Share

: الدرس الأول

last update publish date: 2026-08-27 03:35:05

الفصل الثاني

استيقظت ليان على صوت المنبه، مدت يدها وأغلقته بسرعة، ثم ظلت تحدق في السقف لثوانٍ وهي تحاول تذكر سبب اضطرارها للاستيقاظ مبكرًا. لم يستغرق الأمر أكثر من لحظتين حتى تذكرت. الجامعة. المحاضرة العملية. أول يوم حقيقي يبدأ فيه كل شيء. أغمضت عينيها مرة أخرى وقالت لنفسها: "لسه بدري." ثم فتحت عينيها ونظرت إلى الساعة. كانت السادسة وخمس وأربعين دقيقة. انتفضت من السرير. "يا نهار أبيض!" ارتدت ملابسها بسرعة، جمعت شعرها كيفما اتفق، وأخذت حقيبتها وخرجت من الغرفة وهي تحاول في الوقت نفسه أن تضع هاتفها في جيبها وتبحث عن فردة حذائها التي اختفت بطريقة غامضة. في المطبخ كانت والدتها تنتظرها بفنجان من الحليب وبعض الطعام. "كلي حاجة الأول." أخذت ليان قطعة صغيرة وقالت وهي ترتدي حذاءها: "مش هقدر، أنا متأخرة." "متأخرة إيه؟ لسه بدري." "المحاضرة الساعة تمانية." "والجامعة مش في آخر الدنيا." ابتسمت ليان وهي تفتح الباب. "ادعيلي." "ربنا يوفقك يا بنتي." خرجت وهي لا تعرف أن هذا اليوم، الذي بدأ بهذه العجلة العادية، سيظل في ذاكرتها لسنوات طويلة.

وصلت إلى الجامعة قبل الموعد بدقائق. كانت الساحة أكثر هدوءًا من اليوم السابق، لكن مبنى الكلية كان ممتلئًا بالطلاب. بعضهم يحمل كتبًا جديدة، وبعضهم يراجع ملاحظات لم يدرسها أصلًا، وبعضهم يقف أمام لوحة الإعلانات وكأنه يبحث عن إجابة لسؤال لا يعرفه. لمحت مريم من بعيد، كانت تقف بجانب نور وتشرب قهوتها. ما إن رأت ليان حتى رفعت يدها. "أخيرًا!" اقتربت ليان وهي تلهث. "متقوليش إني اتأخرت." "مش اتأخرتي، بس وشك بيقول إنك جريتي من آخر المدينة." قالت نور وهي تضحك: "أنا من الساعة سبعة هنا." نظرت إليها ليان بدهشة. "ليه؟" "الخوف." "من إيه؟" "مش عارفة، بس احتياط." ضحكن جميعًا، ثم دخلن المبنى معًا.

كان المعمل في الطابق الثاني. أمام بابه وقف عدد من الطلاب يتحدثون بصوت منخفض. كان هناك توتر واضح لم يكن موجودًا في اليوم الأول. هذه المرة لم يكن الأمر مجرد محاضرة يمكن للطالب أن يجلس فيها ويكتب ما يسمعه. كان هناك شيء مختلف خلف الباب، شيء لم يعرف أغلبهم كيف يتخيلونه. ظهر أحد المعيدين وطلب منهم الوقوف في مجموعات. "كل مجموعة تدخل حسب الرقم المكتوب في الجدول. ممنوع أي حد يدخل من نفسه." بدأت الأرقام تنادى. ليان ومريم ونور كن في المجموعة الثالثة. وعندما نودي رقمهن، تبادلن النظرات ثم دخلن.

توقفت ليان للحظة عند الباب. لم يكن المكان مخيفًا كما توقعت، لكنه كان مختلفًا تمامًا عن أي معمل رأته من قبل. رائحة المكان، الأدوات المرتبة على الطاولات، الأجهزة، والهدوء الغريب الذي سيطر على الجميع جعلها تشعر أن اللعب انتهى. هنا بدأ الطب فعلًا. دخل آدم ويوسف مع المجموعة نفسها. نظر آدم حوله باهتمام، بينما كان يوسف يحاول أن يخفي توتره بالمزاح. "أنا عندي اقتراح." قال بصوت منخفض. "إيه؟" "نطلع ونقول إننا غلطنا في الدور." كتمت نور ضحكتها. التفت يوسف إليها. "إنتِ بتضحكي ليه؟ أنا بتكلم بجد." ردت مريم: "عشان وشك عامل زي اللي شاف شبح." "أنا مش خايف." "واضح." لم يرد يوسف، بينما كانت ليان تحاول أن تركز مع المعيد.

وقف الدكتور المسؤول أمامهم وقال: "قبل ما نبدأ، لازم تفهموا حاجة. أنتم من النهارده بتتعاملوا مع علم مش مجرد معلومات تحفظوها. كل اسم هتسمعوه، وكل جزء هتدرسه، هتحتاجه بعدين. لكن الأهم من ده كله إنكم تتعلموا الاحترام." أصبح صوته أكثر جدية. "أي مادة تشوفوها هنا، سواء نموذج تشريحي أو عينة أو أي شيء، كانت مرتبطة في وقت ما بحياة إنسان. ممنوع هزار، ممنوع تصوير، وممنوع أي تصرف يقلل من احترام المكان." اختفت الابتسامات من الوجوه. حتى يوسف سكت تمامًا.

بدأ الشرح. كانت ليان تكتب بسرعة، وتحاول أن تربط بين ما تسمعه وما قرأته في الكتاب. لم تكن تريد أن يفوتها شيء. وبينما كانت تكتب، سأل الدكتور سؤالًا للمجموعة. "مين يقدر يقول لي اسم الجزء ده؟" رفع عدد من الطلاب أيديهم. ليان كانت تعرف الإجابة، لكنها ترددت. رفع آدم يده. أجاب. هز الدكتور رأسه موافقًا. "صح." شعرت ليان بضيق بسيط لا تعرف سببه. ربما لأنها كانت تعرف الإجابة، وربما لأنها لم ترفع يدها في الوقت المناسب. حاولت تجاهل الأمر.

بعد دقائق، سأل الدكتور سؤالًا أصعب. هذه المرة لم يرفع آدم يده. رفعت ليان يدها. "اتفضلي." أجابت بثقة. ابتسم الدكتور. "ممتاز." التقت عيناها بعيني آدم للحظة. لم يكن في نظرته غضب، لكنها شعرت وكأنه يقول لها: "كويس." رفعت حاجبها قليلًا، ثم عادت إلى دفترها. لم يكن هناك سبب يجعلها تعتبر الأمر منافسة، لكنها بطريقة ما بدأت تشعر بذلك.

بعد انتهاء الجزء الأول من التدريب، خرج الطلاب إلى الممر. كان الهواء في الخارج مختلفًا، وكأن الجميع أخذ نفسًا طويلًا بمجرد أن غادروا المعمل. قال يوسف: "أنا محتاج إجازة أسبوع." ضحكت مريم. "من أول محاضرة؟" "أيوه." "لسه هنبدأ." "عشان كده أنا بقول نلحق نفسنا." جلسوا جميعًا على المقاعد الموجودة في الممر. كان الأمر غريبًا. في يوم واحد فقط، أصبحوا مجموعة صغيرة تجلس معًا، رغم أنهم قبل أيام لم يكونوا يعرفون أسماء بعضهم.

قالت نور: "إحنا لازم نعمل جروب خاص بينا." قال يوسف: "عشان نذاكر؟" "آه." "موافق." ضحكت مريم. "أنت أول واحد هيبعت ميمز عليه." "دي مهارة مهمة." نظرت ليان إلى آدم، فوجدته يبتسم. كانت تلك أول مرة تراه يضحك فعلًا، ولم يكن يبدو مغرورًا كما ظنت في البداية. كان وجهه مختلفًا عندما يضحك، أكثر هدوءًا وأقل حدة. أبعدت عينيها بسرعة عندما لاحظت أنه ينظر إليها.

قال آدم: "على فكرة، في جروب بالفعل." قالت مريم: "إحنا عارفين." "طب ليه نعمل واحد تاني؟" ردت نور: "عشان نقدر نتكلم براحتنا." "من غير ما الدفعة كلها تعرف؟" "بالضبط." ابتسم يوسف. "أنا موافق جدًا." تبادلوا أرقام الهواتف، وبعد دقائق أصبح هناك جروب جديد باسم "المجموعة الثالثة". كان اسمًا عاديًا جدًا، لكنه بعد فترة سيحمل عشرات الذكريات.

في طريق العودة إلى المحاضرة، كانت ليان تسير بجوار مريم. قالت لها مريم: "إيه رأيك في آدم؟" توقفت ليان لحظة. "ماله؟" "يعني." "عادي." "عادي؟" "آه." "مش شايفاه مستفز؟" "شوية." "أهو." ضحكت ليان. "بس مش مغرور زي ما كنتِ فاكرة." "أنا لسه مش مطمنة له." "إنتِ عندك مشكلة مع كل الناس." "مش كل الناس." "معظمهم." "أنا بختار." هزت ليان رأسها وهي تضحك.

بعد انتهاء اليوم الدراسي، عاد الجميع إلى السكن الجامعي أو إلى بيوتهم. كانت ليان تقيم في سكن قريب من الجامعة، وهو أمر لم تكن معتادة عليه. كانت غرفتها صغيرة، تحتوي على سريرين ومكتب وخزانة. عندما دخلت، وجدت زميلتها الجديدة تجلس على السرير وتتكلم في الهاتف. رفعت يدها تحية ثم عادت إلى حديثها. وضعت ليان حقيبتها، وأخرجت دفاترها. كان جسدها متعبًا، لكنها قررت أن تراجع ما أخذته في المحاضرة قبل أن تنام.

مرت ساعة كاملة دون أن تنهي سوى صفحات قليلة. كانت الكلمات تتداخل أمام عينيها. أغلقت الكتاب ووضعت رأسها على المكتب. وصلتها رسالة من مريم: "إنتِ خلصتي؟" كتبت: "ولا قربت." جاء الرد فورًا: "أنا كمان." ثم أرسلت نور: "حد فهم حاجة؟" وبعدها يوسف: "أنا فهمت إننا اتدمرنا." ضحكت ليان رغم تعبها.

ظهر إشعار آخر. كان من آدم. "حد عنده صورة للجدول اللي الدكتور شرحه؟" ردت مريم فورًا: "عند ليان." نظرت ليان إلى الهاتف. "ليه بتقولي عندي؟" جاء رد مريم: "عشان عندك." قالت ليان: "مش هبعتله." أرسلت مريم وجهًا ضاحكًا. "ليه؟" "مش عارفة." "ابعتيله وخلاص." ترددت ليان، ثم أرسلت الصورة في الجروب. بعد ثوانٍ كتب آدم: "شكرًا." لم تعرف لماذا شعرت بالارتباك من كلمة بسيطة كهذه.

في اليوم التالي، بدأت الأمور تأخذ شكلًا مختلفًا. لم يعد الطلاب مجرد أسماء في قائمة. أصبح لكل شخص مكانه في المدرج، ومجموعته، وأسلوبه. بدأ البعض في المنافسة منذ الأسبوع الأول. كانت هناك فتاة تدعى سارة، متفوقة بشكل واضح، وكانت لا تفوت فرصة للإجابة عن أي سؤال. لم تكن سيئة، لكنها كانت تحب أن يعرف الجميع أنها تعرف. لاحظت ليان أنها بدأت تراقبها في كل محاضرة. لم تهتم في البداية، لكن في أحد الأيام، عندما أجابت ليان عن سؤال صعب، قالت سارة بصوت مسموع: "ده سؤال سهل أصلًا." التفتت ليان إليها، لكنها لم ترد.

سمع آدم الجملة. نظر إلى سارة ثم إلى ليان. وبعد انتهاء المحاضرة، قال لها: "متخديش كلامها على نفسك." "أنا مش واخداه." "واضح." "يعني إيه واضح؟" "يعني وشك قال." ابتسمت ليان رغمًا عنها. "إنت بتراقب وشي؟" سكت آدم للحظة، ثم قال: "لا، بس..." ولم يكمل. تركها ومشى.

وقفت ليان مكانها وهي تنظر إليه. لم تفهم لماذا ارتبكت من جملة عادية. قالت لنفسها: "هو مالُه؟" ثم هزت رأسها وعادت إلى صديقاتها.

مرت الأسابيع الأولى بسرعة. بدأوا يتعرفون على نظام الجامعة، وبدأت الأسماء تتحول إلى صداقات حقيقية. أصبح يوسف ومريم يتشاجران على أتفه الأسباب، ثم يضحكان بعدها بدقائق. أصبحت نور الشخص الذي تلجأ إليه ليان عندما تحتاج إلى هدوء. أما آدم فكان يظل قريبًا منهم، رغم أنه لم يكن يتحدث كثيرًا عن نفسه.

في إحدى الأمسيات، اجتمعوا في الكافيتيريا لمراجعة محاضرة صعبة. كانت الكتب مفتوحة أمامهم، لكن أحدًا لم يكن يذاكر فعلًا. قالت مريم: "أنا مش فاهمة إحنا قاعدين ليه." رد يوسف: "عشان شكلنا مثقفين." "وأنت آخر واحد يتكلم عن الثقافة." "أنا مثقف جدًا." قالت ليان: "هاتلي معلومة واحدة." فكر يوسف لحظة. "الطب صعب." انفجر الجميع بالضحك.

كان آدم جالسًا صامتًا، ينظر إلى الكتاب. قالت له ليان: "إنت ساكت ليه؟" رفع عينيه. "بذاكر." "إحنا كلنا بنذاكر." "أنا بذاكر بجد." "يعني إحنا بنهزر؟" "آه." رفعت ليان حاجبها. "بجد؟" ابتسم. "شوية." رمت عليه القلم، فضحك.

كان ذلك أول مرة تشعر فيها ليان أن وجوده لم يعد يضايقها. بل على العكس، أصبحت تنتبه عندما لا يكون موجودًا.

لكن الحياة الجامعية لم تكن كلها ضحكًا. بعد شهر تقريبًا، بدأت الامتحانات القصيرة. ارتبك الجميع. بعض الطلاب اكتشفوا أنهم لم يذاكروا بالقدر الكافي. بعضهم بدأ يسهر حتى الصباح. بعضهم بكى في الحمامات قبل الامتحان. كانت ليان من النوع الذي يضغط على نفسه حتى النهاية. كانت تذاكر لساعات طويلة، وتنام قليلًا، وتقول لنفسها إن التعب مؤقت.

في ليلة الامتحان، كانت الساعة الثانية صباحًا عندما رن هاتفها. كان آدم.

نظرت إلى الاسم على الشاشة بدهشة. لماذا يتصل الآن؟

ردت: "ألو؟"

جاء صوته هادئًا: "إنتِ صاحية؟"

"واضح."

ضحك قليلًا. "مراجعة؟"

"آه."

"خلاص، اقفلي الكتاب."

"ليه؟"

"عشان لو فضلتي تذاكري دلوقتي هتدخلي الامتحان وإنتِ مش فاكرة اسمك."

ضحكت. "وأنت مالك؟"

"أنا خلصت."

"طبعًا."

"ليان."

"نعم؟"

"بجد، نامي."

سكتت. لم تعرف لماذا شعرت بالراحة من صوته.

"حاضر."

"تصبحي على خير."

"وأنت من أهله."

أغلقت الهاتف، ثم نظرت إلى الكتاب أمامها. للمرة الأولى منذ ساعات، شعرت أنها تستطيع أن تغلقه فعلًا.

في صباح الامتحان، تجمع الطلاب أمام المدرج. كان التوتر واضحًا. مريم كانت تقرأ آخر صفحة، ونور تردد المعلومات بصوت منخفض، ويوسف يسأل الجميع نفس السؤال: "إحنا هننجح؟" أما آدم فكان هادئًا بشكل أثار أعصاب ليان.

قالت له: "إنت مش خايف؟"

"خايف."

"مش باين."

"مش لازم أبين."

دخلوا الامتحان. مر الوقت ببطء شديد. عندما خرجت ليان، كانت لا تعرف إن كانت تريد البكاء أم الضحك. قالت مريم: "كان سهل." نظرت إليها ليان بدهشة. "إنتِ بتهزري؟" "شوية." ضحك يوسف. "أنا جاوبت أسئلة مش موجودة أصلًا." قالت نور: "أنا مش عايزة أتكلم."

نظر آدم إلى ليان. "إنتِ عملتي إيه؟"

"مش عارفة."

"يعني؟"

"يعني مش عارفة."

"هتجيبي كويس."

نظرت إليه. "متأكد؟"

"آه."

لم تكن تعرف لماذا صدقته.

في اليوم التالي ظهرت النتائج. تجمع الطلاب أمام الشاشة. صرخ البعض من الفرح، وانسحب البعض بصمت. كانت ليان تقف بين مريم ونور، تبحث عن اسمها. وجدته. درجة مرتفعة جدًا. ابتسمت.

ثم بحثت عن اسم آدم.

كان أعلى منها بدرجتين.

نظرت إليه من بعيد.

كان يبتسم ليوسف.

شعرت بشيء يشبه الغيرة، رغم أنها لم تكن تريد الاعتراف بذلك حتى لنفسها.

اقترب آدم وقال: "مبروك."

"إنت أعلى مني."

"بدرجتين."

"يعني أعلى."

"مش فارقة."

"بالنسبالك."

ضحك. "بدأنا المنافسة؟"

"أنا مش بنافسك."

"أكيد."

نظرت إليه بحدة، ثم ابتسمت رغمًا عنها.

كان كل شيء يبدو بسيطًا في تلك اللحظة. مجرد درجات، وطلاب، وبداية سنة جامعية. لم يكن أحد يعرف أن المنافسة التي بدأت بدرجتين ستكبر مع الوقت، وأن الصداقة التي تبدو الآن سهلة ستتعرض لاختبارات أقسى بكثير، وأن المشاعر التي بدأت في صورة اهتمام بسيط ستتحول يومًا إلى شيء لا يستطيع أحد منهما الهروب منه.

لكن قبل أن يحدث كل ذلك، كان عليهم أن يدخلوا المستشفى لأول مرة.

وكان هناك شيء ينتظرهم خلف أبوابها لم يكن أي منهم مستعدًا له.

في نهاية الأسبوع، وصل إعلان إلى هواتفهم: "بدء التدريب الميداني للطلاب الأسبوع المقبل. الحضور إلزامي."

قرأته ليان أكثر من مرة.

ثم كتبت في المجموعة: "حد فاهم يعني إيه تدريب ميداني؟"

رد يوسف: "يعني هنروح المستشفى."

قالت مريم: "عارفين."

"أنا قصدي هنروح نعمل إيه؟"

أرسل آدم: "هتعرفوا هناك."

نظرت ليان إلى الرسالة طويلًا.

ثم كتبت: "إنت عارف؟"

جاء الرد بعد دقيقة: "لا."

ابتسمت.

لأول مرة، شعرت أن آدم مثلها تمامًا.

هو أيضًا خائف.

هو أيضًا لا يعرف.

وهو أيضًا، رغم كل ثقته، يقف على أول طريق لم يكتشف نهايته بعد.

وفي صباح اليوم الذي كان من المفترض أن يكون أول يوم تدريب، وقفت ليان أمام باب المستشفى الجامعي، ويدها على حقيبتها، بينما كانت سيارات الإسعاف تدخل وتخرج من البوابة.

لم تعد هناك مدرجات واسعة أو مقاعد مريحة.

هنا كانت رائحة المطهر أقوى.

الأصوات أكثر توترًا.

والوجوه مختلفة.

وفجأة، فهمت معنى جملة الدكتور في أول يوم.

"المريض مش حالة في كتاب."

رفعت عينيها إلى الباب.

وأخذت نفسًا عميقًا.

ثم دخلت.

وكان آدم يسير خلفها بخطوات قليلة، دون أن يعرف أن أول مريض سيقابلهما في ذلك الصباح سيغير شيئًا بينهما إلى الأبد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • «نبضٌ لا يُرى» ❤️   39

    والامتحان هيخلص." ثم أضاف: "لكن صحتك لو أهملتيها ممكن تدفعك تمن أكبر." خرجت ليان وهي تفكر. كان الطب أحيانًا لا يتعلق بإنقاذ شخص من الموت. أحيانًا يتعلق بمنع شخص من الوصول إلى مرحلة خطيرة. في الجامعة، كان يوسف يواجه مشكلة مختلفة. كان لديه عرض مهم، لكن أحد أعضاء الفريق لم يكن يقوم بدوره. قال يوسف: "أنا مش هعمل شغله." قالت نور: "طب هتعمل إيه؟" "هسيبه." "والعرض؟" "يتصرف." قالت: "يبقى أنت هتعاقب نفسك معاه." سكت. "طب أعمل إيه؟" "كلمه." ذهب يوسف إلى زميله. قال: "إنت مش عامل الجزء بتاعك." "عارف." "طب ليه؟" "عندي مشكلة في البيت." سكت يوسف. لم يتوقع ذلك. "كان ممكن تقول." "مش بحب أقول." "طيب خلينا نحلها." جلسا معًا، وقسما المهمة. عاد يوسف إلى المجموعة. قالت نور: "إيه اللي حصل؟" "حليناها." "من غير خناقة؟" "من غير." ابتسمت. "كبرت." "مش قوي." ضحكت. أما مريم، فكانت تدرس موضوعًا جديدًا في البحث. بدأت تهتم بالصحة النفسية لطلاب الطب. كانت ترى كيف يتحدث الجميع عن المذاكرة والدرجات، بينما نادرًا ما يتحدث أحد عن الضغط النفسي. عرضت فكرتها على الدكتور عمر. استمع إليها. ثم قال: "مهمة." "بس؟" "مهمة وصعبة." "ل

  • «نبضٌ لا يُرى» ❤️   38

    قال بهدوء: "أنا كمان خايف." كانت أول مرة يعترف فيها بذلك. لم تقل شيئًا. لكن المكالمة استمرت طويلًا. في نهاية الشهر، بدأ آدم يستعد للعودة. كان قد تعلم الكثير. وأصبح أكثر ثقة في نفسه. لكن قبل عودته بيوم، حدث شيء لم يكن في حسابه. طلب منه الطبيب المسؤول أن يحضر اجتماعًا صغيرًا. جلس أمامه. قال الطبيب: "إنت عندك قدرة كويسة." "شكرًا." "وعايز أعرض عليك فرصة." رفع آدم عينيه. "إيه؟" "ممكن تكمل معنا فترة أطول." توقف. كان العرض مغريًا. تدريب إضافي. خبرة أكبر. وعلاقات مهنية قد تفيده في المستقبل. لكن ذلك يعني تأجيل عودته. قال: "قد إيه؟" "شهرين إضافيين." سكت. ثم قال: "محتاج أفكر." "فكر." خرج آدم من المكتب. أول شخص فكر فيه كان ليان. اتصل بها. "فاضية؟" "آه." "عندي حاجة." "خير؟" حكى لها. سكتت. قال: "قولي رأيك." "إنت عايز إيه؟" "مش عارف." "لأ. إنت عارف." تنهد. "نفسي أكمل." "يبقى كمل." "بس..." "مفيش بس." "إنتِ مش هتزعلي؟" "هزعل." صمت. ثم قالت: "بس مش هطلب منك تسيب فرصة عشان أنا." أغمض عينيه. "أنا بحبك." سكتت. كانت الجملة هذه المرة مختلفة. لم تكن تلميحًا. ولا مزحة. ولا اعترافًا نصف واضح. كانت مباشرة. قالت

  • «نبضٌ لا يُرى» ❤️   37

    عندما تبدلت الأدوار لم تستطع ليان أن تمنع نفسها من الضحك وهي تنظر إلى آدم. قالت: "يعني أنا رجعت عشان ألاقيك مسافر؟" ابتسم: "تقريبًا." "طب ماشي." "زعلانة؟" "لأ." "كدابة." "أنا؟ مستحيل." ضحك يوسف من خلفهما. "إحنا ممكن نمشي ونسيبكم تتخانقوا براحتكم." التفتت ليان إليه. "محدش طلب منك تتكلم." قال يوسف: "أنا مجرد شاهد." قالت نور: "شاهد على إيه؟" "على إن الاتنين دول محتاجين يتعلموا إن التوقيت مش دايمًا بيكون في صالحهم." ضحك الجميع، بينما اكتفت ليان بالنظر إلى آدم. كانت سعيدة من أجله، لكنها لم تستطع تجاهل ذلك الشعور الغريب الذي تسلل إليها. بعد أسابيع من البعد، كانت تتمنى أن تستعيد الأيام التي كانا يلتقيان فيها كل يوم، والآن سيبدأ هو رحلة جديدة في المكان الذي عاشت فيه هي أصعب وأهم أسابيع تدريبها. قالت: "إمتى مسافر؟" "بعد ثلاثة أيام." "هتفضل هناك قد إيه؟" "شهر." تنفست ببطء. "شهر واحد." "آه." "كويس." "مش باين." ضحكت. "أنا بس لسه راجعة." في تلك الليلة، عادت ليان إلى منزلها وهي تحمل حقيبتها الصغيرة. كانت والدتها تنتظرها في غرفة المعيشة. "تعالي هنا." احتضنتها طويلًا. "وحشتيني." "وإنتِ كمان." جلست ل

  • «نبضٌ لا يُرى» ❤️   36

    كتبت له: "إنت مشغول؟" تأخر في الرد. بعد ساعتين كتب: "آسف، اليوم كان طويل." "ولا يهمك." "إنتِ كويسة؟" "آه." لم تكتب أكثر. كانت تريد أن تقول له إنها تفتقده. لكنه لم يسأل. وفي الجهة الأخرى، كان رامي يجلس وحده بعد يوم طويل. فتح محادثتها. كتب: "أنا مش عارف أتكلم زي الأول." ثم مسح الرسالة. لم يكن يعرف هل السبب المسافة أم الضغط أم خوفه من أن يبدأ علاقة لا يعرف كيف يحافظ عليها. في منتصف تدريب ليان، حدث موقف جعلها تتذكر لماذا اختارت الطب. دخلت طفلة صغيرة إلى القسم مع والدها. كانت خائفة جدًا من المستشفى. اقتربت منها ليان. "اسمك إيه؟" اختبأت خلف والدها. قال الأب: "اسمها ملك." "ملك؟ اسم جميل." نظرت إليها الطفلة. أخرجت ليان قلمًا صغيرًا من جيبها. "تحبي نرسم؟" ترددت. ثم أخذت القلم. بدأت ترسم. بعد دقائق، هدأت. قال الأب: "أنا مش عارف أشكرك إزاي." قالت ليان: "هي بس كانت محتاجة حد يطمنها." في نهاية اليوم، قال لها الطبيب: "إنتِ عندك حاجة مهمة." "إيه؟" "بتعرفي تخلي المريض يحس إنه إنسان مش رقم." ابتسمت. "دي حاجة كويسة؟" "دي من أهم الحاجات." تلك الليلة، اتصلت بوالدتها. حكت لها عن يومها. ثم اتصلت بآدم. قالت

  • «نبضٌ لا يُرى» ❤️   35

    الفصل الثلاثون: المسافة التي كشفت أشياء كثيرة لم تكن ليان تعرف أن بعض القرارات لا تخيفنا بسبب القرار نفسه، وإنما بسبب الأشياء التي قد تتغير بعده. منذ أن وافقت على التدريب خارج الجامعة، وهي تتحرك بين الحماس والقلق. كانت تتخيل المستشفى الجديد، الأطباء الذين ستتعلم منهم، الحالات المختلفة، والمهارات التي يمكن أن تكتسبها، ثم فجأة تتذكر أنها ستبتعد شهرين كاملين عن كل شيء اعتادت عليه. عن الجامعة. عن أصدقائها. وعن آدم. في صباح السفر، وقفت أمام المرآة ترتب حقيبتها للمرة الأخيرة. دخلت والدتها الغرفة وقالت: "خلصتي؟" "تقريبًا." نظرت الأم إلى الحقيبة. "إنتِ واخدة نص البيت معاكي؟" ضحكت ليان. "شهرين يا ماما." "شهرين مش سنة." "أنا بحب أكون مستعدة." ابتسمت والدتها. "أهم حاجة تكوني مستعدة نفسيًا." سكتت ليان. كانت هذه تحديدًا المشكلة. في نفس الوقت، كان آدم يجلس أمام والده. قال والده: "فكرّت في كلامي؟" "أيوه." "والنتيجة؟" "هكمل طب." تنهد والده. "إنت مصمم؟" "آه." "حتى لو الطريق طويل؟" "حتى لو." سكت والده طويلًا. ثم قال: "أنا مش ضدك." نظر آدم إليه. "أمال؟" "أنا خايف عليك." كانت الجملة أبسط مما توقع. "من إي

  • «نبضٌ لا يُرى» ❤️   34

    مع إحدى الحالات التدريبية. قال يوسف: "لازم نتحرك أسرع." ردت ليان: "بس ناقصنا معلومات." "هنضيع وقت." "ولو استعجلنا هنغلط." تدخل آدم: "خلونا نقسمها." نظر إليه يوسف. "إزاي؟" "إنت تجمع المعلومات، ليان تراجع الحالة، وأنا أرتب الخطوات." قالت نور: "وأنا هكتب." هدأ الخلاف. بعد انتهاء التدريب، قال يوسف لليان: "أنا آسف." نظرت إليه. "على إيه؟" "كنت متوتر." ابتسمت. "وأنا كمان." قال: "بس إنتِ عندك حق." "وإنت عندك حق في نقطة السرعة." ابتسم. "يبقى اتعلمنا." في تلك الليلة، وصل اتصال إلى مريم من رامي. ترددت قبل أن تجيب. "ألو؟" "إزيك؟" "كويسة." "أنا رجعت المدينة يومين." اتسعت عيناها. "رجعت؟" "أيوه." "ليه ما قلتش؟" ضحك. "كنت عايز أفاجئكم." "إنت مجنون." "عارف." "هتقابلنا؟" "أكيد." في اليوم التالي، دخل رامي الجامعة فجأة. كان يوسف أول من رآه. صرخ: "رامي!" التفت الجميع. ركض يوسف نحوه واحتضنه. "إيه يا عم؟" "وحشتوني." قالت نور: "اختفيت." "أسبوعين بس." قالت: "بالنسبة لنا كتير." أما مريم، فكانت واقفة بعيدًا. اقترب منها. "إزيك؟" "كويسة." "بس؟" "بس." ابتسم. "وحشتيني." خفضت عينيها. "إنت كمان." لم يحتج أي منهما إلى

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status