LOGINالفصل الرابع:
لم تنم ليان تلك الليلة إلا ساعات قليلة. كلما أغلقت عينيها عادت الرسالة إلى رأسها: "ومتقوليش لآدم إني كلمتك." كانت تحاول إقناع نفسها بأنها مجرد مشكلة عادية، ربما شخص يريد أن يحذرها منه، وربما فتاة تعرفه من قبل، وربما مجرد شخص يحاول افتعال مشكلة. لكن عقلها لم يتوقف عن طرح الأسئلة. لماذا هي تحديدًا؟ ولماذا آدم؟ والأهم، لماذا طلبت منها ألا تخبره؟ في الصباح ارتدت ملابسها بهدوء غير معتاد، ووقفت أمام المرآة وهي تفكر في شيء واحد: هل تذهب إلى البوابة الخلفية فعلًا أم تتجاهل الأمر؟ كانت تعرف أن الفضول قد يوقعها في مشاكل، لكنها كانت تعرف نفسها أيضًا. إذا تجاهلت الرسالة، ستقضي اليوم كله تتساءل عما كان يمكن أن يحدث لو ذهبت. أخذت حقيبتها وخرجت.
وصلت الجامعة قبل موعد المحاضرة بوقت قصير. كانت مريم ونور تنتظرانها أمام الكلية. بمجرد أن اقتربت منهما، لاحظت مريم أن هناك شيئًا غريبًا في وجهها. "إنتِ كويسة؟" "آه." "متأكدة؟" "آه يا مريم." نظرت نور إليها وقالت: "وشك مش وش واحدة كويسة." ضحكت ليان محاولة تغيير الموضوع: "أنا بس مصدعة." لم تقتنع مريم، لكنها لم تضغط عليها. دخلن المدرج، وبعد دقائق وصل آدم ويوسف. التقت عينا آدم بعيني ليان للحظة، فخفضت نظرها بسرعة. لاحظ آدم ذلك، لكنه لم يقل شيئًا.
بدأت المحاضرة، لكن ليان لم تستوعب نصف ما قيل. كانت عيناها تتحركان بين السبورة والساعة. كل دقيقة تمر كانت تقربها من موعد اللقاء. وبعد انتهاء المحاضرة، بدأ الطلاب يخرجون. قالت مريم: "هنروح الكافيتيريا؟" أجابتها ليان بسرعة: "روحي إنتِ، أنا عندي حاجة." رفعت مريم حاجبها. "حاجة إيه؟" "هخلصها وأجيلكم." "ليان..." "مريم، لو سمحتي." نظرت إليها مريم طويلًا ثم قالت: "ماشي، بس لو في حاجة قوليلي." هزت ليان رأسها ومشت.
خرجت من المبنى واتجهت نحو البوابة الخلفية. كان المكان أقل ازدحامًا من البوابة الرئيسية، وفيه حديقة صغيرة وممر جانبي يستخدمه الموظفون والطلاب أحيانًا. وقفت ليان وهي تمسك هاتفها بقوة. مرت خمس دقائق. ثم عشر. بدأت تشعر بأنها وقعت في فخ غبي. أخرجت هاتفها لتغادر، وفجأة سمعت صوتًا خلفها: "ليان؟"
التفتت.
كانت فتاة تقف على بعد خطوات منها. لم تكن تعرفها جيدًا، لكنها رأت وجهها من قبل في الجامعة. كانت طويلة نسبيًا، شعرها بني طويل، وترتدي حقيبة سوداء. قالت: "أنا نادين." ظلت ليان تنظر إليها. "إنتِ اللي بعتِ الرسالة؟" "أيوه." "إيه الموضوع؟" نظرت نادين حولها قبل أن تقترب. "الموضوع عن آدم." شعرت ليان بتوتر في صدرها. "إيه اللي حصل؟" "أنا مش جاية أتكلم عنه بشكل وحش." "أمال؟" سكتت نادين قليلًا ثم قالت: "آدم مش زي ما إنتِ فاكرة."
ضحكت ليان بقلق. "يعني إيه مش زي ما أنا فاكرة؟" "يعني فيه حاجات حصلت قبل ما يدخل الجامعة، وحاجات هو مش بيحكي عنها لأي حد." "وده يخصني في إيه؟" "ولا حاجة، لو علاقتك بيه سطحية." رفعت ليان حاجبها. "وإنتِ جايالي ليه؟" نظرت نادين إليها مباشرة. "عشان بدأت أشوفك معاه كتير."
ساد الصمت.
قالت ليان: "إحنا أصحاب." ابتسمت نادين ابتسامة صغيرة. "أنا عارفة." "طب؟" "أنا بس عايزاكي تبقي حذرة." "من آدم؟" "من الماضي اللي وراه." "إنتِ تعرفيه منين؟" لم تجب نادين فورًا. قالت أخيرًا: "كنا في نفس المدرسة."
شعرت ليان بالدهشة. "إنتِ وآدم؟" "أيوه." "وليه متكلمتيش قدام الناس؟" "عشان هو مش عايز حد يعرف." "ليه؟" نظرت نادين إلى الأرض. "لأن فيه شخص مات."
توقفت ليان عن التنفس لثانية.
"مات؟"
رفعت نادين عينيها وقالت: "أيوه."
لم تستطع ليان الرد. قالت نادين بسرعة: "أنا مش بقول إنه السبب. بالعكس، هو حاول يساعد. بس الحادثة غيرته."
"حادثة إيه؟"
"مش هقدر أقول أكتر من كده."
"إنتِ اللي بعتِلي عشان تقوليلي الكلام ده وبعدين مش هتقولي؟"
"لأن الباقي لازم تسمعيه منه."
"طب ليه أنا؟"
نظرت إليها نادين طويلًا. "لأنك قريبة منه."
"إحنا مش قريبين."
"يمكن إنتِ مش ملاحظة."
ثم ابتعدت.
نادتها ليان: "استني."
توقفت نادين دون أن تلتفت.
"هو يعرف إنك هنا؟"
"لا."
"ومتأكدة إنك مش بتعملي مشكلة؟"
"أنا حذرتك بس."
ثم مشت وتركتها.
وقفت ليان مكانها وهي تشعر أن رأسها أصبح أثقل من قبل. لم تكن تعرف ماذا تفعل بهذه المعلومة. مات شخص؟ حادثة؟ آدم حاول يساعد؟ لماذا لم يخبر أحدًا؟ ولماذا بدا وجهه في الأيام الأخيرة أحيانًا وكأنه يحمل شيئًا أثقل من عمره؟
عندما عادت إلى الكافيتيريا، كانت مريم تنتظرها مع نور ويوسف. قال يوسف: "إحنا افتكرنا إنك هربتي من الجامعة." حاولت ليان الابتسام. "لا." نظرت إليها مريم فورًا. "إيه اللي حصل؟" "مفيش." "ليان." "بعدين." جلست بجانبها، لكنها لم تستطع المشاركة في الحديث. وبعد دقائق جاء آدم. جلس مقابلها وقال: "إنتِ كنتِ فين؟" رفعت عينيها إليه. للحظة أرادت أن تسأله. أرادت أن تقول له: "مين الشخص اللي مات؟ وإيه اللي حصل؟" لكنها تذكرت وعدها لنادين.
"كنت بتمشى."
"لوحدك؟"
"آه."
ظل ينظر إليها للحظات، ثم قال: "إنتِ غريبة النهارده."
"أنا؟"
"آه."
ابتسمت ابتسامة مصطنعة. "مفيش."
لم يقتنع.
في تلك اللحظة دخلت سارة إلى الكافيتيريا، ولمحت المجموعة. اتجهت نحوهم وجلست. بدأت تتحدث عن الاختبار القادم، لكن ليان كانت شاردة. بعد دقائق لاحظت سارة نظرات آدم إليها، ثم نظراته إلى ليان. لم يعجبها الأمر.
قالت فجأة: "على فكرة يا آدم، نادين رجعت تظهر في الجامعة."
تغير وجهه فورًا.
لمحت ليان ذلك.
"نادين؟" سأل يوسف.
"أيوه." أجابت سارة. "شوفتها عند البوابة من شوية."
لم يرد آدم.
قالت ليان: "إنت تعرفها؟"
نظر إليها.
كان هناك شيء في عينيه لم تره من قبل.
"أيوه."
"من المدرسة؟"
توقف.
"مين قالك؟"
ارتبكت.
"يعني... سمعت اسمها."
ظل ينظر إليها.
"ليان، مين قالك عنها؟"
"محدش."
"بلاش تكذبي."
قالها بهدوء، لكن نبرته جعلتها تنزعج.
قالت مريم: "آدم، اهدى."
رد عليها: "أنا بس بسأل."
ثم نظر إلى ليان مرة أخرى.
"قابلتيها؟"
لم تجب.
عرف الإجابة من صمتها.
وقف من مكانه.
"تعالي."
"فين؟"
"عايز أتكلم معاكي."
قالت مريم: "لو مش عايزة تروحي متروحيش."
لكن ليان وقفت.
خرجت معه إلى الممر.
كان صامتًا حتى ابتعدا عن الكافيتيريا.
قال: "هي قالتلك إيه؟"
"ولا حاجة."
"ليان."
"قالت إنك كنت تعرفها من المدرسة."
"وبس؟"
ترددت.
"وقالت إن حصلت حادثة."
أغمض آدم عينيه للحظة.
ثم فتحهما وقال: "كان لازم متسمعيش منها."
"ليه؟"
"لأنها مش صاحبة الموضوع."
"وأنت صاحبه؟"
"أيوه."
"طب احكيلي."
نظر إليها.
"مش دلوقتي."
"ليه؟"
"لأنك مش مستعدة."
"إنت بتقرر أنا مستعدة لإيه؟"
"أنا عارف."
"إنت مش عارفني."
صمت.
كانت الجملة أصابته أكثر مما توقعت.
قال بهدوء: "يمكن."
ثم استدار ومشى.
نظرت ليان إلى ظهره وشعرت بالندم، لكنها لم تلحق به.
في ذلك المساء، لم يتحدثا.
لم يرسل لها رسالة.
ولم تفتح هي مجموعة الأصدقاء.
مرت الأيام التالية ببرود غريب. كان آدم يتعامل مع الجميع طبيعيًا، لكنه لم يكن يتحدث مع ليان إلا للضرورة. كانت تحاول إقناع نفسها أن الأمر لا يهم، لكنها كانت تلاحظ غيابه. وعندما يدخل المدرج كانت عيناها تبحثان عنه دون أن تشعر.
أما مريم، فقد بدأت تشك.
"إنتِ وآدم متخانقين؟"
"لا."
"واضح."
"مفيش حاجة."
"أنتِ بتحبي تقولي مفيش حاجة لما يكون فيه مليون حاجة."
ضحكت ليان. "مش عايزة أتكلم."
هزت مريم رأسها. "لما تحبي."
في أحد الأيام، كان عليهم العودة إلى المستشفى للتدريب. دخلوا قسم الطوارئ هذه المرة. كان المكان أكثر ازدحامًا من قسم الباطنة. أصوات المرضى، حركة الممرضين، أسرّة تدخل وتخرج، وأطباء يركضون بين الغرف. وقف دكتور سامر أمامهم وقال: "النهارده هتشوفوا الجانب اللي مفيهوش وقت طويل للتفكير."
بدأوا الجولة.
فجأة دخلت حالة طارئة. تحرك الفريق بسرعة. طلب الطبيب من الطلاب الابتعاد ومراقبة ما يحدث. كانت ليان واقفة بجانب مريم، لكنها لم تستطع أن تمنع نفسها من النظر.
كان شاب في العشرينات تقريبًا، مصابًا بعد حادث سيارة. وجهه شاحب، وملابسه ملطخة بالدماء. شعرت ليان بأن معدتها انقبضت.
قالت مريم: "ليان، متبصيش."
لكن ليان ظلت مكانها.
بدأ الأطباء في التعامل مع الحالة بسرعة. لم يكن هناك وقت للارتباك.
كانت أصواتهم حادة وسريعة.
"ضغطه؟"
"منخفض."
"أكسجين."
"جهزوا المحاليل."
كانت ليان تشاهد كل شيء، ويداها باردتان.
ثم سمعت صوتًا خلفها.
"ابعدي."
كان آدم.
لم تنتبه أنه كان بجانبها.
أمسك بذراعها وأبعدها خطوة عندما اندفع أحد الممرضين.
نظرت إليه.
كان وجهه شاحبًا.
هو أيضًا كان متوترًا.
لكن عينيه كانتا مثبتتين على المريض.
بعد دقائق، هدأ الموقف قليلًا.
قال الطبيب للطلاب: "اخرجوا."
خرجوا إلى الممر.
جلست ليان على أقرب كرسي.
قالت مريم: "إنتِ كويسة؟"
هزت رأسها.
"آه."
جلس آدم أمامها.
"متبصيش كده."
نظرت إليه.
"إزاي؟"
"كأنك هتقعي."
"أنا مش هقع."
"إيدك بتترعش."
نظرت إلى يدها.
كانت فعلًا ترتعش.
قالت: "وأنت إيدك كمان."
نظر إلى يده ثم ابتسم ابتسامة صغيرة.
"يبقى إحنا الاتنين خايفين."
كانت تلك الجملة كافية لتجعلها تضحك رغم توترها.
لكن بعد دقائق خرج الطبيب من الطوارئ.
لم يكن وجهه مطمئنًا.
قال لأحد الممرضين شيئًا، ثم عاد بسرعة.
لم يعرف الطلاب ماذا حدث، لكنهم فهموا أن الحالة لم تكن بخير.
في طريق عودتهم، لم يتحدث أحد.
وفي المساء، وصل خبر إلى مجموعة الدفعة بأن الشاب توفي.
قرأت ليان الرسالة، وشعرت ببرودة تسري في جسدها.
كانت قد رأته قبل ساعات فقط.
كان شخصًا حيًا.
ثم لم يعد موجودًا.
وضعت الهاتف جانبًا.
بعد دقائق، رن هاتفها.
آدم.
ترددت قبل أن تجيب.
"ألو."
صوته جاء منخفضًا.
"عرفتي؟"
"آه."
"أنا مش عارف أقول إيه."
"ولا أنا."
سكتا.
ثم قال: "يمكن دلوقتي فهمتي ليه قلتلك إن المستشفى مش زي الكتب."
لم تعرف ماذا تقول.
بعد لحظة قالت: "آدم."
"همم؟"
"الحادثة اللي حصلتلك زمان... كانت شبه دي؟"
ساد صمت طويل.
حتى ظنت أنه أغلق الهاتف.
ثم قال: "أيوه."
توقفت أنفاسها.
"عايز تحكيلي؟"
"مش النهارده."
"طيب إمتى؟"
"لما أقدر."
"أنا هستنى."
لم يرد.
ثم قال: "متستنيش."
"ليه؟"
"عشان ممكن الموضوع ياخد وقت."
"أنا مش مستعجلة."
صمت مرة أخرى.
ثم قال: "تصبحي على خير يا ليان."
"وأنت من أهله."
أغلق الهاتف.
وضعت ليان الهاتف بجانبها.
لم تكن تعرف ما الذي حدث لآدم في الماضي، لكنها لأول مرة فهمت أن خلف هدوئه وثقته شخصًا يحمل شيئًا لم يستطع التخلص منه.
وفي اليوم التالي، دخل آدم الجامعة متأخرًا. كان وجهه مختلفًا.
وقف عند بوابة الكلية، فوجد نادين تنتظره.
نظر إليها طويلًا.
قال: "إنتِ ليه رجعتي؟"
ابتسمت بحزن.
"عشان أقولك إنك مش هتقدر تهرب طول عمرك."
"أنا مش بهرب."
"أمال بتعمل إيه؟"
لم يرد.
قالت نادين: "هي عرفت؟"
"جزء."
"وده السبب اللي كنت خايف منه."
"إنتِ مالك بيها؟"
"ولا حاجة."
"يبقى متدخليش في حياتي."
نظرت إليه وقالت: "أنا مش بدخل. أنا بس بحذرك."
"من إيه؟"
"من إن الماضي لوحده مش المشكلة."
سكت.
أكملت: "المشكلة إن الشخص اللي كان سبب الحادثة رجع."
تغير وجه آدم.
"مستحيل."
"أنا شفته."
"فين؟"
"هنا."
نظر آدم حوله.
ثم قال بصوت منخفض: "مين؟"
ابتسمت نادين ابتسامة صغيرة، وأخرجت هاتفها، وفتحت صورة.
تجمد آدم عندما رأى الوجه.
كان الشخص الذي ظن أنه لن يراه مرة أخرى.
وفي نفس اللحظة، كانت ليان تقف في أعلى الدرج، تراقب من بعيد دون أن تسمع شيئًا.
لم تكن تعرف من تكون نادين، ولا من في الصورة، لكنها رأت شيئًا واحدًا بوضوح.
الخوف.
لأول مرة رأت الخوف الحقيقي في عيني آدم.
وعرفت أن السر الذي يخفيه أكبر بكثير مما أخبرها به.
والامتحان هيخلص." ثم أضاف: "لكن صحتك لو أهملتيها ممكن تدفعك تمن أكبر." خرجت ليان وهي تفكر. كان الطب أحيانًا لا يتعلق بإنقاذ شخص من الموت. أحيانًا يتعلق بمنع شخص من الوصول إلى مرحلة خطيرة. في الجامعة، كان يوسف يواجه مشكلة مختلفة. كان لديه عرض مهم، لكن أحد أعضاء الفريق لم يكن يقوم بدوره. قال يوسف: "أنا مش هعمل شغله." قالت نور: "طب هتعمل إيه؟" "هسيبه." "والعرض؟" "يتصرف." قالت: "يبقى أنت هتعاقب نفسك معاه." سكت. "طب أعمل إيه؟" "كلمه." ذهب يوسف إلى زميله. قال: "إنت مش عامل الجزء بتاعك." "عارف." "طب ليه؟" "عندي مشكلة في البيت." سكت يوسف. لم يتوقع ذلك. "كان ممكن تقول." "مش بحب أقول." "طيب خلينا نحلها." جلسا معًا، وقسما المهمة. عاد يوسف إلى المجموعة. قالت نور: "إيه اللي حصل؟" "حليناها." "من غير خناقة؟" "من غير." ابتسمت. "كبرت." "مش قوي." ضحكت. أما مريم، فكانت تدرس موضوعًا جديدًا في البحث. بدأت تهتم بالصحة النفسية لطلاب الطب. كانت ترى كيف يتحدث الجميع عن المذاكرة والدرجات، بينما نادرًا ما يتحدث أحد عن الضغط النفسي. عرضت فكرتها على الدكتور عمر. استمع إليها. ثم قال: "مهمة." "بس؟" "مهمة وصعبة." "ل
قال بهدوء: "أنا كمان خايف." كانت أول مرة يعترف فيها بذلك. لم تقل شيئًا. لكن المكالمة استمرت طويلًا. في نهاية الشهر، بدأ آدم يستعد للعودة. كان قد تعلم الكثير. وأصبح أكثر ثقة في نفسه. لكن قبل عودته بيوم، حدث شيء لم يكن في حسابه. طلب منه الطبيب المسؤول أن يحضر اجتماعًا صغيرًا. جلس أمامه. قال الطبيب: "إنت عندك قدرة كويسة." "شكرًا." "وعايز أعرض عليك فرصة." رفع آدم عينيه. "إيه؟" "ممكن تكمل معنا فترة أطول." توقف. كان العرض مغريًا. تدريب إضافي. خبرة أكبر. وعلاقات مهنية قد تفيده في المستقبل. لكن ذلك يعني تأجيل عودته. قال: "قد إيه؟" "شهرين إضافيين." سكت. ثم قال: "محتاج أفكر." "فكر." خرج آدم من المكتب. أول شخص فكر فيه كان ليان. اتصل بها. "فاضية؟" "آه." "عندي حاجة." "خير؟" حكى لها. سكتت. قال: "قولي رأيك." "إنت عايز إيه؟" "مش عارف." "لأ. إنت عارف." تنهد. "نفسي أكمل." "يبقى كمل." "بس..." "مفيش بس." "إنتِ مش هتزعلي؟" "هزعل." صمت. ثم قالت: "بس مش هطلب منك تسيب فرصة عشان أنا." أغمض عينيه. "أنا بحبك." سكتت. كانت الجملة هذه المرة مختلفة. لم تكن تلميحًا. ولا مزحة. ولا اعترافًا نصف واضح. كانت مباشرة. قالت
عندما تبدلت الأدوار لم تستطع ليان أن تمنع نفسها من الضحك وهي تنظر إلى آدم. قالت: "يعني أنا رجعت عشان ألاقيك مسافر؟" ابتسم: "تقريبًا." "طب ماشي." "زعلانة؟" "لأ." "كدابة." "أنا؟ مستحيل." ضحك يوسف من خلفهما. "إحنا ممكن نمشي ونسيبكم تتخانقوا براحتكم." التفتت ليان إليه. "محدش طلب منك تتكلم." قال يوسف: "أنا مجرد شاهد." قالت نور: "شاهد على إيه؟" "على إن الاتنين دول محتاجين يتعلموا إن التوقيت مش دايمًا بيكون في صالحهم." ضحك الجميع، بينما اكتفت ليان بالنظر إلى آدم. كانت سعيدة من أجله، لكنها لم تستطع تجاهل ذلك الشعور الغريب الذي تسلل إليها. بعد أسابيع من البعد، كانت تتمنى أن تستعيد الأيام التي كانا يلتقيان فيها كل يوم، والآن سيبدأ هو رحلة جديدة في المكان الذي عاشت فيه هي أصعب وأهم أسابيع تدريبها. قالت: "إمتى مسافر؟" "بعد ثلاثة أيام." "هتفضل هناك قد إيه؟" "شهر." تنفست ببطء. "شهر واحد." "آه." "كويس." "مش باين." ضحكت. "أنا بس لسه راجعة." في تلك الليلة، عادت ليان إلى منزلها وهي تحمل حقيبتها الصغيرة. كانت والدتها تنتظرها في غرفة المعيشة. "تعالي هنا." احتضنتها طويلًا. "وحشتيني." "وإنتِ كمان." جلست ل
كتبت له: "إنت مشغول؟" تأخر في الرد. بعد ساعتين كتب: "آسف، اليوم كان طويل." "ولا يهمك." "إنتِ كويسة؟" "آه." لم تكتب أكثر. كانت تريد أن تقول له إنها تفتقده. لكنه لم يسأل. وفي الجهة الأخرى، كان رامي يجلس وحده بعد يوم طويل. فتح محادثتها. كتب: "أنا مش عارف أتكلم زي الأول." ثم مسح الرسالة. لم يكن يعرف هل السبب المسافة أم الضغط أم خوفه من أن يبدأ علاقة لا يعرف كيف يحافظ عليها. في منتصف تدريب ليان، حدث موقف جعلها تتذكر لماذا اختارت الطب. دخلت طفلة صغيرة إلى القسم مع والدها. كانت خائفة جدًا من المستشفى. اقتربت منها ليان. "اسمك إيه؟" اختبأت خلف والدها. قال الأب: "اسمها ملك." "ملك؟ اسم جميل." نظرت إليها الطفلة. أخرجت ليان قلمًا صغيرًا من جيبها. "تحبي نرسم؟" ترددت. ثم أخذت القلم. بدأت ترسم. بعد دقائق، هدأت. قال الأب: "أنا مش عارف أشكرك إزاي." قالت ليان: "هي بس كانت محتاجة حد يطمنها." في نهاية اليوم، قال لها الطبيب: "إنتِ عندك حاجة مهمة." "إيه؟" "بتعرفي تخلي المريض يحس إنه إنسان مش رقم." ابتسمت. "دي حاجة كويسة؟" "دي من أهم الحاجات." تلك الليلة، اتصلت بوالدتها. حكت لها عن يومها. ثم اتصلت بآدم. قالت
الفصل الثلاثون: المسافة التي كشفت أشياء كثيرة لم تكن ليان تعرف أن بعض القرارات لا تخيفنا بسبب القرار نفسه، وإنما بسبب الأشياء التي قد تتغير بعده. منذ أن وافقت على التدريب خارج الجامعة، وهي تتحرك بين الحماس والقلق. كانت تتخيل المستشفى الجديد، الأطباء الذين ستتعلم منهم، الحالات المختلفة، والمهارات التي يمكن أن تكتسبها، ثم فجأة تتذكر أنها ستبتعد شهرين كاملين عن كل شيء اعتادت عليه. عن الجامعة. عن أصدقائها. وعن آدم. في صباح السفر، وقفت أمام المرآة ترتب حقيبتها للمرة الأخيرة. دخلت والدتها الغرفة وقالت: "خلصتي؟" "تقريبًا." نظرت الأم إلى الحقيبة. "إنتِ واخدة نص البيت معاكي؟" ضحكت ليان. "شهرين يا ماما." "شهرين مش سنة." "أنا بحب أكون مستعدة." ابتسمت والدتها. "أهم حاجة تكوني مستعدة نفسيًا." سكتت ليان. كانت هذه تحديدًا المشكلة. في نفس الوقت، كان آدم يجلس أمام والده. قال والده: "فكرّت في كلامي؟" "أيوه." "والنتيجة؟" "هكمل طب." تنهد والده. "إنت مصمم؟" "آه." "حتى لو الطريق طويل؟" "حتى لو." سكت والده طويلًا. ثم قال: "أنا مش ضدك." نظر آدم إليه. "أمال؟" "أنا خايف عليك." كانت الجملة أبسط مما توقع. "من إي
مع إحدى الحالات التدريبية. قال يوسف: "لازم نتحرك أسرع." ردت ليان: "بس ناقصنا معلومات." "هنضيع وقت." "ولو استعجلنا هنغلط." تدخل آدم: "خلونا نقسمها." نظر إليه يوسف. "إزاي؟" "إنت تجمع المعلومات، ليان تراجع الحالة، وأنا أرتب الخطوات." قالت نور: "وأنا هكتب." هدأ الخلاف. بعد انتهاء التدريب، قال يوسف لليان: "أنا آسف." نظرت إليه. "على إيه؟" "كنت متوتر." ابتسمت. "وأنا كمان." قال: "بس إنتِ عندك حق." "وإنت عندك حق في نقطة السرعة." ابتسم. "يبقى اتعلمنا." في تلك الليلة، وصل اتصال إلى مريم من رامي. ترددت قبل أن تجيب. "ألو؟" "إزيك؟" "كويسة." "أنا رجعت المدينة يومين." اتسعت عيناها. "رجعت؟" "أيوه." "ليه ما قلتش؟" ضحك. "كنت عايز أفاجئكم." "إنت مجنون." "عارف." "هتقابلنا؟" "أكيد." في اليوم التالي، دخل رامي الجامعة فجأة. كان يوسف أول من رآه. صرخ: "رامي!" التفت الجميع. ركض يوسف نحوه واحتضنه. "إيه يا عم؟" "وحشتوني." قالت نور: "اختفيت." "أسبوعين بس." قالت: "بالنسبة لنا كتير." أما مريم، فكانت واقفة بعيدًا. اقترب منها. "إزيك؟" "كويسة." "بس؟" "بس." ابتسم. "وحشتيني." خفضت عينيها. "إنت كمان." لم يحتج أي منهما إلى






