LOGINالفصل الثاني
استيقظت ليان على صوت المنبه، مدت يدها وأغلقته بسرعة، ثم ظلت تحدق في السقف لثوانٍ وهي تحاول تذكر سبب اضطرارها للاستيقاظ مبكرًا. لم يستغرق الأمر أكثر من لحظتين حتى تذكرت. الجامعة. المحاضرة العملية. أول يوم حقيقي يبدأ فيه كل شيء. أغمضت عينيها مرة أخرى وقالت لنفسها: "لسه بدري." ثم فتحت عينيها ونظرت إلى الساعة. كانت السادسة وخمس وأربعين دقيقة. انتفضت من السرير. "يا نهار أبيض!" ارتدت ملابسها بسرعة، جمعت شعرها كيفما اتفق، وأخذت حقيبتها وخرجت من الغرفة وهي تحاول في الوقت نفسه أن تضع هاتفها في جيبها وتبحث عن فردة حذائها التي اختفت بطريقة غامضة. في المطبخ كانت والدتها تنتظرها بفنجان من الحليب وبعض الطعام. "كلي حاجة الأول." أخذت ليان قطعة صغيرة وقالت وهي ترتدي حذاءها: "مش هقدر، أنا متأخرة." "متأخرة إيه؟ لسه بدري." "المحاضرة الساعة تمانية." "والجامعة مش في آخر الدنيا." ابتسمت ليان وهي تفتح الباب. "ادعيلي." "ربنا يوفقك يا بنتي." خرجت وهي لا تعرف أن هذا اليوم، الذي بدأ بهذه العجلة العادية، سيظل في ذاكرتها لسنوات طويلة.
وصلت إلى الجامعة قبل الموعد بدقائق. كانت الساحة أكثر هدوءًا من اليوم السابق، لكن مبنى الكلية كان ممتلئًا بالطلاب. بعضهم يحمل كتبًا جديدة، وبعضهم يراجع ملاحظات لم يدرسها أصلًا، وبعضهم يقف أمام لوحة الإعلانات وكأنه يبحث عن إجابة لسؤال لا يعرفه. لمحت مريم من بعيد، كانت تقف بجانب نور وتشرب قهوتها. ما إن رأت ليان حتى رفعت يدها. "أخيرًا!" اقتربت ليان وهي تلهث. "متقوليش إني اتأخرت." "مش اتأخرتي، بس وشك بيقول إنك جريتي من آخر المدينة." قالت نور وهي تضحك: "أنا من الساعة سبعة هنا." نظرت إليها ليان بدهشة. "ليه؟" "الخوف." "من إيه؟" "مش عارفة، بس احتياط." ضحكن جميعًا، ثم دخلن المبنى معًا.
كان المعمل في الطابق الثاني. أمام بابه وقف عدد من الطلاب يتحدثون بصوت منخفض. كان هناك توتر واضح لم يكن موجودًا في اليوم الأول. هذه المرة لم يكن الأمر مجرد محاضرة يمكن للطالب أن يجلس فيها ويكتب ما يسمعه. كان هناك شيء مختلف خلف الباب، شيء لم يعرف أغلبهم كيف يتخيلونه. ظهر أحد المعيدين وطلب منهم الوقوف في مجموعات. "كل مجموعة تدخل حسب الرقم المكتوب في الجدول. ممنوع أي حد يدخل من نفسه." بدأت الأرقام تنادى. ليان ومريم ونور كن في المجموعة الثالثة. وعندما نودي رقمهن، تبادلن النظرات ثم دخلن.
توقفت ليان للحظة عند الباب. لم يكن المكان مخيفًا كما توقعت، لكنه كان مختلفًا تمامًا عن أي معمل رأته من قبل. رائحة المكان، الأدوات المرتبة على الطاولات، الأجهزة، والهدوء الغريب الذي سيطر على الجميع جعلها تشعر أن اللعب انتهى. هنا بدأ الطب فعلًا. دخل آدم ويوسف مع المجموعة نفسها. نظر آدم حوله باهتمام، بينما كان يوسف يحاول أن يخفي توتره بالمزاح. "أنا عندي اقتراح." قال بصوت منخفض. "إيه؟" "نطلع ونقول إننا غلطنا في الدور." كتمت نور ضحكتها. التفت يوسف إليها. "إنتِ بتضحكي ليه؟ أنا بتكلم بجد." ردت مريم: "عشان وشك عامل زي اللي شاف شبح." "أنا مش خايف." "واضح." لم يرد يوسف، بينما كانت ليان تحاول أن تركز مع المعيد.
وقف الدكتور المسؤول أمامهم وقال: "قبل ما نبدأ، لازم تفهموا حاجة. أنتم من النهارده بتتعاملوا مع علم مش مجرد معلومات تحفظوها. كل اسم هتسمعوه، وكل جزء هتدرسه، هتحتاجه بعدين. لكن الأهم من ده كله إنكم تتعلموا الاحترام." أصبح صوته أكثر جدية. "أي مادة تشوفوها هنا، سواء نموذج تشريحي أو عينة أو أي شيء، كانت مرتبطة في وقت ما بحياة إنسان. ممنوع هزار، ممنوع تصوير، وممنوع أي تصرف يقلل من احترام المكان." اختفت الابتسامات من الوجوه. حتى يوسف سكت تمامًا.
بدأ الشرح. كانت ليان تكتب بسرعة، وتحاول أن تربط بين ما تسمعه وما قرأته في الكتاب. لم تكن تريد أن يفوتها شيء. وبينما كانت تكتب، سأل الدكتور سؤالًا للمجموعة. "مين يقدر يقول لي اسم الجزء ده؟" رفع عدد من الطلاب أيديهم. ليان كانت تعرف الإجابة، لكنها ترددت. رفع آدم يده. أجاب. هز الدكتور رأسه موافقًا. "صح." شعرت ليان بضيق بسيط لا تعرف سببه. ربما لأنها كانت تعرف الإجابة، وربما لأنها لم ترفع يدها في الوقت المناسب. حاولت تجاهل الأمر.
بعد دقائق، سأل الدكتور سؤالًا أصعب. هذه المرة لم يرفع آدم يده. رفعت ليان يدها. "اتفضلي." أجابت بثقة. ابتسم الدكتور. "ممتاز." التقت عيناها بعيني آدم للحظة. لم يكن في نظرته غضب، لكنها شعرت وكأنه يقول لها: "كويس." رفعت حاجبها قليلًا، ثم عادت إلى دفترها. لم يكن هناك سبب يجعلها تعتبر الأمر منافسة، لكنها بطريقة ما بدأت تشعر بذلك.
بعد انتهاء الجزء الأول من التدريب، خرج الطلاب إلى الممر. كان الهواء في الخارج مختلفًا، وكأن الجميع أخذ نفسًا طويلًا بمجرد أن غادروا المعمل. قال يوسف: "أنا محتاج إجازة أسبوع." ضحكت مريم. "من أول محاضرة؟" "أيوه." "لسه هنبدأ." "عشان كده أنا بقول نلحق نفسنا." جلسوا جميعًا على المقاعد الموجودة في الممر. كان الأمر غريبًا. في يوم واحد فقط، أصبحوا مجموعة صغيرة تجلس معًا، رغم أنهم قبل أيام لم يكونوا يعرفون أسماء بعضهم.
قالت نور: "إحنا لازم نعمل جروب خاص بينا." قال يوسف: "عشان نذاكر؟" "آه." "موافق." ضحكت مريم. "أنت أول واحد هيبعت ميمز عليه." "دي مهارة مهمة." نظرت ليان إلى آدم، فوجدته يبتسم. كانت تلك أول مرة تراه يضحك فعلًا، ولم يكن يبدو مغرورًا كما ظنت في البداية. كان وجهه مختلفًا عندما يضحك، أكثر هدوءًا وأقل حدة. أبعدت عينيها بسرعة عندما لاحظت أنه ينظر إليها.
قال آدم: "على فكرة، في جروب بالفعل." قالت مريم: "إحنا عارفين." "طب ليه نعمل واحد تاني؟" ردت نور: "عشان نقدر نتكلم براحتنا." "من غير ما الدفعة كلها تعرف؟" "بالضبط." ابتسم يوسف. "أنا موافق جدًا." تبادلوا أرقام الهواتف، وبعد دقائق أصبح هناك جروب جديد باسم "المجموعة الثالثة". كان اسمًا عاديًا جدًا، لكنه بعد فترة سيحمل عشرات الذكريات.
في طريق العودة إلى المحاضرة، كانت ليان تسير بجوار مريم. قالت لها مريم: "إيه رأيك في آدم؟" توقفت ليان لحظة. "ماله؟" "يعني." "عادي." "عادي؟" "آه." "مش شايفاه مستفز؟" "شوية." "أهو." ضحكت ليان. "بس مش مغرور زي ما كنتِ فاكرة." "أنا لسه مش مطمنة له." "إنتِ عندك مشكلة مع كل الناس." "مش كل الناس." "معظمهم." "أنا بختار." هزت ليان رأسها وهي تضحك.
بعد انتهاء اليوم الدراسي، عاد الجميع إلى السكن الجامعي أو إلى بيوتهم. كانت ليان تقيم في سكن قريب من الجامعة، وهو أمر لم تكن معتادة عليه. كانت غرفتها صغيرة، تحتوي على سريرين ومكتب وخزانة. عندما دخلت، وجدت زميلتها الجديدة تجلس على السرير وتتكلم في الهاتف. رفعت يدها تحية ثم عادت إلى حديثها. وضعت ليان حقيبتها، وأخرجت دفاترها. كان جسدها متعبًا، لكنها قررت أن تراجع ما أخذته في المحاضرة قبل أن تنام.
مرت ساعة كاملة دون أن تنهي سوى صفحات قليلة. كانت الكلمات تتداخل أمام عينيها. أغلقت الكتاب ووضعت رأسها على المكتب. وصلتها رسالة من مريم: "إنتِ خلصتي؟" كتبت: "ولا قربت." جاء الرد فورًا: "أنا كمان." ثم أرسلت نور: "حد فهم حاجة؟" وبعدها يوسف: "أنا فهمت إننا اتدمرنا." ضحكت ليان رغم تعبها.
ظهر إشعار آخر. كان من آدم. "حد عنده صورة للجدول اللي الدكتور شرحه؟" ردت مريم فورًا: "عند ليان." نظرت ليان إلى الهاتف. "ليه بتقولي عندي؟" جاء رد مريم: "عشان عندك." قالت ليان: "مش هبعتله." أرسلت مريم وجهًا ضاحكًا. "ليه؟" "مش عارفة." "ابعتيله وخلاص." ترددت ليان، ثم أرسلت الصورة في الجروب. بعد ثوانٍ كتب آدم: "شكرًا." لم تعرف لماذا شعرت بالارتباك من كلمة بسيطة كهذه.
في اليوم التالي، بدأت الأمور تأخذ شكلًا مختلفًا. لم يعد الطلاب مجرد أسماء في قائمة. أصبح لكل شخص مكانه في المدرج، ومجموعته، وأسلوبه. بدأ البعض في المنافسة منذ الأسبوع الأول. كانت هناك فتاة تدعى سارة، متفوقة بشكل واضح، وكانت لا تفوت فرصة للإجابة عن أي سؤال. لم تكن سيئة، لكنها كانت تحب أن يعرف الجميع أنها تعرف. لاحظت ليان أنها بدأت تراقبها في كل محاضرة. لم تهتم في البداية، لكن في أحد الأيام، عندما أجابت ليان عن سؤال صعب، قالت سارة بصوت مسموع: "ده سؤال سهل أصلًا." التفتت ليان إليها، لكنها لم ترد.
سمع آدم الجملة. نظر إلى سارة ثم إلى ليان. وبعد انتهاء المحاضرة، قال لها: "متخديش كلامها على نفسك." "أنا مش واخداه." "واضح." "يعني إيه واضح؟" "يعني وشك قال." ابتسمت ليان رغمًا عنها. "إنت بتراقب وشي؟" سكت آدم للحظة، ثم قال: "لا، بس..." ولم يكمل. تركها ومشى.
وقفت ليان مكانها وهي تنظر إليه. لم تفهم لماذا ارتبكت من جملة عادية. قالت لنفسها: "هو مالُه؟" ثم هزت رأسها وعادت إلى صديقاتها.
مرت الأسابيع الأولى بسرعة. بدأوا يتعرفون على نظام الجامعة، وبدأت الأسماء تتحول إلى صداقات حقيقية. أصبح يوسف ومريم يتشاجران على أتفه الأسباب، ثم يضحكان بعدها بدقائق. أصبحت نور الشخص الذي تلجأ إليه ليان عندما تحتاج إلى هدوء. أما آدم فكان يظل قريبًا منهم، رغم أنه لم يكن يتحدث كثيرًا عن نفسه.
في إحدى الأمسيات، اجتمعوا في الكافيتيريا لمراجعة محاضرة صعبة. كانت الكتب مفتوحة أمامهم، لكن أحدًا لم يكن يذاكر فعلًا. قالت مريم: "أنا مش فاهمة إحنا قاعدين ليه." رد يوسف: "عشان شكلنا مثقفين." "وأنت آخر واحد يتكلم عن الثقافة." "أنا مثقف جدًا." قالت ليان: "هاتلي معلومة واحدة." فكر يوسف لحظة. "الطب صعب." انفجر الجميع بالضحك.
كان آدم جالسًا صامتًا، ينظر إلى الكتاب. قالت له ليان: "إنت ساكت ليه؟" رفع عينيه. "بذاكر." "إحنا كلنا بنذاكر." "أنا بذاكر بجد." "يعني إحنا بنهزر؟" "آه." رفعت ليان حاجبها. "بجد؟" ابتسم. "شوية." رمت عليه القلم، فضحك.
كان ذلك أول مرة تشعر فيها ليان أن وجوده لم يعد يضايقها. بل على العكس، أصبحت تنتبه عندما لا يكون موجودًا.
لكن الحياة الجامعية لم تكن كلها ضحكًا. بعد شهر تقريبًا، بدأت الامتحانات القصيرة. ارتبك الجميع. بعض الطلاب اكتشفوا أنهم لم يذاكروا بالقدر الكافي. بعضهم بدأ يسهر حتى الصباح. بعضهم بكى في الحمامات قبل الامتحان. كانت ليان من النوع الذي يضغط على نفسه حتى النهاية. كانت تذاكر لساعات طويلة، وتنام قليلًا، وتقول لنفسها إن التعب مؤقت.
في ليلة الامتحان، كانت الساعة الثانية صباحًا عندما رن هاتفها. كان آدم.
نظرت إلى الاسم على الشاشة بدهشة. لماذا يتصل الآن؟
ردت: "ألو؟"
جاء صوته هادئًا: "إنتِ صاحية؟"
"واضح."
ضحك قليلًا. "مراجعة؟"
"آه."
"خلاص، اقفلي الكتاب."
"ليه؟"
"عشان لو فضلتي تذاكري دلوقتي هتدخلي الامتحان وإنتِ مش فاكرة اسمك."
ضحكت. "وأنت مالك؟"
"أنا خلصت."
"طبعًا."
"ليان."
"نعم؟"
"بجد، نامي."
سكتت. لم تعرف لماذا شعرت بالراحة من صوته.
"حاضر."
"تصبحي على خير."
"وأنت من أهله."
أغلقت الهاتف، ثم نظرت إلى الكتاب أمامها. للمرة الأولى منذ ساعات، شعرت أنها تستطيع أن تغلقه فعلًا.
في صباح الامتحان، تجمع الطلاب أمام المدرج. كان التوتر واضحًا. مريم كانت تقرأ آخر صفحة، ونور تردد المعلومات بصوت منخفض، ويوسف يسأل الجميع نفس السؤال: "إحنا هننجح؟" أما آدم فكان هادئًا بشكل أثار أعصاب ليان.
قالت له: "إنت مش خايف؟"
"خايف."
"مش باين."
"مش لازم أبين."
دخلوا الامتحان. مر الوقت ببطء شديد. عندما خرجت ليان، كانت لا تعرف إن كانت تريد البكاء أم الضحك. قالت مريم: "كان سهل." نظرت إليها ليان بدهشة. "إنتِ بتهزري؟" "شوية." ضحك يوسف. "أنا جاوبت أسئلة مش موجودة أصلًا." قالت نور: "أنا مش عايزة أتكلم."
نظر آدم إلى ليان. "إنتِ عملتي إيه؟"
"مش عارفة."
"يعني؟"
"يعني مش عارفة."
"هتجيبي كويس."
نظرت إليه. "متأكد؟"
"آه."
لم تكن تعرف لماذا صدقته.
في اليوم التالي ظهرت النتائج. تجمع الطلاب أمام الشاشة. صرخ البعض من الفرح، وانسحب البعض بصمت. كانت ليان تقف بين مريم ونور، تبحث عن اسمها. وجدته. درجة مرتفعة جدًا. ابتسمت.
ثم بحثت عن اسم آدم.
كان أعلى منها بدرجتين.
نظرت إليه من بعيد.
كان يبتسم ليوسف.
شعرت بشيء يشبه الغيرة، رغم أنها لم تكن تريد الاعتراف بذلك حتى لنفسها.
اقترب آدم وقال: "مبروك."
"إنت أعلى مني."
"بدرجتين."
"يعني أعلى."
"مش فارقة."
"بالنسبالك."
ضحك. "بدأنا المنافسة؟"
"أنا مش بنافسك."
"أكيد."
نظرت إليه بحدة، ثم ابتسمت رغمًا عنها.
كان كل شيء يبدو بسيطًا في تلك اللحظة. مجرد درجات، وطلاب، وبداية سنة جامعية. لم يكن أحد يعرف أن المنافسة التي بدأت بدرجتين ستكبر مع الوقت، وأن الصداقة التي تبدو الآن سهلة ستتعرض لاختبارات أقسى بكثير، وأن المشاعر التي بدأت في صورة اهتمام بسيط ستتحول يومًا إلى شيء لا يستطيع أحد منهما الهروب منه.
لكن قبل أن يحدث كل ذلك، كان عليهم أن يدخلوا المستشفى لأول مرة.
وكان هناك شيء ينتظرهم خلف أبوابها لم يكن أي منهم مستعدًا له.
في نهاية الأسبوع، وصل إعلان إلى هواتفهم: "بدء التدريب الميداني للطلاب الأسبوع المقبل. الحضور إلزامي."
قرأته ليان أكثر من مرة.
ثم كتبت في المجموعة: "حد فاهم يعني إيه تدريب ميداني؟"
رد يوسف: "يعني هنروح المستشفى."
قالت مريم: "عارفين."
"أنا قصدي هنروح نعمل إيه؟"
أرسل آدم: "هتعرفوا هناك."
نظرت ليان إلى الرسالة طويلًا.
ثم كتبت: "إنت عارف؟"
جاء الرد بعد دقيقة: "لا."
ابتسمت.
لأول مرة، شعرت أن آدم مثلها تمامًا.
هو أيضًا خائف.
هو أيضًا لا يعرف.
وهو أيضًا، رغم كل ثقته، يقف على أول طريق لم يكتشف نهايته بعد.
وفي صباح اليوم الذي كان من المفترض أن يكون أول يوم تدريب، وقفت ليان أمام باب المستشفى الجامعي، ويدها على حقيبتها، بينما كانت سيارات الإسعاف تدخل وتخرج من البوابة.
لم تعد هناك مدرجات واسعة أو مقاعد مريحة.
هنا كانت رائحة المطهر أقوى.
الأصوات أكثر توترًا.
والوجوه مختلفة.
وفجأة، فهمت معنى جملة الدكتور في أول يوم.
"المريض مش حالة في كتاب."
رفعت عينيها إلى الباب.
وأخذت نفسًا عميقًا.
ثم دخلت.
وكان آدم يسير خلفها بخطوات قليلة، دون أن يعرف أن أول مريض سيقابلهما في ذلك الصباح سيغير شيئًا بينهما إلى الأبد.
في منتصف العرض، قاطعه أحد المشرفين بسؤال: «أنت ذكرت الاحتمال الأكثر ترجيحًا، لكن ما العلامة التي كانت ستجعلك تغيّر تقديرك؟»لم يندفع آدم إلى إجابة جاهزة. عاد إلى المعطيات التي عرضها، وحدد العلامات التي كانت ستستدعي إعادة التقييم، ثم أوضح أن القرار النهائي لا ينفصل عن الفحص المباشر ورأي الطبيب المسؤول.تابع المشرف بأسئلة أخرى، بعضها يتعلق بالتفاصيل الطبية، وبعضها يتعلق بترتيب الأولويات حين تتعدد المهام. شعر آدم بالضغط، لكنه لم يعد يحاول إخفاء كل تردد أو ملء كل صمت بكلمات إضافية. عندما لم يكن متأكدًا من نقطة، قال ذلك بوضوح، وشرح كيف سيتحقق منها.بعد انتهاء العرض، طلب منه أحد المشرفين البقاء لدقائق.قال له: «أداؤك اليوم أفضل من المحاولة السابقة. تنظيمك للمعلومات تحسن، وقدرتك على توضيح حدود ما تعرفه كانت نقطة إيجابية. لكن ما زال عندك مجال للتحسن في إدارة الوقت، خصوصًا عندما تواجه أكثر من مهمة في وقت واحد.»استمع آدم باهتمام، ثم سأله: «هل ده يؤثر على تقييمي النهائي؟»أجابه الطبيب: «التقييم النهائي يعتمد على أدائك خلال البرنامج كله، مش على عرض واحد. سنراجع تقدمك في الأسابيع القادمة، وبعدها
وصلت ليان إلى المستشفى قبل موعد اجتماعها بساعة كاملة، لا لأنها لم تستعد بما يكفي، بل لأنها أرادت أن تراجع المكان الذي ستعرض فيه خطتها، وتتأكد من أن كل تفصيلة ستحتاج إليها جاهزة. وضعت حاسوبها على الطاولة، وراجعت الملخص التنفيذي للمرة الأخيرة، ثم أغلقت الملف حين دخل الدكتور سامر.تأمل الأوراق أمامها وسألها: «جاهزة؟»أجابت: «جاهزة للعرض، لكن مش متأكدة إنهم هيوافقوا على كل التعديلات.»جلس قبالتها وقال: «مش مطلوب منك تدخلي الاجتماع وإنتِ ضامنة الموافقة. المطلوب تدخليه وإنتِ فاهمة إنتِ بتطلبي إيه، وليه، وإيه البديل لو الطلب اترفض.»هزت رأسها، ثم قالت: «أكتر حاجة شاغلاني إنهم يوافقوا على التوسع قبل ما تكون عندنا معلومات كفاية، لمجرد إن الفكرة شكلها ناجح على الورق.»«إذن لا تسمحي للحماس أن يتقدم على الدليل. وفي المقابل، لا تجعلي خوفك من المبالغة يمنعك من عرض ما أنجزتموه فعلًا.»كانت كلماته بسيطة، لكنها أعادت ترتيب أفكارها. لم يكن عليها أن تقلل من قيمة عمل الفريق كي تبدو حذرة، ولا أن تضخم النتائج كي تقنع الإدارة بأهمية المشروع.بدأ الاجتماع بحضور رؤساء الأقسام وممثل الإدارة العليا، الذي استمع
هدأت ملامحها. «عارفة يا آدم. وعلشان كده خلينا نرتب وقت نتكلم فيه بعد ما نخلص إحنا الاتنين، مهما كانت النتيجة. مش لازم نكون موجودين في كل لحظة عشان نفضل جزءًا من حياة بعض.»قال مبتسمًا: «إنتِ بتتكلمي كأنك بتكتبي توصيات لمشروع.»«لأنك لو سبت الموضوع من غير خطة هتفضل تبعت لي رسالة كل ساعتين تسألني إذا كنت زعلانة.»ضحك بصوت واضح هذه المرة. «مش كل ساعتين.»«كل ساعة ونص؟»«هنناقش النقطة دي بعد التقييم.»أنهيا المكالمة باتفاق بسيط: كل منهما يلتزم بموعده، ثم يتحدثان مساءً مهما تأخرت النتائج، من دون وعود بأن يكون اليوم سهلًا أو أن تسير الأمور كما يتمنيان.مرّت الأيام التالية بسرعة. راجعت ليان العرض مع الدكتور سامر، الذي أصر على أن تضع في بدايته جملة تحدد نطاق المشروع، لا في آخره حيث قد لا ينتبه إليها الحضور. كما طلب منها أن تجهز إجابة عن سؤال متوقع: هل يمكن تطبيق النموذج نفسه في الأقسام المختلفة من دون تعديل؟قال لها في مكتبه: «التوسع مش معناه إننا ننسخ نفس الخطوات في كل مكان. طبيعة المرضى، وعدد الزيارات، وقدرة الفريق، كلها عوامل ممكن تغيّر طريقة التنفيذ.»أجابته: «هعرض خطة أساسية مشتركة، لكن
لم تكن ليان تخشى الوقوف أمام مجموعة من الأطباء بقدر ما كانت تخشى أن تُفهم كلماتها على غير معناها، فالأرقام حين تُعرض في اجتماع رسمي قد تبدو أكثر حسمًا مما هي عليه في الواقع، والنتائج الأولية مهما بدت مشجعة لا تمنح أحدًا الحق في إعلان نجاح لم يكتمل بعد. لهذا بدأت إعداد عرضها قبل موعد الاجتماع بأسبوعين، وكتبت في أعلى الصفحة الأولى عبارة ظلت تعود إليها كلما شعرت برغبة في تزيين النتائج: «ما الذي نعرفه فعلًا، وما الذي ما زلنا بحاجة إلى معرفته؟»دخلت مريم غرفة الفريق تحمل كوبين من القهوة، ووضعت أحدهما أمامها وهي تتفحص الشاشة.«أنتِ لسه عند الشريحة الأولى؟»رفعت ليان عينيها إليها. «من ساعة تقريبًا.»«وإيه اللي محتاج ساعة في عنوان؟»أشارت ليان إلى الجملة المكتوبة. «لأن لو بدأنا العرض بنتائج مشجعة، الناس ممكن تخرج بانطباع إن النموذج أثبت فعاليته. إحنا أثبتنا إن تطبيقه ممكن في نطاق محدود، لكن لسه ما نقدرش نقول إنه حسّن الالتزام بالمواعيد أو غيّر نتائج المرضى.»جلست مريم إلى جوارها. «يبقى قولي ده بوضوح، بدل ما تفضلي تحاولي تحمي الناس من احتمال إنهم يفهموا غلط.»ابتسمت ليان ابتسامة صغيرة. «المشكل
لم تنتقده أمام زملائه، بل انتظرته حتى انتهى من مقابلة المريض، ثم تحدثت معه على انفراد.قالت: «أنا عارفة إن الضغط كبير، لكن محتاجين نتأكد إن المريض فهم الخطوات الأساسية، مش بس إننا شرحناها له.»أجابها الرجل بتعب: «أنا بحاول أخلص كل الحالات في الوقت المحدد، وأحيانًا بيكون فيه مرضى كتير مستنيين.»«فاهمة، وعشان كده لازم نشوف طريقة عملية تناسب وقتكم. ممكن نستخدم قائمة مختصرة بالنقاط الأساسية، ونراجعها مع المريض في نهاية المقابلة، بدل ما نعتمد على الشرح الشفهي وحده.»فكر قليلًا ثم قال: «لو النموذج واضح ومش طويل، هيساعدنا فعلًا.»«هنجربه مع الفريق، ونشوف إذا كان مناسبًا. مش هنضيف إجراء جديد قبل ما نتأكد إنه قابل للتطبيق.»عندما نقلت الفكرة إلى اجتماع الفريق، وافق الدكتور كريم على إعداد نموذج تجريبي ومراجعته مع العاملين في القسم. كانت ليان سعيدة لأن النقاش لم يعد يدور حول الأرقام وحدها، بل أصبح مرتبطًا بكيفية تحسين العمل اليومي دون تحميل العاملين أعباء غير واقعية.وفي نهاية الأسبوع، أرسل آدم إليها نسخة من عرضه التدريبي.كتب: «عايز رأيك بصراحة، مش مجاملة.»فتحت الملف وبدأت مراجعته. كان العرض م
لم تنتقده أمام زملائه، بل انتظرته حتى انتهى من مقابلة المريض، ثم تحدثت معه على انفراد.قالت: «أنا عارفة إن الضغط كبير، لكن محتاجين نتأكد إن المريض فهم الخطوات الأساسية، مش بس إننا شرحناها له.»أجابها الرجل بتعب: «أنا بحاول أخلص كل الحالات في الوقت المحدد، وأحيانًا بيكون فيه مرضى كتير مستنيين.»«فاهمة، وعشان كده لازم نشوف طريقة عملية تناسب وقتكم. ممكن نستخدم قائمة مختصرة بالنقاط الأساسية، ونراجعها مع المريض في نهاية المقابلة، بدل ما نعتمد على الشرح الشفهي وحده.»فكر قليلًا ثم قال: «لو النموذج واضح ومش طويل، هيساعدنا فعلًا.»«هنجربه مع الفريق، ونشوف إذا كان مناسبًا. مش هنضيف إجراء جديد قبل ما نتأكد إنه قابل للتطبيق.»عندما نقلت الفكرة إلى اجتماع الفريق، وافق الدكتور كريم على إعداد نموذج تجريبي ومراجعته مع العاملين في القسم. كانت ليان سعيدة لأن النقاش لم يعد يدور حول الأرقام وحدها، بل أصبح مرتبطًا بكيفية تحسين العمل اليومي دون تحميل العاملين أعباء غير واقعية.وفي نهاية الأسبوع، أرسل آدم إليها نسخة من عرضه التدريبي.كتب: «عايز رأيك بصراحة، مش مجاملة.»فتحت الملف وبدأت مراجعته. كان العرض م







