Share

الفصل السبعين

last update publish date: 2026-09-15 06:00:33

تلاشت الخريطة المجسمة ذات الضوء الأزرق الفسفوري لتترك خلفها وميضاً أحمر حاداً يقطع الظلام الدامس الذي خيم على الجناح الملكي، مترافقاً مع الأزيز المكتوم للعد التنازلي الذي ينقض بضراوة نحو الصفر. كان الهواء يتكاثف بالخوف الشديد، ورائحة الأوزون المنبعثة من الأسلاك الكهربائية المحترقة تخنق الأنفاس، بينما استقر جدار من الصمت المرعب على أرجاء القصر التاريخي العتيق. احتوى البطل قمر بين ذراعيه الفولاذيتين، ضاغطاً جسدها الهش ببراعة ورفق ضد الجدار الرخامي المبطن، مقدماً جسده الضخم كدرع أخير يقيم سداً بينها وبين المجهول القادم من الظلمات. كانت دقات قلبه الهادرة تضرب في صدره كأنها طبول حرب حاسمة، وأنفاسه الساخنة تلامس بشرة وجنتها الباردة، مجبرة إياها على الاستمساك بقميصه والتطلع في عينيه الزمرديتين اللتين كشفتا عن نيران بركانية لا تسدها عواصف الأرض. لم تكن قمر تتنفس سوى عبيره الممزوج برائحة الجلد والتبغ والدم الزاكي الذي بدأ ينزف مجدداً من كتفه الأيسر، واندلعت في روحها عاصفة عاتية من الصراع النفسي المرير؛ صراع بين رعبها المُمزِق على حياته وحياة طفليها القابعين في أحشائها، وبين الشعور القاتل بالذنب لأن الدم الذي يلاحقهم في هذا القصر المعزول هو الدم ذاته الذي يجري في عروقها، دم والدها الشيطان الذي يسعى لإبادتهم جميعاً.

"ظلي.. أرجوك، اتركني وأنج بنفسك،" همست قمر بنبرة يائسة يمزقها النحيب المكتوم، والدموع الحارقة تنساب على وجنتيها الشاحبتين لتسقط على يديه الملتفتين حول خصرها. "المظلة تتسع لشخص واحد فقط، والموت يزحف إلينا عبر شبكات التهوية.. والدي لا يريد سوى رأسي وعرشه المزعوم، لا تضحِ بحياتك من أجل امرأة تجر معها اللعنة والدمار أينما حلت! خذ المظلة واهرب، واحفظ نفسك لهذا العالم، فأنا لا أحتمل فكرة أن أكون السبب في مقتلك على يد شياطين أبي!".

تصلب فك البطل العريض بشكل مرعب، واستحالت ملامحه القاسية إلى قناع من الصلب والحديد، واشتعلت عينيه بعاطفة جارفة وشراسة تتحدى الموت ذاته. لم يتكلم فوراً، بل جذبها بعنفوان وشغف مجنون نحو صدره، لافاً ذراعيه حول ظهرها بحرارة تتحدى برودة الظلام القارص، وغرس أصابعه الخشنة في خصلات شعرها الفاحم، دافناً وجهه في تجويف عنقها ليستنشق عبيرها كأنه يستمد منه الحياة لمواجهة الجحيم. "أغلقي فمكِ الملعون هذا ولا تتفوهي بهذه الخرافات مجدداً يا قمر!" صرخ بصوت أجش يتذبذب بين الغضب الساطع والعشق المهووس الذي يخترق العظام. "أنا لم أعش هذه الحياة القاسية، ولم أطأ أرض الجحيم وأخرج منها حياً، لأترككِ تموتين في ظلمات هذا القصر! أنتِ لستِ لعنة، أنتِ نوري الوحيد، ونبض قلبي الخافق، والسبب الوحيد الذي يجعلني أستحق الخلاص. إن كان والدكِ يريد هذا العرش الملوث، فسأطعنه بقلبه فوق حجارته، وإن كان الموت يقف عند أبوابنا الليلة، فسأقتله بيدي هاتين قبل أن يجرؤ على لمس طرف ثوبكِ! نحن نعيش معا، أو نموت معاً، ولكنني أقسم لكِ بالذي خلق حبكِ في صدري، لن تموتي الليلة ولن يلمس طفلينا أي سوء ما دمت أتنفس".

رفع رأسها بقوة ورقة متناهية، وطبع على شفتيها المرتجفتين قبلة حارة، يائسة، ومشبّعة بعاطفة متأججة أذابت كل الشكوك والمخاوف التي استقرت في روحها. كانت قبلة تجمع بين طعم الدموع الممالحة ولهيب الشغف الذي لا ينطفئ، قبلة تعلن عن ميثاق دم وأبدية تتحدى المافيا والدماء، وتوحد روحيهما في مواجهة الفناء الوشيك. استسلمت قمر للذوبان بين يديه، غارسة أناملها المرتجفة في كتفيه العريضين، متبادلة معه الشغف ذاته، ومستمدة من صلابته أماناً جعلها توقن أن الموت في أحضانه أهون بمراحل من الحياة بدونه. عندما فصل القبلة ببطء، كانت أنفاسهما متداخلة كأنها نفس واحد، وعيناه الزمرديتان تبرقان بعزيمة قاطعة. بلمح البصر، أزاح سجاداً شيرازياً ثقيلاً يغطي إحدى زوايا الجناح الملكي، وسحب حلقة حديدية مخفية في الأرضية الرخامية، لينفتح باب سرّي ضيق يؤدي إلى ممر حجري معتم ينساب في عمق الجدران الداخلية للقصر.

"هذا الممر يؤدي إلى الملاجئ السفلية الحصينة التي لا يصل إليها الغاز، وهي مجهزة بنظام تهوية ميكانيكي منفصل،" قال البطل بصوت صلب وقاطع، وهو يساعدها على الهبوط بحذر شديد داخل التجويف المظلم، مراعياً ثقل حملها وحركتها الخفيفة. "ادخلي يا قمر، واختبئي في الداخل ولا تخرجي مهما سمعتِ من أصوات أو انفجارات.. سأتعامل مع المقتحمين في الأعلى وأغلق محابس الغاز يدوياً من غرفة التحكم الرئيسية ثم أعود إليكِ". توسلت إليه بدموعها ليرافقها، لكنه وضع يده الدافئة على بطنها المنتفخ، وطبع قبلة أخير على جبهتها، ثم أغلق الباب الخشبي الثقيل وثبّت الأقفال من الخارج ليضمن حمايتها المطلقة، تاركاً إياها في العتمة السكونية للممر السرّي، بينما عاد هو إلى ظلمات الجناح ليكون الوحش الذي يلتهم كل من يجرؤ على الاقتراب.

في الأعلى، لم تدم مهلة العد التنازلي طويلاً؛ إذ دوت انفجارات حرارية متتالية هزت أركان القصر التاريخي، عندما قامت فرقة الاقتحام المسلحة التابعة لـ "الظل الأسود" بتفجير النوافذ القوطية المصفحة للجناح والبهو الرئيسي. اقتحم عشرات المقاتلين المدججين بالأسلحة الأوتوماتيكية وأجهزة الرؤية الليلية وأقنعة الغاز المتقدمة القصر، وتناثر زجاج النوافذ الملون كالمطر المشتعل فوق البلاط الرخامي. تحول القصر في ثوانٍ معدودة إلى ساحة حرب حقيقية؛ أصوات إطلاق النار الكثيف تشق صمت الليل، والقنابل الصوتية والدخانية تنفجر في الممرات لتخلق حالة من الفوضى العارمة. ولكن البطل لم يكن ينتظرهم في العلن، بل كان يتحرك كشبح أسود بين الظلال، مستغلاً معرفته الدقيقة بتضاريس القصر وهندسته القديمة.

من خلف إحدى الأعمدة الرخامية الضخمة، برز البطل كالفرس الأخير، ومسدسه التكتيكي المزود بكاتم الصوت ينطلق بشرارة قاتلة لا تخطئ هدفها. أطاح بالأول برصاصة دقيقة في الرأس، وسحب جثته بلمح البصر ليستخدمها كدرع ضد الرصاص المتطاير، ثم اندفع نحو الثاني بحركة خاطفة، غارساً خنجره القتالي في عنقه وساحباً منه قنبلة يدوية ألقاها في منتصف الممر المظلم لتنفجر وتطيح بثلاثة من المقتحمين في دوي هائل أضاء العتمة بلهيب أحمر. كانت دماؤهم تتناثر على الجدران التاريخية واللوحات الزيتية القديمة، والرجل يقاتل بشراسة انتحارية؛ جرح كتفه ينسكب منه الدم بغزارة، وعضلات جسده المفتولة تتوتّر مع كل ضربة وحركة، يدفعه محرك واحد لا يرحم: أن يحمي الممر السرّي الذي يقبع فيه قلبه وروحه.

في هذه الأثناء، وداخل الممر الحجري المعتم، كانت قمر تسير بخطوات مرتجفة، وأصابعها تتلمس الجدران الحجرية الرطبة التي تفوح منها رائحة القدم والتراب. كانت أصوات الانفجارات وإطلاق النار في الأعلى تصل إليها مكتومة، كأنها دقات طبول الجحيم، وكان قلبها يعتصر ألماً ورعباً على رجلها الذي يواجه جيشاً كاملاً بمفرده. توقفت في منتصف الممر، ونشبت في رأسها ذكريات طفولتها القديمة التي استعادتها للتو؛ تذكرت كيف كانت تتسلل في هذا الممر ذاته عندما كانت طفلة، وتذكرت تلك الغرفة السرية الصغيرة الملحقة بالمصلى والتي تحتوي على لوحة التحكم الميكانيكية الهيدروليكية الخاصة بنظام الإنذار والدفاع القديم للقصر، النظام الذي بناه والدها مهندس المنظمة الأكبر ليحمي مقره من أي هجوم خارجي.

تصارع الخوف مع الذكاء الشديد في رأس قمر؛ أدركت أنها إن بقيت مختبئة تنتظر مصيرها، فقد يخسر زوجها هذه المعركة غير المتكافئة بسبب كثرة الأعداء ونزيفه المستمر. قررت ألا تكون مجرد ضحية ضعيفة تحتاج إلى الحماية، بل شريكة قوية تقاتل بجانبه من أجل بقائهما وسلامة طفليهما. تحركت بسرعة غريزية تحركها دافع الأمومة والحب المشتعل، وتابعت سيرها في الممر الملتوي حتى وصلت إلى الباب الحديدي الخفي الموصل لغرفة التحكم القديمة. كان الباب مغلقاً بقفل ميكانيكي عتيق يتطلب تركيب رمز مكون من أرقام وبروزات صلبة. أغمضت عينيها لثوانٍ، واستحضرت ذكريات طفولتها البعيدة، تذكرت النغمة الموسيقية التي كان والدها يدندنها عندما يفتح هذا الباب... نغمة الشفرة ذاتها! بأصابع بيضاء مرتجفة، حركت التروس النحاسية بالترتيب الصحيح: أربعة، اثنان، ثمانية، واحد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الثامن والثمانون

    في هذه الأثناء، وفي أعمق نقطة من الحصن البركاني المظلم، اخترق البطل الجدار الفولاذي الأخير للمقر الرئيسي باستخدام عبوات البلازما الحارقة. انفجر الباب المصفح متناثراً إلى شظايا متوهجة، وانثقبت ألسنة الدخان الأبيض المعقم لتفسح المجال أمام جسده الشامخ للعبور إلى داخل قاعة القيادة العليا.كانت القاعة صرحاً هندسياً فخماً ومرعباً في آن واحد؛ جدرانها من الصلب الأسود المصفح، تحيط بها أجهزة كمبيوتر عملاقة تعكس خرائط العالم الجيوسياسية، وفي منتصفها ترتفع منصة استراتيجية دائرية تطل على حوض مائي عميق يضم غواصة استراتيجية مسلحة.لكن المفاجأة الكبرى التي جمدت الدم في عروق البطل الزمرديتين لم تكن وجود الأم أو التوأم التوأم... بل كانت الشخصية القابعة على الكرسي الجلدي الفاخر في صدر المنصة!نهض الرجل من كرسيه ببطء وثبات أسطوري، ليتجلى شخصاً في الخمسينيات من عمره، ذو بنية جسدية رياضية صارمة، وشعر فضي ممشط بعناية، يرتدي بدلة تكتيكية مدنية تحمل شارات وسيادية عالية المستوى. لم يكن هذا الرجل سوى "الجنرال فالكون"... القائد السابق لأعظم جهاز استخبارات دولي، والرجل الذي كان يُعتقد أنه تقاعد ومات

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل السابع والثمانون

    امحت الرؤية من على شاشات السيطرة الكبرى في غرفة عمليات القصر بالقاهرة، واستحالت الصور الحية إلى شبكة متلاطمة من الخطوط الثلجية والموجات السوداء القاتمة، بعد أن بترت أمواج التشويش الكهرومغناطيسي العاتية كل خيوط الاتصال الفضائي والأثيري التي كانت تربط العاصمة بتلك البقعة النائية في عرض البحر الأحمر. انقطع الصوت الأبح القادم من المروحيات الشبحية في منتصف كلمة حاسمة كان ينطق بها البطل، ليعود الصمت الرهيب يغلف الجناح السفلي المعزول تحت الأرض، صمتٌ أشبه ببرودة المقابر الحجرية، لا يقطعه سوى النبضات الالكترونية المنتظمة لأجهزة تنقية الهواء والهمس الخفيض لمولدات الطاقة الاحتياطية.وقفت قمر في منتصف غرفة العمليات كتمثال من العاج المنحوت، تتأمل الشاشات المظلمة بعينين اتسعتا برعب خرافي، بينما انسحبت دماء الحياة من وجنتيها العاجيتين لتدع الشحوب الموتوي يستولي على ملامحها الآسرة. في تلك اللحظة القاتلة من العزلة والانقطاع المطبق، شعرت وكأن خنجراً مسنوناً يُغرس في قلبها ويُدار ببطء وحرقة؛ إذ كانت تعلم أن زوجها، ملك الظلال والرجل الذي اختصر العالم في وجوده، قد اندفع نحو جوف الحصن البركاني في عرض

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل السادس والثمانون

    "إن كانت هذه المعركة هي الأخيرة..." همست قمر بين القبلات المتتالية التي يوزعها على جفنيها وخدها وعنقها، "فأعدني يا 'ظلي' أن تعود إليّ حياً... أعدني أن تطأ أعداءنا بقدميك وتعود لتضع طفلتنا بين ذراعي ونحن في أمان مطلق!"."أعدكِ بروحي، وعرشي، وبحبي الذي لا ينتهي يا قمر،" قال البطل ونبرته تتصلب بقوة فولاذية، طابعاً قبلة أخيرة مشتعلة على جبهتها. "سأعود إليكِ مطهراً الأرض من كل شيطان حاول المساس بكِ، وسنبني فوق ركام أعدائنا الملاذ الأبدي الذي ستحيا فيه طفلتنا بكرامة وسيادة!".انكسرت جدران الشك والصراع النفسي داخل روح قمر أمام هذا القسم الصادق، واستحالت مشاعر الخوف لديها إلى خطة عمل حاسمة وواضحة. انتقلا معاً مجدداً إلى منصة التوجيه الكبرى، لتشريع تفاصيل خطة الهجوم المزدوجة المعقدة التي ستنفذ ضد الحصن البركاني في جزر البحر الأحمر.اعتمدت الخطة الاستراتيجية على تقسيم الأدوار بصورة تكتيكية عالية الدقة بين العقل الرقمي والقدرة القتالية الميدانية؛ إذ تتولى قمر إدارة مركز القيادة والاتصالات السريّة من داخل غرفة عمليات القصر الحصينة بالقاهرة، لتكون العقل المدبر والعين الحارسة التي تخت

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الخامس والثمانون

    في أجزاء من الثانية شحنت بضغط عصبي هائل وتوتر يقطع الأنفاس، لم يمنح ملك الظلال ذلك الدخيل الخائن فرصة لتفجير عبوة الغاز غير المرئي؛ إذ اندفع كالبرق المظلم نحو الكائن المتسلل، مستلاً من حزامه التكتيكي حربة شلل عصبية مصغرة، وهوى بها في نقطة حيوية عند أسفل عنق المهاجم ليخر صريعاً دون أن يتيح له إطلاق حافز السم. وبلمح البصر، احتضن البطل طفلته الرضيعة بيده اليسرى بحرص أسطوري ورقة تامة، بينما سحب بيده الأخرى قمر المجهدة إلى أحضانه، وأصدر إشارة طوارئ حاسمة أغلقت الجناح الملكي بصفائح الفولاذ المصفح، لينقل الجميع عبر مصعد هيدروليكي مخفي إلى أعماق غرفة العمليات المركزية الحصينة القابعة أسفل أرضية القصر الرئيسي بالقاهرة، المكان الذي أقيم ليكون مركز السيطرة والتوجيه الأكبر لجميع تحركات إمبراطوريته.ساد السكون المعقم أرجاء غرفة العمليات المركزية، حيث كانت الجدران مغطاة بشاشات التتبع الرقمية العملاقة، وتنعكس عليها الأضواء الزرقاء والبيضاء الصادرة من الخرائط الكهرومغناطيسية وثلاثية الأبعاد. استقرت الطفلة الصغيرة في مهدها المعقم المجهز بأحدث أجهزة دعم الحياة داخل الجناح الطبي الملحق بالغرفة، بي

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الثالث والثمانون

    تجمد النبض في عروق البطل وهو يتأمل الهولوغرام المتوهج في عتمة الليل، بينما كانت يد البطلة قمر ترتاح على الوسادة إلى جواره، تنام في سكينة شاحبة تطفح بالبراءة والألم. خاض سبعة أيام كاملة من السير على جمر الترقب واليقظة المطلقة؛ احتفظ بكل تفاصيل التحذير الجيني الجائر في أعماق عواطفه المكتومة، حريصاً على أن يغلف القصر برداء من الفخامة والدفء ليرد إليها روحهما التي انتُزعت في غرف العمليات، متكتماً على الشكوك القاتلة حتى يتيح لجسدها المجهد أن يتعافى من آثار الجراحة القيصرية. وفي اليوم السابع للولادة، وتجسيداً للموروث العائلي الدافئ وسط أسوار الحصن الفولاذي، استحال الجناح الملكي والقاعات السفلية للقصر الرئيسي بالقاهرة إلى مسرح أسطوري لاحتفال عائلي مصغر ومغلق بمناسبة "السبوع"؛ احتفال لم يحضره سوى الصفوة المطلقة من الحراس المخلصين، والقلة القليلة من الأطباء والخدم الذين رضعوا الوفاء لعشيرته منذ العقود الأولى.كانت القاعة الكبرى تزدين بأطواق من الزهور البيضاء النادرة، ويتصاعد في أرجائها عبير البخور الجاوي والعنبر الممزوج برائحة الياسمين البلدي، بينما عكست الثريات الكريستالية الضخمة خيوطاً

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الرابع والثمانون

    سحبها بلمح البصر إلى أحضانه بقوة وجنون، ضاماً جسدها المرتجف إلى صدره الفولاذي حتى كاد يدمج عظامها بضلوعه، ودفن وجهه في منحنى عنقها، يستنشق عبير ياسمينها الدافئ ويتنفس حرارة بشرتها بنشوة وشغف يفيضان بالحرقة والحنان المفرط.أخذ يوزع قبلاته المشتعلة على عنقها، وفكها، ووجنتيها المبتلتين بالدموع، ممرراً يديه الضخمتين على طول ظهرها بحنان تملك عاشقا يسعى لاستعادة أنفاسه من بين يدي الموت. "أنا أخشى عليكِ من الهواء الذي تتنفسينه يا قمر!" همس بصوت يتذبذب بالشجن والدفء العميق، وهو يرفع وجهها بيده الكبيرة، واضعاً إبهامه تحت ذقنها ليلتقي بعينيها المشتعلتين بالحب والتحدي. "أنتِ ونور عينيا الصغير كل ما أملك في هذا العالم المظلم. القتلة والأم والمنظمة ليسوا سوى حشرات أطؤها بقدمي، لكنني لو خسرتُ قطرة دم واحدة منكِ، سأفقد عقلي وأحرق العالم بما فيه!".تشابكت عيناهما في لحظة رومانسية داكنة الشغف؛ اقترب شفتيه من شفتيها الرقيقتين المرتجفتين، وضغط عليهما بقبلة حارة، عميقة، ومترعة بالحب والتملك والانصهار الروحي المطلق. كانت قبلة طويلة يتبادلان فيها الأنفاس، الدموع، والشوق الجارف بعد كل أهوال الولاد

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status