LOGINالفصل الرابع:
لم تنم ليان تلك الليلة إلا ساعات قليلة. كلما أغلقت عينيها عادت الرسالة إلى رأسها: "ومتقوليش لآدم إني كلمتك." كانت تحاول إقناع نفسها بأنها مجرد مشكلة عادية، ربما شخص يريد أن يحذرها منه، وربما فتاة تعرفه من قبل، وربما مجرد شخص يحاول افتعال مشكلة. لكن عقلها لم يتوقف عن طرح الأسئلة. لماذا هي تحديدًا؟ ولماذا آدم؟ والأهم، لماذا طلبت منها ألا تخبره؟ في الصباح ارتدت ملابسها بهدوء غير معتاد، ووقفت أمام المرآة وهي تفكر في شيء واحد: هل تذهب إلى البوابة الخلفية فعلًا أم تتجاهل الأمر؟ كانت تعرف أن الفضول قد يوقعها في مشاكل، لكنها كانت تعرف نفسها أيضًا. إذا تجاهلت الرسالة، ستقضي اليوم كله تتساءل عما كان يمكن أن يحدث لو ذهبت. أخذت حقيبتها وخرجت.
وصلت الجامعة قبل موعد المحاضرة بوقت قصير. كانت مريم ونور تنتظرانها أمام الكلية. بمجرد أن اقتربت منهما، لاحظت مريم أن هناك شيئًا غريبًا في وجهها. "إنتِ كويسة؟" "آه." "متأكدة؟" "آه يا مريم." نظرت نور إليها وقالت: "وشك مش وش واحدة كويسة." ضحكت ليان محاولة تغيير الموضوع: "أنا بس مصدعة." لم تقتنع مريم، لكنها لم تضغط عليها. دخلن المدرج، وبعد دقائق وصل آدم ويوسف. التقت عينا آدم بعيني ليان للحظة، فخفضت نظرها بسرعة. لاحظ آدم ذلك، لكنه لم يقل شيئًا.
بدأت المحاضرة، لكن ليان لم تستوعب نصف ما قيل. كانت عيناها تتحركان بين السبورة والساعة. كل دقيقة تمر كانت تقربها من موعد اللقاء. وبعد انتهاء المحاضرة، بدأ الطلاب يخرجون. قالت مريم: "هنروح الكافيتيريا؟" أجابتها ليان بسرعة: "روحي إنتِ، أنا عندي حاجة." رفعت مريم حاجبها. "حاجة إيه؟" "هخلصها وأجيلكم." "ليان..." "مريم، لو سمحتي." نظرت إليها مريم طويلًا ثم قالت: "ماشي، بس لو في حاجة قوليلي." هزت ليان رأسها ومشت.
خرجت من المبنى واتجهت نحو البوابة الخلفية. كان المكان أقل ازدحامًا من البوابة الرئيسية، وفيه حديقة صغيرة وممر جانبي يستخدمه الموظفون والطلاب أحيانًا. وقفت ليان وهي تمسك هاتفها بقوة. مرت خمس دقائق. ثم عشر. بدأت تشعر بأنها وقعت في فخ غبي. أخرجت هاتفها لتغادر، وفجأة سمعت صوتًا خلفها: "ليان؟"
التفتت.
كانت فتاة تقف على بعد خطوات منها. لم تكن تعرفها جيدًا، لكنها رأت وجهها من قبل في الجامعة. كانت طويلة نسبيًا، شعرها بني طويل، وترتدي حقيبة سوداء. قالت: "أنا نادين." ظلت ليان تنظر إليها. "إنتِ اللي بعتِ الرسالة؟" "أيوه." "إيه الموضوع؟" نظرت نادين حولها قبل أن تقترب. "الموضوع عن آدم." شعرت ليان بتوتر في صدرها. "إيه اللي حصل؟" "أنا مش جاية أتكلم عنه بشكل وحش." "أمال؟" سكتت نادين قليلًا ثم قالت: "آدم مش زي ما إنتِ فاكرة."
ضحكت ليان بقلق. "يعني إيه مش زي ما أنا فاكرة؟" "يعني فيه حاجات حصلت قبل ما يدخل الجامعة، وحاجات هو مش بيحكي عنها لأي حد." "وده يخصني في إيه؟" "ولا حاجة، لو علاقتك بيه سطحية." رفعت ليان حاجبها. "وإنتِ جايالي ليه؟" نظرت نادين إليها مباشرة. "عشان بدأت أشوفك معاه كتير."
ساد الصمت.
قالت ليان: "إحنا أصحاب." ابتسمت نادين ابتسامة صغيرة. "أنا عارفة." "طب؟" "أنا بس عايزاكي تبقي حذرة." "من آدم؟" "من الماضي اللي وراه." "إنتِ تعرفيه منين؟" لم تجب نادين فورًا. قالت أخيرًا: "كنا في نفس المدرسة."
شعرت ليان بالدهشة. "إنتِ وآدم؟" "أيوه." "وليه متكلمتيش قدام الناس؟" "عشان هو مش عايز حد يعرف." "ليه؟" نظرت نادين إلى الأرض. "لأن فيه شخص مات."
توقفت ليان عن التنفس لثانية.
"مات؟"
رفعت نادين عينيها وقالت: "أيوه."
لم تستطع ليان الرد. قالت نادين بسرعة: "أنا مش بقول إنه السبب. بالعكس، هو حاول يساعد. بس الحادثة غيرته."
"حادثة إيه؟"
"مش هقدر أقول أكتر من كده."
"إنتِ اللي بعتِلي عشان تقوليلي الكلام ده وبعدين مش هتقولي؟"
"لأن الباقي لازم تسمعيه منه."
"طب ليه أنا؟"
نظرت إليها نادين طويلًا. "لأنك قريبة منه."
"إحنا مش قريبين."
"يمكن إنتِ مش ملاحظة."
ثم ابتعدت.
نادتها ليان: "استني."
توقفت نادين دون أن تلتفت.
"هو يعرف إنك هنا؟"
"لا."
"ومتأكدة إنك مش بتعملي مشكلة؟"
"أنا حذرتك بس."
ثم مشت وتركتها.
وقفت ليان مكانها وهي تشعر أن رأسها أصبح أثقل من قبل. لم تكن تعرف ماذا تفعل بهذه المعلومة. مات شخص؟ حادثة؟ آدم حاول يساعد؟ لماذا لم يخبر أحدًا؟ ولماذا بدا وجهه في الأيام الأخيرة أحيانًا وكأنه يحمل شيئًا أثقل من عمره؟
عندما عادت إلى الكافيتيريا، كانت مريم تنتظرها مع نور ويوسف. قال يوسف: "إحنا افتكرنا إنك هربتي من الجامعة." حاولت ليان الابتسام. "لا." نظرت إليها مريم فورًا. "إيه اللي حصل؟" "مفيش." "ليان." "بعدين." جلست بجانبها، لكنها لم تستطع المشاركة في الحديث. وبعد دقائق جاء آدم. جلس مقابلها وقال: "إنتِ كنتِ فين؟" رفعت عينيها إليه. للحظة أرادت أن تسأله. أرادت أن تقول له: "مين الشخص اللي مات؟ وإيه اللي حصل؟" لكنها تذكرت وعدها لنادين.
"كنت بتمشى."
"لوحدك؟"
"آه."
ظل ينظر إليها للحظات، ثم قال: "إنتِ غريبة النهارده."
"أنا؟"
"آه."
ابتسمت ابتسامة مصطنعة. "مفيش."
لم يقتنع.
في تلك اللحظة دخلت سارة إلى الكافيتيريا، ولمحت المجموعة. اتجهت نحوهم وجلست. بدأت تتحدث عن الاختبار القادم، لكن ليان كانت شاردة. بعد دقائق لاحظت سارة نظرات آدم إليها، ثم نظراته إلى ليان. لم يعجبها الأمر.
قالت فجأة: "على فكرة يا آدم، نادين رجعت تظهر في الجامعة."
تغير وجهه فورًا.
لمحت ليان ذلك.
"نادين؟" سأل يوسف.
"أيوه." أجابت سارة. "شوفتها عند البوابة من شوية."
لم يرد آدم.
قالت ليان: "إنت تعرفها؟"
نظر إليها.
كان هناك شيء في عينيه لم تره من قبل.
"أيوه."
"من المدرسة؟"
توقف.
"مين قالك؟"
ارتبكت.
"يعني... سمعت اسمها."
ظل ينظر إليها.
"ليان، مين قالك عنها؟"
"محدش."
"بلاش تكذبي."
قالها بهدوء، لكن نبرته جعلتها تنزعج.
قالت مريم: "آدم، اهدى."
رد عليها: "أنا بس بسأل."
ثم نظر إلى ليان مرة أخرى.
"قابلتيها؟"
لم تجب.
عرف الإجابة من صمتها.
وقف من مكانه.
"تعالي."
"فين؟"
"عايز أتكلم معاكي."
قالت مريم: "لو مش عايزة تروحي متروحيش."
لكن ليان وقفت.
خرجت معه إلى الممر.
كان صامتًا حتى ابتعدا عن الكافيتيريا.
قال: "هي قالتلك إيه؟"
"ولا حاجة."
"ليان."
"قالت إنك كنت تعرفها من المدرسة."
"وبس؟"
ترددت.
"وقالت إن حصلت حادثة."
أغمض آدم عينيه للحظة.
ثم فتحهما وقال: "كان لازم متسمعيش منها."
"ليه؟"
"لأنها مش صاحبة الموضوع."
"وأنت صاحبه؟"
"أيوه."
"طب احكيلي."
نظر إليها.
"مش دلوقتي."
"ليه؟"
"لأنك مش مستعدة."
"إنت بتقرر أنا مستعدة لإيه؟"
"أنا عارف."
"إنت مش عارفني."
صمت.
كانت الجملة أصابته أكثر مما توقعت.
قال بهدوء: "يمكن."
ثم استدار ومشى.
نظرت ليان إلى ظهره وشعرت بالندم، لكنها لم تلحق به.
في ذلك المساء، لم يتحدثا.
لم يرسل لها رسالة.
ولم تفتح هي مجموعة الأصدقاء.
مرت الأيام التالية ببرود غريب. كان آدم يتعامل مع الجميع طبيعيًا، لكنه لم يكن يتحدث مع ليان إلا للضرورة. كانت تحاول إقناع نفسها أن الأمر لا يهم، لكنها كانت تلاحظ غيابه. وعندما يدخل المدرج كانت عيناها تبحثان عنه دون أن تشعر.
أما مريم، فقد بدأت تشك.
"إنتِ وآدم متخانقين؟"
"لا."
"واضح."
"مفيش حاجة."
"أنتِ بتحبي تقولي مفيش حاجة لما يكون فيه مليون حاجة."
ضحكت ليان. "مش عايزة أتكلم."
هزت مريم رأسها. "لما تحبي."
في أحد الأيام، كان عليهم العودة إلى المستشفى للتدريب. دخلوا قسم الطوارئ هذه المرة. كان المكان أكثر ازدحامًا من قسم الباطنة. أصوات المرضى، حركة الممرضين، أسرّة تدخل وتخرج، وأطباء يركضون بين الغرف. وقف دكتور سامر أمامهم وقال: "النهارده هتشوفوا الجانب اللي مفيهوش وقت طويل للتفكير."
بدأوا الجولة.
فجأة دخلت حالة طارئة. تحرك الفريق بسرعة. طلب الطبيب من الطلاب الابتعاد ومراقبة ما يحدث. كانت ليان واقفة بجانب مريم، لكنها لم تستطع أن تمنع نفسها من النظر.
كان شاب في العشرينات تقريبًا، مصابًا بعد حادث سيارة. وجهه شاحب، وملابسه ملطخة بالدماء. شعرت ليان بأن معدتها انقبضت.
قالت مريم: "ليان، متبصيش."
لكن ليان ظلت مكانها.
بدأ الأطباء في التعامل مع الحالة بسرعة. لم يكن هناك وقت للارتباك.
كانت أصواتهم حادة وسريعة.
"ضغطه؟"
"منخفض."
"أكسجين."
"جهزوا المحاليل."
كانت ليان تشاهد كل شيء، ويداها باردتان.
ثم سمعت صوتًا خلفها.
"ابعدي."
كان آدم.
لم تنتبه أنه كان بجانبها.
أمسك بذراعها وأبعدها خطوة عندما اندفع أحد الممرضين.
نظرت إليه.
كان وجهه شاحبًا.
هو أيضًا كان متوترًا.
لكن عينيه كانتا مثبتتين على المريض.
بعد دقائق، هدأ الموقف قليلًا.
قال الطبيب للطلاب: "اخرجوا."
خرجوا إلى الممر.
جلست ليان على أقرب كرسي.
قالت مريم: "إنتِ كويسة؟"
هزت رأسها.
"آه."
جلس آدم أمامها.
"متبصيش كده."
نظرت إليه.
"إزاي؟"
"كأنك هتقعي."
"أنا مش هقع."
"إيدك بتترعش."
نظرت إلى يدها.
كانت فعلًا ترتعش.
قالت: "وأنت إيدك كمان."
نظر إلى يده ثم ابتسم ابتسامة صغيرة.
"يبقى إحنا الاتنين خايفين."
كانت تلك الجملة كافية لتجعلها تضحك رغم توترها.
لكن بعد دقائق خرج الطبيب من الطوارئ.
لم يكن وجهه مطمئنًا.
قال لأحد الممرضين شيئًا، ثم عاد بسرعة.
لم يعرف الطلاب ماذا حدث، لكنهم فهموا أن الحالة لم تكن بخير.
في طريق عودتهم، لم يتحدث أحد.
وفي المساء، وصل خبر إلى مجموعة الدفعة بأن الشاب توفي.
قرأت ليان الرسالة، وشعرت ببرودة تسري في جسدها.
كانت قد رأته قبل ساعات فقط.
كان شخصًا حيًا.
ثم لم يعد موجودًا.
وضعت الهاتف جانبًا.
بعد دقائق، رن هاتفها.
آدم.
ترددت قبل أن تجيب.
"ألو."
صوته جاء منخفضًا.
"عرفتي؟"
"آه."
"أنا مش عارف أقول إيه."
"ولا أنا."
سكتا.
ثم قال: "يمكن دلوقتي فهمتي ليه قلتلك إن المستشفى مش زي الكتب."
لم تعرف ماذا تقول.
بعد لحظة قالت: "آدم."
"همم؟"
"الحادثة اللي حصلتلك زمان... كانت شبه دي؟"
ساد صمت طويل.
حتى ظنت أنه أغلق الهاتف.
ثم قال: "أيوه."
توقفت أنفاسها.
"عايز تحكيلي؟"
"مش النهارده."
"طيب إمتى؟"
"لما أقدر."
"أنا هستنى."
لم يرد.
ثم قال: "متستنيش."
"ليه؟"
"عشان ممكن الموضوع ياخد وقت."
"أنا مش مستعجلة."
صمت مرة أخرى.
ثم قال: "تصبحي على خير يا ليان."
"وأنت من أهله."
أغلق الهاتف.
وضعت ليان الهاتف بجانبها.
لم تكن تعرف ما الذي حدث لآدم في الماضي، لكنها لأول مرة فهمت أن خلف هدوئه وثقته شخصًا يحمل شيئًا لم يستطع التخلص منه.
وفي اليوم التالي، دخل آدم الجامعة متأخرًا. كان وجهه مختلفًا.
وقف عند بوابة الكلية، فوجد نادين تنتظره.
نظر إليها طويلًا.
قال: "إنتِ ليه رجعتي؟"
ابتسمت بحزن.
"عشان أقولك إنك مش هتقدر تهرب طول عمرك."
"أنا مش بهرب."
"أمال بتعمل إيه؟"
لم يرد.
قالت نادين: "هي عرفت؟"
"جزء."
"وده السبب اللي كنت خايف منه."
"إنتِ مالك بيها؟"
"ولا حاجة."
"يبقى متدخليش في حياتي."
نظرت إليه وقالت: "أنا مش بدخل. أنا بس بحذرك."
"من إيه؟"
"من إن الماضي لوحده مش المشكلة."
سكت.
أكملت: "المشكلة إن الشخص اللي كان سبب الحادثة رجع."
تغير وجه آدم.
"مستحيل."
"أنا شفته."
"فين؟"
"هنا."
نظر آدم حوله.
ثم قال بصوت منخفض: "مين؟"
ابتسمت نادين ابتسامة صغيرة، وأخرجت هاتفها، وفتحت صورة.
تجمد آدم عندما رأى الوجه.
كان الشخص الذي ظن أنه لن يراه مرة أخرى.
وفي نفس اللحظة، كانت ليان تقف في أعلى الدرج، تراقب من بعيد دون أن تسمع شيئًا.
لم تكن تعرف من تكون نادين، ولا من في الصورة، لكنها رأت شيئًا واحدًا بوضوح.
الخوف.
لأول مرة رأت الخوف الحقيقي في عيني آدم.
وعرفت أن السر الذي يخفيه أكبر بكثير مما أخبرها به.
في منتصف العرض، قاطعه أحد المشرفين بسؤال: «أنت ذكرت الاحتمال الأكثر ترجيحًا، لكن ما العلامة التي كانت ستجعلك تغيّر تقديرك؟»لم يندفع آدم إلى إجابة جاهزة. عاد إلى المعطيات التي عرضها، وحدد العلامات التي كانت ستستدعي إعادة التقييم، ثم أوضح أن القرار النهائي لا ينفصل عن الفحص المباشر ورأي الطبيب المسؤول.تابع المشرف بأسئلة أخرى، بعضها يتعلق بالتفاصيل الطبية، وبعضها يتعلق بترتيب الأولويات حين تتعدد المهام. شعر آدم بالضغط، لكنه لم يعد يحاول إخفاء كل تردد أو ملء كل صمت بكلمات إضافية. عندما لم يكن متأكدًا من نقطة، قال ذلك بوضوح، وشرح كيف سيتحقق منها.بعد انتهاء العرض، طلب منه أحد المشرفين البقاء لدقائق.قال له: «أداؤك اليوم أفضل من المحاولة السابقة. تنظيمك للمعلومات تحسن، وقدرتك على توضيح حدود ما تعرفه كانت نقطة إيجابية. لكن ما زال عندك مجال للتحسن في إدارة الوقت، خصوصًا عندما تواجه أكثر من مهمة في وقت واحد.»استمع آدم باهتمام، ثم سأله: «هل ده يؤثر على تقييمي النهائي؟»أجابه الطبيب: «التقييم النهائي يعتمد على أدائك خلال البرنامج كله، مش على عرض واحد. سنراجع تقدمك في الأسابيع القادمة، وبعدها
وصلت ليان إلى المستشفى قبل موعد اجتماعها بساعة كاملة، لا لأنها لم تستعد بما يكفي، بل لأنها أرادت أن تراجع المكان الذي ستعرض فيه خطتها، وتتأكد من أن كل تفصيلة ستحتاج إليها جاهزة. وضعت حاسوبها على الطاولة، وراجعت الملخص التنفيذي للمرة الأخيرة، ثم أغلقت الملف حين دخل الدكتور سامر.تأمل الأوراق أمامها وسألها: «جاهزة؟»أجابت: «جاهزة للعرض، لكن مش متأكدة إنهم هيوافقوا على كل التعديلات.»جلس قبالتها وقال: «مش مطلوب منك تدخلي الاجتماع وإنتِ ضامنة الموافقة. المطلوب تدخليه وإنتِ فاهمة إنتِ بتطلبي إيه، وليه، وإيه البديل لو الطلب اترفض.»هزت رأسها، ثم قالت: «أكتر حاجة شاغلاني إنهم يوافقوا على التوسع قبل ما تكون عندنا معلومات كفاية، لمجرد إن الفكرة شكلها ناجح على الورق.»«إذن لا تسمحي للحماس أن يتقدم على الدليل. وفي المقابل، لا تجعلي خوفك من المبالغة يمنعك من عرض ما أنجزتموه فعلًا.»كانت كلماته بسيطة، لكنها أعادت ترتيب أفكارها. لم يكن عليها أن تقلل من قيمة عمل الفريق كي تبدو حذرة، ولا أن تضخم النتائج كي تقنع الإدارة بأهمية المشروع.بدأ الاجتماع بحضور رؤساء الأقسام وممثل الإدارة العليا، الذي استمع
هدأت ملامحها. «عارفة يا آدم. وعلشان كده خلينا نرتب وقت نتكلم فيه بعد ما نخلص إحنا الاتنين، مهما كانت النتيجة. مش لازم نكون موجودين في كل لحظة عشان نفضل جزءًا من حياة بعض.»قال مبتسمًا: «إنتِ بتتكلمي كأنك بتكتبي توصيات لمشروع.»«لأنك لو سبت الموضوع من غير خطة هتفضل تبعت لي رسالة كل ساعتين تسألني إذا كنت زعلانة.»ضحك بصوت واضح هذه المرة. «مش كل ساعتين.»«كل ساعة ونص؟»«هنناقش النقطة دي بعد التقييم.»أنهيا المكالمة باتفاق بسيط: كل منهما يلتزم بموعده، ثم يتحدثان مساءً مهما تأخرت النتائج، من دون وعود بأن يكون اليوم سهلًا أو أن تسير الأمور كما يتمنيان.مرّت الأيام التالية بسرعة. راجعت ليان العرض مع الدكتور سامر، الذي أصر على أن تضع في بدايته جملة تحدد نطاق المشروع، لا في آخره حيث قد لا ينتبه إليها الحضور. كما طلب منها أن تجهز إجابة عن سؤال متوقع: هل يمكن تطبيق النموذج نفسه في الأقسام المختلفة من دون تعديل؟قال لها في مكتبه: «التوسع مش معناه إننا ننسخ نفس الخطوات في كل مكان. طبيعة المرضى، وعدد الزيارات، وقدرة الفريق، كلها عوامل ممكن تغيّر طريقة التنفيذ.»أجابته: «هعرض خطة أساسية مشتركة، لكن
لم تكن ليان تخشى الوقوف أمام مجموعة من الأطباء بقدر ما كانت تخشى أن تُفهم كلماتها على غير معناها، فالأرقام حين تُعرض في اجتماع رسمي قد تبدو أكثر حسمًا مما هي عليه في الواقع، والنتائج الأولية مهما بدت مشجعة لا تمنح أحدًا الحق في إعلان نجاح لم يكتمل بعد. لهذا بدأت إعداد عرضها قبل موعد الاجتماع بأسبوعين، وكتبت في أعلى الصفحة الأولى عبارة ظلت تعود إليها كلما شعرت برغبة في تزيين النتائج: «ما الذي نعرفه فعلًا، وما الذي ما زلنا بحاجة إلى معرفته؟»دخلت مريم غرفة الفريق تحمل كوبين من القهوة، ووضعت أحدهما أمامها وهي تتفحص الشاشة.«أنتِ لسه عند الشريحة الأولى؟»رفعت ليان عينيها إليها. «من ساعة تقريبًا.»«وإيه اللي محتاج ساعة في عنوان؟»أشارت ليان إلى الجملة المكتوبة. «لأن لو بدأنا العرض بنتائج مشجعة، الناس ممكن تخرج بانطباع إن النموذج أثبت فعاليته. إحنا أثبتنا إن تطبيقه ممكن في نطاق محدود، لكن لسه ما نقدرش نقول إنه حسّن الالتزام بالمواعيد أو غيّر نتائج المرضى.»جلست مريم إلى جوارها. «يبقى قولي ده بوضوح، بدل ما تفضلي تحاولي تحمي الناس من احتمال إنهم يفهموا غلط.»ابتسمت ليان ابتسامة صغيرة. «المشكل
لم تنتقده أمام زملائه، بل انتظرته حتى انتهى من مقابلة المريض، ثم تحدثت معه على انفراد.قالت: «أنا عارفة إن الضغط كبير، لكن محتاجين نتأكد إن المريض فهم الخطوات الأساسية، مش بس إننا شرحناها له.»أجابها الرجل بتعب: «أنا بحاول أخلص كل الحالات في الوقت المحدد، وأحيانًا بيكون فيه مرضى كتير مستنيين.»«فاهمة، وعشان كده لازم نشوف طريقة عملية تناسب وقتكم. ممكن نستخدم قائمة مختصرة بالنقاط الأساسية، ونراجعها مع المريض في نهاية المقابلة، بدل ما نعتمد على الشرح الشفهي وحده.»فكر قليلًا ثم قال: «لو النموذج واضح ومش طويل، هيساعدنا فعلًا.»«هنجربه مع الفريق، ونشوف إذا كان مناسبًا. مش هنضيف إجراء جديد قبل ما نتأكد إنه قابل للتطبيق.»عندما نقلت الفكرة إلى اجتماع الفريق، وافق الدكتور كريم على إعداد نموذج تجريبي ومراجعته مع العاملين في القسم. كانت ليان سعيدة لأن النقاش لم يعد يدور حول الأرقام وحدها، بل أصبح مرتبطًا بكيفية تحسين العمل اليومي دون تحميل العاملين أعباء غير واقعية.وفي نهاية الأسبوع، أرسل آدم إليها نسخة من عرضه التدريبي.كتب: «عايز رأيك بصراحة، مش مجاملة.»فتحت الملف وبدأت مراجعته. كان العرض م
لم تنتقده أمام زملائه، بل انتظرته حتى انتهى من مقابلة المريض، ثم تحدثت معه على انفراد.قالت: «أنا عارفة إن الضغط كبير، لكن محتاجين نتأكد إن المريض فهم الخطوات الأساسية، مش بس إننا شرحناها له.»أجابها الرجل بتعب: «أنا بحاول أخلص كل الحالات في الوقت المحدد، وأحيانًا بيكون فيه مرضى كتير مستنيين.»«فاهمة، وعشان كده لازم نشوف طريقة عملية تناسب وقتكم. ممكن نستخدم قائمة مختصرة بالنقاط الأساسية، ونراجعها مع المريض في نهاية المقابلة، بدل ما نعتمد على الشرح الشفهي وحده.»فكر قليلًا ثم قال: «لو النموذج واضح ومش طويل، هيساعدنا فعلًا.»«هنجربه مع الفريق، ونشوف إذا كان مناسبًا. مش هنضيف إجراء جديد قبل ما نتأكد إنه قابل للتطبيق.»عندما نقلت الفكرة إلى اجتماع الفريق، وافق الدكتور كريم على إعداد نموذج تجريبي ومراجعته مع العاملين في القسم. كانت ليان سعيدة لأن النقاش لم يعد يدور حول الأرقام وحدها، بل أصبح مرتبطًا بكيفية تحسين العمل اليومي دون تحميل العاملين أعباء غير واقعية.وفي نهاية الأسبوع، أرسل آدم إليها نسخة من عرضه التدريبي.كتب: «عايز رأيك بصراحة، مش مجاملة.»فتحت الملف وبدأت مراجعته. كان العرض م







