LOGINيرث سالم منزل جده المهجور، فينتقل إليه ساخرًا من حكايات الأشباح. لكن همسات غامضة، وبابًا مغلقًا، وآثارًا لا تُرى إلا ليلًا، تقوده إلى سرٍ دفنه الماضي، ويغيّر نظرته إلى المجهول إلى الأبد
View Moreالفصل الأول
لم يكن سليمان الهاشمي يؤمن إلا بما يستطيع أن يلمسه بيديه أو يثبته بالأرقام.
بلغ الخامسة والخمسين من عمره، وبدأ حياته موظفًا بسيطًا، ثم شق طريقه حتى صار واحدًا من أثرى رجال الأعمال في المنطقة. امتلك شركات، وعقارات، وأساطيل من الشاحنات، واستثمارات تمتد من الخليج إلى شرق آسيا. وكانت الصحف الاقتصادية تصفه بأنه رجل لا يغامر إلا بعد أن يحسب كل احتمال.
أما هو، فكان يرى أن العالم أبسط مما يتخيله الناس.
كل شيء له سبب.
وكل لغز له تفسير.
وكل حكاية عن الأشباح ليست سوى خوفٍ يرتدي ثوب الخيال.
في إحدى أمسيات الشتاء، جلس في مكتبه المطل على المدينة. كانت الأضواء تتلألأ تحت قدميه، والسيارات تنساب كخيوط مضيئة بين الأبراج.
دخل مدير أعماله يحمل ملفًا جلديًا أسود.
قال باحترام:
— سيدي… هناك عقار جديد عُرض للبيع.
رفع سليمان رأسه دون اهتمام.
— وما الذي يميزه؟
— السعر.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
— الجميع يقول ذلك.
فتح المدير الملف ووضع صورة كبيرة أمامه.
كان قصرًا حجريًا شامخًا، تحيط به غابة كثيفة، تعلوه أبراج قديمة، وتغطي جدرانه نباتات متسلقة كأنها تحاول ابتلاعه.
— هذا القصر معروض بأقل من ربع قيمته.
أمسك سليمان الصورة.
تأملها طويلًا.
كان البناء فخمًا على نحو يثير الإعجاب، لكنه يحمل شيئًا يصعب وصفه… شيئًا يجعل العين تتردد في البقاء عليه.
سأل بهدوء:
— لماذا هذا الثمن؟
تردد المدير لحظة.
ثم قال مبتسمًا ابتسامة مرتبكة:
— الناس يقولون… إنه مسكون.
ساد الصمت.
ثم انفجر سليمان ضاحكًا.
ضحكة طويلة حتى انحنى على كرسيه.
— في القرن الحادي والعشرين ما زال الناس يخافون من الأشباح؟
قال المدير:
— خمس عائلات اشترته خلال عشرين سنة… ولم يمكث أحد منهم أكثر من شهر.
— ولماذا؟
— لكل واحد قصة مختلفة.
— ممتاز.
نظر إليه المدير باستغراب.
— ممتاز؟
— نعم… هذا يعني أن لا أحد يريد منافستي عليه.
بعد أسبوع، أصبح القصر ملكًا لسليمان.
وحين وصل إليه لأول مرة، كانت الشمس تميل نحو المغيب.
فتح الحارس البوابة الحديدية التي أطلقت صريرًا طويلًا، كأنها لم تُفتح منذ سنوات.
امتد الطريق بين أشجار سرو شاهقة، حتى ظهر القصر كاملًا.
كان أجمل مما في الصور.
وأشد وحشة.
ترجل سليمان من سيارته الفاخرة.
رفع رأسه إلى النوافذ العالية.
كلها مغلقة.
كلها مظلمة.
ومع ذلك…
راوده شعور غريب بأن أحدًا يراقبه.
ابتسم ساخرًا.
“يبدو أن القصص بدأت تؤثر حتى فيّ.”
دخل القصر.
كان الهواء باردًا على غير المتوقع، رغم أن النهار لم ينتهِ بعد.
غطى الغبار الأرضية، بينما تدلت ثريات كريستالية ضخمة من السقف، وقد خفت بريقها تحت طبقات الزمن.
أخذ يتجول بين القاعات والغرف، يلتقط الصور بهاتفه، ويُملي ملاحظاته على مدير المشروع:
— هذه الصالة تُرمم بالكامل.
— المكتبة تُحافظ على طابعها القديم.
— الحديقة تحتاج إلى إعادة تصميم.
كان يتحدث بثقة رجل يرى في كل شيء مشروعًا قابلًا للإصلاح.
حتى وصل إلى آخر الممر.
هناك وجد بابًا خشبيًا أسود، يختلف عن سائر أبواب القصر.
لا زخارف.
لا مقبض ذهبي.
بل خشب قاتم، تتخلله شقوق دقيقة، كأن الزمن نفسه حاول كسره ولم ينجح.
اقترب منه.
مد يده.
وما إن لامست أصابعه الباب…
حتى سمع همسة.
واضحة.
هادئة.
قريبة جدًا.
“لا تفتح…”
سحب يده بسرعة.
التفت خلفه.
لم يكن هناك أحد.
تفقد الممر.
الغرف.
السلالم.
كل شيء ساكن.
ابتسم لنفسه، لكن ابتسامته لم تكن واثقة كما كانت قبل دقائق.
قال بصوت منخفض:
“لا بد أن أحد العمال وصل قبلي.”
غير أن هاتفه رن في تلك اللحظة.
كان مدير المشروع.
قال:
— أعتذر يا أستاذ سليمان… تأخر الفريق بسبب حادث في الطريق. لن نصل قبل ساعتين.
تجمدت ملامحه.
نظر إلى شاشة الهاتف.
ثم إلى الممر الخالي.
ثم عاد ببصره إلى الباب الأسود.
وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة…
شعر أن ثروته، ونفوذه، وكل ما يملكه…
لا يجيب عن سؤال واحد:
من الذي همس باسمه
ساد صمتٌ عميق، كأن الأصوات التي خرجت من الأبواب السبعة قد ابتلعتها هوةٌ لا قرار لها.وقف سليمان في منتصف الممر، والمفتاح الأسود في يده، بينما كان إلياس يقف إلى يساره، وسيد الظلال إلى يمينه.لم يكن أحدهما ينظر إلى الآخر.كان كلاهما ينظر إليه هو.كأنه أصبح مركز هذا العالم كله.قال سليمان أخيرًا:— إذا كنتما تريدان مني أن أختار… فأخبراني الحقيقة كاملة.ابتسم سيد الظلال.أما إلياس فأطرق برأسه.قال سيد الظلال:— الحقيقة لا يملكها أحد كاملة، لكن لكل واحد منا نصفها.ثم أشار إلى إلياس.— دعه يبدأ.تنهد إلياس طويلًا.وقال:— منذ قرون، اكتشف نفرٌ من البشر وجود هذه العتبات بين العوالم. لم تكن أبوابًا للغزو، ولا ممرات للحروب، بل منافذ يتسرب منها العلم، والأحلام، والإلهام… وأحيانًا الخوف.توقف لحظة، ثم تابع:— لكن بعض البشر طمعوا في أكثر من المعرفة. أرادوا السلطة. أرادوا أن يفتحوا كل الأبواب دفعة واحدة، ظنًا منهم أنهم سيصبحون سادة ما وراء العالم.نظر إلى سليمان.— فكانت الكارثة.أكمل سيد الظلال الحديث:— عندها اتفق الطرفان… أهل عالمكم، وأهل العوالم الأخرى، على إغلاق العتبات.قال سليمان:— ومن أغلق
كان سليمان يحدق في المفتاح الأسود، بينما بقيت العبارة تتردد في ذهنه:“الباب الأول فُتح… وبقي ستة.”لم يكن السؤال الذي يشغله هو: ما هذه الأبواب؟بل كان سؤالًا آخر، أكثر رعبًا:من الذي كتب تلك العبارة؟رفع رأسه إلى إلياس.— هل رأيت ما ظهر على المفتاح؟أومأ إلياس بصمت.— نعم.— ومن كتبها؟لم يجب.كانت عيناه معلقتين بالمفتاح، كأنهما تنظران إلى شيء لا يراه سليمان.بعد لحظات قال بصوت خافت:— لم يكتبها أحد…لقد استيقظت.اهتزت الأرض تحت أقدامهم.لكنها لم تكن هزة تشبه الزلازل.بل كانت أشبه بنبضة قلب هائلة، خرجت من أعماق القصر.دقة واحدة…ثم سكون.وبعدها…دقة ثانية…ومع كل نبضة، كانت الجدران الحجرية تتنفس.تتمدد قليلًا…ثم تعود إلى مكانها.نظر سليمان حوله.الكتب على الرفوف بدأت تهتز.الشموع انطفأت من تلقاء نفسها.والهواء صار أثقل، حتى أصبح التنفس يحتاج إلى جهد.قال إلياس بلهجة لم يسمعها منه من قبل:— لقد استيقظ القصر.فجأة…تلاشى كل شيء.الطاولة.الكتب.الغرفة.حتى إلياس اختفى.وجد سليمان نفسه واقفًا في ممر طويل لا يرى نهايته.كانت الجدران مغطاة بأبواب متقابلة.سبعة أبواب.كلها سوداء.إلا بابًا
الفصل السابع: الباب الذي نسيه الزمنوقف سليمان مشدوهًا، بينما بقيت الكلمات الأخيرة تتردد في رأسه:“لقد جئت إلى هنا قبل أربعين عامًا…”لم يشعر بالخوف بقدر ما شعر بالغضب.كان الغضب بالنسبة إليه ملاذًا يلجأ إليه كلما عجز عن فهم ما يحدث حوله.قبض على المفتاح الأسود بقوة، حتى ابيضت مفاصل أصابعه، وقال بصوت حاد:— كفى! من أنتما؟ وما هذه المسرحية؟ وكيف تعرفان تفاصيل حياتي؟لم يجب الكائن مباشرة، بل أخذ يدور حول الطاولة بخطوات هادئة، كصياد لا يخشى فريسته.أما إلياس، فبقي صامتًا، يراقب سليمان بعينين يختلط فيهما الأسف بالترقب.قال الكائن أخيرًا:— أنت تظن أن الذاكرة هي كل ما عشته، لكن الإنسان ينسى أكثر مما يتذكر. والعقل، حين يعجز عن احتمال بعض الأحداث، يدفنها في أعمق مكان يستطيع الوصول إليه.ابتسم سليمان بسخرية.— وهل أصبحت الآن طبيبًا نفسيًا أيضًا؟قال الكائن:— لا… أنا شاهد.اقترب حتى صار أمام سليمان مباشرة، ثم رفع إصبعه الطويل نحو جبينه.— أخبرني… هل تذكر أول مرة رأيت فيها والدك يبكي؟تغير وجه سليمان فجأة.ارتبك.بحث في ذاكرته.لم يجد شيئًا.كان يتذكر والده رجلًا صارمًا، لا يرفع صوته إلا نادرً
الفصل السادس: حارس العتبةانطفأت آخر شمعةانطفأت آخر شمعة.ولم يبقَ في الغرفة سوى وهجٍ خافت ينبعث من المفتاح الأسود، الراقد على الطاولة كجمرةٍ لم يطفئها الزمن.ساد ظلام كثيف.لم يكن ظلامًا يحجب الرؤية فحسب، بل كان يخنق الأصوات أيضًا.لم يعد سليمان يسمع أنفاسه.ولا دقات قلبه.ولا حتى الريح التي كانت تعصف خارج القصر قبل لحظات.ثم…عاد ذلك الصوت.“أعدْ إلينا… الوريث.”هذه المرة كان أقرب.كأنه خرج من داخل أذن سليمان.أغمض عينيه بقوة، ثم فتحهما.كان إلياس لا يزال واقفًا في مكانه، لكن ملامحه تغيرت.لم يعد يبدو كرجلٍ عجوز.استقام ظهره.واختفت التجاعيد من وجهه.وعادت إليه هيئة الرجل الذي لا يعرف الهزيمة.قال بصوت جهوري:— لن تأخذوه.اهتزت الجدران.وردّ الصوت من الظلام:— ليس لك أن تمنعنا… لقد انتهى عهدك.أمسك إلياس المفتاح الأسود، ووضعه في يد سليمان.كان باردًا ببرودة الحديد المدفون تحت الأرض.قال بسرعة:— اسمعني جيدًا، فلم يبقَ لدينا وقت.نظر إليه سليمان، وقد اختلط عليه الخوف بالغضب.— أريد الحقيقة.قال إلياس:— الحقيقة لا تُقال دفعةً واحدة… وإلا قتلت صاحبها.ثم تابع:— منذ قرون، اكتشف بعض ا