Share

الملاذ والمشرط

Author: Zikostras
last update publish date: 2026-08-21 23:41:13

تسلل الثنائي عبر الأزقة الخلفية المظلمة لمناطق المستودعات، يصارعان الوقت والنزيف الذي بدأ يُنهك جسد زين تدريجياً. كانت خطواته تزداد ثقلاً، وثقله المترامي على كتف ميار يزداد مع كل متر يقطعانه في العتمة، لكن إصرارها المتوقد كان الوقود الوحيد الذي يدفعهما للإمام وسط المطر القارس.

وصلت الخريطة المشفرة بهما إلى مبنى متداعي الواجهة، يعلوه لوح صلب صدئ كُتب عليه بخط باهت: «عيادة بيطرية – مغلق». كان المكان يبدو مهجوراً بالكامل منذ سنوات، لكن بمجرد أن اقتربت ميار وضغطت على مزلاج الباب الخشبي، انفتح ببطء مفسحاً المجال لرائحة مطهرات طبية حادة يختلط بها عبق المطاط والحديد.

من بين ظلال الغرفة الخلفية، برز رجل ستيني بقامة انحنت قليلاً تحت ثقل السنين، يرتدي مئزراً طبياً ملطخاً بآثار محاليل معقمة، ونظارات طبية سميكة تستقر على أنف حدادي. لم تظهر على وجهه أي علامات مفاجأة لرؤيتهما، بل بادر بإغلاق الباب خلفهما فوراً وقفل القفل الحديدي الثلاثي.

"تأخرتما كثيراً..." قال الطبيب العجوز بنبرة جافة وهو يتفحص وجه زين الشاحب. "لو انقطعت الشرايين الفخذية لكان هذا المبنى مقبرتكم الأخيرة."

أسرعت ميار بمساعدة الطبيب لإسناد زين على طاولة الفحص الفولاذية في منتصف الغرفة. أضاء العجوز مصباحاً كشافاً حاد الإضاءةفوق صدر زين، ليتضح حجم الجرح الزائر في خاصرته؛ الدم كان يكسو القميص بالكامل، والجرح يبدو غائراً رغم عدم استقرار الرصاصة.

سحبت ميار نفساً عميقاً، وأمسكت بكتف زين وهي تنظر إلى الطبيب بحدة حذرة: "من أنت؟ وكيف عرفت أمر وصولنا إلى هنا؟"

التقط الطبيب قفازات طبية شفافة وارتداها ببراعة، ثم نظر إليها من فوق نظارته: "اسمحي لي أن أقدم نفسي يا ابنتي... أنا الدكتور 'فاروق'. قبل أن يختفي والدكِ كمال بثلاثة أيام، أتاني إلى هذه العيادة بالذات، وترك لدي شحنة تعقيم طبي وأدوات جراحية، وأخبرني أن يوماً ما سيرد إليّ فيه مهندس شاب وصحفية يحملان جراحاً لا تستطيع المستشفيات العامة علاجها دون إبلاغ الشرطة."

اتسعت عينا ميار بصدمة جديدة، بينما أطلق زين زفيراً حاداً من ألم ضغط القفازات على حافة الجرح.

"والدكِ لم يكن يحسب خطواته فقط يا ميار..." واصل فاروق وهو يلتقط إبرة بنج ومشرطاً معقماً من صينية معدنية. "كان يعلم أن النظام الذي أوجدوه سينقل المعركة إلى الشوارع. والان، احسكي يد هذا الشاب جيداً، لأن البنج الموضعي لن يخمد ألم تنظيف الانسجة التالفة كلياً."

أقتربت ميار من زين وضغطت على يده بكلتا يديها. التقت عيناهما في ضوء المصباح الأبيض؛ كانت عيناه الرماديتان تعكسان معركة مع الألم، لكن قبضة يده الباردة ردت على قبضتها بثبات دافئ.

"افعل ما عليك يا دكتور..." قال زين بنبرة حازمة رغم وهن جسده. "ليس لدينا وقت لنضيعه في الاستراحة."

بدأ فاروق عمله المتقن بمهارة جراح سابق. كان صوت احتكاك الأدوات المعدنية وامتصاص الشاش للدماء هو الصوت الوحيد الذي يقطع سكون العيادة، مع أصوات المطر المستمرة بالخارج. كانت ميار تتأمل وجه زين المائل للبياض، ومسحه للعرق الذي يتقاطر من جبينه دون أن يصدر منه سوى أنين مكتوم بين الفينة والأخرى.

بعد أربعين دقيقة من التوتر المتواصل، وضع فاروق الضمادة الأخيرة على جرح زين وأحكم ربط الحزام الطبي حول خاصرته. أخرج زجاجة مقوي حيوي وأعطاها لزين ليجرعها دفعة واحدة.

"الرصاصة لم تلمس الأعضاء الحيوية،" قال فاروق وهو يخلع قفازاته. "لكنك بحاجة إلى أربع وعشرين ساعة من السكون لضمان عدم انفتاق الخياطة."

جلس زين ببطء على حافة الطاولة، وسحب قميصه النظيف الذي قدمه له فاروق، ثم التفت نحو ميار وأخرج هاتفه المشفر المربوط بالقرص الصلب: "لا نملك أربع وعشرين دقيقة، ناهيك عن ساعات."

أخذ زين القرص الصلب من جيب ميار، ووصله بجهاز قراءة صغير استخرجه فاروق من درج سري أسفل مكتبه. أضاءت شاشة هاتف زين بلون أخضر براق، وظهرت واجهة طلب بصمة صوتية وشفرة أبجدية معقدة.

نظر زين إلى ميار وأشار إلى الشاشة: "الدور دوركِ الآن يا ميار... هذا المفتاح لا ينفتح برمز برمجي. إنه ينتظر النبرة والأثر اللذين تركهما والدكِ في ذاكرة هذا القرص."

تقدمت ميار نحو الشاشة المضيئة، ونبضات قلبها تتصاعد في أذنيها. وضعت يدها فوق المستشعر، واستجمعت شتات صوتها المرتجف لتنطق بالعبارة التي كانت ترددها لوالدها دائماً في صغرها:

"الحقيقة لا تخشى الظلال."

صمت الجهاز لثانية كاملة... ثم تحول الضوء الأحمر على الشاشة إلى أخضر ساطع، وبدأ مكبر الصوت المصغر بث تسجيل صوتي دافئ وبطيء، أنعش روح ميار وأعاد إليها حشرجة صوت والدها التي غابت لسنوات:

«ميار... إن كنتِ تستمعين إلى هذا التسجيل الآن، فهذا يعني أن زين يمر بنفس الخطر الذي واجهته، وأنكِ أصبحتِ الجزء الأخير من هذه المعادلة. الملفات التي بين أيديكما تحوي قائمة بأسماء أعضاء 'مجلس الأطياف'، والرمز المفتاحي لتعطيل سيرفرهم الرئيسي القابع تحت مبنى البنك المركزي... لا تصدقا أحداً في جهاز الأمن، فالمعركة أعمق مما تتخيلان.»

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أطياف خاملة (Idle Shadows)   أبعاد الحقيقة

    انساب ضباب الخريف الرقيق فوق خليج العاصمة، ليرسم لوحة رمادية ساحرة تتداخل فيها أنوار الميناء البعيدة مع المبانِي ذات الطراز الحديث والقديم الممتدة على طول الشريط الساحلي. كان الصباح الباكر يبعث على الهدوء والسكينة، وحركة المرور على الكورنيش العريض انسابت بسلاسة، خالية من تلك المواكب الأمنية الطارئة وسيارات الإسعاف التي كانت تمزق الهدوء في سنوات المطاردة السوداء.داخل القاعة الرئيسية للتطوير في "مركز الفجر للحلول والأمن الرقمي الأخلاقي"، كان هناك أكثر من عشرين شاباً وشابة من خريجي كليات هندسة الحاسوب والإعلام الاستقصائي يلتفون حول طاولة تفاعلية عملاقة. كانت الشاشة تعكس تحليلاً مباشراً للثغرات الرقمية ومحاكاة لهجمات سيبرانية معقدة، بينما كان زين يقف عند رأس الطاولة يشرح لهم بأسلوبه الرزين والمركّز كيفية بناء خوارزميات الوقاية والتحصين.كان زين يرتدي سترة قطنية كحيلة بسيطة، وعلى الرغم من السنوات التي مرت واندشال آثار الجراح الجسدية من خاصرته كلياً، إلا أن نظراته الرماديتين كانتا تعكسان نضجاً مبرمجاً خاض أعتى الحروب الرقمية، ليتحول من فار في الظلال إلى منارة توجيه وإرشادي للأجيال الصاعدة.

  • أطياف خاملة (Idle Shadows)   ظلال في ذاكرة النور

    انقضت أسابيع قليلة على اعتماد المنظومة السيادية الجديدة لحماية البيانات الوطنية، وكان خريف العاصمة يتسلل بهدوء عبر أوراق أشجار الدلب المتساقطة على طول الكورنيش المحاذي للمركز. في الطابق العلوي لـ "مركز الفجر للحلول والأمن الرقمي"، كانت قاعة التحليلات الاستقصائية تضج بحيوية هادئة ونظام دقيق؛ حيث يعكف المطورون والباحثون الشباب على اختبار الثغرات وتطوير خوارزميات التشفير الأخلاقي، مستندين إلى الإرشادات الميدانية التي صاغها زين والتأطير الصحفي والإسناد الحقوقي الذي قادته ميار.جلس زين في مكتبه المطل على الخليج، يراجع التقارير الفنية الدورية الصادرة عن وحدات الأمان الخارجية. ورغم الصمت والسكينة اللذين يحيطان بالمكان، كانت عيناه الرماديتان تتفحصان السطور البرمجية بحس متيقظ لا يغفل؛ فقد علّمته التجارب القاسية في ممرات البنك المركزي وقبو المنارة الشمالية أن الحفاظ على النور واستدامة العدالة يتطلبان يقظة مستمرة لا تقل أهمية عن معركة استرداد الحقوق ذاتها.انفتح باب المكتب بهدوء، ودخلت ميار تحمل في يدها ملفاً ورودياً مغلفاً بعناية، وإلى جانبه نسخة أولى مطبوعة من كتابها الاستقصائي الجديد الذي يعث

  • أطياف خاملة (Idle Shadows)   أفق ممتد

    مرت سنتان كاملتان على إغلاق ملف "الأطياف" نهائياً وإحالة بقايا مجالس الظل إلى محاكمات علنية غيرت شكل الخريطة القضائية في البلاد. في الضاحية الهادئة المحاذية للهضاب الخضراء عند أطراف العاصمة، كان مقر "مركز الفجر للحلول والأمن الرقمي الأخلاقي" يقبع في مبنى حديث ذي واجهات زجاجية واسعة تطل على خليج البحر الممتد، مستقبلاً أنوار الصباح الباكر بكثير من الحياة والنشاط.داخل المكتب الرئيسي في الطابق الثاني، كان زين يجلس أمام منصة عمل متطورة تضم ثلاث شاشات عرض عريضة، يتابع بتركيز ورزانة سير بروتوكولات التشفير الوقائية التي طوّرها لفائدة المنصات الصحفية المستقلة وجمعيات حماية حقوق البيانات. كانت ملامحه تنبض بنوع من القوة الصافية؛ فقد غادرت عينيه الرماديتين تلك النظرة الحذرة والمتوجسة، واستبدلت بها نظرة قائد واثق يدرك قيمة رسالته ونبل الغاية التي ناضل لأجلها.انفتح الباب الزجاجي للمكتب ببطء، ودخلت ميار وهي تحمل ملفات رقمية حديثة وتقرير استقصائي مطبوعاً بصورة أنيقة. كانت ترتدي بدلة رسمية بيضاء تعكس نضجها وتألقها كمديرة لقسم الأبحاث والتحقيقات في المركز، بينما أصبحت مقالاتها وحواراتها المتلفزة مرجع

  • أطياف خاملة (Idle Shadows)   ميثاق البحر

    انساب ضوء الصباح الدافئ فوق سطح المياه الشمالية الساكنة، ليحول رذاذ البحر المتطاير حول الجرف الصخري إلى شلالات مصغرة من الألوان المتألقة. كانت الأنفاس الشديدة والأنين المكتوم لنظام التهوية الاحتضاري داخل البرج قد تلاشت كلياً، ولم يعد يسمع في الأرجاء سوى صرير الأبواب الحديدية التي هزتها رياح الفجر الخفيفة، وصوت تكسر الأمواج المتناغمة مع الهدوء البكر الذي غمر المكان.وقف كمال العلي عند حافة الصخور المرتفعة، يستند بكلتا يديه على عصاه الخشبية، وعيناه النافذتان تتأملان الأفق البعيد حيث تلتقي المياه الأزرية بالسماء الصفاء. كانت تلك اللحظة الأولى منذ سنوات طويلة التي يخرج فيها إلى الضوء الخارجي دون أن يحمل على كاهله ثقل المراقبة الرادارية، أو خشية تسرب الإشارات التي قد تتيح لرجال "طاهر السويفي" تحديد موقعه وتصفيته.وعلى بعد أمتار قليلة، كانت ميار تقف بجوار زين، وقد أزاحت شعرها عن وجهها المجهد لتدع نسمات الهواء الباردة تجفف آثار الدموع التي انهمرت خلال اللحظات الحاسمة داخل المختبر. التفتت ميار إلى زين، ورأت في ملامحه الشاحبة نوعاً من السكينة التامة لم تعهده منذ التقيا في المقهى الماطر؛ لقد زا

  • أطياف خاملة (Idle Shadows)   شفرة المنارة

    تلبد الهواء داخل القاعة الدائرية للمختبر السري المحصن بنوع من الركود المشحون بالقلق والمسؤولية الكبرى، حيث اندمج نفيث مضخات التبريد المائية المنسابة داخل هيكل السيرفر المركزي مع الصوت الخفيض والأحشائي للأمواج البحرية الشمالية التي تتكسر بعنف قسري على السور الصخري الخارجي للبرج. كانت الأضواء الغائرة في السقف البيطوني تعكس شحوباً ناصعاً على وجوه الثلاثة، مجسدة تداخل الماضي القاسي مع الحاضر الحاسم الذي لا يحتمل أي هامش للخطأ أو التردد.وقف كمال العلي أمام اللوحة الرقمية التفاعلية الملحقة بالسيرفر المائي، ونزع نظارته ذات الإطار النحاسي ليمسحها بطرف معطفه الصوفي ببطء، في محاولة لاسترجاع رباطة جأشه بعد الصدمة العاطفية التي أحدثها لقاؤه بابنته ومساعده القديم. كانت أصابعه المرتجفة تكشف عن ثقل الاعوام الخمسة التي قضاها معزولاً في هذا البرج الموحش، يتغذى على الأمل الباهت ويراقب تحركات "مجلس الأطياف" عبر خطوط تتبع معقدة لا يعلم عنها أحد.على الجانب الآخر، كان زين يلتف حول الطاولة الفولاذية المجاورة للوحة التحكم، وعيناه الرماديتين تتابعان الخطوط البرمجية المتسارعة التي تتدفق باللون الأخضر والأحمر

  • أطياف خاملة (Idle Shadows)   حقيقة المخرج

    وقفت ميار متصنمة في منتصف القاعة الدائرية للمختبر السري، تتجاذبها أمواج متلاطمة من المتناقضات الحادة والتحولات النفسية العاصفة؛ بين الفرح الجارف والذهول المطلق لرؤية والدها حياً يرزق أمام عينيها، وبين مرارة الخديعة القاسية والشعور بالتضليل الذي عاشت تحته طوال ثلاث سنوات عافتها فيها راحة البال. كانت أنفاسها تتصاعد وتتردد بشكل متسارع في هواء القبو الجاف والمكيف، بينما ساد سكون مريب وخانق في أرجاء المكان، لا يقطعه إلا النفيث المنتظم والرتيب لأجهزة التبريد المائية الملحقة بالخوادم المضيئة، وصوت الهزيم الهادئ لموجات البحر الشمالي العاتية التي تواصل اصطدامها الشديد بالصخور السوداء للبرج الخارجي.أما زين، فقد خفض مسدسه الفولاذي ببطء شديد وبحذر متأمل، وعيناه الرماديتان الحادتان تتفرسان بتركيز عميق في ملامح أستاذه ومدربه القديم. كان يرى أمامه الرجل العبقري الذي علمه قواعد البرمجة الأولى ورموز التشفير المعقدة في بداية مسيرته، لكنه رأى أيضاً المهندس الذي ترك ابنته الوحيدة تقتحم الخطوط الأمامية، وتواجه فوهات الأسلحة الأوتوماتيكية، وتنزف الدماء الزكية في الممرات الخرسانية المظلمة للبنك المركزي دون

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status