LOGINو عرفت ليان أن آدم لا يحب إظهار ضعفه أمام الناس مهما كان متألمًا.
و مع كل حديث جديد... كانت المسافة بين قلبيهما تقل أكثر. في أحد الأيام انتهت المحاضرات مبكرًا. كانت ليان تجلس في المكتبة عندما وصلتها رسالة من آدم. "تعالي الحديقة ضروري." نظرت إلى الرسالة باستغراب. ثم أغلقت الكتاب وخرجت. عندما وصلت وجدته جالسًا على أحد المقاعد. كان يبدو متوترًا بشكل غريب. ـ في إيه؟ وقف فور رؤيتها. ـ محتاج أقولك حاجة. شعرت ليان أن قلبها بدأ ينبض بسرعة. ـ خير؟ تنهد آدم. ثم جلس مرة أخرى. ـ بصراحة... و سكت. انتظرت. لكنه لم يكمل. ـ آدم؟ ابتسم بإحراج. ـ ولا حاجة. نظرت إليه باستغراب. ـ أنت ناديتني عشان ولا حاجة؟ ضحك بخفة. ـ كنت هقول حاجة بس غيرت رأيي. ـ ليه؟ نظر إليها للحظات طويلة. ثم قال: ـ مش وقته. لم تفهم قصده. لكنها شعرت أن الأمر مهم. مهم جدًا. في المساء... كان آدم جالسًا في غرفته. ينظر إلى هاتفه. و يتذكر ما حدث. لقد كان على وشك الاعتراف. على وشك أن يخبرها بكل شيء. لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة. خاف. ليس من الرفض. بل من خسارتها. كان يخشى أن تتغير علاقتهما إذا عرفَت حقيقة مشاعره. أما ليان فكانت تفكر في الأمر نفسه. ماذا كان يريد أن يقول؟ و لماذا بدا متوترًا إلى هذا الحد؟ كلما حاولت تجاهل الموضوع... عادت لتفكر فيه من جديد. بعد يومين... أعلنت الجامعة عن رحلة طلابية. و كان الجميع متحمسًا لها. أصرت مريم على الاشتراك. ـ لازم تيجي. ـ مش عارفة. ـ مفيش مش عارفة. و في النهاية وافقت ليان. جاء يوم الرحلة. و كان المكان مليئًا بالطلاب. ضحكات. صور. و أغاني. شعرت ليان بالسعادة و هي تقضي الوقت مع أصدقائها. لكنها لاحظت شيئًا غريبًا. آدم لم يكن كعادته. كان صامتًا أغلب الوقت. و شارد الذهن. و في أثناء الرحلة... اجتمع الجميع لالتقاط صورة جماعية. وبينما كانت ليان تقف وسط زميلاتها، تعثرت فجأة بسبب حجر صغير. أغلقت عينيها استعدادًا للسقوط. لكنها لم تسقط. فتحت عينيها ببطء. لتجد آدم يمسك بذراعها. كانت المسافة بينهما قريبة جدًا. لدرجة أن كليهما توقف عن الكلام للحظة. ـ إنتِ كويسة؟ سألها بصوت منخفض. هزت رأسها. ـ أيوة. لكن قلبها لم يكن بخير أبدًا. كان ينبض بجنون. ابتعد آدم ببطء. لكنه لم يستطع إبعاد عينيه عنها. أما ليان فشعرت أن العالم كله اختفى للحظات. و لم يبقَ سوى نظراته. في طريق العودة... جلست بجوار النافذة في الحافلة. و كانت تراقب الطريق بصمت. فجأة جلس آدم في المقعد المجاور. نظرت إليه. لكنه لم يتكلم. مرت عدة دقائق. ثم قال بهدوء: ـ ليان. ـ نعم؟ ـ لو في يوم احتجتي أي حاجة... أي حاجة. أنا هكون موجود. استغربت كلامه. ـ ليه بتقول كده؟ ابتسم. ـ عشان دي الحقيقة. شعرت بدفء غريب داخلها. و لأول مرة... بدأت تدرك أن مشاعرها نحوه أصبحت أكبر مما كانت تتخيل. في تلك الليلة... وقف آدم أمام نافذة غرفته. ينظر إلى السماء. ثم أخرج هاتفه. و فتح محادثتها. و ظل ينظر إلى اسمها طويلًا. قبل أن يكتب رسالة قصيرة. "تصبحي على خير." وصل الهاتف إلى ليان بعد ثوانٍ. ابتسمت فور رؤيتها للرسالة. ثم ردت: "و أنت من أهل الخير." كانت رسالة عادية جدًا. لكنها جعلت كليهما يبتسم. لأن المشاعر الحقيقية لا تحتاج دائمًا إلى اعتراف صريح. أحيانًا... تظهر في أبسط التفاصيل. و في تلك الليلة... نام كل منهما و هو يفكر في الآخر. دون أن يعلم أن الأيام القادمة ستحمل اختبارًا صعبًا لمشاعرهما. اختبارًا سيجعل كل شيء أكثر تعقيدًا. الفتاة الجديدة مرت الأيام بهدوء بعد الرحلة. لكن ذلك الهدوء لم يدم طويلًا. ففي صباح يوم الإثنين، وصلت ليان إلى الجامعة كعادتها و هي تحمل كوب القهوة الخاص بها. كانت تسير بجوار مريم وهما تتحدثان عن المحاضرات القادمة عندما لاحظتا تجمعًا كبيرًا من الطلاب أمام مبنى الكلية. رفعت مريم حاجبها. ـ في إيه؟ ـ معرفش. اقتربتا أكثر. و كان الجميع يتحدث عن شيء واحد. فتاة جديدة. التفتت ليان لترى ما يحدث. و فجأة توقفت خطواتها. كانت هناك فتاة طويلة القامة ذات شعر بني طويل وملامح جميلة جدًا. ترتدي ملابس أنيقة وتجذب الانتباه بسهولة. لكن ما جعل ليان تتجمد مكانها... هو أن آدم كان يقف بجوارها. ويتحدث معها. و يبتسم. شعرت بانقباض غريب في قلبها. حاولت تجاهله. لكنها لم تستطع. لاحظت مريم تغير ملامحها فورًا. ـ أوه. ـ إيه؟ ـ شكلك مش عاجبك المنظر. ـ عادي. ـ كذابة. تنهدت ليان. ـ أنا فعلًا عادي. لكن حتى هي لم تصدق نفسها. بعد قليل بدأت المحاضرات. لكن ليان لم تستطع التركيز. كلما حاولت متابعة الشرح، عادت صورة آدم والفتاة الجديدة إلى رأسها. من تكون؟ و لماذا كان يبتسم لها بهذه الطريقة؟ هل يعرفها من قبل؟ أسئلة كثيرة بدأت تدور داخل عقلها. بعد انتهاء المحاضرة خرجت من القاعة. و كان أول شخص رأته هو آدم. ابتسم فور رؤيتها. ـ صباح الخير. ـ صباح النور. لاحظ برودها. ـ مالك؟ ـ مفيش. ـ متأكدة؟ ـ أيوة. شعر أن هناك شيئًا خاطئًا. لكنه لم يعرف ما هو. في فترة الاستراحة كانت ليان تجلس مع مريم في الكافيتريا. و فجأة دخل آدم. و بجواره الفتاة نفسها. شعرت ليان أن مزاجها ساء أكثر. اقترب آدم منهما. ـ عاملين إيه؟ ـ الحمد لله. ردت مريم. أما ليان فاكتفت بابتسامة صغيرة. لاحظ آدم الأمر. ثم قال: ـ بالمناسبة، دي نور. الفتاة الجديدة ابتسمت بلطف.الاختيار المستحيلوقف آدم في مكانه، و عيناه لا تفارقان الرجل الذي اختفى خلف الباب السري."أنا عمك ياسر."كانت الجملة تتردد في رأسه بلا توقف.طوال حياته كان يعتقد أن والده لم يكن له سوى أخ واحد توفي منذ سنوات طويلة، و لم يتحدث أحد عنه مرة أخرى.فلماذا ظهر الآن؟و لماذا في هذا الوقت تحديدًا؟اقترب المحقق سامح منه و وضع يده على كتفه.ـ آدم... متتحركش لوحدك.أنت متعرفش ده مين و لا ناوي على إيه.ظل آدم صامتًا للحظات، ثم قال:ـ لو فعلًا عمي... يبقى عنده إجابات أنا بدور عليها من سنين.رد المحقق بحزم:ـ و ممكن يكون بيحاول يوقعك في فخ جديد.نظر آدم إلى الباب السري، ثم تنهد.ـ أنا هروح... لكن مش لوحدي.هز المحقق رأسه موافقًا.ـ تمام... كلنا هندخل.في الجهة الأخرى...كان ياسر يسير داخل ممر طويل تحت الأرض.لم يكن ينظر خلفه، و كأنه واثق أن آدم سيلحق به.وصل إلى غرفة واسعة تتوسطها طاولة خشبية قديمة.فوق الطاولة...إطار صورة.رفع الصورة بين يديه.ابتسم بحزن.كانت صورة تجمعه بوالد آدم قبل أكثر من ثلاثين عامًا.قال بصوت خافت:ـ سامحني يا أخويا...أنا اتأخرت أوي.عاد المشهد إلى آدم.دخل مع المحقق ورجال
الوجه الذي سقط عنه القناعارتفعت صفارات الإنذار في جميع أنحاء السرداب.كانت الأضواء الحمراء تومض بسرعة، بينما دوى صوت معدني غليظ في المكان:"تم تفعيل نظام الإغلاق."نظر رجال الشرطة إلى الباب الحديدي، و حاول اثنان منهم فتحه بكل قوتهما، لكنه لم يتحرك و لو سنتيمترًا واحدًا.قال أحد الضباط و هو يلهث:ـ الباب مقفول إلكترونيًا!ضرب المحقق سامح الباب بقبضته و قال:ـ دوروا على أي مخرج تاني!انتشر رجال الشرطة في أنحاء الغرفة، يفتشون كل زاوية، بينما ظل آدم واقفًا في مكانه، و عيناه معلقتان بالصورة القديمة التي وجدها.كانت الصورة تضم والده، و عمر، و سليم... و الرجل المجهول.لم يكن وجهه غريبًا.بل كان مألوفًا بشكل صادم.همس آدم:ـ مستحيل...اقترب منه المحقق.ـ آدم... مين الراجل ده؟رفع آدم الصورة ببطء.و قال بصوت متردد:ـ اسمه... فؤاد.قطب المحقق حاجبيه.ـ فؤاد مين؟ابتلع آدم ريقه.ـ كان المستشار القانوني للشركة.و أقرب صديق لوالدي.بل... كنت بناديه "عمو فؤاد".ساد الصمت.لم يصدق أحد ما سمعه.في الجهة الأخرى...داخل فيلا فاخرة خارج المدينة...كان رجل يجلس أمام شاشة ضخمة، يتابع كل ما يحدث داخل السر
اعتراف زيادكانت سيارات الإسعاف و الإطفاء قد غادرت المكان منذ ساعات، لكن رائحة الدخان ما زالت عالقة في الهواء، و كأنها ترفض أن تغادر مع أسرار ذلك المنزل.جلس آدم في غرفته بالمستشفى، و ذراعه ملفوفة بالضمادات، بينما كان ينظر بصمت إلى النافذة.كل ما حدث في الأيام الماضية كان يدور في رأسه بلا توقف.سليم... خالد... دفتر المذكرات... و الانفجار.و قبل كل ذلك...الورقة التي كُتب عليها: "الأخ الأكبر."طرق أحدهم الباب.دخل المحقق سامح يحمل ملفًا سميكًا.ابتسم ابتسامة خفيفة.ـ عامل إيه؟رد آدم وهو يعتدل في جلسته:ـ أحسن.بس دماغي مش واقفة.جلس المحقق أمامه.ثم قال:ـ عندي خبر ممكن يغير القضية كلها.نظر إليه آدم باهتمام.ـ إيه هو؟فتح المحقق الملف.ثم قال بهدوء:ـ زياد طلب يقابلك بنفسه.تجمد آدم.ـ يقابلني؟ـ أيوة.و قال إنه مش هيتكلم مع أي حد غيرك.بعد ساعة...دخل آدم غرفة التحقيق.كانت الإضاءة خافتة.و في الجانب الآخر من الطاولة...جلس زياد.بدا مختلفًا تمامًا.لحيته أصبحت أطول.و عيناه مرهقتان.و لأول مرة...لم يكن في ملامحه أي غرور.رفع رأسه عندما دخل آدم.و قال بصوت هادئ:ـ اتأخرت.جلس آدم أ
الفخكانت عقارب الساعة تتحرك ببطء شديد، وكأن الزمن نفسه قرر أن يختبر صبر آدموقف أمام المنزل المهجور الذي وصل إليه بعد تتبع آخر خيط يقوده إلى سليم. كان المكان يقع في أطراف المدينة، بعيدًا عن الضوضاء، تحيط به أشجار يابسة وسور حديدي صدئ، بينما كانت النوافذ المكسورة تجعل المبنى يبدو كأنه مهجور منذ عشرات السنين.أوقف سيارته على بعد أمتار، وأطفأ المحرك.ظل ينظر إلى المنزل للحظات.كل إحساس بداخله كان يخبره أن هناك شيئًا غير طبيعي.لكن بعد كل ما مر به...لم يعد يخاف.ترجل من السيارة، و أغلق الباب بهدوء، ثم بدأ يتقدم بخطوات حذرة.كانت الرياح تحرك أغصان الأشجار، فتُصدر أصواتًا مخيفة تزيد المكان رهبة.وصل إلى الباب الرئيسي.كان مفتوحًا قليلًا.تبادل نظرة سريعة مع المكان، ثم همس:ـ يا رب...و دفع الباب ببطء.صدر صرير قوي كسر صمت المنزل.دخل آدم.كانت الأرضية مغطاة بالغبار، و آثار الأقدام القديمة تظهر في أكثر من اتجاه.انحنى قليلًا، و مرر يده فوق أحد الآثار.همس:ـ حد كان هنا من وقت قريب...رفع رأسه، و بدأ يتجول داخل المنزل.في الطابق العلوي...كان رجل يقف خلف نافذة مكسورة، يراقب آدم منذ دخوله.
سليموقف آدم في منتصف الشارع، و الورقة ما زالت بين أصابعه.قرأ الاسم مرة أخرى."سليم."لم يكن الاسم غريبًا عليه.بل كان يحمله معه في ذاكرته منذ سنوات.لكن كيف؟و لماذا عاد الآن؟اقترب المحقق منه.ـ مكتوب إيه؟ناول آدم الورقة إليه.قطب المحقق حاجبيه.ـ سليم؟أومأ آدم ببطء.ـ كنت فاكر إنه اختفى من زمان.ـ تعرفه؟تنهد آدم.ـ أيوة...سليم كان السكرتير الخاص لوالدي.و كان أكتر شخص والدي بيثق فيه.ساد الصمت.ثم قال المحقق:ـ يعني كان موجود وقت كل اللي حصل؟ـ أيوة.بل هو آخر واحد شاف والدي قبل ما يستقيل و يختفي فجأة.في صباح اليوم التالي...انتشرت قوات الشرطة حول الشركة القديمة.بدأ فريق الأدلة الجنائية يجمع أي شيء لم تدمره النيران.و بين الركام...عثر أحد الضباط على كاميرا مراقبة محترقة جزئيًا.أسرع بها إلى المحقق.قال:ـ يمكن نقدر نطلع منها أي تسجيل.ابتسم المحقق لأول مرة منذ أيام.ـ ابعتوها للمعمل فورًا.في الوقت نفسه...كانت ليان تجلس مع والدتها في المنزل.لكن عقلها لم يكن حاضرًا.كل ما حدث خلال الأيام الماضية جعلها تعيش في خوف دائم.قالت والدتها وهي تلاحظ شرودها:ـ مالك يا ليان؟ابتسمت
مفتاح الحقيقةخرج آدم من المستشفى و هو يقبض على المفتاح الصغير بقوة.ظل ينظر إليه طوال الطريق.كان مفتاحًا قديمًا من النحاس، تتدلى منه قطعة معدنية صغيرة نُقش عليها الرقم:17همس لنفسه:ـ يا ترى إيه اللي مستخبي من أربع سنين؟في الجهة الأخرى...كان خالد يقف داخل مكتبه الفخم.دخل عليه الرجل الذي كان يتنكر في زي عامل النظافة.انحنى باحترام.ـ آدم خد المفتاح.ابتسم خالد بهدوء.ـ زي ما توقعت.ـ نمنعه؟هز خالد رأسه بالنفي.ـ لا...خليه يوصل للخزنة بنفسه.الرجل استغرب.ـ ليه؟اقترب خالد من النافذة.و قال بابتسامة غامضة:ـ لأن الخزنة مش فيها الحقيقة بس...فيها الفخ كمان.في المساء...اتصل آدم بليان.ـ محتاج أشوفك.ردت بسرعة:ـ أنا جاية.بعد نصف ساعة...كانت تجلس أمامه في الكافيه المعتاد.لاحظت أنه يمسك شيئًا في يده.ـ إيه ده؟فتح كفه.فظهر المفتاح.ـ ده مفتاح خزنة.قالها وهو ينظر إليه.ـ عادل قالي إن فيها الدليل اللي هيخلص كل حاجة.ابتسمت ليان.ـ يبقى لازم تفتحها.تنهد.ـ عندي إحساس إن الموضوع مش سهل.ـ و أنا عندي إحساس إنك هتقدر.ابتسم وهو ينظر إليها.وجودها بجانبه كان يمنحه قوة غريبة.في صبا







