เข้าสู่ระบบأغمضت عينيها لثوانٍ، واستحضرت ذكريات طفولتها البعيدة، تذكرت النغمة الموسيقية التي كان والدها يدندنها عندما يفتح هذا الباب... نغمة الشفرة ذاتها! بأصابع بيضاء مرتجفة، حركت التروس النحاسية بالترتيب الصحيح: أربعة، اثنان، ثمانية، واحد.
انفتح الباب بصوت أزيز معدني، لتدخل إلى غرفة صغيرة مليئة بالمحولات الكهرومغناطيسية، والتروس الهيدروليكية، وأنابيب الضغط البخاري القديمة التي تغطيها طبقات من الغبار والنسيج العنكبوتي. رأت في المنتصف لوحة تحكم ضخمة تحتوي على صمامات نحاسية ومفاتيح كهربائية قديمة ترتبط بمولد طوارئ زئبقي مستقل يعمل بالضغط الميكانيكي. مسحت العرق عن جبهتها، وجمعت كل قوتها البدنية المتبقية لتسحب ذراع التشغيل الفولاذي الثقيل إلى الأسفل. تحركت التروس القديمة بصرير حاد، واهتزت الأنابيب تحت ضغط السوائل والهواء، وتفعل نظام الأمان والدفاع القديم للقصر بالكامل! في الأعلى، وفي منتصف القتال الشرس، انطلقت فجأة صفارات إنذار قديمة ذات نبرة عالية جداً، تصدر نغمات صوتية تردادية (أكوستيكية) مصممة خصيصاً لتدمير توازن الأذن الداخلية ولإرباك أجهزة الرؤية الليلية وخوذ المقاتلين. وفي الوقت ذاته، انطلقت من الفتحات الجدارية كشافات ضوئية من الفسفور الأبيض الشديد الإضاءة، تومض بآلاف النبضات في الثانية الواحدة، مسببة عمى مؤقتاً وشللاً كاملاً لفرقة الاقتحام المسلحة التي كانت تعتمد على التقنيات الحديثة والأقنعة التكتيكية. ساد الارباك والذعر بين صفوف المهاجمين؛ أخذوا يصرخون باللغة الإيطالية ويطلقون النار بشكل عشوائي في كل الاتجاهات بعد أن فقدوا قدرتهم على الرؤية والتواصل، وتوقفت مضخات الغاز السام بفعل انغلاق الصمامات الهيدروليكية القسري الذي أحدثته قمر من الأسفل. استغل البطل هذه الفرصة الذهبية ببراعة قاتل محترف لا يرحم؛ اندفع كالظل بين أضواء الفسفور الومّاضة، يقطف أزواحهم واحداً تلو الآخر في قتال تلاحمي حاد وشرس. استخدم الرشاشات الساقطة منهم، وأفرغ خزائنها في أجسادهم، وضرب بقبضتيه الفولاذيتين وسكينه حتى تطهرت القاعة الكبرى والممرات من آخر مقتحم. تحولت أرجاء القصر إلى ملحمة غارقة في الدماء؛ جثث الأعداء متناثرة فوق السجاد والرخام، والرصاص الفارغ يغطي الأرضية، والدخان الكثيف ينساب نحو السماء عبر النوافذ المحطمة. ساد الصمت مجدداً، صمت ثقيل لا يقطعه سوى صفير الهواء البارد وانقطاع صفارات الإنذار بعد أن أدت غرضها. جرى البطل بنشيج مكتوم ونفس لاهث نحو موقع الممر السرّي، ويده الملطخة بالدماء تشد على حبل السلاح. سحب الباب السرّي بقوة جبارة ليفتحه، ونزل السلالم الحجرية يصرخ باسمها بصوت يمزقه الخوف والرجاء: "قـمـر! قمري!". خرجت قمر من غرفة التحكم السفلية، ووجهها الشاحب ملطخ بغبار الزمان ودموع الفرح. عندما التقت عيناه بعينيها، سقط سلاحه على الأرضية الحجرية بتدوٍّ عالٍ، واندفع نحوها كالمجنون، حاطماً كل المسافات بينهما. جثا على ركبتيه أمامها واحتضن خصرها بقوة هائلة، دافناً رأسه المبتل بالعرق والدم في أحشائها وبين أحضانها، يتنفس وجودها بلهفة مجنونة ويمسد على ظهرها وبطنها الحامل ليتأكد من أنها لم تصب بأذى. رفعت قمر وجهه بيديها المرتجفتين، ونظرت إلى جروحه ووجهه الملطخ بدماء الأعداء، ولم تشعر بالخوف أو المقابلة، بل غمرتها موجة عارمة من العشق والامتنان الأبدي لهذا الرجل الذي صمد في وجه الجحيم لأجلها. انحنت عليه وسمحت لدموعها أن تغسل الدماء عن وجنتيه، وتبادلا عناقاً حاراً، مشتعلاً، ومليئاً بالمشاعر السامية والصراع النفسي المترسب الذي ذاب في لحظة نجاة إعجازية. طبع قبلاً متتالية على شفتيها، وجبهتها، وعينيها، يدندن لها بكلمات الغزل بالفصحى الراقية، مسمياً إياها ملكته وأمله وروح حياته الخالدة، بينما كانت هي تشد على كتفيه السليمين وتهمس له بأنها لا تريد من هذا العالم سوى أن تبقى في أحضانه إلى الأبد. كان عناقاً حاراً وسط دماء الأعداء ودمار القصر، تلاحمت فيه الأرواح لتعلن انتصار الحب على كل مخططات المافيا والقتل. ساعدها على النهوض، ولف ذراعه القوية حول خصرها ليرتقيا معاً السلالم الحجرية نحو القاعة الكبرى المطهرة. توقفا في منتصف البهو المظلم، بين جثث المقتحمين والضوء الفضي للقمر الذي بدأ يتسلل عبر النوافذ المحطمة ليضفي هالة أسطورية على الموقف. تنفست قمر الهواء النقي، واستندت بكتفها على صدره العريض، متأكدة من أن هذه الكوابيس قد انتهت أخيراً وأن بإمكانهما البحث عن السلام. لكن، وبينما كان أحد حرسه المخلصين القلائل الذين نجوا من المعركة يقترب منهما لتأمين الطريق ومغادرة القصر فوراً نحو المرفأ، توقف الحارس فجأة واستل مسدسه مشيراً به نحو جهاز الاتصال التكتيكي اللاسلكي الملقى على صدر قائد فرقة الاقتحام الصريعة. انبعث من الجهاز صوت خشرجة إلكترونية حادة، تلاها صوت ضحكة خفيضة، ثقيلة، ومألوفة جداً للبطل وقمر... ضحكة لم تكن لـ "الزعيم الأكبر" ولا لأحد أعدائهما المعروفين. "عمل ممتاز يا 'ظل'.. لقد أديت دورك في التصفيات ببراعة كالعادة،" انبعث الصوت عبر اللاسلكي بنبرة هادئة، دافئة، ويملؤها الثقة المطلقة باللغة العربية الفصحى. تجمدت قمر في مكانها، وانحسرت الدماء من وجهها بالكامل، بينما اتسعت عينا البطل بذهول مرعب واشتعلت عروق رقبته بتوتر قاتل. كان هذا الصوت هو صوت الرجل الذي ائتمنه البطل على إدارة أمواله وحماية أسراره في جنيف، صديقه الأقرب وذراعه الأيمن "إلياس"، الذي كان من المفترض أن يؤمن خطة هروبهما في إيطاليا! استطرد الصوت عبر اللاسلكي بنبرة تقطر بالسم والخيانه العظمى: "لا داعي للبحث عن 'الزعيم الأكبر' يا قمر.. والدكِ العزيز مات بالفعل منذ أسبوعين في مصحة باري، والصوت والرسائل والشفرات التي قادتكما إلى روما لم تكن سوى تدبيري الخاص لأجمعكما في هذا القصر المعزول. لم تكن فرقة الاقتحام سوى التضحية الأولى لتشتيت انتباهك يا 'ظل'... فالهدف الحقيقي لم يكن قتلكما هنا، بل كان إشغالكما بينما تقوم قواتي الخاصة الآن باقتحام المستشفى السري في جنيف واحتجاز 'العينات البيولوجية' والشفرات الجينية الخاصة بطفليكما التوأم والمخزنة في البنك الوراثي للمنظمة! أهلاً بكما في اللعبة الحقيقية... حيث أصبح أطفالكما القادمون هم العرش الجديد لـ 'الظل الأسود'، والثمن استردادهم هو رأسك يا 'ظل' بيدك أنت!".في هذه الأثناء، وفي أعمق نقطة من الحصن البركاني المظلم، اخترق البطل الجدار الفولاذي الأخير للمقر الرئيسي باستخدام عبوات البلازما الحارقة. انفجر الباب المصفح متناثراً إلى شظايا متوهجة، وانثقبت ألسنة الدخان الأبيض المعقم لتفسح المجال أمام جسده الشامخ للعبور إلى داخل قاعة القيادة العليا.كانت القاعة صرحاً هندسياً فخماً ومرعباً في آن واحد؛ جدرانها من الصلب الأسود المصفح، تحيط بها أجهزة كمبيوتر عملاقة تعكس خرائط العالم الجيوسياسية، وفي منتصفها ترتفع منصة استراتيجية دائرية تطل على حوض مائي عميق يضم غواصة استراتيجية مسلحة.لكن المفاجأة الكبرى التي جمدت الدم في عروق البطل الزمرديتين لم تكن وجود الأم أو التوأم التوأم... بل كانت الشخصية القابعة على الكرسي الجلدي الفاخر في صدر المنصة!نهض الرجل من كرسيه ببطء وثبات أسطوري، ليتجلى شخصاً في الخمسينيات من عمره، ذو بنية جسدية رياضية صارمة، وشعر فضي ممشط بعناية، يرتدي بدلة تكتيكية مدنية تحمل شارات وسيادية عالية المستوى. لم يكن هذا الرجل سوى "الجنرال فالكون"... القائد السابق لأعظم جهاز استخبارات دولي، والرجل الذي كان يُعتقد أنه تقاعد ومات
امحت الرؤية من على شاشات السيطرة الكبرى في غرفة عمليات القصر بالقاهرة، واستحالت الصور الحية إلى شبكة متلاطمة من الخطوط الثلجية والموجات السوداء القاتمة، بعد أن بترت أمواج التشويش الكهرومغناطيسي العاتية كل خيوط الاتصال الفضائي والأثيري التي كانت تربط العاصمة بتلك البقعة النائية في عرض البحر الأحمر. انقطع الصوت الأبح القادم من المروحيات الشبحية في منتصف كلمة حاسمة كان ينطق بها البطل، ليعود الصمت الرهيب يغلف الجناح السفلي المعزول تحت الأرض، صمتٌ أشبه ببرودة المقابر الحجرية، لا يقطعه سوى النبضات الالكترونية المنتظمة لأجهزة تنقية الهواء والهمس الخفيض لمولدات الطاقة الاحتياطية.وقفت قمر في منتصف غرفة العمليات كتمثال من العاج المنحوت، تتأمل الشاشات المظلمة بعينين اتسعتا برعب خرافي، بينما انسحبت دماء الحياة من وجنتيها العاجيتين لتدع الشحوب الموتوي يستولي على ملامحها الآسرة. في تلك اللحظة القاتلة من العزلة والانقطاع المطبق، شعرت وكأن خنجراً مسنوناً يُغرس في قلبها ويُدار ببطء وحرقة؛ إذ كانت تعلم أن زوجها، ملك الظلال والرجل الذي اختصر العالم في وجوده، قد اندفع نحو جوف الحصن البركاني في عرض
"إن كانت هذه المعركة هي الأخيرة..." همست قمر بين القبلات المتتالية التي يوزعها على جفنيها وخدها وعنقها، "فأعدني يا 'ظلي' أن تعود إليّ حياً... أعدني أن تطأ أعداءنا بقدميك وتعود لتضع طفلتنا بين ذراعي ونحن في أمان مطلق!"."أعدكِ بروحي، وعرشي، وبحبي الذي لا ينتهي يا قمر،" قال البطل ونبرته تتصلب بقوة فولاذية، طابعاً قبلة أخيرة مشتعلة على جبهتها. "سأعود إليكِ مطهراً الأرض من كل شيطان حاول المساس بكِ، وسنبني فوق ركام أعدائنا الملاذ الأبدي الذي ستحيا فيه طفلتنا بكرامة وسيادة!".انكسرت جدران الشك والصراع النفسي داخل روح قمر أمام هذا القسم الصادق، واستحالت مشاعر الخوف لديها إلى خطة عمل حاسمة وواضحة. انتقلا معاً مجدداً إلى منصة التوجيه الكبرى، لتشريع تفاصيل خطة الهجوم المزدوجة المعقدة التي ستنفذ ضد الحصن البركاني في جزر البحر الأحمر.اعتمدت الخطة الاستراتيجية على تقسيم الأدوار بصورة تكتيكية عالية الدقة بين العقل الرقمي والقدرة القتالية الميدانية؛ إذ تتولى قمر إدارة مركز القيادة والاتصالات السريّة من داخل غرفة عمليات القصر الحصينة بالقاهرة، لتكون العقل المدبر والعين الحارسة التي تخت
في أجزاء من الثانية شحنت بضغط عصبي هائل وتوتر يقطع الأنفاس، لم يمنح ملك الظلال ذلك الدخيل الخائن فرصة لتفجير عبوة الغاز غير المرئي؛ إذ اندفع كالبرق المظلم نحو الكائن المتسلل، مستلاً من حزامه التكتيكي حربة شلل عصبية مصغرة، وهوى بها في نقطة حيوية عند أسفل عنق المهاجم ليخر صريعاً دون أن يتيح له إطلاق حافز السم. وبلمح البصر، احتضن البطل طفلته الرضيعة بيده اليسرى بحرص أسطوري ورقة تامة، بينما سحب بيده الأخرى قمر المجهدة إلى أحضانه، وأصدر إشارة طوارئ حاسمة أغلقت الجناح الملكي بصفائح الفولاذ المصفح، لينقل الجميع عبر مصعد هيدروليكي مخفي إلى أعماق غرفة العمليات المركزية الحصينة القابعة أسفل أرضية القصر الرئيسي بالقاهرة، المكان الذي أقيم ليكون مركز السيطرة والتوجيه الأكبر لجميع تحركات إمبراطوريته.ساد السكون المعقم أرجاء غرفة العمليات المركزية، حيث كانت الجدران مغطاة بشاشات التتبع الرقمية العملاقة، وتنعكس عليها الأضواء الزرقاء والبيضاء الصادرة من الخرائط الكهرومغناطيسية وثلاثية الأبعاد. استقرت الطفلة الصغيرة في مهدها المعقم المجهز بأحدث أجهزة دعم الحياة داخل الجناح الطبي الملحق بالغرفة، بي
تجمد النبض في عروق البطل وهو يتأمل الهولوغرام المتوهج في عتمة الليل، بينما كانت يد البطلة قمر ترتاح على الوسادة إلى جواره، تنام في سكينة شاحبة تطفح بالبراءة والألم. خاض سبعة أيام كاملة من السير على جمر الترقب واليقظة المطلقة؛ احتفظ بكل تفاصيل التحذير الجيني الجائر في أعماق عواطفه المكتومة، حريصاً على أن يغلف القصر برداء من الفخامة والدفء ليرد إليها روحهما التي انتُزعت في غرف العمليات، متكتماً على الشكوك القاتلة حتى يتيح لجسدها المجهد أن يتعافى من آثار الجراحة القيصرية. وفي اليوم السابع للولادة، وتجسيداً للموروث العائلي الدافئ وسط أسوار الحصن الفولاذي، استحال الجناح الملكي والقاعات السفلية للقصر الرئيسي بالقاهرة إلى مسرح أسطوري لاحتفال عائلي مصغر ومغلق بمناسبة "السبوع"؛ احتفال لم يحضره سوى الصفوة المطلقة من الحراس المخلصين، والقلة القليلة من الأطباء والخدم الذين رضعوا الوفاء لعشيرته منذ العقود الأولى.كانت القاعة الكبرى تزدين بأطواق من الزهور البيضاء النادرة، ويتصاعد في أرجائها عبير البخور الجاوي والعنبر الممزوج برائحة الياسمين البلدي، بينما عكست الثريات الكريستالية الضخمة خيوطاً
سحبها بلمح البصر إلى أحضانه بقوة وجنون، ضاماً جسدها المرتجف إلى صدره الفولاذي حتى كاد يدمج عظامها بضلوعه، ودفن وجهه في منحنى عنقها، يستنشق عبير ياسمينها الدافئ ويتنفس حرارة بشرتها بنشوة وشغف يفيضان بالحرقة والحنان المفرط.أخذ يوزع قبلاته المشتعلة على عنقها، وفكها، ووجنتيها المبتلتين بالدموع، ممرراً يديه الضخمتين على طول ظهرها بحنان تملك عاشقا يسعى لاستعادة أنفاسه من بين يدي الموت. "أنا أخشى عليكِ من الهواء الذي تتنفسينه يا قمر!" همس بصوت يتذبذب بالشجن والدفء العميق، وهو يرفع وجهها بيده الكبيرة، واضعاً إبهامه تحت ذقنها ليلتقي بعينيها المشتعلتين بالحب والتحدي. "أنتِ ونور عينيا الصغير كل ما أملك في هذا العالم المظلم. القتلة والأم والمنظمة ليسوا سوى حشرات أطؤها بقدمي، لكنني لو خسرتُ قطرة دم واحدة منكِ، سأفقد عقلي وأحرق العالم بما فيه!".تشابكت عيناهما في لحظة رومانسية داكنة الشغف؛ اقترب شفتيه من شفتيها الرقيقتين المرتجفتين، وضغط عليهما بقبلة حارة، عميقة، ومترعة بالحب والتملك والانصهار الروحي المطلق. كانت قبلة طويلة يتبادلان فيها الأنفاس، الدموع، والشوق الجارف بعد كل أهوال الولاد







