت له: "إنت مشغول؟" تأخر في الرد. بعد ساعتين كتب: "آسف، اليوم كان طويل." "ولا يهمك." "إنتِ كويسة؟" "آه." لم تكتب أكثر. كانت تريد أن تقول له إنها تفتقده. لكنه لم يسأل. وفي الجهة الأخرى، كان رامي يجلس وحده بعد يوم طويل. فتح محادثتها. كتب: "أنا مش عارف أتكلم زي الأول." ثم مسح الرسالة. لم يكن يعرف هل السبب المسافة أم الضغط أم خوفه من أن يبدأ علاقة لا يعرف كيف يحافظ عليها. في منتصف تدريب ليان، حدث موقف جعلها تتذكر لماذا اختارت الطب. دخلت طفلة صغيرة إلى القسم مع والدها. كانت خائفة جدًا من المستشفى. اقتربت منها ليان. "اسمك إيه؟" اختبأت خلف والدها. قال الأب: "اسمها ملك." "ملك؟ اسم جميل." نظرت إليها الطفلة. أخرجت ليان قلمًا صغيرًا من جيبها. "تحبي نرسم؟" ترددت. ثم أخذت القلم. بدأت ترسم. بعد دقائق، هدأت. قال الأب: "أنا مش عارف أشكرك إزاي." قالت ليان: "هي بس كانت محتاجة حد يطمنها." في نهاية اليوم، قال لها الطبيب: "إنتِ عندك حاجة مهمة." "إيه؟" "بتعرفي تخلي المريض يحس إنه إنسان مش رقم." ابتسمت. "دي حاجة كويسة؟" "دي من أهم الحاجات." تلك الليلة، اتصلت بوالدتها. حكت لها عن يومها. ثم اتصلت بآدم. قالت
الفصل الثلاثون: المسافة التي كشفت أشياء كثيرة لم تكن ليان تعرف أن بعض القرارات لا تخيفنا بسبب القرار نفسه، وإنما بسبب الأشياء التي قد تتغير بعده. منذ أن وافقت على التدريب خارج الجامعة، وهي تتحرك بين الحماس والقلق. كانت تتخيل المستشفى الجديد، الأطباء الذين ستتعلم منهم، الحالات المختلفة، والمهارات التي يمكن أن تكتسبها، ثم فجأة تتذكر أنها ستبتعد شهرين كاملين عن كل شيء اعتادت عليه. عن الجامعة. عن أصدقائها. وعن آدم. في صباح السفر، وقفت أمام المرآة ترتب حقيبتها للمرة الأخيرة. دخلت والدتها الغرفة وقالت: "خلصتي؟" "تقريبًا." نظرت الأم إلى الحقيبة. "إنتِ واخدة نص البيت معاكي؟" ضحكت ليان. "شهرين يا ماما." "شهرين مش سنة." "أنا بحب أكون مستعدة." ابتسمت والدتها. "أهم حاجة تكوني مستعدة نفسيًا." سكتت ليان. كانت هذه تحديدًا المشكلة. في نفس الوقت، كان آدم يجلس أمام والده. قال والده: "فكرّت في كلامي؟" "أيوه." "والنتيجة؟" "هكمل طب." تنهد والده. "إنت مصمم؟" "آه." "حتى لو الطريق طويل؟" "حتى لو." سكت والده طويلًا. ثم قال: "أنا مش ضدك." نظر آدم إليه. "أمال؟" "أنا خايف عليك." كانت الجملة أبسط مما توقع. "من إي
مع إحدى الحالات التدريبية. قال يوسف: "لازم نتحرك أسرع." ردت ليان: "بس ناقصنا معلومات." "هنضيع وقت." "ولو استعجلنا هنغلط." تدخل آدم: "خلونا نقسمها." نظر إليه يوسف. "إزاي؟" "إنت تجمع المعلومات، ليان تراجع الحالة، وأنا أرتب الخطوات." قالت نور: "وأنا هكتب." هدأ الخلاف. بعد انتهاء التدريب، قال يوسف لليان: "أنا آسف." نظرت إليه. "على إيه؟" "كنت متوتر." ابتسمت. "وأنا كمان." قال: "بس إنتِ عندك حق." "وإنت عندك حق في نقطة السرعة." ابتسم. "يبقى اتعلمنا." في تلك الليلة، وصل اتصال إلى مريم من رامي. ترددت قبل أن تجيب. "ألو؟" "إزيك؟" "كويسة." "أنا رجعت المدينة يومين." اتسعت عيناها. "رجعت؟" "أيوه." "ليه ما قلتش؟" ضحك. "كنت عايز أفاجئكم." "إنت مجنون." "عارف." "هتقابلنا؟" "أكيد." في اليوم التالي، دخل رامي الجامعة فجأة. كان يوسف أول من رآه. صرخ: "رامي!" التفت الجميع. ركض يوسف نحوه واحتضنه. "إيه يا عم؟" "وحشتوني." قالت نور: "اختفيت." "أسبوعين بس." قالت: "بالنسبة لنا كتير." أما مريم، فكانت واقفة بعيدًا. اقترب منها. "إزيك؟" "كويسة." "بس؟" "بس." ابتسم. "وحشتيني." خفضت عينيها. "إنت كمان." لم يحتج أي منهما إلى







