Share

الفصل 2

Author: ياسمين
مرت عدة أيام، ثم رن هاتفي ووجدت شادي يسألني بضيق:

"ألا زلتِ في رحلة العمل؟"

ثم تابع الحديث:

"عليكِ أن تعودي فورًا، عادت سها للتو بعد عناء وتريد تحضير حفل ليجتمع الأصدقاء كلهم وقد ذكرتكِ أيضًا وتريد رؤيتكِ".

عقدت حاجبيّ وقلت بهدوء: "لم أنته هنا، احتفلوا أنتم!"

تغير صوته على الفور بعدما سمعني وقال بضيق:

"لقد دعتكِ بنفسها، هل تريدين إحراجها؟"

ولم يكتفِ بهذا فقال مباشرة: "اسمعيني جيدًا، ستأتين، شئتِ أم أبيتِ، وإن لم تأتِ عليكِ أن تنسي أمر قطعة الأرض الشرقية!"

ترددت للحظة، فلقد وضعت تصاميم المشروع على تلك الأرض، وعملت بجدِ شديد حتى أنهيت نصف العمل، وإن انقلب شادي عليّ الآن، سيذهب جهد شهور طويلة أدراج الرياح.

فقلت في نفسي: ليكن، سأذهب.

ما دامت علاقتنا على وشك الانتهاء، فليكن هذا اللقاء بمثابة وداعٍ أخير.

اتبعتُ العنوان الذي أرسله، وحين وصلت إلى الفندق، كان جمعٌ لا بأس به قد سبقني إلى القاعة الخاصّة، وجميعهم من أصدقاء شادي.

كان كلاً من شادي وسها يجلسان إلى جانب بعضهما البعض ويرتديان ثيابًا بألوان متشابهة لكي يبدوا كزوجين حقيقين.

نهضت سها عندما رأتني وارتدت ابتسامة مصطنعة على وجهها:

"أتيتِ أخيرًا يا جنى!"

ثم أضافت:

"انتظرناكِ طويلًا، معذرة، هل جلست في مكانكِ؟! سأتركه لكِ على الفور".

كادت أن تتحرك، لكن شادي أمسك بيدها على الفور وقال بوجه متجهّم:

"لا تتحركي، إنها التي تأخرت، لتجلس في أي مكان تجده!"

قالت سها باعتذارٍ متكلف، وهي تجلس في حضنه:

"عذرًا يا جنى، لا أستطيع عصيان شادي".

سحبت كرسيًا قريبًا وجلست بلا اكتراث:

"لا مشكلة، ليس لدي أي مانع!"

ومنذ تلك اللحظة، أيقنتُ أن كلاهما لم يعد يعنيني في شيء ولا يهمني ما يفعلانه معًا.

وفي تلك الأثناء، ذهبت لأغسل يدايّ، وحين عدت، وقفت عند باب القاعة فسمعت دون قصد حديث دار بين أصدقاء شادي:

"إن سها وشادي يليقان ببعضهما حقًا في رأيي، إنكما رفيقان منذ الطفولة، وبينكما علاقة طويلة".

فرددت الأخرى: "هذا صحيح، وما أهمية جنى تلك؟!

إنها لا تقارن بسها أبدًا، بما أن سها عادت الآن، لما لا تعودان معًا".

قال أحدهم، وهو يتظاهر بالعقلانية: "كفى ثرثرة! إن سها ستكون العازفة الأولى بالعالم".

لم ينكر شادي عليهم الأمر، بل نظر إلى سها بدلال وعين تملأوها الحب والفخر، سألت نفسي في تلك اللحظة كيف أحببت رجلًا كهذا يومًا؟!

دفعت الباب ودخلت، فواصل أحدهم التملق بصوت عالِ:

"سمعت أن شادي اشترى إلى سها بيانو جديدًا لحفلها وقيمته مئتي مليون، يا للكرم!"

قال أحدهم وهو ينظر إليه: "هل فعلت ذلك حقًا؟! إن هذا ليس دعمًا بسيطًا، إنه حب صادق!"

كان شادي يستخف بيّ دومًا، فتعلم أصدقاؤه أن يستخفوا بي أيضًا ويسيئوا معاملتي، فلم يتكلّفوا أدنى مراعاة لوجودي.

قال شادي بلا مبالاة:

"وما فائدة الدعم؟ إن سها لا تحتاج ذلك، إنها موهوبة وكفؤة، إنها تستحق ذلك".

خفضتُ رأسي، وارتسمت على وجهي ابتسامةٍ باهتة؛ إذ بدا بوضوح أن ما بينهما ليس دعمًا بين أصدقاء وإنما حبًا حقيقيًا.

ثم نظر إليّ وأضاف وكأنه يتفضّل:

"ثم إنني استثمرتُ أيضًا في مشروع أرض عائلة كارم".

وقال موجّهًا كلامه إليّ:

"لا تقلقي يا جنى، سأوقّع العقد فور عودتنا".

تدخّل أحدهم على الفور: "آه نعم، سمعتُ بذلك… لكنني سمعت أن المبلغ لا يتجاوز خمسين مليونًا".

ضحك آخر ساخرًا: "أي ربع ثمن البيانو الذي اشتريته إلى سها فقط!"

تعالت ضحكات خافتة، كأنها تسخر من مدى بساطة ورخص قدري عنده.

ويا للمفارقة بيني وبينها!!

لقد ضحكت أنا أيضًا.

فتساءلتُ في نفسي، أين كان عقلي حين أحببت رجلًا مثله؟!

وفجأة، أشارت إحدى الفتيات إلى مشبك الشعر التي يعلو رأس سها وقالت بدهشة: "يا إلهي! إنه على شكل تاج، كم يبدو رائعًا!"

نظرت سها إلى شادي بخجلٍ مصطنع وقالت: "إنه من أهداه لي... قال إنه هدية نجاحي في العزف"

نظرت إليه وقد عرفتُه من النظرة الأولى.

كان ذاك التاج…

أليس هذا هو التاج الذي ينبغي أن يُزيّن رأسي في يوم خطبتنا؟!
Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أحببتك يومًا...ولكن   الفصل 8

    انسابت دموع سها، ونظرت إليّ بعينين يفيض منها الحقد:"جنى! هذا كله بسببكِ، لقد تخلى عني بسببكِ!"ثم قالت بيأس: "لماذا تنافسينني؟ لماذا؟"قلت ببرودٍ وسخرية: "من قال إنني أتنافس معكِ؟ إن شادي حثالة لا يرغب بها سواكِ.أرجوكِ، خذيه وابتعدا عن حياتي".وفي تلك اللحظة، ظهر شادي على الفور. يبدو أنه سمع بما جرى، فأتى مسرعًا.اندفع نحوي يصرخ:"جنى! اسمعيني!""دعيني أشرح لكِ الأمر، لا علاقة لي بهذه المرأة بعد الآن!"صرخت سها باكيةً:"شادي، كيف تفعل هذا؟ أنا حامل بطفلك!"«إنه دمك ولحمك، أتلقي به هكذا؟"ساد الصمت، ولم أستطع تمالك نفسي فقلت بسخريةٍ لاذعة:"ألم تقل لم يحدث أي شيء بينكما؟ هل يمكن أن يولد طفلًا من الفراغ؟"لكن شادي أنكر بعناد:"هذا كذب! إنني لا أحبّها أصلًا! لم أحب سواكِ، أعلم أنني أخطأت، سامحيني ولنبدأ من جديد".لم أنظر له ولو مرة واحدة وقلت: "شادي، أنسي هذا الأمر!"لمستُ تاج الألماس الوردي، الذي وضعه مازن على رأسي بنفسه، وقلت:"أترى هذا؟ لقد صُمّم لي خصيصًا، يخصّني وحدي، لا يملكه أحدًا غيري،لقد حصلت على الأفضل، فلما قد أحصل على بقاياك؟!".وقلت وأنا اقطع أي خيط أمل:"ارحل! أنا ومازن

  • أحببتك يومًا...ولكن   الفصل 7

    لكنني لم أعد أبالي بكل هذا العبث، فقلت له بحدّة: "لولا أنكَ ظللتَ تفتح لها الأبواب بابًا بعد باب، وتسمح لها بكل شيء، أكانت ستتجرأ عليّ بكل هذه الوقاحة؟"ثم نظرت إليه بازدراء:"أليس أنت من أراد أن يجمع بين امرأتين واحدة بالبيت والأخرى تلتقي بها بالخارج؟! إنك أكثرهم قذارة وتشعرني بالاشمئزاز!!"كانت سها تبكي على مقربة، دموعها تنهمر كالأمطار، وتقول بصوت متشنجّ متقطع:"أنا آسفة… آسفة! إن الخطأ خطئي، لم يكن ينبغي لي أن أظهر بينكِ وجنى، لقد عقدت الوسط، سأرحل على الفور".قطّبتُ حاجبيّ ضجرًا وقلت ببرود: "ارحلي حالًا إن كنتِ سترحلين، عليكِ ان تذهبي إلى مكان لا يراكِ أحدًا به، فلا أحدًا يهتم أين ستذهبين!"ثم تابعت بصوت عالٍ:"إن عائلة المنيري تسير في منحدرٍ منذ ثلاثة أجيال، ويبدو أنكِ من سيقضي عليها الآن!أنصحكِ أن تتشبثي بجانب شادي جيدًا فربما لا تجدين ملجأ غيره".فاندفعت للخارج، تشتعل خزيًا وغضبًا.أما شادي فحاول الاستمرار فيما يفعله والتمسّك بي، لكن مازن أمر رجاله بضربه وألقوا به خارجًا.بعد انتهاء حفل الخطبة، توالت صديقاتي على زيارتي مهنئات، وما إن جلسن حتى بدأن يروين الأخبار بشغف:"جنى،

  • أحببتك يومًا...ولكن   الفصل 6

    حين اقتحم شادي قاعة الخطبة، كنا نتبادل أنا ومازن الخواتم معًا في تلك اللحظة.اندفع شادي نحوي وعيناه تشتعل اضطرابًا، فأمسك بيدي كأنما يريد انتزاعها عن جسدي وصاح: "جنى، كفى عبثًا! عودي معي إلى البيت!"قطب مازن حاجبيه، ودفعه جانبًا بصرامة: "سيد شادي، لا أذكر أنني أرسلت إليك دعوة".ثم نظر إليه زجرًا وتابع:"وإن سولت لك نفسك أن تفسد الحفل، فلا أنصحك بذلك لأنني لن أتساهل معك، وإن كان هذا ما تفكر به فلا تلومني!"ارتبك والدا شادي ارتباكًا شديدًا، فلا يحتملان أي فضيحة بين هذا الجمع الغفير، فأمسكا به يحاولان إخراجه:"ما الذي تفعله؟ أتريد حقًا إثارة الفوضى أمام كل هؤلاء الناس؟"لكنه لم يٌصغ، بل أصر بعنادٍ أعمى وكأنه لا يرى سواي محاولًا جري معه: "أي خطوبة هذه؟ أنا لا أوافق على هذا!"وصاح في الجميع: "أليست خطيبتي؟ ولم ننفصل، فكيف ستخُطب إلي مازن؟!"ثم صاح بي مهدّدًا: "تعالي معي، ما دام صبري لم ينفذ بعد!"وقفت سها إلى جانبه، تتصنع البراءة وكأنها صوت العدل: "نعم، إن أخي شادي لم يقل يومًأ أنه فسخ الخطبة، لقد أجلها فقط بسبب بعض الأمور،يستحيل أن تكون الأخت جنى وجدت رجلًا آخر بهذه السرعة".لم أتمال

  • أحببتك يومًا...ولكن   الفصل 5

    كانت عائلة المهدي تعتمد اعتمادًا كليًا على مازن وكان هو رغم صغر سنه يحمل أعباء ومسؤوليات عائلته على عاتقه. لم تكن عائلته فقط من تكن له الاحترام، بل كان جميع أهل المدينة يحترمه ويخشاه، لذا كان حفل الخطبة كما تخيلته تمامًا لم يكن مجرد حفل، بل كان مهرجانًا شديد الفخامة.اختار أفخم فندق في المدينة لإقامة الحفل به، وطلب فريقًا ليقوم ببث الحفل مباشرة لكي يتناقله الجميع في المدينة.أما أبي وأمي فلم يبدِ أي منهما أي اعتراض أو تردد، كانا ينتظران الحفل كما ينتظر المرء مجيء الربيع. كنت أعلم أن كلاهما لم يكن راضيًا عن شادي منذ زمن لكنني كنت أصرّ عليه لذا فقد ابتلعا اعتراضهما عليه بسبب حبي الأعمى له، فلما انقطع ما كان يقيّدهما، لم يبقَ ما يردعهما.قالت أمي وهي تبتسم ابتسامة من يعرف نهاية الفيلم قبل عرضها: "أتذكرين عندما كنتِ صغيرة كنتِ تتبعين مازن في كل مكان وتقولين له أخي، أخي...؟!"ثم تابعت: "ولا أدري ما الذي جرى لكِ منذ كنتِ في الثانوية، فوقع قلبكِ في حب ذلك الفتى ابن عائلة الوكيل".نظرت لي وقالت بلومٍ وعتاب:"لقد أخبرتكِ وأباكِ أيضًا أن ذلك الفتى لا يمكنه تكوين أسرة ولا يعرف الاستقرار، لكنكِ

  • أحببتك يومًا...ولكن   الفصل 4

    انقلب كل شيء في لحظة، حين دخل مازن بهيبته يطوف بنظره الوجوه من حوله ووقف إلى جانبي فساد التوتر كعباءة ألقاها الرجل ذو القامة المهيبة.قال وهو يضمّني إلى صدره في رفقٍ: "هل أذكِ؟ هل فعل بكِ شيء؟" فهززت رأسي نافية وقلت: "لا"فوقف أمامي وسحبني خلفه الذي أخفاني تمامًا ثم التفت إلى شادي وقال ببرود: "يا سيد شادي، إن فستان خطيبتي، أمر لا يعني أحدًا سوانا" ثم أردف:"أما أنت -بالطبع غريبًا عنا- فلا يعنيك هذا"اصفرّ وجه شادي في الحال، وقال بحنقٍ شديد: "غريب، هل أنا غريب؟!"ثم أشاح بنظره إليّ ورمى كلمته نحوي كأنها حجر: "جنى، ما الذي يقوله؟"كاد شادي أن يقترب مني، لكن منعه مازن واشتد ساعده وبرزت عروقه وازداد وجهه جمودًا.كان مهيبًا حقًا لا يراه أحدًا في المدينة دون أن يهابه ويفسح له المجال.صمت الجميع لم يجرؤ أحدهم على التنفس بصوتٍ عالٍ.بالرغم من كل هذا لكن مازن كان أحمقًا لم يكن من النوع الذي يدرك العواقب ولا يستطيع إدراك مدى شحون الموقف الآن، فظل يلاحقني ويلحّ: "جنى، أخبريني الحقيقة! هل هذا تمثيل؟"ثم ارتفع صوته قائلًا: "كم أصبحتِ وقحة! كيف تستأجرين رجلًا لكي يتظاهر أنه حبيبكِ؟ كفاكِ!"لم ألت

  • أحببتك يومًا...ولكن   الفصل 3

    فنظرت إليها وابتسمت ساخرة: "بالطبع، هذا ليس أمرًا غريبًا، فإن حفيد عائلة الوكيل بالطبع يجب أن يكون سخيًا".ثم تابعت بهدوء: "إن ذلك المشبك مصنوع من الياقوت الأزرق، وقد كانت اشترته عائلته في مزاد قبل عشرة أعوام، إنه باهظ الثمن حقًا. أتعلمين أنه من المفترض أن تقدمه العائلة هدية إلى زوجة ابنهم؟! لكن على ما يبدو أن شادي رأى بكِ ما يثير الإعجاب أكثر مني فأعدل عن قراره".في تلك اللحظة خيّم الصمت على القاعة خيمةً ثقيلة؛ فمهما يكن، كنتُ لا أزال خطيبته رسميًّا، ولو بالاسم وحده.كانت سها أول من آفاق من وقع تلك الكلمات، فاحمرت عيناها، ومدت يدها لتنتزع المشبك وهي تقول بصوتٍ منكسر: "آسفة يا جنى، أعلم أنني لا أستحقه، سأعيده لكِ".انتزعته بخبث، فانقطعت خصلات من شعرها، فارتعشت ودمعت عيناها.امسك شادي يدها بحدة لكي يوقفها، وقال بضيق: "وهل يمكن أن ترد الهدية؟! احتفظي به، فأنا الذي أهديتك إياه".ثم قال بنبرة تحدٍ عالية: "لأرى من الذي يجرؤ أن يعترض على ذلك؟!"ثم التفت إلى مباشرة وعلى وجهه ضيقًا وقال بنبرة حادة: "جنى، ألا زلتِ تبالغين في تقدير الأمر؟!"ثم تابع مستهجنًا: "لم نتزوج بعد، وقد بدأتِ تتصرفين

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status